الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العرب، لا تبقي لبسا ولا إبهاما فإذا راعوا تلك القواعد، وتجنبوا الكاف الاستعمارية التي لا معنى لها، ولا ينطبق عليها كلام الأئمة، فليختاروا ما شاءوا من العبارات، لأن باب التعبير واسع، وضروب القول كثيرة، ومن تجنب الخطأ أدرك الصواب، فقولهم مثلا، حضر فلان المؤتمر كمراقب، فاسد، لأنه من باب تشبيه الشيء بنفسه، ولا يصح أن تكون الكاف للتعليل، كما زعم المعترض، إذ ينبغي أن يقال ليراقب، بلام التعليل، لأن استعمال القرآن والمثال الذي حكاه سيبويه كل ذلك يأبى أن نقول: حضرت المؤتمر كمراقب، ويراد بذلك: لأني مراقب.
7 - قال المعترض: ونعود أيضا إلى منعه قول القائل (يجب علينا أن نسعى لخلق نهضة ثقافية)
الخ، أقول في رده، الذي منع استعمال الخلق بمعنى الإيجاد والإنشاء، وخصه بنفسه سبحانه هو الله، والقرآن أكبر حجة في اللغة العربية على المؤمن به والكافر به، قال تعالى في سورة النحل:(17): {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ، أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} فالذي يخلق هو الله والذي لا يخلق هو غير الله، فمن زعم أن غير الله يخلق، وكان ينتسب إلى الإسلام فقد كذب القرآن، وإن كان لا ينتسب إلى الإسلام، فهو جاهل باللغة العربية، فهما خطتا خسف. وقال تعالى في سورة النحل:(20): {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ، وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} .
ومن المعلوم أن الآلهة التي اتخذوها من دون الله، منها من يعقل كالملائكة وعيسى وأمه، والصالحين، ومنها تماثيلهم التي يزعمون أن أرواحهم لا تفارقها، وهي الأصنام والأوثان، وقوله تعالى:{أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ} يصدق على جميع ذلك، فمن
كان مآله الموت فهو ميت، كما قال تعالى في سورة الزمر:(30): {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} .
وقال تعالى في سورة الفرقان: (3): {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} .
وقال تعالى في سورة فاطر: (3): {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} .
فهذه الآيات ناطقة بأن الخلق لا يسند إلى غير الله البتة، لا فعلا ولا اسما، معرفا أو نكرة، وقال تعالى في سورة لقمان:(11): {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} فالخلق لا يسند إلى غير الله تعالى إلا إذا كان بمعنى التقدير كما في البيت الذي أنشدته من قبل وهو قول الشاعر:
ولانت تفرى ما خلقت وبعـ
…
ض القوم يخلق ثم لا يفرى
أو بمعنى الكذب كقوله تعالى في سورة العنكبوت: (17): {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا} .
وأما قوله تعالى في سورة آل عمران حكاية عن عيسى عليه السلام: (49): {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ} كتبت ما تقدم قبل أن أراجع غريب القرآن للراغب، فوجدت كلامه مطابقا لما قلته، ولما كنت أريد أن أقوله ولله الحمد:
قال الراغب: الخلق، أصله: التقدير المستقيم، ويستعمل في إبداع الشيء من غير أصل ولا احتذاء، قال: خلق السموات والأرض، أي أبدعهما، بدلالة قوله:{بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}
ويستعمل في إيجاد الشيء من الشيء، نحو قوله:{خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ} {خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ} {وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ} .
وليس الخلق الذي هو الإبداع إلا لله، ولهذا قال في الفصل بينه تعالى وبين غيره:{أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} وأما الذي يكون بالاستحالة فقد جعله الله تعالى لغيره في بعض الأحوال كعيسى حيث قال: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي} والخلق لا يستعمل في كافة الناس إلا على وجهين أحدهما: في معنى التقدير، كقول الشاعر:
ولأنت تفري ما خلقت وبعـ
…
ض القوم يخلق ثم لا يفري
والثاني: في الكذب نحو قوله: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا} ، اهـ.
أقول: وبنقل هذا الكلام يقال قطعت جهيزة قول كل خطيب، ودارت الدائرة على المعترض.
قال المعترض: احتجاجه بأن الإيجاد والإنشاء خاص بالله تعالى وكذلك الخلق، وهذا احتجاج غريب، فالله تعالى المحيي، وعلى قوله لا يجوز أن نقول (إحياء مآثر العرب وتراثهم) الخ.
أقول، أنا ما احتججت قط بأن استعمال الإيجاد والإنشاء خاص بالله تعالى، وكذلك الإحياء، فهذا افتراء عليَّ، وإنما قلت: إن استعمال الخلق، هو الخاص بالله تعالى، فليراجع كلامي، ليعلم أنه يقولني ما لم أقله، ثم يرد ما تقوَّله عليَّ، بل الذي أرتضيه وأدعو إليه هو استعمال الإيجاد والإنشاء، وترك استعمال الخلق فيما يفعله غير الله تعالى فيقال فلان أحدث، أو أوجد نهضة أدبية في قومه، وكذلك فلان أحيى سنة النبي صلى الله عليه وسلم ومآثر السلف الصالح، وفي الحديث (من أحيى
سنة من سنتي قد أميتت بعدى فله أجر مائة شهيد) وفي كتب الحديث، إحياء الموات ومن أحيى أرضا مواتا فهي له.
ولا أدري كيف وقع المعترض في هذا الخلق والبهتان، أتعمده حسدا وشنئانا، أم أعماه حب الظهور الذي يقطع الظهور، وختم على قلبه الحسد، وحب الهمز واللمز، حتى إنه لم يفهم كلامي مع وضوحه؟ وسائر كلامه ظاهر البطلان.
أما قوله (ينبغي أن نلعن البديع الهمداني) فهو في غاية السخافة فنحن لسنا بصدد لعن أحد، وإنما نحن بصدد اختيار العبارات الصحيحة ونبذ العبارات الفاسدة، فأين يذهب بك أيها المعترض؟ وما هذه النوبة الجنونية؟ التي استولت عليك، وأنت دائما تتظاهر بالرزانة وتتحلم، والحلم عنك بعيد؟
قوله (ولنا مع الدكتور موعدا آخر إن شاء الله) تقدم الجواب عنه في آية الأنفال: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} [الأنفال: 19] الآية ولولا الحياء والإبقاء لأنشدته:
إن عادت العقرب عدنا لها
…
وكانت النعل لها حاضرة
كتب في مكناس بالمغرب