الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لِأَنَّ بَيْنَهُمَا وَاوًا فِي اللَّفْظِ لَا فِي الْخَطِّ. قَالَ النَّحَّاسُ: أَجَازَ سِيبَوَيْهِ أَنْ تُحْذَفَ هَذِهِ الْوَاوُ وَأَنْشَدَ:
لَهُ زَجَلٌ كَأَنَّهُ صَوْتُ حَادٍ
…
إِذَا طَلَبَ الْوَسِيقَةَ أَوْ زَمِيرُ «1»
فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ الْإِدْغَامُ وَهُوَ رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ" التَّوَّابُ" خَبَرُهُ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ" إِنَّ". وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ" هُوَ" تَوْكِيدًا لِلْهَاءِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فَاصِلَةً، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ لَمَّا أُهْبِطَ آدَمُ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ فيها شي غَيْرَ النَّسْرِ فِي الْبَرِّ وَالْحُوتِ فِي الْبَحْرِ فَكَانَ النَّسْرُ يَأْوِي إِلَى الْحُوتِ فَيَبِيتُ عِنْدَهُ فَلَمَّا رَأَى النَّسْرُ آدَمَ قَالَ: يَا حُوتُ لقد أهبط اليوم إلى الأرض شي يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْهِ وَيَبْطِشُ بِيَدَيْهِ! فَقَالَ الْحُوتُ: لئن كنت صادقا مالى مِنْهُ فِي الْبَحْرِ مَنْجًى وَلَا لَكَ فِي البر منه مخلص!.
[سورة البقرة (2): آية 38]
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْنَا اهْبِطُوا) كَرَّرَ الْأَمْرَ عَلَى جِهَةِ التَّغْلِيظِ وَتَأْكِيدِهِ، كَمَا تَقُولُ لِرَجُلٍ: قُمْ قُمْ. وَقِيلَ: كَرَّرَ الْأَمْرَ لَمَّا عَلَّقَ بِكُلِ أَمْرِ مِنْهُمَا حُكْمًا غَيْرَ حُكْمِ الْآخَرِ فَعَلَّقَ بِالْأَوَّلِ الْعَدَاوَةَ وَبِالثَّانِي إِتْيَانَ الْهُدَى. وَقِيلَ: الْهُبُوطُ الْأَوَّلُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى السَّمَاءِ وَالثَّانِي مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ. وَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْإِسْرَاءِ عَلَى مَا يَأْتِي «2» . (جَمِيعاً) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لَمَّا هَبَطَ آدَمُ عليه السلام إِلَى الْأَرْضِ قَالَ إِبْلِيسُ لِلسِّبَاعِ: إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكُمْ فَأَهْلِكُوهُ فَاجْتَمَعُوا وولوا أمرهم إلى الكلب
(1). البيت للشماخ. وصف حمار وحش هائجا فيقول: إذا طلب وسيقته- وهي أنثاه التي يضمها- صوت بها وكان صوته لما فيه من الزجل والحنين ومن حسن الترجيع والتطريب صوت حاد بإبل يتغنى ويطربها أو صوت مزمار. والزجل: صوت فيه حنين وترنم. (عن شرح الشواهد).
(2)
. راجع ج 10 ص 205
وَقَالُوا: أَنْتَ أَشْجَعُنَا وَجَعَلُوهُ رَئِيسًا فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ آدَمُ عليه السلام تَحَيَّرَ فِي ذَلِكَ فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ عليه السلام وَقَالَ لَهُ: امْسَحْ يَدَكَ عَلَى رَأْسِ الْكَلْبِ فَفَعَلَ فَلَمَّا رَأَتِ السِّبَاعُ أَنَّ الْكَلْبَ أَلِفَ آدَمَ تَفَرَّقُوا. وَاسْتَأْمَنَهُ الْكَلْبُ فَأَمِنَهُ آدَمُ فَبَقِي مَعَهُ وَمَعَ أَوْلَادِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ نَحْوَ هَذَا وَأَنَّ آدَمَ عليه السلام لَمَّا أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ جَاءَ إِبْلِيسُ إِلَى السِّبَاعِ فَأَشْلَاهُمْ «1» عَلَى آدَمَ لِيُؤْذُوهُ وَكَانَ أَشَدَّهُمْ عَلَيْهِ الْكَلْبُ فَأُمِيتَ فُؤَادُهُ فَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام أَمَرَهُ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَوَضَعَهَا فَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ وَأَلِفَهُ فَصَارَ مِمَّنْ يَحْرُسُهُ وَيَحْرُسُ وَلَدَهُ ويألفهم. ويموت فُؤَادِهِ يَفْزَعُ مِنَ الْآدَمِيِّينَ فَلَوْ رُمِيَ بِمَدَرٍ وَلَّى هَارِبًا ثُمَّ يَعُودُ آلِفًا لَهُمْ. فَفِيهِ شُعْبَةٌ مِنْ إِبْلِيسَ وَفِيهِ شُعْبَةٌ مِنْ مَسْحَةِ آدَمَ عليه السلام فَهُوَ بِشُعْبَةِ إِبْلِيسَ يَنْبَحُ وَيَهِرُّ وَيَعْدُو عَلَى الْآدَمِيِّ وَبِمَسْحَةِ آدَمَ مَاتَ فُؤَادُهُ حَتَّى ذَلَّ وَانْقَادَ وَأَلِفَ بِهِ وَبِوَلَدِهِ يَحْرُسُهُمْ وَلَهَثُهُ «2» عَلَى كُلِّ أَحْوَالِهِ مِنْ مَوْتِ فُؤَادِهِ وَلِذَلِكَ شَبَّهَ اللَّهُ سبحانه وتعالى الْعُلَمَاءَ السُّوءَ بِالْكَلْبِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي" الْأَعْرَافِ"«3» إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَنَزَلَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْعَصَا الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ آيَةً لِمُوسَى فَكَانَ يَطْرُدُ بِهَا السِّبَاعَ عَنْ نَفْسِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً) اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ" هُدىً" فَقِيلَ: كِتَابُ اللَّهِ قَالَهُ السُّدِّيُّ. وَقِيلَ: التَّوْفِيقُ لِلْهِدَايَةِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: الْهُدَى الرُّسُلُ وَهِيَ إِلَى آدَمَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَإِلَى بَنِيهِ مِنَ الْبَشَرِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَخَرَّجَهُ الْآجُرِّيُّ. وَفِي قَوْلِهِ" مِنِّي" إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ خَلْقٌ لِلَّهِ تَعَالَى خِلَافًا لِلْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ «4» وَقَرَأَ الْجَحْدَرِيُّ" هُدَيَّ" وَهُوَ لُغَةُ هُذَيْلٍ يَقُولُونَ: هُدَيَّ وَعَصَيَّ وَمَحْيَيَّ. وَأَنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ لِأَبِي ذُؤَيْبٍ يَرْثِي بَنِيهِ:
سَبَقُوا هَوَيَّ وَأَعْنَقُوا لِهَوَاهُمُ
…
فَتُخُرِّمُوا وَلِكُلِ جنب مصرع «5»
(1). أشلاهم: أغراهم.
(2)
. لهث الكلب: إِذَا أَخْرَجَ لِسَانَهُ مِنَ التَّعَبِ أَوِ الْعَطَشِ.
(3)
. راجع ج 7 ص 323.
(4)
. راجع المسألة الثالثة ص 186 من هذا الجزء.
(5)
. (هوي): يريد هواى أي ماتوا قبلي وكنت أحب أن أموت قبلهم. (وأعنقوا لهواهم) جعلهم كأنهم هووا الذهاب إلى المنية لسرعتهم إليها وهم لم يهووها. (فتخرموا) أي أخذوا واحدا واحدا.