الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الهدي
القارئ: يستحب لمن أتى مكة أن يهدي لأن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى في حجته مائة بدنة رواه البخاري ولم يقل في حجته ويستحب استسمانها واستحسانها لقول الله تعالى (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) قال ابن عباس هو الاستسمان والاستحسان والاستعظام وأفضل الهدي والأضاحي الإبل ثم البقر ثم الغنم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة) متفق عليه.
الشيخ: هذا الحديث فيه دليل على أنه لا يحصل على هذا الأجر إلا إذا اغتسل وقوله (غسل الجنابة) المعنى كما يغتسل للجنابة وليس من شرطه أن يكون الغسل عن جنابة وقوله (ثم راح) المراد بالرواح هنا مجرد الذهاب وليس الذهاب بعد زوال الشمس لأن الذهاب بعد زوال الشمس لا يتضمن هذه الساعات الخمس بل هو قليل جدا إذ أن يوم الجمعة كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يبرد فيها بل يصليها من حين أن تزول الشمس وربما صلاها قبل أن تزول.
وجه الاستدلال من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الإبل للأسبق ويليها البقر ويليها الغنم إلا أن بعض أهل العلم قال في العقيقة إن الأفضل فيها الغنم لأن هذا هو الوارد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكن المؤلف ما تكلم على العقيقة وربما يتكلم عليها في موضعها.
السائل: إذا أحصر عن الواجب فما هو الحكم؟
الشيخ: إذا أحصر عن الواجب فالأمر سهل يذبح دماً ويوزعه على الفقراء وينجبر بذلك حجه.
فائدة: التقديم هنا الإبل ثم البقر ثم الغنم فيما إذا أخرج كاملا أما الغنم فالواحد منها أفضل من سبع البدنة.
القارئ: ويجوز للمتطوع أن يهدي ما أحب من كبير الحيوان وصغيره وغير الحيوان استدلالا بهذا الحديث إذ ذكر فيه الدجاجة والبيضة.
الشيخ: يعني هدي التطوع لك أن تهدي ما شئت صغيرا كان أم كبيرا من بهيمة الأنعام أو من غيرها حتى من الطعام واستدل المؤلف رحمه الله بهذا الحديث فإن الدجاجة والبيضة ليست من بهيمة الأنعام والمقصود بالهدي هو نفع الفقراء في مكة.
القارئ: والأفضل بهيمة الأنعام لأن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى منها فإن كانت إبلا سن إشعارها بأن تشق صفحة سنامها اليمنى حتى يسيل الدم ويقلدها نعلا أو نحوها لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بذي الحليفة ثم دعا ببدنه فأشعرها في صفحة سنامها اليمنى وسلت الدم عنها بيده رواه مسلم.
الشيخ: أولا كيف تشعر وفي ذلك إيلام لها؟ والجواب عن ذلك أن يقال هذا الإيلام فيه مصلحة تربو على مفسدته وهو إظهار الشعائر لأن هذه الناقة أو هذا البعير إذا مر من عند الناس وقد أشعر علم أنه هدي فكان في ذلك إظهار للشعيرة.
ولماذا قلد النعال والخرق البالية وما أشبه ذلك؟ الجواب ليعلم أن هذا من نصيب الفقراء فهم اللذين يلبسون النعال المقطعة والثياب المرقعة فيعلم الناس أن هذا من نصيب الفقراء فإن قال قائل أفلا يخشى أن يكون في ذلك رياء؟
قلنا خشية الرياء ترد على كل عبادة والإنسان المؤمن إذا أشعرها اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم لتعظيم شعائر الله خلا قلبه من الرياء.
وفي هذا الحديث أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم سلت الدم عنها بيده فهل في ذلك دليل على طهارة الدم؟
هناك احتمال أن يكون الدم طاهرا لأنه لم يذكر أن الرسول غسل يده ولكن غسله يده وارد بلا شك وهناك احتمال أنه يعفى عن يسير الدم كما عليه الجمهور وإلا فهو نجس لا شك فإن كل دم يخرج من حيوان ميتته نجسة فهو نجس وخرج بقولنا ميتته نجسة ما ميتته طاهرة كالسمك إلا أنه يستثنى من هذا الآدمي فإن ميتته طاهرة ودمه نجس على رأي الجمهور لكن لو قال قائل ما هو الدليل على استثناء الآدمي؟
فإذا كانت ميتة الآدمي طاهرة فليكن دمه طاهر وإذا كان ما أبين من الآدمي من الأجزاء طاهرا فليكن الدم كذلك طاهراً على كل حال هذه مسألة بحثناها في باب إزالة النجاسة لكن هذا الحديث لا يدل على طهارة هذا الدم لوجود الاحتمالات وما وجد فيه الاحتمال سقط به الاستدلال على عين المسألة التي هي أحد الاحتماليين وليس المعنى أنه يسقط الاستدلال به مطلقا وإلا فقد يكون هناك أدلة تعين أحد الاحتماليين فلا يبقى النص مجملا.
القارئ: ولأنها ربما اختلطت بغيرها أو ضلت فتعرف بذلك فترد وإن كانت غنما قلدت آذان القرب والعرى لقول عائشة كنت أفتل القلائد للنبي صلى الله عليه وسلم فيقلد الغنم ويقيم في أهله حلالًا أخرجه البخاري ومسلم نحوه، ولا يشعرها لضعفها ولأنه يستتر موضع الإشعار بشعرها وصوفها.
الشيخ: بشعرها إن كانت معزاً وصوفها إن كانت ضأناً وهذا تعليل صحيح ويكفي في ذلك السنة أنها لم ترد بإشعار الغنم لكن تقلد ما ذكره من آذان القرب.
فصل
(في شرائط وجوب الهدي)
القارئ: ولا يجب الهدي بسوقه مع نيته كما لا تجب الصدقة بالمال بخروجه به لذلك ويبقى على ملكه وتصرفه ونماؤه له حتى ينحره وإن قلده وأشعره وجب بذلك كما لو بنى مسجدا وأذن للصلاة فيه وإن نذره أو قال هذا هدي أو لله وجب لأنه لفظ يقتضي الإيجاب فأشبه لفظ الوقف.
الشيخ: هذه المسألة بماذا يتعين الهدي؟ يتعين الهدي بفعل ما يدل عليه من إشعار أو تقليد ويتعين باللفظ بقوله هذا هدي أو لله أو نحو ذلك ويتعين بالذبح إذا ذبحه مع نيته صار هديا.
أما شراؤه مع النية فإنه لا يتعين به مثلا إنسان اشترى من السوق شاة يريدها هديا فإنها لا تكون هديا وله إبدالها وبيعها والتصرف فيها ونماؤها له لأن مجرد النية لا يتعين به الهدي كما لو أخذ دراهم معينة يريد أن يتصدق بها فإنها لا تكون صدقة وكما لو بنى بيتا يريد أن يوقفه ولكنه لم يقل هذا وقف فإنه لا يكون وقفا.
القارئ: وله ركوبه عند الحاجة من غير إضرار به لأن أبا هريرة روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال اركبها فقال يا رسول الله إنها بدنة فقال اركبها ويلك في الثانية أو في الثالثة متفق عليه وفي حديث آخر قال اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا رواه أبو داود فإن نقصها الركوب ضمنها لأنه تعلق حق غيره بها وإن ولدت فولدها بمنزلتها يذبحه معها لما روي أن علياً رضي الله عنه رأى رجلا يسوق بقرة معها ولدها فقال لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها فإذا كان يوم النحر فانحرها وولدها ولأنه معنى تصير به لله تعالى فاستتبع الولد كالعتق وله أن يشرب من لبنها ما فضل عن ولدها لحديث علي ولقول الله تعالى (لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً) ولا يجوز أكثر من ذلك للخبر ولأن اللبن غذاء الولد فلا يجوز منعه منه كما لا يجوز منع الأم علفها فإن لم يمكنه المشي حمله على ظهرها لأن ابن عمر كان يحمل ولد البدنة عليها فإن لم يمكنه حمله ولا سوقه صنع به كما يصنع بالهدي الذي يخشى عطبه وإن كان عليها صوف في جزه صلاح لها جزه وتصدق به لأنها تسمن بذلك فتنفع المساكين وإن لم يكن في جزّه صلاح لم يجز أخذه لأنه جزء منها وينفع الفقراء عند ذبحها وإن أحصر نحره حيث أحصر لأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هديه بالحديبية وإن تلف من غير تفريط لم يضمنه لأنه أمانة عنده فلم يضمنه من غير تفريط كالوديعة فإن تعيب ذبحه وأجزأه لأنه لا يضمن جميعه فبعضه أولى.
الشيخ: كل هذا فيما إذا تعين بالتعيين أما ما كان واجبا في الذمة فإنه إذا فرط ضمنه.
السائل: هل يجوز تصوير المرضى لعرضهم على المتبرعين مثل المحترقين حتى يعرضوا على المتبرعين للتبرع لحالتهم؟
الشيخ: إذا كان هناك ضرورة فلا بأس وإلا فلا.
السائل: قول ابن عباس حول استسمان واستحسان واستعظام فماذا يقدم حفظكم الله الاستسمان أو الاستعظام؟
الشيخ: هذا ينظر إلى حاجة الناس إذا كان الناس في حاجة إلى اللحم فالاستعظام أولى وإذا كانوا بحاجة إلى الترفه فالاستسمان أولى وإذا كانت الحسنى من البهائم أغلى ثمنا وأنفس عند أهلها فهي أفضل.
السائل: هل يجوز أو يستحب للمتمتع بعد أن يحل أن يشتري هديه ويقلده للاستحباب الذي ذكر؟
الشيخ: لا الظاهر هذا فيمن ساقه هو الذي يستحب أن يشعره ويقلده أما من اشتراه من السوق ليذبحه فهذا لا يسن فيه الإشعار ولا التقليد.
السائل: إذا قلنا إن المقصود من إشعار البدن وتقليدها تعظيم شعائر الله عز وجل وبيان أنها مما يختص به الفقراء هل يمكن أن يقوم مقام ذلك الأصباغ الموجودة بأن يكتب عليها هذه هدي أو ما أشبه ذلك؟
الشيخ: الجواب أقول لا السنة أولى أن تتبع.
السائل: هل البقر يشعر؟
الشيخ: فيها قولان للعلماء فمن قال إنه يلحق بالإبل قال إنه يشعر ومن قال يلحق بالغنم لأنه يذبح كما تذبح الغنم ولأنه أقل تحملا من الإبل قال لا يشعر.
فصل
(في عجز الهدي عن الوصول إلى الحرم)
القارئ: وإن عجز عن المشي أو عطب دون محله نحره موضعه وصبغ نعله الذي في عنقه في دمه فضرب بها صفحته ليعرفه الفقراء وخلى بينه وبينهم ولم يأكل منه هو ولا أحد من رفقته لما روى ذؤيب أبوقبيصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث معه بالبدن ثم يقول إن عطب منها شيء فخشيت عليه موتاً فانحرها ثم اغمس نعلها في دمها ثم اضرب به صفحتها ولا تطعمها أنت ولا أحد من رفقتك رواه مسلم ولأنه متهم في التفريط فيها ليأكلها أو يطعمها رفقته فمنعوا من أكلها لذلك فإن لم يذبحها عند خوفه عليها حتى تلفت ضمنها لأنه فرط فيها فلزمه ضمانها كالوديعة إذا رأى من يسرقها فلم يمنعه وإن أتلفها ضمنها لأنه أتلف مالاً تعلق به حق غيره فضمنه كالغاصب ويلزمه أكثر الأمرين من قيمتها أو هدي مثلها لأنه لزمته الإراقة والتفرقة وقد فوتهما فلزمه ضمانهما كما لو أتلف شيئين فإن كانت قيمتها وفق مثلها أو أقل لزمه مثلها وإن كانت أكثر اشترى بالفضل هديا آخر فإن لم يسع اشترى به لحما وتصدق به لأنه أقرب إلى المفوت ويحتمل أن يتصدق بالقيمة وإن أكل مما منع من أكله ضمنه بمثله لحما كما ذكرنا.
وإن أتلفها غيره فعليه قيمتها لأنه لا تلزمه الإراقة فلزمته قيمتها كغيرها ويشتري بالقيمة مثلها فإن زادت فالحكم على ما ذكرنا فيما إذا ماأتلفها صاحبها وإذا اشترى هديا فوجده معيبا فله الأرش ويحتمل أن يكون للمساكين لأنه بدل عن الجزء الفائت من حيوان جعله لله تعالى فكان للمساكين كعوض ما أتلف منه بعد الشراء ويكون حكمه حكم الفاضل عن المثل ويحتمل أن يكون له لأن النذر إنما صادف المعيب بدون الجزء الفائت فلم يدخل في نذره فلا يستحق عليه بدله.
الشيخ: خلاصة هذا الفصل أنه إذا ساق الهدي فعجز عن المشي أو عطب دون محله فإنه يذبحه ولا يدعه يموت فإن تركه يموت مع قدرته على ذبحه ضمنه وإذا ذبحه فإنه لا يأكل منه لا هو ولا رفقته للحديث الذي ذكره المؤلف رحمه الله ولأن الإنسان يتهم قد يتعجل ويتسرع في ذبحه خوفا من تلفه وهو يمكن أن يعيش فلما كانت التهمة واردة منع الإنسان من ذلك.
أما إذا أتلفه غيره فيقول إنه يضمنه بالقيمة وهذا مبني على أن الحيوان ليس مثليا والصحيح أن الحيوان من المثليات وأنه يجب ضمانه بمثله ما لم يتعذر ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم استسلف بكرا ثم لما أفاء الله عليه أمرهم أن يعطوا الرجل بدل بكرة فقالوا إنا لم نجد إلا خيارا رباعية فقال لهم أعطوه فإن خير الناس أحسنهم قضاءً وكان صلى الله عليه وسلم يستسلف على إبل الصدقة البعير بالبعيرين والبعيرين بالثلاثة وهذا يدل على أن الحيوان مثلي وهو كذلك في الواقع لكن إن تعذر المثل بأن لم يوجد إلا أكبر منه أو أصغر منه أو أحسن منه فحينئذٍ لا يلزم الإنسان إلا بالقيمة.
فصل
(في زوال الملك عن الهدي)
القارئ: ولا يزول ملكه عن الهدي والأضحية بإيجابهما نص عليه وله إبدالهما بخير منهما وقال أبو الخطاب يزول ملكه وليس له بيعه ولا إبداله لأنه جعله لله تعالى فأشبه المعتق والموقوف ووجه الأول أن النذور محمولة على أصولها في الفروض وفي الفرض لا يزول ملكه وهو الزكاة وله إخراج البدل فكذلك في النذور وأما بيعها بدونها فلا يجوز لأن فيه تفويت حق الفقراء من الجزء الزائد فلم يجز كما لو أخرج في الزكاة أدنى من الواجب ولا يجوز إبدالها بمثلها لأنه تفويت لعينها من غير فائدة تحصل.
الشيخ: معناه أن الهدي إذا تعين فهل يزول ملك المهدي أو لا؟ في هذا قولان للعلماء أحدهما أنه يزول ملكه والثاني أنه لا يزول والصحيح أنه يزول ملكه ويدل لهذا أنه لو كان لا يزول ملكه للزمه الضمان بكل حال مع أنه لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط وهذا يدل على أن الهدي بيده أمانة فالصواب أنه يزول ملكه فإذا قال هذا هدي فهو كما لو قال عن البيت هذا وقف لكن هل له أن يبدله؟ نقول إن كان البدل أدنى فليس له ذلك لأنه يفوت الجزء الأعلى على مستحق هذا الهدي وإن كان البدل أعلى فله ذلك ويدل لهذا حديث الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة وقال يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس فقال صلها هاهنا فأعاد عليه قال صلها هاهنا فأعاد عليه فقال شأنك إذن يعني إلزم شأنك إذن فدل ذلك على أن الانتقال من مفضول إلى أفضل في النذر المعين جائز فكذلك يقال في الهدي المعين وكذلك يقال على القول الراجح في الأوقاف إذا أراد الإنسان أن ينقلها إلى ما هو أفضل فله ذلك.
إذا أبدله بمثله فليس له ذلك لأنه نقل لملكه المعين بدون فائدة والأصل أنه لما عين تعين فلا يبدله بمثله.
القارئ: فصل في وجوب الهدي في الذمة.
الشيخ: هذا العنوان خطأ والصواب في حكم الواجب من الهدي في الذمة.
القارئ: ومن وجب في ذمته هدي فعينه في حيوان تعين لأن ما وجب به معين جاز أن يتعين به ما في الذمة كالبيع ويصير للفقراء فإن هلك بتفريط أو غيره رجع الواجب إلى ما في الذمة كما لو كان له عليه دين فباعه به طعاما فهلك قبل تسليمه فإن تعيب أو عطب فنحره لم يجزئه لذلك وهل يعود المعين إلى صاحبه فيه روايتان إحداهما يعود ذكره الخرقي فقال صنع به ما شاء لأنه إنما عينه عما في ذمته فإذا لم يقع عنه عاد إلى صاحبه كمن أخرج زكاته فبان أنها غير واجبة عليه والأخرى لا يعود لأنه صار للمساكين بنذره فلم تعد إليه كالذي عينه ابتداء.
الشيخ: هذه المسألة إذا وجب عليه هدي في ذمته كهدي التمتع أو هدي جزاء الصيد أو ما أشبه ذلك فعينه قال هذا عن هدي التمتع أو هذا عن جزاء الصيد فإنه كما سبق على القول الراجح يكون للفقراء فإذا هلك أو ضل أو تعيب أو أصابه ما لا يمكن الإجزاء معه فإن عليه بدله على كل حال سواء فرط أو لم يفرط لأنه وجب في الذمة فلا بد من أن يؤديه كاملا من غير نقص.
وإذا ذبح بدله ثم عاد الذي ضل أو برئ من العطب أو ما أشبه ذلك فهل يعود هذا إلى ملكه أو لا يعود؟ في هذا قولان للعلماء أصحهما ما ذهب إليه الخرقي رحمه الله أنها إذا رجعت إليه رجعت ملكا له ووجهه أنه أتى ببدله ولا يمكن أن يجمع له بين البدل والمبدل منه لأن الرجل أبرأ ذمته فلا تعود إليه هذه التي ضلت أو عطبت إلا ملكا له لأنه أتى ببدلها وهذا هو الصحيح.
القارئ: وهل تعود إلى ذمته مثل المعين أو مثل الواجب في الذمة؟ ينظر فإن تلف بغير تفريط لم يلزمه أكثر مما في الذمة لأن الزائد إنما تعلق بالعين فسقط بتلفها وإن تلف بتفريط لزمه أكثر الأمرين لأنه تعلق بالمعين حق الله تعالى فإذا أتلفه فعليه مثل ما فوته.
الشيخ: هل يجب عليه ما يجزئ أو يجب عليه مثل الذي تلف؟ نقول إن تلف بتفريطه وجب عليه مثل الذي تلف وإن تلف بغير تفريط وجب عليه ما يجزئ يعني الواجب في الذمة والواجب في الذمة هو ما يجزئ ولنفرض أنه اشترى لهدي التمتع شاة جيدة طيبة سمينة فعطبت بغير تفريط منه فهل يجب عليه أن يشتري شاة سمينة يذبحها عن التي عطبت؟ الجواب لا لأنه غير مفرط أما إن فرط فهلكت وجب عليه مثلها لأنه هو الذي أتلفها بصفتها الجيدة على مستحقيها وهم الفقراء.
القارئ: وإن ولد هذا المتعين تبعه ولده لما ذكرنا في المعين ابتداء فإن تعيبت الأم فبطل تعينها ففي ولدها وجهان أحدهما يبطل تبعا كما ثبت تبعا والثاني لا يبطل لأن بطلانه في الأم لمعنى اختص بها بعد استقرار الحكم في ولدها فلم يبطل فيه كما لو ولدت في يد المشتري ثم ردها لعيبها.
الشيخ: وهذا محل تردد قد يقال إنه يتبعها وقد يقال إنه لا يتبعها لأنه لما بطل في الأم بطل في الولد لكن الأحوط أن يقال له اذبحه لأن الأم بطل التعين فيها لمعنى يختص بها حيث إنها عطبت وأخذ بدلها وقلنا أن البدل يكفي عنها وإذا وجدت فإنه لا يجب ذبحها لكن إذا كان لها ولد فالاحتياط أن يذبحه.
فصل
(في ذبح الهدي بغير أمر صاحبه)
القارئ: وإذا ذبح هديه أو أضحيته إنسان بغير أمره في وقته أجزأ عنه لأنه لا يحتاج إلى قصده فإذا فعله إنسان بغير إذنه وقع الموقع ولا ضمان على الذابح لأنه حيوان تعين إراقة دمه على الفور حقا لله تعالى فلم يضمنه كالمرتد.
الشيخ: وهذه من غرائب العلم إنسان عرف أن هذه الشاة هدي لفلان فقام فذبحها بغير توكيل منه وبغير أمر ولا إذن فما الحكم يقول المؤلف هنا تجزئ لأن هذه العين تعين ذبحها لتعينها أضحية أو هديا فإذا أتلفها متلف فلا ضمان كما لو قتل المرتد فإنه لا يقتص منه وإن كان قتل المرتد لولي الأمر فهذه الشاة التي تعينت هديا أو أضحية الذي يتولى ذبحهاه صاحبها فهي الآن مستحقة للذبح فإذا ذبحها ذابح قلنا هذا افتيات على صاحبها لكنها تجزئ عن صاحبها وهذه من الغرائب أن يقال شخص أجزأت عنه عبادة لم يعلم بها ولم ينوها فيقال لا غرابة في ذلك لأن الرجل لما عينها تعينت للذبح وإن كان حين ذبحها لم ينوِ ذبحها لكن أصل تعينها إنما عينها لتذبح ولكن مثل هذا لو علمنا أن قصده العدوان فهل يعزر أو لا؟ نعم يعزر ولو قال صاحبها أنا لا أرضى أنه يتولى ذبحها هذا افتيات علي وأنا أطالبه بضمانها وهي له فهذا يتوجه أن يقال نعم له ذلك حتى لا يفتات أحد على أحد وإن كان في الأصل لا يجوز لأنه لما ذبحها تعينت وصار هذا اللحم هديا يوزع على الفقراء فلا يصح أن يؤخذ بدله شاة لتذبح لكن لو رأى ولي الأمر أن في هذا مصلحة لكان هذا متوجه.
السائل: هل هذا خاص بهذه الصورة مثلاً في الزكاة لو علم رجل بأن هذه الشياه زكاة فلان فأخرجها بغير علمه وأعطاها لمستحقه هل تجزئ؟
الشيخ: لا تجزئ عن الزكاة والفرق بينهما أن الزكاة لا تتعين حتى لو قال عن شاة هذه عن أربعين شاة عندي ما تتعين أما الأضحية فإنها تتعين فإذا ذبحت وقعت في الموقع أما مسألة الزكاة فللمزكي أن يغير رأيه ويخرج شاة أخرى سواء كانت مثل الشاة الأولى أو أقل.
فصل
(في حكم الأكل من الهدي)
القارئ: ويجوز الأكل من هدي التمتع والقران لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن متمتعات إلا عائشة فإنها كانت قارنة لإدخالها الحج على عمرتها وقالت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر عن آل محمد في حجة الوداع بقرة واحدة قالت فدخل علينا بلحم بقر فقلت ما هذا فقيل ذبح النبي صلى الله عليه وسلم عن أزواجه رواه مسلم ولأنه دم نسك فجاز الأكل منه كالأضحية.
الشيخ: رحم الله أبا محمد عنده حديث صريح صحيح أحسن من هذا وهو حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر أن يؤخذ من كل بدنة بضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها هذا حديث صحيح صريح من فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
القارئ: ولا يجوز الأكل من واجب سواهما لأنه كفارة فلم يجز الأكل منه ككفارة اليمين وعنه له الأكل من الجميع إلا المنذور وجزاء الصيد.
الشيخ: والأقرب أن ما وجب كفارة فإنه لا يأكل منه لأنه كفارة فلو قيل بالأكل منه لعادت المنفعة إلى المكفر ولهذا ذكرنا فيما سبق أن دم الشكران يجوز الأكل منه ودم الجبران لا يجوز الأكل منه وأن من هدي الشكران هدي التمتع والقران أما المحصر فذكرنا أنه يحتمل أنه شكران حيث إن الله خفف فأذن للإنسان إذا أحصر أن يتحلل ويهدي ويحتمل أنه جبران لأنه أسقط شيئاً من واجبات النسك والظاهر لي والله أعلم أن الهدي الذي ذبحه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه في الحديبية أنهم أكلوا منه فيكون أقرب إلى كونه دم شكران.
القارئ: ولا يجوز الأكل من الهدي المنذور في الذمة لأنه نذر إيصاله إلى مستحقيه فلم يجز أن يأكل منه كما لو نذر لهم طعاماً وما ساقه تطوعا استحب الأكل منه سواء عينه أو لم يعينه لقول الله تعالى (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) وأقل أحوال الأمر الاستحباب وقال جابر أمر النبي صلى الله عليه وسلم من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فأكل منها وحسا من مرقها ولأنه دم نسك فأشبه الأضحية قال ابن عقيل حكمه في الأكل والتفريق حكمها وقال جابر كنا لا نأكل من بدننا فوق ثلاث فرخص لنا النبي صلى الله عليه وسلم فقال كلوا وتزودوا فأكلنا وتزودنا رواه البخاري ومسلم نحوه والمستحب الاقتصار على اليسير في الأكل لفعل النبي صلى الله عليه وسلم في بدنه وإن أطعمها كلها فحسن فإن النبي صلى الله عليه وسلم نحر خمس بدنات ثم قال من شاء اقتطع رواه أبو داود وظاهر هذا أنه لم يأكل منها شيئا ويجوز للمهدي تفريق اللحم بنفسه ويجوز إطلاقه للفقراء استدلالا بهذا الحديث.
الشيخ: كلام المؤلف أن الهدي المنذور لا يجوز الأكل منه ولو قيل بجواز الأكل منه لأن الناذر إذا قال لله علي نذر أن أهدي هديا وهدي التطوع يؤكل منه فهو يريد الهدي الذي يتطوع به الإنسان لكن هنا مسألة غير مسألة الهدي لو نذر الإنسان أن يذبح شاة أو بعيرا لحصول نعمة أو زوال نقمة كما يفعل بعض الناس يقول إن شفى الله مريضي فلله علي نذر أن أذبح شاة أو أن أذبح بعيرا فهل يأكل منه أو لا يأكل؟ نقول الأصل أن ما كان في مقابلة نعمة فالمراد به شكر النعمة وإذا كان المراد به الشكر صار حقا للفقراء والمساكين فلا يأكل منه شيئا إلا لو دلت القرينة على أن المراد أن يطعم الجيران وأن يفعل حفلا كما لو قيده بالعرس مثلا مثل أن يقول إن تزوج ابني فلله علي نذر أن أذبح بعيرا فهذا نعلم أنه لا يريد بهذا التقرب إلى الله بالبعير أو شكر النعمة وإنما أراد أن يوسع الحفل ويكبره فهذا له أن يأكل والحاصل أن النذر في مقابلة النعمة أو اندفاع نقمة الأصل فيه أنه شكر لله عز وجل فيكون للفقراء كقوله تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) إلا إذا قامت قرينة على أن المراد بذلك الذبح العرفي يعني غير القربة فيعمل بهذه القرينة.
فصل
(فيمن نذر هديا دون تحديده)
القارئ: إذا نذر هديا مطلقا فأقل ما يجزئه شاة أو سبع بدنة أو بقرة لأن المطلق يحمل على أصله في الشرع ولا يجزئ إلا ما يجزئ في الأضحية ويمنع فيها من العيب ما يمنع فيها وإن عينه بنذره ابتداء أجزأه ما عينه كبيرا أو صغيرا أو حيوانا أو غيره لقول النبي صلى الله عليه وسلم (فكأنما قرب دجاجة وكأنما قرب بيضة) وإذا أطلق بالنسبة إلى مكانه وجب إيصاله إلى فقراء الحرم لأن ذلك المعهود في الهدي وإن عين الذبح بمكان غيره في نذره لزمه ذلك ما لم يكن فيه معصية لما روي أن رجلا قال يا رسول الله إني نذرت أن أنحر ببوانة قال هل بها صنم قال لا قال أوف بنذرك رواه أبو داود.
فصل
(فيما يجزئ من وجب عليه هدي)
القارئ: ومن وجب عليه دم أجزأه ذبح شاة أو سبع بدنة أو بقرة لقول ابن عباس في هدي المتعة شاة أو شرك في دم فإن ذبح احتمل أن يكون جميعها واجب كما لو اختار التكفير بأعلى الكفارات واحتمل أن يكون سبعها واجبا وباقيها تطوعا لأن سبعها يجزئه فأشبه ما لو ذبح سبع شياه.
الشيخ: إذا وجب عليه دم أجزأه شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة فإن ذبح بدنة عن الشاة فهل يكون الواجب السُبع أو تكون هي كلها واجبة؟
ذكر فيها احتمالين والظاهر أنه على حسب ما نوى إذا ذبح بدنة فنوى سبعها فقط صار الواجب السُبع والباقي لحم يفعل به ما شاء وإن نواها مطلقا عما وجب في ذمته فهل يقال إنه يثاب ثواب الواجب على سُبع منها والباقي يثاب ثواب التطوع أو يقال ينسحب حكم الواجب على جميعها لأن الواجب لم يتميز؟
الظاهر أنه ينسحب على جميعها لأنه لم يخصص السُبع للواجب فهذا هو الأقرب والفرق بينه وبين ما إذا عين شاة من سبع شياه ظاهر جدا لأن الشاة من سبع شياه متميزة منفصلة.
القارئ: ومن وجب عليه بدنة بنذر أو قتل نعامة أو وطء أجزأه سبع من الغنم لأنها معدولة بسبع والشياه أطيب لحماً وقد روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه رجل فقال إن علي بدنة وأنا موسر لها ولا أجدها فأشتريها فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يبتاع سبع شياه فيذبحهن رواه ابن ماجه، وقال ابن عقيل إنما يجزئ ذلك مع عدم البدنة لأنها بدل فيشترط فيه عدم المبدل والأول أولى لما ذكرنا.
الشيخ: لكن قال بعض أهل العلم هذا صحيح أن سبعة شياه تجزئ عن البدنة والبقرة لأنها أطيب لحما وأكثر نفعا إلا في جزاء الصيد فإن الشياه لا تجزئ عن البدنة وذلك لأن المعتبر في جزاء الصيد المثلية وهذه تفوت فلو ذبح سبع شياه عن النعامة فإنه لا يجزئ لأن النعامة الواجب فيها البدنة لكن المذهب مطلقاً أنه تجزئ سبع شياه عن البدنة أو البقرة حتى في جزاء الصيد.
القارئ: وإن وجبت عليه بدنة فذبح بقرة أجزأته لما روى جابر قال كنا ننحر البدنة عن سبعة فقيل له والبقرة فقال وهل هي إلا من البدن رواه مسلم وقال ابن عقيل إن نذر بدنة لزمه ما نواه فإن لم ينو شيئا ففيه روايتان إحداهما هو مخير على ما ذكرناه والثانية إن لم يجد البدنة أجزأته بقرة فإن لم يجد فسبعا من الغنم وعنه عشر لأنه بدل فلا يجزئ مع وجود الأصل فأما من وجب عليه سبع من الغنم فإنه يجزئه بدنة أو بقرة لأنها تجزئ عن سبع في حق سبعة ففي حق واحد أولى.
الشيخ: إذا وجب عليه بدنة فذبح عنها بقرة تجزئ لكن ينبغي أن يقال إلا في جزاء الصيد لأن جزاء الصيد لا بد فيه أن يكون مثله.