المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب بيعالمرابحة والمواضعة والتولية والإقالة - تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة - جـ ٤

[ابن عثيمين]

الفصل: ‌باب بيعالمرابحة والمواضعة والتولية والإقالة

هذا على القول الثاني عن الإمام أحمد في صحة البراءة من المجهول وهذا التخريج غير صحيح لأن البراءة من المجهول دين على شخص غير معلوم فإذا قال المدين للدائن أبرئني من الدين قال أنت بريء فقلنا للدائن هل تعلم قدر الدين؟ قال لا أعلم لكن حتى لو كان مائة ألف أو مائة ريال فأنا قد أبرئته فهذه المسألة ليس فيها معاوضة فالإبراء من الدين ليس فيه معاوضة وأما مسألة العيب في المبيع فهي معاوضة فالتخريج هنا غير صحيح فالإبراء من

المجهول جائز لأن الحاجة تدعو إليه وفيه خير في الواقع لأن المبرئ محسن والمبرأ محسن إليه ليس فيه معاوضة إطلاقاً فيقاس هذا على هذا ليس بصحيح.

القارئ: وإن قلنا بفساد الشرط فالبيع صحيح لأن ابن عمر باع بشرط البراءة فأجمعوا على صحته ويتخرج فساده بناءً على الشروط الفاسدة.

الشيخ: لكن الصحيح أن البيع صحيح لكنه لا يبرأ من العيب وعلى المذهب يقولون لو تم البيع ثم قال البائع يا فلان أنا أخشى أن تجد فيه عيباً فأبرئني فقال أبرئتك من العيوب فإن هذا صحيح وذلك لأنه أبرئه بعد تمام العقد فكأنه إبراء من دين بمعنى أنه بعد أن تمت المعاوضة أبرئه فكأنه إبراء من دين ولكن القول الراجح ما أنه متى كان البائع عالماً بالعيب فإنه لا يبرأ منه سواء أبرئه قبل العقد أو مع العقد أو بعد العقد.

‌باب بيع

المرابحة والمواضعة والتولية والإقالة

الشيخ: بقي عليه رحمه الله بيع التخبير بالثمن لكن التخبير بالثمن في الواقع يدخل في التولية أو المرابحة أوالمواضعة.

القارئ: بيع المرابحة أن يخبر برأس ماله ثم يبيع به وبربح فيقول رأس مالي فيه مائة بِعْتُكَهُ بها وربحِ عشرة فهذا جائز غير مكروه لأن الثمن معلوم وإن قال بعتك بها وربح درهمٍ في كل عشرة أو قال ده يازده أو ده درازده.

الشيخ: الظاهر أنها لغة فارسية تعني العشرة أثني عشر (1).

(1) تنبيه (بعد أن سأل الشيخ أحد الطلبة الذين يعرفون اللغة الفارسية).

ص: 361

القارئ: فهو صحيح أيضاً جائز غير مكروه لأن الثمن معلوم فهي كالتي قبلها لكن كره أحمد لأن ابن عمر وابن عباس كرهاه لأنه بيع الأعاجم ولأن الثمن قد لا يعلم في الحال.

الشيخ: بيع المرابحة له صورتان الصورة أن يقول اشتريته بمائة وبيعتكه بمائة وعشرة أو بمائة وربح عشرة هذا ل إشكال فيه أنه جائز لأن الثمن معلوم والربح معلوم أو يقول اشتريته بمائة وبِعْتُكَه بعشرة بالمائة هذا أيضاً جائز أما قول ده يازده أو ده درازده وما أشبهها فهذه كرهها الإمام أحمد لأنه تشبه الربا ومنه قول إخواننا هنا بعتك إياه العشرة أحدى عشر أو العشرة أثنى عشر أو الشعرة خمسة عشر هذا أيضاً مكروه لأنه يشبه بيع الدراهم بالدراهم مع الزيادة ولهذا كرهه ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما وهذه في الصورة الثانية أن يقول بعتكه العشرة بأحد عشر أو خمسة عشرة وما أشبهها بل قل بعتكها بعشرة

والربح ريال بدل أن تقول عشرة أحد عشر حتى أنه في إحدى الروايات عن أحمد في هذه المسألة أن تقول بعتك العشرة أحد عشر حرام.

السائل: هل التحفظ على الصيغة فقط في قولهم (العشرة أحدى عشر)؟

الشيخ: لا لأنها تشبه الربا العشرة أحدى عشر يعني كأني بعتك عشرة بأحدى عشر.

السائل: لكن المنع هل هو من جهة الصيغة فقط؟

الشيخ: المنع من جهة الصيغة ومن الجهة اللغة أيضاً.

فصل

القارئ: ولا يخبر إلا بما يلزم من الثمن وما يزاد فيه مدة الخيار يخبر به لأنه من الثمن وما حط عنه في الخيار نقصه لذلك وما كان بعد لزوم العقد لا يخبر به لأنه تبرع من أحد المتعاقدين لا يلزمه فلم يخبر به كما لو وهبه شيئا.

ص: 362

الشيخ: هذه المسألة إذا باع بالتخبير بالثمن فلابد أن يذكر ما يزاد في الثمن وما ينقص منه فمثلاً إذا اشتراها بمائة وجعل الخيار للبائع لمدة يومين ثم جاء البائع وقال أنا ندمت وأريد أن تكون بمائة وعشرة فهنا إذا أراد المشتري أن يبيع بالتخبير بالثمن لا يقول المشتري هي علي بمائة وعشر بل يقول هي بمائة ثم زاد البائع عشرة لأن هذا أقرب إلى الصدق والأمانة وكذلك لو أنه اشتراه بمائة وجعل لنفسه الخيار ثم ذهب إلى البائع وقال إني أريد أن تكون بثمانين وإلا أردها عليك قال البائع هي بثمانين فلابد أن يذكر المشتري النقص فلا يقول إن اشتريتها بمائة فخذها بمائة بل لابد يقول اشتريتها بمائة ثم حُطَّ من الثمن عشرون أما لو كان بعد لزوم البيع بعد أن اشتراها بمائة وتم البيع والخيار ثم أتاه البائع وقال يا فلان لنظر لحالك ولمحبتي لك ولصداقتك عندي أجعلها عليك بثمانين فهنا إذا باعها المشتري بالثمن لا يحتاج أن يقول إن اشتريتها بمائة ثم حط منه عشرات لماذا؟ لأن التنزيل كان بعد تمام البيع ولزومه فلا يلزمه أن يخبر به، أما لو كان هذا قبل لزوم البيع فإنه لا يجوز أن يقول اشتريته بمائة إلا إذا قال ولكن نقصت الثمن إلى ثمانين وهل يقول إني اشتريتها بثمانين رأساً إذا نقص الثمن لا يقول بل لابد أن يخبر بالواقع وكل هذا تحرياً للصدق واجتناباً للكذب وإلا إذا قال تحصلت عليها بثمانين فليس هناك ضرر على المشتري الآخر.

القارئ: وإن نمت العين ولم يزد على رأس المال فإن كان النماء منفصلاً لم تنقص به العين فله أخذه ويخبر برأس المال لأنه في مقابلة العين دون نمائها وعنه أنه يبين ذلك لأنه أبعد من اللبس.

ص: 363

الشيخ: هذه واضحة مثلاً اشترى شاة بمائة ثم حملت ووضعت فمعلوم أن قيمة الشاة مائة ولم تنقص ولم تزد بعد الولادة فهل يقول هي عليَّ بمائة ولا يذكر النماء أو لابد أن يذكر النماء؟ الصحيح أنه لا يجب أن يذكر النماء لأن هذا النماء بعد لزوم العقد فهو له فله أن يقول هي علي بمائة وإن لم يذكر نمائها ومثله

أيضاً مثل نماء الولادة لو حلبها وباع حليبها واستفاد منه فإنه لا يلزمه أن يخبر بهذا لأن الثمن في مقابلة العين كما قال المؤلف لكن قوله (وعنه) أي عن الإمام أحمد (أنه يبين ذلك لأنه أبعد من اللبس) والصواب أنه لا يلزمه أن يبين.

القارئ: وإن عمل في العين عملاً من قصارة أو خياطة أو حمل أخبر بالحال على وجهه سواء عمله بنفسه أو بأجرة قال أحمد يبين ما اشتراه به وما لزمه.

الشيخ: ولهذا كان بيع المساومة أهون من بيع المرابحة والتولية والتخبير فبيع المساومة في الحقيقة تبرأ به الذمة فيخرج البائع السلعة في السوق ويقول من يسوم سواء اشتراها بكثير أو بقليل وسواء نمت أو لم تنم فالمساومة أسهل من المرابحة لكن إذا كان الإنسان يريد أن يبيع بالمرابحة فلابد أن يبين هذه الأمور.

القارئ: فإن ضم إلى ذلك رأس المال وأخبر أنه اشترى به لم يجز لأنه كذب وإن قال تحصل علي بكذا لم يجز فيما عمله بنفسه لأنه كذب وجاز فيما أستأجر عليه في أحد الوجهين لأنه صادق والآخر لا يجوز وهو ظاهر كلام أحمد لأن فيه تلبيسا فلعل المشتري لو علم الحال لم يرغب فيه لكون ذلك العمل مما لا حاجة به إليه فأشبه ما أنفق عليه في مؤنته وكسوته فإنه لا يجوز الإخبار به وجهاً واحدا وكذلك كري مخزنه وحافظه إلا أن يخبر بالحال على وجهه فإن ذلك لا يزيد في ثمنه.

الشيخ: كل هذا من باب التحري في الصدق ولهذا قلنا إن بيع المساومة أسهل وكيفيته أن يخرج السلعة إلى السوق ويقول من يسومها.

فصل

ص: 364

القارئ: فإن نقص المبيع لمرض أو تلف جزء أو تعيب أو وجد به عيبا أو جني عليه فأخذ أرشه أخبر بالحال على وجهه وقال أبو الخطاب يحط الأرش من الثمن ويخبر بما بقي فيقول تقوم علي بكذا والأول أولى لأنه أبعد من اللبس والفرق بين الأرش والكسب أما الأرش عوض ثمن فهو كثمن جزء بيع منه والكسب لم ينقص به المبيع.

السائل: لو أنه أنقص بعد تمام العقد من الثمن وذلك أنه رأى أنه مغبون هل يلزمه أن يبين ذلك عند البيع؟

الشيخ: إذا رأى المشتري أنه مغبون حقيقة فيجب أن يبين فيقول اشتريته بمائة ثم بعد لزوم العقد تبين أني مغبون فطلبت من البائع أن ينزل فَنَزَّل فلابد أن يبين ولهذا مسألة البيع بالتولية شديد.

السائل: لو أراد أن يبيع السيارة مساومة فهل يلزمه أن يقول السيارة صدمت من هذا الباب وصدمة متوسطة صدمة من الخلف صدمة خفيفة وهكذا أم لا يلزمه؟

الشيخ: أما إذا كان أثر الصدم ظاهر لا يخفى فلا يلزمه أن يبين وأما إذا كان يخفى فيلزمه أن يبين لأنه أحياناً قد تكون الصدمة خفيفة ويكون المهندس جيداً فلا تجد على السيارة شيئاً فيجب أن يبين لأن الصدمة مهما كانت لابد أن تنقص القيمة.

السائل: في بيع التولية هل في جميع الصور يلزمه أن يبين قبل تمام البيع؟

الشيخ: كل ما لزم من زيادة أو نقص قبل تمام البيع لابد أن يبينه.

القارئ: لو جنى العبد ففداه المشتري لم يزد ذلك من رأس المال لأنه ليس من الثمن ولا زاد به المبيع وإن نقص المبيع لتغير الأسعار فقال أصحابنا لا يلزمه الخبر به لأنه صادق بدونه والأولى أنه يلزمه لأن المشتري لو علم ذلك لم يرض به فجرى مجرى نقصه بعيب.

الشيخ: هذا الذي قاله المؤلف لا شك أنه هو الصواب مثلاً إذا أشترى سلعة فأول ما تأتي السلعة تكون غالية فاشتراها مثلاً بمائة ثم كثرت في السوق وصارت تساوي خمسين فهنا يجب إذا باعها برأس المال أن يبين ويقول إن اشتريتها بمائة أول ما وردت وهي غالية والآن تساوي خمسين.

ص: 365

القارئ: وإن حط بعض رأس المال وأخبر بالباقي لم يجز لأنه كذب وتغرير بالمشتري.

الشيخ: أقول أين الفقهاء ينظرون بيع الناس الآن.

فصل

القارئ: فإن اشترى اثنان شيئاً وتقاسماه فقال أحمد لا يبيع أحدهما مرابحة إلا أن يقول اشتريناه جماعة ثم تقاسمناه وإن اشترى شيئين بثمن واحد ثم أراد بيع أحدهما أو أشترى شجرة مثمرة فأخذ ثمرتها أو شاة فأخذ صوفها أو لبنها الذي كان فيها.

الشيخ: قوله (لبنها الذي كان فيها) أي حين البيع لأن اللبن الذي يكون من بعد البيع هو من النماء المنفصل فيكون لصاحبها ولا يلزمه أن يخبر به

القارئ: ثم أراد بيع الأصل مرابحة أخبر بالحال على وجهه ولا يجوز بيعه بحصته من الثمن لأن قسمة الثمن طريقه الظن واحتمال الخطأ فيه كثير ومبنى المرابحة على الأمانة فلم يجز هذا فيه فإن كان المبيع مما ينقسم عليه الثمن بالأجزاء كالمكيل والموزون من جنس جاز بيعه بحصته من الثمن لأنه ينقسم على أجزائه وجزؤه معلوم يقينا.

الشيخ: مثل اشترى مائة صاع بر وباع نصفها وهو قد اشتراها بمائة ريال وباع النصف بخمسين ريال فله أن يقول في النصف الباقي إن رأس ماله خمسون.

القارئ: وإن أسلم في ثوبين صفقة واحدة بثمن واحد فأخذهما على الصفة فالقياس جواز بيع أحدهما بحصته من الثمن لأن الثمن منقسم عليهما نصفين وما زاد على الصفة في أحدهما لم يقابله شيء من الثمن فجرى مجرى النماء الحادث بعد الشراء.

فصل

القارئ: فإن اشتراه من أبيه أو ممن لا تقبل شهادته له لم يجز بيعه مرابحة حتى يبين أمره لأنه متهم في حقهم أنه يحابيهم وإن اشتراه من غلام دكانه أو غيره حيلة لم يجز بيعه مرابحة وإن لم يكن حيلة جاز لأنه لا تهمة في حقه.

ص: 366

الشيخ: هذا الفصل ينبغي أن يقال أنه مبني على التهمة لا على القرابة فالإنسان ربما يتهم في صديقة أكثر ما يتهم في أبيه وولده ومعنى ذلك أن الإنسان قد يشتري من صديقة قد يساوي عشرة بعشرين فهو لا يحب أن يتصدق على صديقه مباشرة ولا أن يهبه الهبة مباشرة لكنه اشترى منه سلعة تساوي عشرة بعشرين فهذه محاباة فإذا أراد أن يبيعه مرابحة سيقول اشتريته بعشرين وهو لو اشتراه من غير صدقيه لم يشتريه إلا بعشرة ففي هذه الحال يجب أن يبين فيكون خلاصة هذا الفصل أن الإنسان إذا اشترى ممن يتهم بمحاباته وجب عليه أن يبين لأنه أحياناً يكون بينه وبين أبيه مشاحة في البيع والشراء بمعنى أنه لا يحابي أباه وأبوه لا يحابيه فحينئذ لا تهمة وأحياناً يكون بينه وبين أخوه إلفة كبيرة فيحابي أخاه فهنا لابد أن يبين.

فصل

القارئ: وإن اشترى شيئاً ثم باعه بربح ثم اشتراه فأعجب أحمد رضي الله عنه أن يخبر بالحال على وجهه أو يطرح الربح من الثمن الثاني ويخبره بما بقي لأن هذا مذهب ابن سيرين ولأن الربح أحد نوعي النماء فيخبر به في المرابحة كالولد والثمرة ولعل هذا من أحمد على سبيل الاستحباب لأنه أبلغ في البيان ويجوز الإخبار بالثمن الثاني وحده لأنه الثمن الذي حصل به هذا الملك فجاز الخبر به وحده كما لو خسر فيها.

الشيخ: مثاله اشترى كتاباً بعشرة وباعه بخمسة عشر فربح خمسة ثم اشتراه ثانية بعشرة فهل يسقط الربح لأن المعقود عليه شيء واحد فيقول إذا أراد أن يبيعه مرابحة اشتريته بخمسة لأنه اشتراه بعشرة ثم باعه

ص: 367

بخمسة عشر ثم اشتراه بعشرة فعلى القول بأنه لابد أن يسقط الربح يقول إذا باعه مرابحة أنه اشتراه بخمسة فيسقط الربح من الثمن الثاني لكن يقول الموفق إن هذا من أحمد على سبيل الاستحباب يعني أنه يخبر ويقول اشتريته بعشرة وبعته بخمسة عشر ثم اشتريته بعشرة وأبيعه عليك مرابحة بعشرة ولكن هذا ليس على سبيل الوجوب فله أن يقتصر على الإخبار بالثمن الثاني فيقول اشتريته ويبيع عليه مرابحة بعشرة لأن هذا هو الثمن الذي حصل به الملك الأخير.

فصل

القارئ: فإن بان للمشتري أن البائع أخبر بأكثر من رأس المال فالبيع صحيح لأنه زاد في الثمن فلم يمنع صحته كالتصرية ويرجع عليه بالزيادة وحظها من الربح لأنه باع برأس ماله وما قدره من الربح فإذا بان رأس المال كان مبيعاً به وبقدره من الربح وإن أختار المشتري رد المبيع فله ذلك نص عليه لأنه ربما كان غرضه الشراء لسلعة واحدة بجميع الثمن وظاهر كلام الخرقي أنه لا خيار له لأنه رضي المبيع بثمن حصل له بدونه فلم يكن له خيار كما لو اشترى معيباً فبان صحيحا فأما البائع فلا خيار له لأنه باع برأس ماله وقدره من الربح وحصل له ما عقد به وفي سائر ما يلزمه الإخبار بالحال على وجهه فلم يفعل يخير المشتري بين أخذه بما اشترى به وبين الفسخ لأنه ليس للمبيع ثمن غير ما عقد به.

ص: 368

الشيخ: مثاله اشترى كتاباً بعشرة وباعه مرابحة وقال للمشتري إنه بأحد عشر الآن هو كذب عليه فهل البيع صحيح أو باطل؟ المؤلف يرى أنه صحيح وللمشتري الخيار إن شاء أخذه بأحد أعشر وإن شاء رده وذلك لأنه دلس عليه وغشه ولهذا قال (يرجع عليه بالزيادة وحظها من الربح في المرابحة _ ثم قال _ نص عليه لأنه ربما كان غرضه الشراء لسلعة واحدة بجميع الثمن وظاهر كلام الخرقي أنه لا خيار له لأنه رضي المبيع بثمن حصل له بدونه فلم يكن له الخيار) يعني أن الخرقي يقول إذا حُطَّ الزائد الذي كذب به البائع فلا خيار له لأنه حصل للمشتري المبيع الآن بثمن أقل فلا خيار له لكن الصحيح أن له الخيار ولو لم يكن من هذا إلا عقوبة البائع الذي كذب وأخبر بأكثر مما اشترى.

القارئ: وإن اشتراه بثمن مؤجل فلم يبين فعنه أنه مخير بين الفسخ وأخذه بالثمن حالا لأن البائع لم يرض بذمة المشتري فلا يلزمه الرضى بها وعنه يخير بين الفسخ وأخذه بالثمن مؤجلا لأنه الثمن الذي اشترى به البائع والتأجيل صفة له فأشبه المخبر بزيادة في القدر وإن علم ذلك بعد تلف المبيع حبس المال بقدر الأجل.

الشيخ: هذا واضح أنه إذا اشتراه بثمن مؤجل وأخبر بالثمن ولم يخبر بالتأجيل فهو لا شك أنه غاش فإذا علم المشتري بالتأجيل فهو بالخيار إن شاء أخذه بالأجل وإن شاء رده لأنه لا شك أنه بالأجل سوف يزيد الثمن فالصحيح أنه له الخيار بين أن يفسخ البيع وبين أن يأخذ بالثمن مؤجلاً لأن البائع في الحقيقة خدعه وغره.

فصل

ص: 369

القارئ: وإن أخبر بثمن ثم قال غلطت والثمن أكثر ففيه ثلاث روايات إحداهن لا يقبل قوله إلا ببينه لأنه مقر على نفسه فلم يقبل قوله في الغلط إلا ببينة كالمضارب يقر بربح والثانية إن كان معروفا بالصدق قبل قوله وإلا فلا لأنه لما دخل معه في المرابحة فقد ائتمنه والقول قول الأمين مع يمينه والثالثة لا يقبل قوله وإن أقام بينة ما لم يصدقه المشتري لإقراره ابتدأً بكذب بينته فأشبه ما لو أقر بدين.

ص: 370

الشيخ: الأقوال ثلاثة القول الأول لا يقبل إلا ببينة والثاني يقبل بدون بينة إذا كان معروفاً بالصدق والأمانة والثالثة لا يقبل ولو ببينة أما كونه لا يقبل إلا ببينة فهذا هو الأصل أن المدعي عليه البينة مثال ذلك باعه الكتاب مرابحة وقال إن ثمنه عشرة ثم عاد وقال إني غلطت والثمن خمسة عشر فإذا قبلنا قوله قلنا للمشتري إما أن تأخذه بخمسة عشر وإما أن ترده لكن هل نقبل قول البائع أولا؟ هذا فيه الروايات الثلاث الرواية الأولى أنه لا يقبل أنه أخطأ إلا ببينة تشهد أن اشتراه بخمسة عشر والرواية الثانية إن كان معروفاً بالصدق قبل قوله وإلا فلا لأن المشتري دخل على أنه أمين لأنه هو الذي قال أخبرني بالثمن فإذا كان هذا المدعي للغلط أميناً قبلنا قوله بلا بينة ووجهه ما ذكره المؤلف أن المشتري الذي قال اشتريته منك بالثمن مع المرابحة قد ائتمنه على ذلك فإذا قال البائع إني غلطت والثمن هو خمسة عشر بدل من عشرة فهو أمين يقبل قوله بلا بينة لكن لابد من اليمن ولو كان معروفاً بالصدق والراوية الثالثة أنه لا يقبل ولو أقام بينة لأنه ابتداءاً يكذبها مثال ذلك قال بعتك إياه بالثمن مرابحة وهو عشرة ريالات ثم عاد وقال إني غلطت والثمن خمسة عشر فقال المشتري أقم بينة فأقام البائع بينة والبينة شهدت أن الثمن كان خمسة عشر يقول المؤلف إنه لا يقبل ولو بالبينة ويأخذه المشتري بعشرة ولماذا لا يقبل مع أنه أقام بينة؟ قال المؤلف لأن كلامه الأول يكذب البينة إذ أن كلامه الأول يقول أنه عشرة والآن يدعي أنه خمسة عشر والبينة تشهد به فهو مكذب وهذه الرواية لا شك أنها ضعيفة جداً لأنه لم يكذب فهو يقول أنا قلت هذا لكني غلطت والغلط وارد على كل إنسان فالصواب أنه إذا كان البائع معروفاً بالصدق والأمانة فإن قوله مقبول لكن بيمينه وحينئذ نقول للمشتري إما أن تأخذه بالثمن الصحيح الذي هو خمسة عشر وإما أن ترده.

ص: 371

السائل: إذا قال البائع للمشتري إذا وجدت السلعة بأقل مما أعطيتك فسوف أعطيكها بأقل مما وجدت؟

الشيخ: هذا لا بأس به على القول الراجح لأنها تؤول إلى العلم.

القارئ: فإن قلنا بقبول بينته فقال المشتري أحلفوه أنه وقت البيع لم يعلم أن ثمنها أكثر فعلى البائع اليمين فإن نكل أو أقر لم يكن له غير ما وقع عليه العقد لأنه عقد بهذا الثمن عالما فلم يكن له غيره كالمشتري إذا علم العيب حال الشراء.

الشيخ: الصواب أنه إذا أقام البائع بينة فإنه لا يُحلَّف إلا إذا جَرَحَ المشتري البينة فله أن يُحلِّفه لأنه يبقى بلا بينة إذا كانت البينة مجروحة أما إذا كانت البينة عادلة فلا حاجة أن يُحَلَّف.

القارئ: وإن حلف خير المشتري بين فسخ العقد لأنه لم يرضه بأكثر مما بذله وبين قبوله مع إعطائه ما غلط به حظه من الربح لأن البائع إنما باعها بهذا الثمن ظناً أنه رأس المال فعليه ضرر بالنقصان منه فإذا أخذها المشتري بذلك فلا خيار للبائع لأنه قد زال عنه الضرر بالتزام المشتري ما غلط به وإن اختار الفسخ فقال البائع أنا أسقط الزيادة عنك سقط الفسخ لأنه قد بذلها له بالثمن الذي وقع عليه العقد وتراضيا به.

الشيخ: هذا صحيح يعني إذا قال البائع للمشتري بعد أن غلط خذها بما اتفقنا عليه وقال المشتري أنا أريد الفسخ فإنه لا يُمَكَّنُ من الفسخ لأن الضرر قد زال لكن إن رأى القاضي أن يُمَكِّن المشتري من الفسخ تأديباً للبائع حيث أُتُّهِم فلا بأس.

فصل

القارئ: وبيع التولية هو البيع بمثل الثمن الذي اشترى به وحكمه حكم المرابحة فيما ذكرنا ويصح بلفظ البيع ولفظ التولية لأنه مؤدٍ لمعناه.

الشيخ: بيع التولية هو البيع برأس المال مثاله اشترى كتاباً بعشرة وقال للآخر بعتك هذا الكتاب تولية أي بعته بعشرة وسمي بذلك لأن المشتري الثاني وَلِيَ المشتري الأول وصار بعده فلذلك سمي تولية.

ص: 372

القارئ: قال أحمد ولا بأس ببيع الرقم وهو الثمن الذي يكتب على الثوب ولابد من علمه حال العقد ليكون معلوما فإن لم يعلم فالبيع باطل لأن الثمن مجهول وقال المساومة عندي أسهل من المرابحة لأن بيع المرابحة يعتبر به أمانة واسترسال من المشتري ويحتاج إلى تحري الصدق واجتناب الريبة وقال في رجلين اشتريا ثوباً بعشرين ثم اشترى أحدهما من صحابه

باثنين وعشرين فإنه يخير في المرابحة بإحدى وعشرين لأنه أشترى نصفه بعشرة ونصفه بأحد عشر.

ص: 373

الشيخ: قوله رحمه الله (لا بأس ببيع الرقم وهو الثمن الذي يكتب على الثوب ولابد من علمه حال العقد) هذه المسألة أختلف فيها العلماء منهم من قال إن البيع بالرقم لابد أن يكون معلوماً قبل العقد وذلك لأن البائع ربما يرقم عليك أكثر من الثمن عشرة مرات فإذا قال أنا أبيعه بالرقم وهو غير معلوم فإنه لا شك أنه يحصل فيه غرر لكن هذا والقول الثاني أنه يجوز البيع بالرقم إذا كان الرقم من جهات مسؤولة كما يوجد الآن في الأدوية فالأدوية مكتوب عليها الثمن والذي كتبها الجهات المسؤولة فليس فيه غرر بخلاف الرقم الذي يضعه البائع فهذا لابد من علمه فصار القول الراجح في هذه المسألة أن الرقم إذا كان موضوعاً من جهات مسؤولة فإنه لا بأس به وأما إذا كان غير موضوع من جهات مسؤولة فإنه لا يصح والفرق ظاهر لأن الرقم إذا كان من جهات مسؤولة فقد أُمِنَ فيه التلاعب وإذا كان من البائع حصل فيه التلاعب فإذا قال بعتك هذا الشيء برقمه وهو مغطى بورقة مثلاً ولا يدري ما هو لا شك أنه غرر عظيم أما إذا كان مرقماً من جهات مسؤولة فهذا أبلغ في طمأنينة المشتري من البيع بالمساومة ولا شك في هذا قوله (المساومة عندي أسهل من المرابحة) وصدق رحمه الله أن المساومة أسهل من المرابحة لأن المرابحة صعبة يحتاج الإنسان أن يبين الثمن ويبين ما حصل من زيادة أو نقص أو ما أشبه ذلك كما سبق في البيع مرابحةً لكن المساومة فيها خطر من جهة أن البائع يزيد في الثمن فيشتريها بمائة ويقول بمائتين وكل واحدة ثمنها لها آفة في الواقع المساومة لها آفة والمرابحة لها آفة أيضاً فالمرابحة ربما يشتريها في زمن الغلاء فإذا باعه مرابحة سيكون الثمن غالياً وإذا كان المساومة ربما أن المشتري لا يشتري إلا بالسعر الحاضر.

القارئ: وقال في رجلين اشتريا ثوباً بعشرين ثم اشترى أحدهما من صحابه باثنين وعشرين فإنه يخبر بالمرابحة بإحدى وعشرين لأنه أشترى نصفه بعشرة ونصفه بأحد عشر.

ص: 374

الشيخ: فالجميع واحد وعشرون وهذا أسهل مما ذكره المؤلف وإلا فعلى قاعدة المؤلف لابد أن يقول في المرابحة اشتريت مع شريكي بعشرين ثم اشتريت نصيب شريكي بإحدى وعشرين.

فصل

القارئ: وبيع المواضعة أن يخبر برأس المال ثم يبيع به ووضيعة كذا أو يقول ووضيعة درهم من كل عشرة وحكمه حكم المرابحة في تفصيله فإذا قال رأس مالي فيه مائة بعتك بها ووضيعة درهم من كل عشرة فالثمن تسعون لأن المحطوط العُشر وعشر المائة عشرة وإن قال بوضيعة درهم لكل عشرة كان الحط من كل أحد عشر درهماً درهما والباقي تسعون وعشرة أجزاء من

أحد عشر جزءاً من درهم لأنه إذا قال لكل عشرة درهم كان الدرهم من غيرها فيكون من كل أحد عشر درهماً درهم وإذا قال من كل عشرة كان الحط منها فيكون عشرها.

الشيخ: هذا يحتاج إلى حُسَّاب وفيه صعوبة ولذلك ينبغي العدول عنها إلى الطريقة الأولى يقول بعتك بها ووضيعة درهم من كل عشرة فإذا كان بوضيعة درهم من كل عشرة نقول ضع عشرة هنا وعشرة هنا وعشرة هنا ثم خذ من كل واحد درهماً فيبقى تسعون ولكن إذا قال وضيعت درهم لكل عشرة أخذ الوضيعة من العشرة الأولى درهم فيبقى تسعة وثمانين ثم ينقص وينقص حتى يظهر الحساب كما قال المؤلف ويحتاج إذا كان هناك حاسب جيد يعرف الجبر والمقابلة يخرجها لنا أو نقول إن هذه معاملة نادرة ونتركها تذهب وأظن أن الثاني أولى.

فصل

القارئ: وإذا اشترى نصف عبد بعشرة واشترى آخر نصفه بعشرين ثم باعاه بثمن واحد مساومة فالثمن بينهما نصفان لأنه عوض عنه فيكون بينهما على حسب ملكيهما فيه وإن باعاه مرابحة فكذلك في إحدى الروايتين لذلك والأخرى هو بينهما على قدر رؤوس أموالهما لأن بيع المرابحة يقتضي كون الثمن في مقابلة كل واحد منهما وقيل المذهب رواية واحدة أنه بينهما نصفان والقول الآخر وجه خرجه أبو بكر.

فصل

ص: 375

القارئ: وإقالة النادم في البيع مستحبة لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من أقال نادماً بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة) أخرجه أبو داود.

الشيخ: إقالة النادم يعني النادم على ما وقع من العقد سواء كان المشتري أو البائع لأن الإنسان قد يبيع الشيء ثم يندم أو يشتري ثم يندم وإقالته يعني موافقته على طلبه الفسخ فإذا جاء البائع بعد البيع وهو نادم على البيع وقال للمشتري أنا بعتك هذا وأنا نادم أطلب منك الفسخ نقول الأفضل للمشتري أن يفسخ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من أقال نادماً) والذي أعرف أن الرواية (من أقال مسلماً بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة) والغالب أنه إذا وقعت الإقالة للنادم أن العاقبة تكون حميدة للمقيل ولهذا بحسب ما تتبعنا من المعاملات أنه إذا وقعت الإقالة صار فيها خير للمقيل فمثلاً إذا جاء المشتري للبائع وقال أنه ندم ويريد من البائع أن يقيله فأقاله فإنه حصلت وقائع كثيرة أن السلعة يزيد ثمنها فيكون هذا الخير للبائع الذي أقالها والعكس بالنسبة للمشتري مع ما فيها من الأجر والإحسان لأخيه.

القارئ: وهي فسخ في أصح الروايتين وعنه أنها بيع لأنها نقل الملك بعوض على وجه التراضي فكانت بيعا كالأول والأول أولى لأن الإقالة في السَّلم تجوز إجماعا وبيع السلم لا يجوز قبل قبضه ولأن الإقالة الرفع والإزالة ومنه أقال الله عثرته وذلك هو الفسخ ولأنها تتقدر بالثمن الأول وتحصل بلفظ لا ينعقد به البيع فكانت فسخاً كالرد بالعيب فعلى هذا تجوز في المبيع قبل قبضه ولا تجب بها شفعة وتتقدر بالثمن ومن حلف لا يبيع فأقال لا يحنث وعلى الأخرى تنعكس هذه الأحكام إلا بمثل الثمن فإنه على وجهين أصحهما أنها تتقدر به لأنها خصت بمثل الثمن كالتولية فإن أقال بأكثر منه لم يصح وكان الملك باقياً للمشتري لأنهما تفاضلا فيما يعتبر فيه التماثل فلم يصح كبيع درهم بدرهمين.

ص: 376

الشيخ: الإقالة أن أحد المتبايعين يندم فيطلب من صاحبه فسخ البيع وحَلَّهُ فهل يعتبر هذا بيعاً ويعتبر فسخاً؟ الصواب بلا شك أنه فسخ ولهذا المؤلف رحمه الله استدل بالإجماع على جواز الفسخ بالسلم ولو كان بيعاً لم يجز وعلى هذا ينبني مسائل المسألة الأولى أنها تحصل بلفظ لا ينعقد به البيع فإن المقيل يقول للآخر أقلتك ولا يقول بعتك وكل منهما يعتقد أن المسألة ليست نقل ملك إلى ملك وإنما هي تشبه الإبراء، والثانية أنها تجوز في المبيع قبل قبضه وقد سبق لنا أنه لا يجوز بيع الشيء إلا بعد القبض والإقالة تجوز قبل القبض وأيضاً لا تجب بها شفعة ففي الملك المشترك بين رجلين إذا باع أحدهما نصيبه على ثالث فللآخر الذي لم يبع أن يأخذ هذا النصيب بالشفعة لأنه بيع لكن لو كانت إقالة بأن باعه نصيبه ثم جاء المشتري للذي باع عليه نصيبه وقال إني ندمت وأريد أن تقيلني فأقاله فحينئذ يرجع هذا النصيب المبيع للبائع الأول الذي هو الشريك فهل لشركيه أن يأخذه بالشفعة لأنه انتقل إليه من المشتري؟ الجواب لا لأن هذا ليس ببيع، قوله (وتتقدر بالثمن الأول) المعنى أنه إذا أقاله فإنه لا يأخذ منه شيئاً فمثلاً إذا اشترى هذا الكتاب بعشرة ثم جاء المشتري للبائع وقال له يا فلان أنا ندمت أريد أن تقيلني فقال البائع أنا ما عندي مانع أقيلك لكن بدرهم فأرد عليك تسعة وآخذ درهم فهل هذا يجوز أو لا يجوز؟ يقول المؤلف إنه لا يجوز ولو كان بيعاً لجاز أن يبيع بأكثر من الثمن وأقل من الثمن لكن هذه المسألة فيها خلاف يعني هل تجوز الإقالة بأكثر من الثمن أو لا تجوز؟ والصواب أنها تجوز لأن محذور الربا فيها بعيد جداً والمقيل ليس يريد أن يتحيل على هذه الإقالة بأن يأخذ عشرة بتسعة أو بالعكس كما قال هذا ابن رجب رحمه الله في قواعده أن محذور الربا فيها بعيد وعمل الناس اليوم على الربح يعني كثيراً ما يأتي المشتري للبائع يقول أنا ندمت أقلني فيقول البائع لا أقيلك إلا بكذا

ص: 377