الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ) أَيْ من هَذِهِ الشَّدَائِدِ وَالْأَهْوَالِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ. (لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) أَيْ مِنَ الْعَامِلِينَ بِطَاعَتِكَ عَلَى نِعْمَةِ الْخَلَاصِ. (فَلَمَّا أَنْجاهُمْ) أَيْ خلصهم وأنقذ هم. (إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) أَيْ يَعْمَلُونَ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ وَبِالْمَعَاصِي. وَالْبَغْيُ: الْفَسَادُ وَالشِّرْكُ، مِنْ بَغَى الْجُرْحُ إِذَا فَسَدَ، وَأَصْلُهُ الطَّلَبُ، أَيْ يَطْلُبُونَ الِاسْتِعْلَاءَ بِالْفَسَادِ. (بِغَيْرِ الْحَقِّ) أَيْ بِالتَّكْذِيبِ، وَمِنْهُ بَغَتِ الْمَرْأَةُ طَلَبَتْ غَيْرَ زَوْجِهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ) أَيْ وَبَالُهُ عَائِدٌ عَلَيْكُمْ، وَتَمَّ الْكَلَامُ، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ:" مَتاعَ «1» الْحَياةِ الدُّنْيا" أَيْ هُوَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلَا بَقَاءَ لَهُ. قَالَ النَّحَّاسُ: بَغْيُكُمْ" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ" مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا". وَ" عَلى أَنْفُسِكُمْ" مَفْعُولُ مَعْنَى فِعْلِ الْبَغْيِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرُهُ" عَلى أَنْفُسِكُمْ" وَتُضْمِرُ مُبْتَدَأً، أَيْ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، أَوْ هُوَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَبَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ حَرْفٌ «2» لَطِيفٌ، إِذَا رَفَعْتَ مَتَاعًا عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ" بَغْيُكُمْ" فَالْمَعْنَى إِنَّمَا بَغْيُ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، مِثْلُ:" فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ" [النور: 61] وكذا" لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ" [التوبة: 128]. وَإِذَا كَانَ الْخَبَرُ" عَلى أَنْفُسِكُمْ" فَالْمَعْنَى إِنَّمَا فَسَادُكُمْ رَاجِعٌ عَلَيْكُمْ، مِثْلُ" وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها". وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَرَادَ أَنَّ الْبَغْيَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، أَيْ عُقُوبَتُهُ تُعَجَّلُ لِصَاحِبِهِ فِي الدُّنْيَا، كَمَا يُقَالُ: الْبَغْيُ مَصْرَعَةٌ. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ" مَتَاعَ" بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ، أَيْ تَتَمَتَّعُونَ مَتَاعَ الحياة الدنيا. أو ينزع الْخَافِضِ، أَيْ لِمَتَاعِ، أَوْ مَصْدَرٌ، بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ عَلَى الْحَالِ، أَيْ مُتَمَتِّعِينَ. أَوْ هُوَ نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِ، أَيْ فِي مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَمُتَعَلِّقُ الظَّرْفِ وَالْجَارِّ وَالْحَالِ مَعْنَى الْفِعْلِ فِي الْبَغْيِ. وَ" عَلى أَنْفُسِكُمْ" مَفْعُولُ ذَلِكَ الْمَعْنَى.
[سورة يونس (10): آية 24]
إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24)
(1). قراءة الجمهور الضم والفتح قراءة حفص وبعض.
(2)
. حرف: كذا في الأصول أي ميل قليل أو تغيير قليل.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ) مَعْنَى الْآيَةِ التَّشْبِيهُ وَالتَّمْثِيلُ، أَيْ صِفَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي فَنَائِهَا وَزَوَالِهَا وقلة خطر ها وَالْمَلَاذِّ بِهَا كَمَاءٍ، أَيْ مِثْلُ مَاءٍ، فَالْكَافُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ. وَسَيَأْتِي لِهَذَا التَّشْبِيهِ مَزِيدُ بَيَانٍ فِي" الْكَهْفِ"«1» إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى." أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ" نَعْتٌ لِ"- مَاءٍ". (فَاخْتَلَطَ) رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى" فَاخْتَلَطَ" أَيْ فَاخْتَلَطَ الْمَاءُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ ابْتَدَأَ (بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ) أَيْ بِالْمَاءِ نَبَاتُ الْأَرْضِ، فَأَخْرَجَتْ أَلْوَانًا مِنَ النَّبَاتِ، فَنَبَاتٌ عَلَى هَذَا ابْتِدَاءٌ، وَعَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَمْ يَقِفْ عَلَى" فَاخْتَلَطَ" مَرْفُوعٌ بِاخْتَلَطَ، أَيِ اخْتَلَطَ النَّبَاتُ بِالْمَطَرِ، أَيْ شَرِبَ مِنْهُ فَتَنَدَّى وَحَسُنَ وَاخْضَرَّ. وَالِاخْتِلَاطُ تَدَاخُلُ الشَّيْءِ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى:(مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ) مِنَ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَالْبُقُولِ. (وَالْأَنْعامُ) مِنَ الْكَلَإِ وَالتِّبْنِ وَالشَّعِيرِ. (حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها) أَيْ حُسْنَهَا وَزِينَتَهَا. وَالزُّخْرُفُ كَمَالُ حُسْنِ الشَّيْءِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلذَّهَبِ: زُخْرُفٌ. (وَازَّيَّنَتْ) أَيْ بِالْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَالْأَزْهَارِ، وَالْأَصْلُ تَزَيَّنَتْ أُدْغِمَتِ التاء في الزاي وجئ بِأَلِفِ الْوَصْلِ، لِأَنَّ الْحَرْفَ الْمُدْغَمَ مَقَامُ حَرْفَيْنِ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا سَاكِنٌ وَالسَّاكِنُ لَا يُمْكِنُ الِابْتِدَاءُ بِهِ. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ" وَتَزَيَّنَتْ" عَلَى الْأَصْلِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَالْأَعْرَجُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ" وَأَزْيَنَتْ" أَيْ أَتَتْ بِالزِّينَةِ عَلَيْهَا، أَيِ الْغَلَّةِ وَالزَّرْعِ، وَجَاءَ بِالْفِعْلِ عَلَى أَصْلِهِ وَلَوْ أعله لقال وازانت. وقال عوف ابن أَبِي جَمِيلَةَ الْأَعْرَابِيُّ: قَرَأَ أَشْيَاخُنَا" وَازْيَانَّتْ" وَزْنُهُ اسْوَادَّتْ. وَفِي رِوَايَةِ الْمُقَدِّمِيِّ" وَازَّايَنَتْ" وَالْأَصْلُ فِيهِ تَزَايَنَتْ، وَزْنُهُ تَقَاعَسَتْ ثُمَّ أُدْغِمَ. وَقَرَأَ الشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ" وَأَزْيَنَتْ" مِثْلُ أفْعَلَتْ. وَقَرَأَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ" وَازْيَنَتْ" مِثْلُ افْعَلَتْ، وَعَنْهُ أَيْضًا" وَازْيَانَتْ مِثْلُ افْعَالَتْ، وَرُوِيَ عَنْهُ" ازْيَأَنَتْ" بِالْهَمْزَةِ، ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى:(وَظَنَّ أَهْلُها) أَيْ أَيْقَنَ. (أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها) أَيْ عَلَى حَصَادِهَا وَالِانْتِفَاعِ بِهَا، أَخْبَرَ عَنِ الْأَرْضِ وَالْمَعْنِيُّ النَّبَاتُ إِذْ كان مفهوما وهو منها. وقيل: رد
(1). راجع ج 10 ص 412.