الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ" تَثَاقَلْتُمْ" عَلَى الْأَصْلِ. حَكَاهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَكَانَتْ تَبُوكُ- وَدَعَا النَّاسَ إِلَيْهَا «1» - فِي حَرَارَةِ الْقَيْظِ وَطِيبِ الثِّمَارِ وَبَرْدِ الظِّلَالِ- كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَلَى مَا يَأْتِي- فَاسْتَوْلَى عَلَى النَّاسِ الْكَسَلُ فَتَقَاعَدُوا وَتَثَاقَلُوا فَوَبَّخَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ هَذَا وَعَابَ عَلَيْهِمُ الْإِيثَارَ لِلدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ. وَمَعْنَى (أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ) أَيْ بَدَلًا، التَّقْدِيرُ: أَرَضِيتُمْ بِنَعِيمِ الدُّنْيَا بَدَلًا مِنْ نَعِيمِ الْآخِرَةِ فَ"- مِنَ" تَتَضَمَّنُ مَعْنَى الْبَدَلِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:" وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ"«2» [الزخرف: 60] أَيْ بَدَلًا مِنْكُمْ. وَقَالَ الشَّاعِرُ «3» :
فَلَيْتَ لَنَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً
…
مُبَرَّدَةً بَاتَتْ عَلَى طَهَيَانِ
وَيُرْوَى مِنْ مَاءِ حَمْنَانَ «4» . أَرَادَ: لَيْتَ لَنَا بَدَلًا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً. وَالطَّهَيَانُ: عُودٌ يُنْصَبُ فِي نَاحِيَةِ الدَّارِ لِلْهَوَاءِ، يُعَلَّقُ عَلَيْهِ الْمَاءُ حَتَّى يَبْرُدَ. عَاتَبَهُمُ اللَّهُ عَلَى إِيثَارِ الرَّاحَةِ فِي الدُّنْيَا عَلَى الرَّاحَةِ فِي الْآخِرَةِ، إِذْ لَا تُنَالُ رَاحَةُ الْآخِرَةِ إِلَّا بِنَصَبِ الدُّنْيَا. قَالَ صلى الله عليه وسلم لِعَائِشَةَ وَقَدْ طَافَتْ رَاكِبَةً:(أَجْرُكِ عَلَى قدر نصبك). خرجه البخاري.
[سورة التوبة (9): آية 39]
إِلَاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)
فِيهِ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ- وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى:" إِلَّا تَنْفِرُوا" شَرْطٌ، فَلِذَلِكَ حُذِفَتْ مِنْهُ النُّونُ. وَالْجَوَابُ" يُعَذِّبْكُمْ"،" وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ" وَهَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وَوَعِيدٌ مُؤَكَّدٌ فِي تَرْكِ النَّفِيرِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَمِنْ مُحَقَّقَاتِ الْأُصُولِ أَنَّ الْأَمْرَ إِذَا وَرَدَ فَلَيْسَ فِي وُرُودِهِ أَكْثَرُ مِنِ اقْتِضَاءِ الْفِعْلِ. فَأَمَّا الْعِقَابُ عِنْدَ التَّرْكِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَا يقتضيه
(1). قوله: (ودعا الناس إليها) قال ابن إسحاق: .. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له، إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بينها للناس لبعد الشقة وشدة الزمان .. إلخ.
(2)
. راجع ج 16 ص 194.
(3)
. هو يعلى بن مسلم بن قيس الشكري، كما في اللسان. وقيل إنه الأحول الكندي.
(4)
. حمنان: مكة.
الِاقْتِضَاءُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْعِقَابُ بِالْخَبَرِ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: إِنْ لَمْ تَفْعَلْ كَذَا عَذَّبْتُكَ بِكَذَا، كَمَا وَرَدَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. فَوَجَبَ بِمُقْتَضَاهَا النَّفِيرُ لِلْجِهَادِ وَالْخُرُوجُ إِلَى الْكُفَّارِ لِمُقَاتَلَتِهِمْ عَلَى أَنْ تكون كلمة الله هي العليا. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:" إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً" وَ" مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ" إلى قوله-" يَعْمَلُونَ"«1» [التوبة: 120] نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي تَلِيهَا:" وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً"[التوبة: 122]. وَهُوَ قَوْلُ الضَّحَّاكِ وَالْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ." يُعَذِّبْكُمْ" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ حَبْسُ الْمَطَرِ عَنْهُمْ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُ فَهُوَ أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ قَالَهُ، وَإِلَّا فَالْعَذَابُ الْأَلِيمُ هُوَ فِي الدُّنْيَا بِاسْتِيلَاءِ الْعَدُوِّ وَبِالنَّارِ فِي الْآخِرَةِ. قُلْتُ: قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ نُفَيْعٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ" إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً" قَالَ: فَأَمْسَكَ عَنْهُمُ الْمَطَرَ فَكَانَ عَذَابَهُمْ. وَذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ مَرْفُوعًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اسْتَنْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبِيلَةً مِنَ الْقَبَائِلِ فَقَعَدَتْ، فَأَمْسَكَ اللَّهُ عنهم المطر وعذبها به. و" أليم" بِمَعْنَى مُؤْلِمٍ، أَيْ مُوجِعٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ «2». (وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ) تَوَعَّدَ بِأَنْ يُبَدِّلَ لِرَسُولِهِ قَوْمًا لا يقعدون عند استنفاره أيا هم. قِيلَ: أَبْنَاءُ فَارِسٍ. وَقِيلَ: أَهْلُ الْيَمَنِ. (وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً) عَطْفٌ. وَالْهَاءُ قِيلَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَالتَّثَاقُلُ عَنِ الْجِهَادِ مَعَ إِظْهَارِ الْكَرَاهَةِ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ. فَأَمَّا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ فَمَنْ عَيَّنَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَرُمَ عَلَيْهِ التَّثَاقُلُ وَإِنْ أَمِنَ مِنْهُمَا فَالْفَرْضُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ وُجُوبُ النَّفِيرِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَظُهُورِ الْكَفَرَةِ وَاشْتِدَادِ شَوْكَتِهِمْ. وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِدْعَاءِ فَعَلَى هَذَا لَا يَتَّجِهُ الْحَمْلُ عَلَى وَقْتِ ظُهُورِ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّ وُجُوبَ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِالِاسْتِدْعَاءِ، لِأَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ. وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالِاسْتِدْعَاءُ وَالِاسْتِنْفَارُ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا شَيْئًا لَمْ يَجِبْ مِنْ قَبْلُ إِلَّا أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا عَيَّنَ قَوْمًا وَنَدَبَهُمْ إِلَى الْجِهَادِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَتَثَاقَلُوا عِنْدَ التَّعْيِينِ وَيَصِيرُ بِتَعْيِينِهِ فَرْضًا عَلَى مَنْ عَيَّنَهُ لَا لِمَكَانِ الْجِهَادِ وَلَكِنْ لِطَاعَةِ الْإِمَامِ. وَاللَّهُ أعلم.
(1). راجع ص 290 من هذا الجزء.
(2)
. راجع ج 1 ص 198. [ ..... ]