الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإخبار بالذي والألف واللام:
الباء في قوله: "الإخبار بالذي" باء السببية لا باء التعدية؛ لأن "الذي" يجعل في هذا الباب مبتدأ، لا خبرا، كما ستقف عليه، فهو في الحقيقة مخبر عنه، وباب الإخبار وضع للاختبار كمسائل التمرين في التصريف. قال الشارح: وكثيرا ما يصار إلى هذا الإخبار لقصد الاختصاص، أو تقوي الحكم، أو تشويق السامع، أو إجابة الممتحن.
ولما شرع في هذا الباب بدأ بكيفية الإخبار فقال:
ما قِيلَ أخبر عنه بالذي خَبَرْ
…
عن الذي مبتدأ قَبْلُ استقَرْ
وما سواهما فوسِّطهُ صِلَهْ
…
عائدُها خلفُ مُعْطِي التَّكْمِلَهْ
أي: إذا عين لك اسم من جملة، وقيل "لك"1 أخبر عنه بالذي فصدر الجملة بالموصول مبتدأ وأخر ذلك الاسم، واجعله خبرا عن الموصول المتقدم، وما سوى الموصول وخبره فوسطه بينهما فيكون صلة للموصول، واجعل في موضع الاسم الذي أخرته وجعلته خبرا ضميرا عائدا على الموصول.
فقد علم بما ذكر أن المخبر عنه في هذا الباب هو المجعول خبرا، قال ابن السراج: وإنما قال النحويون: أخبر عنه وهو في اللفظ خبر؛ لأنه في المعنى مخبر عنه و"ما" في قوله: "ما قيل" موصولة وهي مبتدأ.
وقوله: "خبر" هو "خبرها"2، وقوله:"مبتدأ" حال من الذي، وقوله:"عائدها خلف معطي التكملة" معناه عائد الصلة، هو الضمير الذي خلف الاسم المجعول خبرا وهو "معطي التكملة" ثم فقال:
نحوُ الذي ضربتُه زيدٌ فَذَا
ضربتُ زيدا كان فادْرِ المأخَذَا
1 ب، ج.
2 ب، ج وفي أ "خبر ما".
إذا أخبر عن "زيد" من قولك: "ضربت زيدا" قلت: "الذي ضربته زيد" فصدرت الجملة بالذي مبتدأ وأخرت "زيدا" وهو المخبر عنه فجعلته خبرا عن الذي، وجعلت ما بينهما صلة الذي وجعلت "في"1 موضع زيد الذي أخرته ضميرا عائدا على الموصول.
وإذا أخبرت عن التاء من قولك: "ضربت زيدا" قلت: "الذي ضرب زيدا أنا" ففعلت فيه ما ذكر، إلا أن التاء ضمير متصل لا يمكن تأخيرها مع بقاء الاتصال ففصلت الضمير وأخرته، فلذلك قلت: أنا.
فإن قلت: كان ينبغي أن يقول: ما قيل أخبر عنه بالذي خبر هو أو خلفه. كما قال في التسهيل: وتأخير الاسم أو خلفه خبرا؛ ليشمل الضمير المتصل.
قلت: لا يخفى أن الضمير المتصل لا يمكن تأخيره إلا بعد انفصاله، فلم يحتج هنا إلى التنبيه عليه لوضوحه، واستكن الضمير الغائب الذي جعلته موضع التاء في ضرب، ومنع بعضهم الإخبار عن الفاعل إذا كان ضمير متكلم أو مخاطب، والصحيح الجواز.
وباللذَيْنِ والذِينَ والتي
…
أخبِرْ مراعيا وِفَاقَ الْمُثْبَتِ
يعني: أن المخبر عنه في هذا الباب إذا كان مثنى أو مجموعا أو مؤنثا جيء بالموصول مطابقا له؛ لكونه خبره، فإذا أخبرت عن الزيدين من نحو:"بلَّغَ الزيدانِ العمرَيْنِ رسالةً".
قلت: "اللذان بلغ العمرين رسالة الزيدان".
أو عن العمرين قلت: "الذين بلغهم الزيدان رسالة العمرون".
أو عن الرسالة قلت: "التي بلغها الزيدان العمرِين رسالة".
وقد فهم من النظم فوائد:
الأولى: أن حكم باب الإخبار تقديم المبتدأ على الخبر لقوله: "قبل استقر".
فإن قلت: فهل ذلك على سبيل الوجوب؟
1 أ.
قلت: الذي يدل عليه كلام النحويين أن ذلك على سبيل الوجوب؛ لاشتراطهم في المخبر عنه قبول التأخير، ونص بعضهم على جواز تقديم المبتدأ في هذا الباب. وممن نص عليه الشارح، وفي البسيط أن ذلك على جهة الأولى والأحسن، وأنه يصح أن يقال:"زيد الذي ضرب عمرًا" فنجعل زيدا خبرا عن الذي إما مقدما وإما مؤخرا، وجوزه المبرد.
والثانية: أن الضمير الذي يخلف الاسم المتأخر لا بد من مطابقته الموصول لكونه عائدا، ويلزم كونه غائبا. ولو خالف ضمير متكلم أو مخاطب، وأجاز أبو ذر الخشني جعله مطابقا للخبر في الخطاب والتكلم، فتقول في الإخبار عن التاء في "ضربت الذي ضربت أنت" وعن التاء في "ضربت الذي ضربت أنا" ومذهب الجمهور منع ذلك.
الثالثة: أن هذا الضمير ينوب عن الاسم المتأخر في إعرابه الذي كان له؛ لكونه خلفه في موضعه فاستحق إعرابه.
ولما بين كيفية الإخبار شرع في شروط المخبر عنه فقال:
قبولُ تأخيرٍ وتعريفٍ لِمَا
…
أُخْبِرَ عنه هاهنا قد حُتِمَا
كذا الغِنَى عنه بأجنبي اوْ
…
بمضمرٍ شَرْطٌ فَرَاعِ ما رَعَوْا
هذه أربعة شروط:
الأول: قبول التأخير، فلا يخبر عن اسم يلزم صدر الكلام كضمير الشأن واسم الشرط واسم الاستفهام وكم الخبرية.
الثاني: قبلو التعريف، فلا يخبر عن الحال والتمييز؛ لأنهما ملازمان للتنكير.
الثالث: قبول الاستغناء بأجنبي، فلا يخبر عن اسم لا يجوز الاستغناء عنه بأجنبي، ضميرا كان أو ظاهرا، فالضمير كالهاء من قولك:"زيد ضربته" فإنها عائدة قبل ذكر الموصول على بعض الجملة، فلو أخبرت عنها لخلفها مثلها في العود إلى ما كانت تعود عليه، فيلزم إما بقاء الموصول بلا عائد، وإما عود ضمير واحد على شيئين، وكلاهما محال.
والظاهر كاسم إشارة نحو: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} 1 وغيره مما حصل به الربط، فإنه لو أخبر عنه لزم المحذوف السابق.
تنبيه:
فهم من قوله: "كذا الغنى عنه بأجنبي""أنه يجوز الإخبار عن ضمير الغائب الذي يجوز الاستغناء عنه بأجنبي"2 وله صورتان:
إحداهما: أن يكون عائدا إلى اسم جملة أخرى نحو أن يذكر إنسان فتقول: لقيته، فيجوز الإخبار عن الهاء فيقال: الذي لقيته هو. صرح المصنف بجواز الإخبار في هذه الصورة وفاقا للشلوبين وابن عصفور، وذهب الشلوبين الصغير إلى منع ذلك، وهو ظاهر كلام الجزولي.
قال الشيخ أبو حيان: ونكتة هذا الخلاف: هل شرط هذا الضمير ألا يكون عائدا على شيء قبله أو شرطه ألا يكون رابطا؟
والأخرى: أن يكون عائدا على بعض الجملة إلا أنه غير محتاج إليه للربط نحو: "ضرب زيد غلامه".
فلا يمتنع على مقتضى كلام الناظم الإخبار عن الهاء في المثال فتقول: "الذي ضرب زيد غلامه هو" لأن الهاء في المثال يجوز أن يخلفها الأجنبي، فتقول:"ضرب زيد غلام عمرو" فلا يلزم من الإخبار عنها المحذوف المتقدم ذكره، وقد مثل الشارح بهذا لما يمتنع الإخبار عنه لكونه لا يستغنى عنه بالأجنبي، وليس كذلك.
فإن قلت: ظاهر كلامه في شرح الكافية منعها، فإنه قال: وباشتراط جواز الاستغناء عنه بأجنبي على امتناع الإخبار عن ضمير عائد على بعض الجملة؛ يعني: ونبهت باشتراط.
قلت: لا حجة في ذلك، بل الظاهر أن مراده ما كان متعينا للربط؛ لأن تعليله يرشد إليه وتمثيله يساعد عليه.
فإن قلت: فهل يجري فيها خلاف من تقدم؟
1 من الآية 26 من سورة الأعراف.
2 أوفي ب، ج "عدم امتناع الإخبار عن العائد".
قلت: لا إشكال أن من منع الأولى فامتناع هذه عنده أولى.
الرابع: جواز الاستغناء "عنه بضمير، فلا يخبر عن مصدر عامل دون معموله، ولا موصوف دون صفته، ولا صفة دون موصوفها، ولا مضاف دون المضاف إليه؛ إذ لا يجوز الاستغناء"1 عن هذه الأشياء بضمير.
فإن قلت: هذا الشرط الرابع مُغْنٍ عن اشتراط الثاني؛ لأن ما لا يقبل التعريف لا يقبل الإضمار.
قلت: هو كذلك، وقد نبه في شرح الكافية على أن ذكره زيادة في البيان.
فإن قلت: كلام الناظم يقتضي أن الشروط المذكورة ثلاثة: قبول التأخير، وقبول التعريف، والغناء عنه بأحد أمرين: بأجنبي إن كان ضميرا، أو بضمير إن كان ظاهرا؛ إذ لا فائدة لاشتراط الاستغناء بالأجنبي في الظاهر ولا لاشتراط الاستغناء بالضمير في المضمر، ويدل على ذلك عطفه بأو.
قلت: بل هي أربعة: ولا يستقيم حمل كلامه على ما ذكرت؛ لأن اشتراط الاستغناء بالأجنبي مقيد في الضمير والظاهر كما تقدم، فلو كان الشرط لأحدهما لجاز الإخبار عن الظاهر إذا جاز الاستغناء عنه بالضمير، وإن لم يجز الاستغناء عنه بأجنبي، وليس كذلك كما سبق.
تنبيهات:
الأول: علة اشتراط هذه الشروط على سبيل الإجمال، أن كيفية الإخبار المذكورة لا تتأتى بدونها.
الثاني: بقي من شروط المخبر عنه في هذا الباب أربعة شروط أُخر لم يذكرها هنا وقد ذكرتها في غير هذا الكتاب:
أولها: جواز استعمال مرفوعا، فلا يخبر عن لازم الرفع نحو:"ايمن الله"، ولا عن لازم النصب نحو:"سبحان الله" وسحر معينا.
1 أ، ج.
وثانيها: جواز استعماله مثبتا، فلا يخبر عن "أحد وديار" ونحوهما من الأسماء الملازمة للنفي.
وثالثها: أن يكون بعض ما يوصف به1 "من"2 جملة أو جملتين في حكم جملة واحدة كالشرط والجزاء؛ فلا يخبر عن اسم في جملة طلبية؛ لأن الجملة بعد الإخبار تجعل صلة، فيشترط أن تكون صالحة لأن يوصل بها.
ورابعها: إمكان الاستفادة، فلا يخبر عن اسم ليس تحته معنى، كثواني الأعلام نحو بكر من أبي بكر؛ إذ لا يمكن أن يكون خبرا عن شيء، وذكر هذا الشرط في الفصل في التسهيل، وفيه خلاف، أجاز المازني الإخبار عن الاسم الذي ليس تحته معنى مستدلا بقوله الشاعر3:
فكأنما نظروا إلى قمر
…
أو حيث عَلَّق قَوْسَه قُزَح
ورد بأن قزح اسم الشيطان.
وأخْبَرُوا هنا بأل عن بعضِ مَا
…
يكونُ فيه الفِعْلُ قد تَقَدَّمَا
يجوز الإخبار بالذي وفروعه في الجملتين: الاسمية والفعلية. ويجوز بالألف واللام في الفعلية خاصة لا مطلقا بل بشرطين:
أحدهما: أن يكون الفعل متصرفا يمكن صوغ صلة منه للألف واللام، فلا يجوز الإخبار بأل في جملة مصدرة بليس ونحوها.
والثاني: أن يكون الفعل موجبا، فإن كان منفيا لم يجز الإخبار؛ لتعذر صوغ صلتها من المنفي.
1 وفي هامش المخطوطة "أ""هل صوابه ما يوصل به شيخنام؟ ".
2 أ، ج وفي ب "في جملة".
3 قائله: هو شقيق بن سليك الأسدي، وهو من الكامل.
الإعراب: "فكأنما" الفاء للعطف وكأن حرف تشبيه وبطل عملها بما الكافة "نظروا" فعل ماض وفاعله "إلى قمر" جار ومجرور متعلق بنظروا وهو في محل نصب على المفعولية "أو" عاطفة "حيث" عطف على قوله "إلى قمر""علق" فعل ماض "قوسه" مفعول به "قزح" فاعله.
الشاهد: المازني احتج به على جواز الإخبار عن الاسم الذي تحته معنى.
وقد أشار إلى الأول بقوله:
إن صح صوغُ صلةٍ منه لألْ
ثم مثل فقال:
كصوغ واقٍ من وَقَى الله البَطَلْ
فإن أخبرت عن الفاعل قلت: "الواقي البطلَ اللهُ" أو عن المفعول قلت: "الواقيه اللهُ البطلُ". ونبه عن الثاني في التسهيل.
وإن يَكُنْ ما رَفَعَتْ صلة أل
…
ضميرَ غيرِها أُبِينَ وانْفَصَلْ
إذا رفعت صلة أل ظاهرا كالمثال "السابق"1 فلا إشكال فيه، وإن رفعت ضميرا، فإن كان لأل وجب استتاره، وإن كان لغيرها وجب إبرازه.
فإذا أخبرت عن التاء من قولك: "ضربت زيدا".
قلت: الضارب زيد أنا، فيستكن مرفوع الصلة؛ لكونه لأل.
وإذا أخبرت عن زيد من المثال قلت: الضاربه أنا زيد، فتبرزه لكونه لغيرها؛ لأن الصفة متى جرت على غير من هي له يستكن مرفوعها.
تنبيه:
ذكر الأخفش مسألتن يخبر فيهما بأل ولا يصح الإخبار فيهما بالذي.
الأولى: "قامت جاريتا زيد لا قعدتا" فإذا أخبر عن زيد قلت: القائم جاريتاه لا القاعدتان زيد.
ولو أخبرت بالذي فقلت: "الذي قامت جاريتاه لا الذي قعدتا زيد" لم يجز؛ لأنه لا ضمير يعود على الجملة المعطوفة، وقد أجاز بعض النحويين:"مررت بالذي قام أبواه لا الذي قعدا".
فعلى هذا يجوز في الإخبار في المسألة بالذي أيضا.
الثانية: "المضروب الوجه زيد" ولا يجوز "الذي ضرب الوجه زيد".
قلت: وينبغي أن يجيزه من أجاز تشبيه الفعل اللازم بالمتعدي.
واعلم أن باب الإخبار طويل، فلنكتف بما تقدم.
1 ب، ج.