الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَأَمَا سُقُوطُهُ يُبْطِلُ الْقُرْآنَ، وَلُزُومُ أَصْحَابِهِ الْبُهْتَانَ. (أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ)" أَنَّ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أَيْ أَنَّهُ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ (لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً) وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى:(وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ) أَيْ دَاهِيَةٌ تَفْجَؤُهُمْ بِكُفْرِهِمْ وَعُتُوِّهِمْ، وَيُقَالُ: قَرَعَهُ أَمْرٌ إِذَا أَصَابَهُ، وَالْجَمْعُ قَوَارِعُ، وَالْأَصْلُ فِي الْقَرْعِ الضَّرْبُ، قَالَ «1»:
أَفْنَى تِلَادِي وَمَا جَمَّعْتُ مِنْ نَشَبٍ
…
قَرْعُ الْقَوَاقِيزِ أَفْوَاهَ الْأَبَارِيقِ
أَيْ لَا يَزَالُ الْكَافِرُونَ تُصِيبُهُمْ دَاهِيَةٌ مُهْلِكَةٌ مِنْ صَاعِقَةٍ كَمَا أَصَابَ أَرْبَدَ أَوْ مِنْ قَتْلٍ أَوْ مِنْ أَسْرٍ أَوْ جَدْبٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعَذَابِ وَالْبَلَاءِ، كَمَا نَزَلَ بِالْمُسْتَهْزِئِينَ، وَهُمْ رُؤَسَاءُ الْمُشْرِكِينَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْقَارِعَةُ النَّكْبَةُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَعِكْرِمَةُ: الْقَارِعَةُ الطَّلَائِعُ وَالسَّرَايَا الَّتِي كَانَ يُنَفِّذُهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَهُمْ (أَوْ تَحُلُّ) أَيِ الْقَارِعَةُ. (قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ) قَالَهُ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوْ تَحُلُّ أَنْتَ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ. وَقِيلَ: نَزَلَتِ الْآيَةُ بِالْمَدِينَةِ، أَيْ لَا تَزَالُ تُصِيبُهُمُ الْقَوَارِعُ فَتَنْزِلُ بِسَاحَتِهِمْ أَوْ بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ كَقُرَى الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ. (حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ) فِي فَتْحِ مَكَّةَ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، أَيْ تُصِيبُهُمُ الْقَوَارِعُ، وَتَخْرُجُ عَنْهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ يَا مُحَمَّدُ، فَتَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ، أَوْ تَحُلُّ بِهِمْ مُحَاصِرًا لَهُمْ، وَهَذِهِ الْمُحَاصَرَةُ لِأَهْلِ الطَّائِفِ، وَلِقِلَاعِ خَيْبَرَ، وَيَأْتِي وَعْدُ اللَّهِ بِالْإِذْنِ لَكَ فِي قِتَالِهِمْ وَقَهْرِهِمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: وَعْدُ اللَّهِ يوم القيامة.
[سورة الرعد (13): الآيات 32 الى 34]
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (32) أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (33) لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (34)
(1). هو الأقيشر الأسدي، واسمه المغيرة بن عبد الله. والتلاد: المال القديم الموروث. والنشب: الضياع والبساتين وما جدده بعمله. والقوافيز (جمع قافوزة) وهى أوان يشرب بها الخمر. [ ..... ]
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ) تَقَدَّمَ مَعْنَى الِاسْتِهْزَاءِ فِي" الْبَقَرَةِ"«1» وَمَعْنَى الْإِمْلَاءِ فِي" آلِ عِمْرَانَ"«2» أَيْ سُخِرَ بِهِمْ، وَأُزْرِيَ عَلَيْهِمْ، فَأَمْهَلْتُ الْكَافِرِينَ مُدَّةً لِيُؤْمِنَ مَنْ كَانَ فِي عِلْمِي أَنَّهُ يُؤْمِنُ مِنْهُمْ، فَلَمَّا حَقَّ الْقَضَاءُ أَخَذْتُهُمْ بِالْعُقُوبَةِ. (فَكَيْفَ كانَ عِقابِ) أَيْ فَكَيْفَ رَأَيْتُمْ مَا صَنَعْتُ بِهِمْ، فَكَذَلِكَ أَصْنَعُ بِمُشْرِكِي قَوْمِكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى:(أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ) لَيْسَ هَذَا الْقِيَامُ الْقِيَامَ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْقُعُودِ، بَلْ هُوَ بِمَعْنَى التَّوَلِّي لِأُمُورِ الْخَلْقِ، كَمَا يُقَالُ: قَامَ فُلَانٌ بِشُغْلِ كَذَا، فَإِنَّهُ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ أَيْ يُقْدِرُهَا عَلَى الْكَسْبِ، وَيَخْلُقُهَا وَيَرْزُقُهَا وَيَحْفَظُهَا وَيُجَازِيهَا عَلَى عَمَلِهَا، فَالْمَعْنَى: أَنَّهُ حَافِظٌ لَا يَغْفُلُ، وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ، وَالْمَعْنَى: أَفَمَنْ هُوَ حَافِظٌ لَا يَغْفُلُ كَمَنْ يَغْفُلُ. وَقِيلَ:" أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ" أَيْ عَالِمٌ، قَالَهُ الْأَعْمَشُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
فَلَوْلَا رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَعِزَّةٌ
…
سَرَقْتُمْ ثِيَابَ الْبَيْتِ وَاللَّهُ قَائِمُ
أَيْ عَالِمٌ، فَاللَّهُ عَالِمٌ بِكَسْبِ كُلِّ نَفْسٍ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ الْمُوَكَّلُونَ بِبَنِي آدَمَ، عَنِ الضَّحَّاكِ. (وَجَعَلُوا) حَالٌ، أَيْ أَوَقَدْ جَعَلُوا، أَوْ عَطْفٌ عَلَى" اسْتُهْزِئَ" أَيِ اسْتَهْزَءُوا وَجَعَلُوا، أَيْ سَمُّوا (لِلَّهِ شُرَكاءَ) يَعْنِي أَصْنَامًا جَعَلُوهَا آلِهَةً. (قُلْ سَمُّوهُمْ) أَيْ قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ:" سَمُّوهُمْ" أَيْ بَيِّنُوا أَسْمَاءَهُمْ، عَلَى جِهَةِ التَّهْدِيدِ، أَيْ إِنَّمَا يُسَمُّونَ: اللَّاتُ وَالْعُزَّى وَمَنَاةُ وَهُبَلُ. (أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ)" أَمْ" اسْتِفْهَامُ تَوْبِيخٍ، أَيْ أَتُنَبِّئُونَهُ، وَهُوَ عَلَى التَّحْقِيقِ عَطْفٌ عَلَى اسْتِفْهَامٍ مُتَقَدِّمٍ فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّ قَوْلَهُ:" سَمُّوهُمْ" مَعْنَاهُ: أَلَهُمْ أَسْمَاءُ الْخَالِقِينَ." أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ"؟. وَقِيلَ: الْمَعْنَى قُلْ لَهُمْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِبَاطِنٍ لَا يَعْلَمُهُ." أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ" يَعْلَمُهُ؟ فَإِنْ قَالُوا: بِبَاطِنٍ لَا يَعْلَمُهُ أَحَالُوا، وَإِنْ قَالُوا:
(1). راجع ج 1 ص 207 فما بعد.
(2)
. راجع ج 4 ص 286 فما بعد.
بِظَاهِرٍ يَعْلَمُهُ فَقُلْ لَهُمْ: سَمُّوهُمْ، فَإِذَا سَمَّوْهُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى فَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا. وَقِيلَ:" أَمْ تُنَبِّئُونَهُ" عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ:" أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ" أَيْ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ، أَمْ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ، أَيْ أَنْتُمْ تَدَّعُونَ لِلَّهِ شَرِيكًا، وَاللَّهُ لَا يَعْلَمُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا، أَفَتُنَبِّئُونَهُ بِشَرِيكٍ لَهُ فِي الْأَرْضِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُهُ! وَإِنَّمَا خَصَّ الْأَرْضَ بِنَفْيِ الشَّرِيكِ عَنْهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي غَيْرِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُمُ ادَّعَوْا لَهُ شُرَكَاءَ فِي الْأَرْضِ. وَمَعْنَى. (أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ): الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ بِبَاطِلٍ مِنَ الْقَوْلِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَعَيَّرْتَنَا أَلْبَانَهَا وَلُحُومَهَا
…
وَذَلِكَ عَارٌ يَا ابْنَ رَيْطَةَ ظَاهِرُ
أَيْ بَاطِلٌ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: بِكَذِبٍ مِنَ الْقَوْلِ. وَيَحْتَمِلُ خَامِسًا «1» - أَنْ يَكُونَ الظَّاهِرُ مِنَ الْقَوْلِ حُجَّةً يُظْهِرُونَهَا بِقَوْلِهِمْ، ويكون معنى الكلام: أتجبرونه بِذَلِكَ مُشَاهِدِينَ، أَمْ تَقُولُونَ مُحْتَجِّينَ. (بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ) أَيْ دَعْ هَذَا! بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ قِيلَ: اسْتِدْرَاكٌ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، أَيْ لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ، لَكِنْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ-" بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ" مُسَمَّى الْفَاعِلِ، وَعَلَى قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ فَالَّذِي زَيَّنَ لِلْكَافِرِينَ مَكْرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقِيلَ: الشَّيْطَانُ. وَيَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى الْكُفْرُ مَكْرًا، لِأَنَّ مَكْرَهُمْ بِالرَّسُولِ كَانَ كُفْرًا. (وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ) أَيْ صَدَّهُمُ اللَّهُ، وَهِيَ قِرَاءَةُ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ. الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، أَيْ صَدُّوا غَيْرَهُمْ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَاتِمٍ، اعْتِبَارًا بِقَوْلِهِ:" وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ"«2» [الأنفال: 47] وَقَوْلُهُ:" هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ"«3» [الفتح: 25]. وَقِرَاءَةُ الضَّمِّ أَيْضًا حَسَنَةٌ فِي" زُيِّنَ" وَ" صُدُّوا" لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ فَاعِلٌ ذَلِكَ فِي مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَفِيهِ إِثْبَاتُ الْقَدَرِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ. وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ وَعَلْقَمَةُ-" وَصُدُّوا" بِكَسْرِ الصَّادِ، وَكَذَلِكَ." هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا" «4» [يوسف: 65] بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْضًا عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَأَصْلُهَا صُدِدُوا وَرُدِدَتْ، فَلَمَّا أُدْغِمَتِ الدَّالُ الْأُولَى فِي الثَّانِيَةِ نُقِلَتْ حَرَكَتُهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا فَانْكَسَرَ. (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ) بِخِذْلَانِهِ. (فَما لَهُ مِنْ هادٍ) أَيْ مُوَفِّقٌ، وَفِي هَذَا إثبات قراءة الكوفيين
(1). كذا في الأصول. ويبدو أن في العبارة نقصا، ولعل الرابع ما في البحر: وقيل .. أم متصلة والتقدير أم تنبئونه بظاهر من القول لا حقيقة له.
(2)
. راجع ج 8 ص 25.
(3)
. راجع ج 16 ص 283.
(4)
. راجع ص 223 من هذا الجزء.