الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دار الحرب، وأجيب بأنه كان قبل تحريم القمار.
والآية من دلائل النبوة، لأنها إخبار عن الغيب: وقرئ غَلَبَت (بالفتح)، وسيغلبون (بالضم)، ومعناه: أن الروم غلبوا على ريف الشام، والمسلمون سيغلبونهم. وفي السنة التاسعة من نزولها غزاهم المسلمون، وفتحوا بعض بلادهم، وعلى هذا تكون إضافة الغلب إلى الفاعل.
توضيحات لكلام البيضاوي:
1 -
قوله (واللام بدل من الإضافة) يعني أن أداة التعريف في (الأرض) بدل من الضمير المضاف إليه. والتقدير: غلبت الروم في أقرب أرضهم وهي أرض العرب التي كانوا مستولين عليها، لأن أذرعات وبصرى هما من بلاد الشام، وبلاد الشام ليست ملكا للروم، وإنما استولوا عليها بالتسلط والقهر، هذا على القول بأن المراد بالأرض (بصرى وأذرعات) وأما على القول بأنها الجزيرة، فهي كذلك ليست للروم، بل هي من بلاد العرب، لأنها واقعة بين دجلة والفرات.
2 -
قوله (من إضافة المصدر إلى المفعول) يعني، وهم من بعد غلبة الفرس لهم سيغلبون الفرس في مدة لا تتجاوز البضع، وهو مابين ثلاث إلى تسع.
3 -
قوله (روي أن فارس غزوا الروم) من المعلوم أن البيضاوي، مع علمه بالنحو والصرف واللغة والفقه الشافعي والأصول، وعلم الكلام مزجي البضاعة في علم الحديث. ففي تفسيره أحاديث موضوعة يذكرها في فضائل السور. وروي بصيغة الفعل المبني للنائب لا يستعملها أهل الحديث إلا إذا كان المروي ضعيفا، فلذلك أردت أن ألم بتخريج هذا الحديث وبيان رتبته.
أما تخريجه فقد رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن جرير بطرق تختلف ألفاظها، ويتفق معناها في الجملة، ورواه كذلك سنيد بن داوود في تفسيره. وروايته أقرب إلى ما ذكره البيضاوي.
وأما رتبته فقد قال الترمذي في بعض طرقه: حسن غريب، وفي بعضها حسن صحيح.
4 -
قوله (أناحبك عليه) أي أراهنك وأخاطرك. والقلوص الشابة من النوق.
5 -
قوله (ومات أُبي بن خلف من جرح رسول الله)(ص). قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد ج 2 ص 93: أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أُبي بن خلف (يعني في غزوة أحد) على جواد له، يقال له العود، زعم عدو الله أنه يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما اقترب منه، تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة فطعنه بها، فجاءت في ترقوته، فَكَرَّ عدو الله منهزما. فقال له المشركون: والله ما بك من بأس، فقال: والله، لو كان ما بي بذي المجاز لماتوا أجمعون.
وكان يعلف فرسه بمكة ويقول: أقتل عليه محمدا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بل أنا أقتله إن شاء الله تعالى، فلما طعنه، تذكر عدو الله قوله: أنا قاتله، فأيقن بأنه مقتول من ذلك الجرح، فمات منه في طريقه بسرف مرجعه إلى مكة اهـ.
6 -
قوله (وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية) الخ.
الحديبية بصيغة التصغير وتخفيف الياء على الصحيح عند أهل اللغة. موضع يبعد عن مكة بنحو عشرة أميال. وقع فيه الصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة في ذي القعدة سنة ست للهجرة.
7 -
قوله (واستدلت به الحنفية على جواز العقود الفاسدة في دار الحرب) الخ. يعني أن الحنفية استدلوا بمراهنة أبي بكر الصديق مع أُبي بن خلف، وعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وإقراره عليه، وأمره أبا بكر أن يتصدق بما ربحه من الإبل، استدلوا بذلك على جواز القمار وغيره من العقود المحرمة، مع أعداء الإسلام في دار الحرب، ومنع ذلك الشافعية، وأجابوا عن الاحتجاج بفعل أبي بكر أن ذلك كان قبل أن يحرم القمار، وحينئذ لا حجة فيه على جواز القمار مع المحاربين ولا غيره من المحرمات كالربى، فلا يجوز التعامل بالربا، لا مع المسلمين ولا مع المسالمين، ولا مع المحاربين، وهذا هو الصحيح، لأن المراهنة على ما يظهر كانت في مكة قبل الهجرة. ويؤيد ذلك ما جاء في بعض روايات الحديث أن هزيمة الروم وقعت بعد المراهنة بسبع سنين.
ومن المعلوم أن آية تحريم القمار، وهي قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90] نزلت بالمدينة. والخمر التي حرمت مع القمار في الآية كانت حلالا عند ما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وكانت تشرب ويتجر فيها، ثم حرمت بعد ذلك أولا في أوقات الصلاة بقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] ثم حرمت بتة بآية المائدة.
8 -
قوله (والآية من دلائل النبوة) الخ. هذه معجزة باقية خالدة يستوي في إدراكها من كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وشاهدها بنفسه، ومن يأتي بعد ذلك إلى يوم القيامة، لأن سورة الروم مكية، وكان المسلمون عند نزولها في غاية القلة
والضعف يسخر منهم أعداؤهم ولا يأبه بهم أحد.
وقد أخبر الله سبحانه في أول هذه السورة أن الروم البيزنطيين هزمهم الفرس شر هزيمة، وكان الروم أعظم دولة في الغرب، والفرس أعظم دولة في الشرق الأدنى على الأقل، ولم تجر العادة أن دولة عظيمة تمنى بهزيمة منكرة تلم شعثها وتجمع شملها، وتعيد الكرة في بضع سنين فتهجم على الدولة التي هزمتها وتكيل لها صاعًا بصاع.
فلو قال قائل بعد هزيمة جرمانية (ألمانيا): «إن الدولة الجرمانية ستعيد الكرة على أعدائها وتهزمهم في بضع سنين» ، ثم وقع الأمر طبق ما قال ذلك القائل لصدقه جميع الناس في كل ما يقول وآمنوا به، فماذا يقول المنكرون لمعجزات القرآن من غلاة أعدائه الأجانب، وأذنابهم من الأغمار، من سكان البلاد العربية والإسلامية، في هذه المعجزة الخالدة؟ ؟ وكم وكم من أمثالها في القرآن لمن تدبر القرآن، وسلمت عين بصيرته من غشاوة التعصب الممقوت والجهل والتهور والطيش.
9 -
قوله (وقرئ: غلبت (بالفتح)، وسيغلبون (بالضم) الخ.
هذه قراءة ضعيفة خارجة عن السبع، شاذة. والمعنى على هذه القراءة: غلبت الروم فارس، وسيغلبهم العرب المسلمون. وقد غزا المسلمون الروم قصاصًا منهم في السنة التاسعة من نزولها. والقراءة الأولى هي المعتمدة.
10 -
قوله (وعلى هذا تكون إضافة الغلب إلى الفاعل) يعني على القراءة الشاذة، يكون المصدر مضافا إلى فاعله.
والتقدير: من بعد أن غلب الروم الفرس سيغلبون - بضم الياء وفتح اللام - أي يغلبهم المسلمون. وهذا آخر المقال الثاني من تقويم اللسانين. وموعدنا الجزء التالي بحول الله وقوته.