الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ «1» " فَأَسْنَدَ الْإِعْجَابَ إِلَى الْأَمْوَالِ، وَالْمَعْنَى: لَا تُعْجِبُكَ يَا مُحَمَّدُ أَمْوَالُهُمْ. وَيَزِيدُكَ وُضُوحًا قَوْلُ الزَّجَّاجِ: إِنَّ الْمَعْنَى لَا تَصْرِفْ بَصَرَكَ عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ وَالزِّينَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا) يروى جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:" وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا" قَالَ: نَزَلَتْ فِي أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ دَعَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم إِلَى أَمْرٍ كَرِهَهُ مِنْ تَجَرُّدِ الْفُقَرَاءِ عَنْهُ وَتَقْرِيبِ صَنَادِيدِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:" وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا" يَعْنِي مَنْ خَتَمْنَا عَلَى قَلْبِهِ عَنِ التَّوْحِيدِ. (وَاتَّبَعَ هَواهُ) يَعْنِي الشِّرْكَ. (وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) قِيلَ: هُوَ مِنَ التَّفْرِيطِ الَّذِي هُوَ التَّقْصِيرُ وَتَقْدِيمُ الْعَجْزِ بِتَرْكِ الْإِيمَانِ. وَقِيلَ: مِنَ الْإِفْرَاطِ وَمُجَاوَزَةِ الْحَدِّ، وَكَأَنَّ الْقَوْمَ قَالُوا: نَحْنُ أَشْرَافُ مُضَرٍ إِنْ أَسْلَمْنَا أَسْلَمَ النَّاسُ، وَكَانَ هَذَا مِنَ التَّكَبُّرِ وَالْإِفْرَاطِ فِي الْقَوْلِ. وَقِيلَ:" فُرُطاً" أَيْ قُدُمًا فِي الشَّرِّ، مِنْ قَوْلِهِمْ: فَرَطَ مِنْهُ أَمْرٌ أَيْ سَبَقَ. وَقِيلَ: مَعْنَى" أَغْفَلْنا قَلْبَهُ" وَجَدْنَاهُ غَافِلًا، كَمَا تَقُولُ: لَقِيتُ فُلَانًا فَأَحْمَدْتُهُ، أَيْ وَجَدْتُهُ مَحْمُودًا. وقال عمرو بن معد يكرب لِبَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ: وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْنَاكُمْ فَمَا أَبْخَلْنَاكُمْ، وَقَاتَلْنَاكُمْ فَمَا أَجَبَنَّاكُمْ، وَهَاجَيْنَاكُمْ فَمَا أَفْحَمْنَاكُمْ، أَيْ مَا وَجَدْنَاكُمْ بُخَلَاءً وَلَا جُبَنَاءَ وَلَا مُفْحَمِينَ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ،" وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا" فِي عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيِّ، ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَحَكَاهُ النَّحَّاسُ عن سفيان الثوري. والله أعلم.
[سورة الكهف (18): آية 29]
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (29)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ)" الْحَقُّ" رُفِعَ عَلَى خَبَرِ الِابْتِدَاءِ الْمُضْمَرِ، أَيْ قُلْ هُوَ الْحَقُّ. وَقِيلَ: هُوَ رَفْعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَخَبَرُهُ في قوله:
(1). راجع ج 8 ص 164.
" مِنْ رَبِّكُمْ". وَمَعْنَى الْآيَةِ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْفَلْنَا قُلُوبَهُمْ عَنْ ذِكْرِنَا: أَيُّهَا النَّاسُ! مِنْ رَبِّكُمُ الْحَقُّ فَإِلَيْهِ التَّوْفِيقُ وَالْخِذْلَانُ، وَبِيَدِهِ الْهُدَى وَالضَّلَالُ، يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَيُؤْمِنُ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ فَيَكْفُرُ، لَيْسَ إِلَيَّ مِنْ ذلك شي، فَاللَّهُ يُؤْتِي الْحَقَّ مَنْ يَشَاءُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا، وَيَحْرِمُهُ مَنْ يَشَاءُ وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا غَنِيًّا، وَلَسْتُ بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ لِهَوَاكُمْ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَآمِنُوا، وَإِنْ شِئْتُمْ فَاكْفُرُوا. وَلَيْسَ هَذَا بِتَرْخِيصٍ وَتَخْيِيرٍ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَعِيدٌ وَتَهْدِيدٌ. أَيْ إِنْ كَفَرْتُمْ فَقَدْ أَعَدَّ لَكُمُ النار، وإن آمنتم فلكم الجنة. قوله تعالى:(إِنَّا أَعْتَدْنا) أَيْ أَعْدَدْنَا. (لِلظَّالِمِينَ) أَيْ لِلْكَافِرِينَ الْجَاحِدِينَ. (نَارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: السُّرَادِقُ وَاحِدُ السُّرَادِقَاتِ الَّتِي تُمَدُّ فَوْقَ صَحْنِ الدَّارِ. وَكُلُّ بَيْتٍ مِنْ كُرْسُفٍ «1» فَهُوَ سُرَادِقٌ. قَالَ رُؤْبَةُ «2» :
يَا حَكَمُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَارُودِ
…
سُرَادِقُ الْمَجْدِ عَلَيْكَ مَمْدُودُ
يُقَالُ: بَيْتٌ مُسَرْدَقٌ. وَقَالَ سَلَامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ يَذْكُرُ أَبْرَوِيزَ «3» وَقَتْلَهُ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ تَحْتَ أَرْجُلِ الْفِيَلَةِ:
هُوَ الْمُدْخِلُ النُّعْمَانَ بَيْتًا سَمَاؤُهُ
…
صُدُورُ الْفُيُولُ بَعْدَ بَيْتٍ مُسَرْدَقِ
وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ:" سُرادِقُها" سُورُهَا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: حَائِطٌ مِنْ نَارٍ. الْكَلْبِيُّ: عُنُقٌ تَخْرُجُ مِنَ النَّارِ فَتُحِيطُ بِالْكُفَّارِ كَالْحَظِيرَةِ. الْقُتَبِيُّ: السُّرَادِقُ الْحُجْزَةُ الَّتِي تَكُونُ حَوْلَ الفسطاط. وقال ابْنُ عُزَيْزٍ. وَقِيلَ: هُوَ دُخَانٌ يُحِيطُ بِالْكُفَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ" وَالْمُرْسَلَاتِ". حَيْثُ يَقُولُ:" انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ «4» " وَقَوْلُهُ:" وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ «5» " قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ الْبَحْرُ الْمُحِيطُ بِالدُّنْيَا. وَرَوَى يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:" الْبَحْرُ هُوَ جَهَنَّمُ- ثُمَّ تَلَا- نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سرادقها"-
(1). الكرفس: القطن. [ ..... ]
(2)
. كذا في الأصل واللسان، واستدرك عليه صاحب اللسان بأنه الكذب الحرمازي، وتابعه على هذا سيبويه والأعلم الشنتمرى. مدح الراجز أحد بنى المنذر بن الجارود العبدى، وحكم هذا أحد ولاة البصرة لهشام بن عبد الملك. وسمي جده الجارود لأنه أعار على قوم فاكتسح أموالهم: فشبه بالسيل الذي يجرد ما مر به.
(3)
. بفتح الواو وكسرها، ملك من ملوك الفرس.
(4)
. راجع ج 19 ص 160.
(5)
. راجع ج 17 ص 212.
ثم قال- والله لا أدخلها أبدا دُمْتُ حَيًّا وَلَا يُصِيبُنِي مِنْهَا قَطْرَةٌ" ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَخَرَّجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" لِسُرَادِقِ النَّارِ أَرْبَعُ جُدُرٍ كُثُفٍ «1» كُلُّ جِدَارٍ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً". وَخَرَّجَهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ فِيهِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. قُلْتُ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّرَادِقَ مَا يَعْلُو الْكُفَّارَ مِنْ دُخَانٍ أَوْ نَارٍ، وَجُدُرُهُ مَا وُصِفَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمُهْلُ مَاءٌ غَلِيظٌ مِثْلُ دُرْدِيِّ «2» الزَّيْتِ. مُجَاهِدٌ: الْقَيْحُ وَالدَّمُ. الضَّحَّاكُ: مَاءٌ أَسْوَدُ، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَسَوْدَاءُ، وَمَاؤُهَا أَسْوَدُ وَشَجَرهَا أَسْوَدُ وَأَهْلُهَا سُودٌ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ كُلُّ مَا أُذِيبَ مِنْ جَوَاهِرِ الْأَرْضِ مِنْ حَدِيدٍ وَرَصَاصٍ ونحاس وقصدير، فَتَمُوجُ بِالْغَلَيَانِ، فَذَلِكَ الْمُهْلُ. وَنَحْوُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ. وَقَالَ: الْمُهْلُ ضَرْبٌ مِنَ القطران، يقال: مهلت البعير فهو ممهول. وفيل: هُوَ السُّمُّ. وَالْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبٌ. وَفِي التِّرْمِذِيُّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي قَوْلِهِ" كَالْمُهْلِ" قَالَ:" كَعَكَرِ الزَّيْتِ فَإِذَا قَرَّبَهُ إِلَى وَجْهِهِ سَقَطَتْ فَرْوَةُ وَجْهِهِ" قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ وَرِشْدِينُ قَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ. وَخَرَّجَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي قوله:" وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ «3» " قَالَ:" يُقَرَّبُ إِلَى فِيهِ فَيَكْرَهُهُ فَإِذَا أُدْنِيَ مِنْهُ شَوَى وَجْهَهُ وَوَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ إذا شَرِبَهُ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى" وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ «4» " يَقُولُ" وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً" قَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ. قُلْتُ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ تِلْكَ الْأَقْوَالِ، وَأَنَّهَا مُرَادَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهَا أَهْلُ اللُّغَةِ. فِي الصِّحَاحِ" الْمُهْلُ" النحاس المذاب. ابن الاعرابي: المهل لمذاب من
(1). الكثف: جمع كثيف، وهو الثخين الغليظ.
(2)
. الدردي (بالضم): ما يبقى في الأسفل.
(3)
. راجع ج 9 ص 51 3.
(4)
. راجع ج 16 ص 236.