المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا - تفسير الشعراوي - جـ ١٩

[الشعراوي]

الفصل: ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا

ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم

} .

ص: 11710

بعد أن بيِّن الحق سبحانه أن إليه مرجع كل شيء ونهاية الأمور كلها، أراد أن يُسلِّى رسوله صلى الله عليه وسلم َ فقال:{وَمَن كَفَرَ. .} [لقمان:‌

‌ 23]

أي: بعدما قلناه من الجدل بالعلم وبالهدى وبالكتاب المنير، وبعدما بيناه من ضرورة إسلام الوجه لله، مَنْ يكفر بعد ذلك {فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ. .} [لقمان: 23]

وهذا القول من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم َ يدل على أن الله علم أن رسوله يحب أن تكون أمته كلها مؤمنة، وأنه يحزن لكفر من كفر منهم ويؤلمه ذلك، وقد كرر القرآن هذا المعنى في عدة مواضع، منها قوله تعالى:{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً} [الكهف: 6] ويقول: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَاّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3]

فالله تعالى يريد أنْ يقول لرسوله: أنا أرسلتُك للبلاغ فحسب، فإذا بلَّغْت فلا عليك بعد ذلك، وكثيراُ ما تجد في القرآن عتاباً لرسول الله في هه المسألة، وهو عتاب لصالحه لا عليه، كما تعاتب ولدك الذي أجهد نفسه في المذاكرة خوفاً عليه.

ومن ذلك قوله تعالى معاتباً نبيه صلى الله عليه وسلم َ: {عَبَسَ وتولى أَن جَآءَهُ الأعمى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يزكى} [عبس: 1 - 3]

ص: 11710

والعتاب هنا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ ترك الرجل المؤمن الذي جاءه يستفهم عن أمور دينه، وذهب يدعو الكفار والمكِّذبين به، فكأنه اختار الصعب الشاق وترك السهل اليسير، إذن: فالعتاب هنا عتاب لصالح الرسول لا ضده، كما يظن البعض في فهمهم لهذه الآيات.

كذلك الأمر في قوله تعالى: {ياأيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ

} [التحريم: 1] فالله يعاتب رسوله لأنه ضيَّق على نفسه، فحرَّم عليها ما أحله الله لها.

ثم يقول سبحانه: {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ. .} [لقمان: 23] يعني: إذا لم تَرَ فيهم عاقبة كفرهم، وما ينزل بهم في الدنيا، فسوف يرجعون إلينا ونحاسبهم في الآخرة، كما قال سبحانه في موضع آخر: {فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ

} [غافر: 77] أي: ترى بعينك ما ينزل بهم من العقاب {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [غافر: 77]

إذن: {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ. .} [لقمان: 23] هذه هي الغاية النهائية، وهذه لا تمنع أن نُريَك فيهم أشياء تُظهر عزتك وانتصارك عليهم، وانكسارهم وذِلَّتهم أمامك، وهذا ما حدث يوم الفتح يوم أنْ دخل النبي مكة منصراً ومتواضعاً يطأطئ رأسه بأدب وتواضع؛ لأنه

ص: 11711

يعلم أن النصر من الله، وكأنه صلى الله عليه وسلم َ يقول لأهل مكة: لقد كنتم تريدون الملْك لتتكبروا به، وأنا أريده لأتواضع به، وهذا هو الفرق بين عزَّة المؤمن وعِزّة الكافر.

لذلك لما تمكن رسول الله من رقابهم - بعد أنْ فعلوا به ما فعلوا - جمعهم وقال قولته المشهورة:

«يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم؟» قالوا: خيراً، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال:«اذهبوا فأنتم الطلقاء» .

ولك أنْ تلحظ تحوُّل الأسلوب من صيغة الإفراد في {وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ. .} [لقمان: 23] إلى صيغة الجمع في {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ. .} [لقمان: 23] ولم يقل: إليَّ مرجعه؛ لأن مَنْ في اللغة تقوم مقام الأسماء الموصولة كلها، فإنْ أردتَ لفظها فأفردها، وإن أردتَ معناها فاجمعه.

وقوله تعالى: {فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عملوا. .} [لقمان: 23] لأننا نُسجِّله عليهم ونحصيه، كما قال سبحانه: {أَحْصَاهُ الله وَنَسُوهُ

} [المجادلة: 6]{إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} [لقمان: 23] أي: بنات الصدر ومكنوناته يعلمها الله، حتى قبل أنْ تُترجم إلى نزوع سلوكي عملي أو قَوْلي، فالله يعلم ما يختلج في صدورهم من حقد أو غلٍّ أو حسد أو تآمر.

و {عَلِيمٌ

} [آل عمران: 119] صيغة مبالغة من العلم، وفَرْق بين عالم وعليم: عالم: ذاتٌ ثبت لها العلم، أما عليم فذات عِلْمها ذاتي؛ لذلك يقول تعالى:{وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76]

ص: 11712

ثم يقول الحق سبحانه: {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ

} .

ص: 11713

الحق سبحانه يُبيِّن لكل مؤمن ألَاّ يغتر بحال الكفار حين يراهم في حال رَغَد من العيش، وسعة وعافية وتمكُّن؛ لأن ذلك كله متاع قليل، والحق سبحانه يريد من أتباع الأنبياء أنْ يدخلوا الدين على أنه تضحية لا مغنم.

وسبق أن أوضحنا أنك تستطيع أن تُفرِّق بين مبدأ الحق ومبدأ الباطل بشيء واحد، هو استهلال الاثنين، فالداخل في مبدأ الحق مستعد لأنْ يُضحِّي، والداخل في مبدأ الباطل ينتظر أنْ يأخذ المقابل؛ لذلك ضحَّى المسلمون الأوائل في سبيل دينهم بالأنفس والأموال، وتركوا بلادهم وأبناءهم لماذا؟ لأنهم مُكلَّفون بأداء مهمة إنسانية عالمية، لا يحملها إلا مَنْ كان مستعداً للعطاء، أما أصحاب الدعوات الباطلة كالشيوعية وغيرها فلا بُدَّ أنْ يأخذوا أولاً.

لذلك روُي أن صحابياً حين سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم َ البشرى بالجنة، وأنه ليس بينه وبينها إلا أنْ يحارب فيُقتل ألقى تمرات كانت في يده، ولم ينتظر حتى يمضغها، وأسرع إلى المعركة مُبتغياً الشهادة وطامعاً فيما عند الله، وقد سُمع منهم في ساحة القتال أنْ ينادي أحدهم: هُبِّي يا رياح الجنة، وآخر يقول: إني لأجد ريح

ص: 11713

الجنة دون أحد.

فقوله تعالى: {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إلى عَذَابٍ غَلِيظٍ} [لقمان: 24] هذا التمتُّع بزينه الحياة الدنيا ما هو إلا استدراج لهم لا تكريم، وقلنا: إنك لا تلقى بعدوك من على الحصيرة مثلاً، إنما تعليه وترفعه ليكون أَخْذه أليماً وشديداً، كذلك الحق سبحانه يُمتَّعهم، لكن لفترة محدودة لتكون حسرتهم أعظم إذا ما أخذهم من هذا النعيم.

واقرأ في هذا المعنى قول الله تعالى: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أوتوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} [الأنعام: 44] أي: يائسون.

وكلمة الفتح لا تؤدي نفعاً إلا إذا جاءت معرفة (الفتح) وقلنا: هناك فرق بين فتح لك وفتح عليك، فتح لك أي: لصالحك، أمّا فتح عليك أي: أعطاك الدنيا لتكون حِمْلاً فوق رأسك.

إذن: فإذا رأيت لهم هذا الفتح فلا تغترّ به، واعلم انهم نَسُوا ما ذُكَّروا به. وقد ورد في الأثر أن الله تعالى إذا غضب من المرء رزقه من الحرام، فإذا اشتد غضبه عليه بارك له فيه.

ذلك ليظل في سَعَة ورَغَد عيش وعُلو مكان، حتى إذا أخذه الله آلمه الأخذ واشتد عليه، فأخْذُ الكافر وهو في أَوْج قوته وجبروته يدل

ص: 11714

على قوة الأَخْذ وقدرته، أما الضعيف فلا مزيّة في أَخْذه، كالذي يريد أنْ يحطم الرقم القياسي مثلاً، فإنه يعمد إلى أعلى الأرقام فيحطمها ليثبت جدارته.

ومن ذلك أيضاً نرى أن القرآن لما أراد التحدي ببلاغته وفصاحته تحدَّى العرب، وهم أهل الفصاحة والبلاغة وفن الأداء البياني، ولا معنى لأنْ يتحدى عَيّياً لا يقدر على الكلام.

ومعنى {نَضْطَرُّهُمْ. .} [لقمان: 24] نلجئهم أي: نُضيِّق عليهم الخناق، بحيث لا يجدون إلا العذابَ الغليظ، أو: أن فترة الحساب وما قبل العذاب أشدّ من العذاب نفسه، كما جاء في الحديث من «أن الشمس تدنو من الرؤوس، حتى ليتمنى الناسُ الانصرافَ ولو إلى النار» .

ووصف العذاب هنا بأنه {غَلِيظٍ} [لقمان: 24] والغِلظ يعني السُّمْك، فالمعنى أنه عذاب كبير يصعب قلقلة النفس منه، فلو كان رقيقاً لربما أمكن الإفلات منه.

ثم يعود السياق إليهم: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ

} .

ص: 11715