الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَنَهْيُكُمُ الَّذِي نَهَاكُمْ عَنْهُ. فَقَالُوا: وَمَنْ يَأْخُذُهُ بِقَوْلِكَ أَنْتَ؟ لَا وَاللَّهِ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً حَتَّى يَطَّلِعَ اللَّهُ عَلَيْنَا فَيَقُولَ: هَذَا كِتَابِي فَخُذُوهُ، فَمَا لَهُ لَا يُكَلِّمُنَا كَمَا يُكَلِّمُكَ أَنْتَ يَا مُوسَى، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً قَالَ: فَجَاءَتْ غَضْبَةٌ مِنَ اللَّهِ فَجَاءَتْهُمْ صَاعِقَةٌ بَعْدَ التَّوْبَةِ فَصَعَقَتْهُمْ فَمَاتُوا أَجْمَعُونَ، قَالَ: ثُمَّ أَحْيَاهُمُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمْ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: خُذُوا كِتَابَ اللَّهِ، فَقَالُوا: لَا، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَصَابَكُمْ؟ فَقَالُوا: أصابنا أنا متنا ثم أحيينا، قَالَ: خُذُوا كِتَابَ اللَّهِ، قَالُوا: لَا، فَبَعَثَ اللَّهُ مَلَائِكَةً فَنَتَقَتِ «1»
الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ. وَهَذَا السِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كُلِّفُوا بَعْدَ مَا أُحْيُوا. وَقَدْ حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ سَقَطَ التَّكْلِيفُ عَنْهُمْ لِمُعَايَنَتِهِمُ الْأَمْرَ جَهْرَةً حَتَّى صَارُوا مُضْطَرِّينَ إِلَى التَّصْدِيقِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ لِئَلَّا يَخْلُوَ عَاقِلٌ مِنْ تَكْلِيفٍ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ «2»
: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ مُعَايَنَتَهُمْ لِلْأُمُورِ الْفَظِيعَةِ لَا تَمْنَعُ تَكْلِيفَهُمْ لِأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ شَاهَدُوا أُمُورًا عِظَامًا مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ مُكَلَّفُونَ وَهَذَا وَاضِحٌ، وَاللَّهُ أعلم.
[سورة البقرة (2) : آية 57]
وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا دَفَعَهُ عَنْهُمْ مِنَ النِّقَمِ، شَرَعَ يُذَكِّرُهُمْ أَيْضًا بِمَا أَسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، فَقَالَ:
وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَهُوَ جَمْعُ غَمَامَةٍ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَغُمُّ السَّمَاءَ أَيْ يُوَارِيهَا وَيَسْتُرُهَا، وَهُوَ السَّحَابُ الْأَبْيَضُ ظُلِّلُوا بِهِ فِي التِّيهِ لِيَقِيَهُمْ حَرَّ الشَّمْسِ، كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِ الْفُتُونِ، قَالَ: ثُمَّ ظَلَّلَ عَلَيْهِمْ فِي التِّيهِ بِالْغَمَامِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَأَبِي مِجْلَزٍ وَالضَّحَاكِ وَالسُّدِّيِّ نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ كَانَ هَذَا فِي الْبَرِّيَّةِ، ظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ مِنَ الشَّمْسِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَالَ آخَرُونَ: وَهُوَ غَمَامٌ أَبْرَدُ مِنْ هَذَا وَأَطْيَبُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ قَالَ، لَيْسَ بِالسَّحَابِ هُوَ الْغَمَامُ الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ فِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا لَهُمْ. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ «3»
، وَكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَكَأَنَّهُ يريد، والله أعلم، أن لَيْسَ مِنْ زِيِّ هَذَا السَّحَابِ بَلْ أَحْسَنُ مِنْهُ وَأَطْيَبُ وَأَبْهَى مَنْظَرًا، كَمَا قَالَ سُنَيْدٌ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ قَالَ:
غَمَامٌ أَبْرَدُ مِنْ هَذَا وَأَطْيَبُ وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ فِيهِ فِي قَوْلِهِ: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ
(1) نتقت الجبل: رفعته من مكانه لترمي به. أو: هزّته ونفضته.
(2)
تفسير القرطبي 1/ 405. وما حكاه الماوردي نقله القرطبي.
(3)
الطبري 1/ 233.
[الْبَقَرَةِ: 210] وَهُوَ الَّذِي جَاءَتْ فِيهِ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكَانَ مَعَهُمْ فِي التيه «1» .
وقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْمُفَسِّرِينَ فِي الْمَنِّ مَا هُوَ؟ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ الْمَنُّ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ عَلَى الْأَشْجَارِ، فَيَغْدُونَ إِلَيْهِ، فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ ما شاؤوا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمَنُّ: صَمْغَةٌ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْمَنُّ: شَيْءٌ أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الطَّلِّ شِبْهُ الرُّبِّ الْغَلِيظِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ، قَالُوا: يَا مُوسَى، كيف لنا بما هاهنا، أي الطعام؟
فأنزل الله عليهم المن، فكان يسقط على شجرة الزَّنْجَبِيلِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ الْمَنُّ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ في محلهم سُقُوطَ الثَّلْجِ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، يَأْخُذُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ قَدْرَ مَا يَكْفِيهِ يَوْمَهُ ذَلِكَ، فَإِذَا تَعَدَّى ذَلِكَ فسد ولم يبق، حتى كان يوم سادسه يوم جُمُعَتِهِ أَخَذَ مَا يَكْفِيهِ لِيَوْمِ سَادِسِهِ وَيَوْمِ سَابِعِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يَوْمَ عِيدٍ لَا يَشْخَصُ فِيهِ لِأَمْرِ مَعِيشَتِهِ وَلَا يَطْلُبُهُ لِشَيْءٍ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْبَرِّيَّةِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: الْمَنُّ شَرَابٌ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الْعَسَلِ فَيَمْزُجُونَهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ يَشْرَبُونَهُ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ منبه، وسئل عن المن، فقال:
خبز رقاق مِثْلَ الذُّرَةِ أَوْ مِثْلُ النَّقِيِّ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَامِرٍ، وَهُوَ الشَّعْبِيُّ، قَالَ: عَسَلُكُمْ هَذَا جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ الْمَنِّ، وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: إِنَّهُ الْعَسَلُ، وَوَقَعَ فِي شِعْرِ أمية بن أبي الصلت حيث قال:[الخفيف]
فَرَأَى اللَّهُ أَنَّهُمْ بِمَضِيعٍ
…
لَا بِذِي مَزْرَعٍ وَلَا مَثْمُورَا
فَسَنَاهَا عَلَيْهِمُ غَادِيَاتٍ
…
وَتَرَى مُزْنَهُمْ خَلَايَا وَخُورَا
عَسَلًا نَاطِفًا وَمَاءً فُرَاتًا
…
وَحَلِيبًا ذا بهجة مزمورا «2»
فالناطف هو السائل والحليب المزمور الصَّافِي مِنْهُ، وَالْغَرَضُ أَنَّ عِبَارَاتِ الْمُفَسِّرِينَ مُتَقَارِبَةٌ فِي شَرْحِ الْمَنِّ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِالطَّعَامِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِالشَّرَابِ، وَالظَّاهِرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّهُ كُلُّ مَا امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ لَهُمْ فِيهِ عَمَلٌ وَلَا كَدٌّ، فَالْمَنُّ الْمَشْهُورُ إِنْ أُكِلَ وَحْدَهُ كَانَ طَعَامًا وَحَلَاوَةً، وَإِنْ مُزِجَ مَعَ الْمَاءِ صَارَ شَرَابًا طَيِّبًا، وَإِنْ ركب مع
(1) الطبري 1/ 133.
(2)
كذا أيضا رواية الأبيات الثلاثة في مخطوط تفسير الطبري وفي ديوان أمية بن أبي الصلت ص 34- 35. وقد اختار محقق طبعة دار المعارف في تفسير الطبري الأستاذ محمود محمد شاكر أن يثبت النصّ التالي، استنادا إلى اجتهاد وتعليل من عنده:
رأى اللَّهُ أَنَّهُمْ بِمَضِيعٍ
…
لَا بِذِي مَزْرَعٍ وَلَا معمورا
نساها عليهم غاويات
…
ومرى مزنهم خلايا وخورا
لا ناطفا وماء فراتا
…
وحليبا ذا بهجة مثمورا
انظر تفسير الطبري 2/ 94- 95، الحواشي.
غَيْرِهِ صَارَ نَوْعًا آخَرَ، وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ وَحْدَهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ:
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» «1»
وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ بِهِ «2»
، وَأَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ فِي كُتُبِهِمْ، إِلَّا أَبَا دَاوُدَ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ «3»
، وَرَوَاهُ البخاري ومسلم مِنْ رِوَايَةِ الْحَكَمِ عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:
حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ أَبِي السَّفَرِ وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَفِيهَا شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ، وَالْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» تَفَرَّدَ بِإِخْرَاجِهِ التِّرْمِذِيُّ ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو وَإِلَّا مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ عَنْهُ. وَفِي الْبَابِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ- كَذَا قَالَ- وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَسْلَمُ بْنُ سَهْلٍ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَطَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ الرحمن هذا السلمي الواسطي يُكَنَّى بِأَبِي مُحَمَّدٍ وَقِيلَ: أَبُو سُلَيْمَانَ الْمُؤَدِّبُ، قَالَ فِيهِ الْحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ: رَوَى عَنْ قَتَادَةَ أَشْيَاءَ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهَا. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالُوا: الْكَمْأَةُ جُدَرِيُّ الْأَرْضِ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ وَالْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهِيَ شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ» وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ بِهِ، وَعَنْهُ عَنْ غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهِ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ بِقِصَّةِ الْكَمْأَةِ فَقَطْ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ أَيْضًا وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الصَّمَدِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ عَنْ شَهْرٍ: بِقِصَّةِ الْعَجْوَةِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَبِالْقِصَّتَيْنِ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ مُنْقَطِعَةٌ بَيْنَ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ وأبي هريرة، فإنه لم يسمع مِنْهُ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْوَلِيمَةِ من سننه عن علي بن الحسين
(1) صحيح البخاري (تفسير سورة 2 ب 4، وسورة 7 باب 2 وطب باب 20) .
(2)
وأخرجه أحمد من حديث أبي هريرة (المسند ج 2 ص 301) ومن حديث سعيد بن زيد (ج 1 ص 187) ومن حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (ج 2 ص 48) .
(3)
الترمذي (طب باب 22) .
الدِّرْهَمِيِّ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُمْ يَذْكُرُونَ الْكَمْأَةَ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: جُدَرِيُّ الْأَرْضِ، فَقَالَ «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» وَرُوِيَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ عَنْ شَهْرِ بن حوشب عن جابر ابن عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ، وَالْعَجْوَةُ مِنَ الجنة، وهي شفاء من السم» وقال النَّسَائِيُّ فِي الْوَلِيمَةِ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بِشْرٍ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» ثُمَّ رَوَاهُ أَيْضًا وَابْنُ ماجة من طرق الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ شَهْرٍ عَنْهُمَا به، وقد رويا- أعني النسائي من حديث جرير وابن ماجة من حديث سعيد ابن أبي سلمة- كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عن أبي سعيد رواه النَّسَائِيُّ وَحَدِيثِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبَّاسٍ الدُّورِيِّ عَنْ لَاحِقِ بن صواب عن عمار بن زريق عَنِ الْأَعْمَشِ كَابْنِ مَاجَهْ، وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَفِي يَدِهِ كَمَآتٌ، فَقَالَ «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَنْصُورٍ عن الحسن بن الربيع به ثم ابْنُ مَرْدَوَيْهِ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَلَامٍ عَنْ عبيد الله بن موسى، عن شيبان عن الْأَعْمَشِ بِهِ، وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بن موسى، وَقَدْ رَوَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، كَمَا قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا حَمْدُونُ بْنُ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا حَوْثَرَةُ بْنُ أَشْرَسَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تدارأوا فِي الشَّجَرَةِ الَّتِي اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَحْسَبُهُ الْكَمْأَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ، وَالْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَفِيهَا شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ» وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ أَصْلُهُ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ. وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طريقه شيئا من هذا، والله أعلم. وروي عَنْ شَهْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا فِي الْوَلِيمَةِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ الْخَرَّازِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَدَّادِ عَنْ عَبْدِ الْجَلِيلِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ شَهْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «الْكَمْأَةُ من المن، وماؤها شفاء للعين» وقد اخْتَلَفَ كَمَا تَرَى فِيهِ عَلَى شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنَّهُ حَفِظَهُ وَرَوَاهُ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ كُلِّهَا، وَقَدْ سَمِعَهُ مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَبَلَّغَهُ عَنْ بَعْضِهِمْ،
فَإِنَّ الْأَسَانِيدَ إِلَيْهِ جَيِّدَةٌ، وَهُوَ لَا يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ، وَأَصْلُ الْحَدِيثِ مَحْفُوظٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ رواية سعيد بن زيد رضي الله عنه.
وَأَمَّا السَّلْوَى، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السلوى طائر شبه بِالسُّمَانَى، كَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْهُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي خَبَرٍ، ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: السَّلْوَى طَائِرٌ يُشْبِهُ السُّمَانَى، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ حَدَّثَنَا عبد الصمد بن الْوَارِثِ حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ جَهْضَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: السَّلْوَى هُوَ السُّمَانَى، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ وَالْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ والربيع بن أنس رحمهم الله تعالى. وَعَنْ عِكْرِمَةَ: أَمَّا السَّلْوَى فَطَيْرٌ كَطَيْرٍ يَكُونُ بِالْجَنَّةِ أَكْبَرُ مِنَ الْعُصْفُورِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وقال قتادة: السلوى كان من طير أقرب إِلَى الْحُمْرَةِ تَحْشُرُهَا عَلَيْهِمُ الرِّيحُ الْجَنُوبُ وَكَانَ الرَّجُلُ يَذْبَحُ مِنْهَا قَدْرَ مَا يَكْفِيهِ يَوْمَهُ ذَلِكَ فَإِذَا تَعَدَّى فَسَدَ وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ سَادِسِهِ لِيَوْمِ جُمُعَتِهِ أَخَذَ مَا يَكْفِيهِ لِيَوْمِ سَادِسِهِ وَيَوْمِ سَابِعِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يَوْمَ عِبَادَةٍ لَا يَشْخَصُ فِيهِ لِشَيْءٍ وَلَا يَطْلُبُهُ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: السلوى طير سمين مثل الحمامة كَانَ يَأْتِيهِمْ فَيَأْخُذُونَ مِنْهُ مِنْ سَبْتٍ إِلَى سَبْتٍ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ وَهْبٍ قَالَ: سَأَلَتْ بنو إسرائيل موسى عليه السلام لحما فَقَالَ اللَّهُ لَأُطْعِمَنَّهُمْ مِنْ أَقَلِّ لَحْمٍ يُعْلَمُ فِي الْأَرْضِ فَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ رِيحًا فَأَذْرَتْ عِنْدَ مَسَاكِنِهِمُ السَّلْوَى وَهُوَ السُّمَانَى مِثْلَ مِيلٍ فِي ميل قيد رمح إلى السماء فخبأوا لِلْغَدِ فَنَتِنَ اللَّحْمُ وَخَنِزَ «1»
الْخُبْزُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا دَخَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ التِّيهَ قَالُوا لِمُوسَى عليه السلام: كَيْفَ لَنَا بِمَا هَاهُنَا؟
أَيْنَ الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن فكان ينزل على شجر الزنجبيل، والسلوى وهو طائر ليشبه السُّمَانَى أَكْبَرُ مِنْهُ فَكَانَ يَأْتِي أَحَدُهُمْ فَيَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ فَإِنْ كَانَ سَمِينًا ذَبَحَهُ وَإِلَّا أَرْسَلَهُ فَإِذَا سَمِنَ أَتَاهُ، فَقَالُوا: هَذَا الطَّعَامُ. فَأَيْنَ الشَّرَابُ؟ فَأُمِرَ مُوسَى فَضَرَبَ بِعَصَاهُ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا فَشَرِبَ كُلُّ سِبْطٍ مِنْ عَيْنٍ، فَقَالُوا: هَذَا الشَّرَابُ فَأَيْنَ الظِّلُّ؟ فَظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ، فَقَالُوا: هَذَا الظِّلُّ فَأَيْنَ اللِّبَاسُ؟ فَكَانَتْ ثِيَابُهُمْ تَطُولُ مَعَهُمْ كَمَا تطول الصِّبْيَانُ وَلَا يَنْخَرِقُ لَهُمْ ثَوْبٌ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى [الأعراف: 16] وَقَوْلُهُ: وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [الْبَقَرَةِ: 60] وَرُوِيَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ نَحْوُ مَا قَالَهُ السُّدِّيُّ، وَقَالَ سُنَيْدٌ عَنْ حَجَّاجٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خُلِقَ لَهُمْ فِي التِّيهِ ثِيَابٌ لَا تَخْرِقُ وَلَا تَدْرَنُ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَخَذَ مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى فَوْقَ طَعَامِ يَوْمٍ فَسَدَ إِلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ طَعَامَ يَوْمِ السَّبْتِ فَلَا يُصْبِحُ فَاسِدًا، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ السَّلْوَى طَيْرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُفَسِّرِينَ وَقَدْ غَلِطَ الْهُذَلِيُّ فِي قَوْلِهِ إِنَّهُ الْعَسَلُ وأنشد في ذلك مستشهدا:[الطويل]
(1) خنز الخبز: أنتن. [.....]
وَقَاسَمَهَا بِاللَّهِ جَهْدًا لَأَنْتُمُ
…
أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إِذَا مَا أَشُورُهَا «1»
قَالَ: فَظَنَّ أَنَّ السَّلْوَى عَسَلًا، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: دَعْوَى الْإِجْمَاعِ لَا تَصِحُّ لِأَنَّ الْمُؤَرِّجَ «2» أَحَدَ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ وَالتَّفْسِيرِ قَالَ إِنَّهُ الْعَسَلُ، وَاسْتَدَلَّ بِبَيْتِ الْهُذَلِيِّ هَذَا، وَذَكَرَ أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي لُغَةِ كِنَانَةَ لِأَنَّهُ يُسَلَّى بِهِ وَمِنْهُ عَيْنُ سُلْوَانَ «3» ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: السَّلْوَى: الْعَسَلُ، وَاسْتَشْهَدَ بِبَيْتِ الْهُذَلِيِّ أَيْضًا، وَالسُّلْوَانَةُ بِالضَّمِّ خَرَزَةٌ كَانُوا يَقُولُونَ إِذَا صُبَّ عَلَيْهَا مَاءُ المطر فشربها العاشق سلا، قال الشاعر:[الطويل]
شَرِبْتُ عَلَى سُلْوَانَةٍ مَاءَ مُزْنَةٍ
…
فَلَا وَجَدِيدِ الْعَيْشِ يَا ميُّ مَا أَسْلُو «4»
وَاسْمُ ذَلِكَ الْمَاءِ السُّلْوَانُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: السُّلْوَانُ دَوَاءٌ يَشْفِي «5» الحزين فيسلوا وَالْأَطِبَّاءُ يُسَمُّونَهُ (مُفَرِّجٌ) . قَالُوا: وَالسَّلْوَى جَمْعٌ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ أَيْضًا كَمَا يُقَالُ: سُمَانَى لِلْمُفْرَدِ وَالْجَمْعِ وَوَيْلَى كَذَلِكَ «6» ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: وَاحِدُهُ سَلْوَاةٌ، وَأَنْشَدَ:[الطويل]
وَإِنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ هِزَّةٌ
…
كَمَا انْتَفَضَ السَّلْوَاةُ مِنْ بَلَلِ الْقَطْرِ «7»
وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: السَّلْوَى وَاحِدَةٌ وَجَمْعُهُ سَلَاوِي، نَقَلَهُ كُلَّهُ الْقُرْطُبِيُّ «8» . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ أَمْرُ إِبَاحَةٍ وإرشاد وامتنان، وقوله تعالى: وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ أَيْ أَمَرْنَاهُمْ بِالْأَكْلِ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ وَأَنْ يَعْبُدُوا كَمَا قَالَ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ فَخَالَفُوا وَكَفَرُوا فَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ هَذَا مَعَ مَا شَاهَدُوهُ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ الْقَاطِعَاتِ، وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ، وَمِنْ هَاهُنَا تَتَبَيَّنُ فَضِيلَةُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى سَائِرِ أَصْحَابِ الْأَنْبِيَاءِ فِي صَبْرِهِمْ وثباتهم وعدم تعنتهم مع ما كَانُوا مَعَهُ فِي أَسْفَارِهِ وَغَزَوَاتِهِ مِنْهَا عَامُ تَبُوكَ فِي ذَلِكَ الْقَيْظِ وَالْحَرِّ الشَّدِيدِ وَالْجَهْدِ لَمْ يَسْأَلُوا خَرْقَ عَادَةٍ وَلَا إِيجَادَ أَمْرٍ مع أن ذلك
(1) المشهور «نشورها» في موضع «أشورها» . والبيت لخالد بن زهير في شرح أشعار الهذليين ص 315 ولسان العرب (سلا) وتاج العروس (شور، سلا) وتهذيب اللغة 13/ 69 والمخصص 5/ 15 وبلا نسبة في كتاب العين 7/ 298.
(2)
هو مؤرج بن عمر الدوسي المتوفى سنة 195 هـ. كان من أصحاب الخليل بن أحمد.
(3)
عين سلوان: عين نضاحة يتبرك بها ويستشفى منها بالبيت المقدس.
(4)
البيت بلا نسبة في لسان العرب (سلا) وتهذيب اللغة 13/ 68 ومجمل اللغة 3/ 82، وتاج العروس (سلا) والقرطبي (1/ 408) .
(5)
في القرطبي «يسقاه» .
(6)
عبارة «وويلي كذلك» غير موجودة في القرطبي.
(7)
البيت منسوب لأبي صخر الهذلي برواية: «كما انتفض العصفور بلّله القطر» ، في الأغاني 5/ 169 والإنصاف 1/ 253 وخزانة الأدب 3/ 254 والدر 3/ 79 وشرح أشعار الهذليين 2/ 957 ولسان العرب (رمث) والمقاصد النحوية 3/ 67.
(8)
تفسير القرطبي 1/ 407- 408.