الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المجلد الثالث
تابع القسم الثاني: تحقيق شرح الفية ابن مالك
الجزء الرابع
أسماء لازمت النداء:
معنى ملازمتها النداء أنها لم تستعمل في غيره إلا "في"1 ضرورة. وهي ضربان: مسموع، ومقيس.
فمن المسموع: "يا أبت" و"يا أمت" و"اللهم"2 وقد تقدمت. و"هناه" بالضم والكسر.
كقوله3:
وقد رابني قولها يا هناه
…
....................
واختلفوا في مادة هذه الكلمة على قولين:
أحدهما: أن أصل مادته "هـ. ن. و" ثم اختلف القائلون بهذا على أربعة مذاهب:
1 ب.
2 أ، ج.
3 قائله: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي.
وتمامه:
ويحك ألحقت شرا بشر
للغة: "رابني" من راب إذا أوقع في الريبة بلا شك "يا هناه" هناه اسم من أسماء النداء لا تستعمل فيما سواه، وهو كناية عن رجل، بمنزلة يا رجل يا إنسان، وأكثر ما تستعمل عند الجفاء والغلظة "ألحقت شرا بشر" معناه كنت متهما فلما صرت إلينا ألحقت تهمة بتهمة؛ لأن التهمة شر وتحققها شر منها.
الإعراب: "وقد" الواو عاطفة، وقد حرف تحقق "رابني" فعل ماض والنون للوقاية والياء مفعول "قولها" فاعل، وها مضاف إليه "يا هناه" حرف نداء ومنادى مقصور "ويحك" ويح مصدر والكاف في محل خفض بالإضافة "ألحقت" فعل وفاعل "شرا" مفعول به، والجملة في محل نصب مقول القول "بشر" جار ومجرور متعلق بألحقت.
الشاهد فيه: "يا هناه" حيث بناه على فعال؛ لأن أصله الهاء وأدخلت عليه الألف لمد الصوت في النداء.
الأول: أن الهاء في "هناه" بدل من لام الكلمة، والأصل هناو، وهو مذهب أكثر البصرين.
والثاني: أنها بدل من همزة مبدلة من الواو فهي بدل "بدل"1 اللام، وهو مذهب ابن جني.
والثالث: أن اللام محذوفة والألف والهاء زائدتان في نفس البناء على حد زيادة الهمزة في أحمر.
والرابع: أن اللام محذوفة "أيضا"2 والألف هي التي تلحق المنادى البعيد والمندوب والهاء للسكت، وهو مذهب الفراء واختيار المصنف وابن عصفور، ويدل على صحته كسرها، لالتقاء الساكنين.
والقول الآخر: أن أصل مادته "هـ. ن. ة" فهو من باب سلس، وهو مذهب أبي زيد.
قال الشيخ أبو حيان: ولو ذهب ذاهب إلى أن أصل "هن" ومادته "هـ. ن. ن" مستدلا بما حكاه أبو الخطاب من قولهم: "يا هنانان" في التثنية يريد: "يا هنان" لكان مذهبا.
ومن المسموع: "فُلُ" وقد أشار إليه بقوله:
وفُلُ بعض ما يُخَص بالندا
يقال: "يا فل" للرجل، و"يا فلة" للمرأة.
واختلف فيهما، وفمذهب سيبويه أنهما كناية عن نكرتين، ففُلُ: كناية عن رجل، وفُلَةُ: كناية عن امرأة.
وذهب الكوفيون إلى أن أصلهما فلان وفلانة فرخما، ورد بأنه لو كان مرخما لقيل فيه "فلا"، ولما قيل في التأنيث فلة.
1 أ، ج، وفي ب "مبدلة".
2 أ، ج.
وذهب الشلوبين وابن عصفور وصاحب البسيط: إلى أن "فل" كناية عن العَلَم بمعنى يا فلان، وهذا مذهب الناظم، فإنه صرح في شرح التسهيل وغيره، بأن "يا فل" بمعنى يا فلان. و"يا فلة" بمعنى يا فلانة، قال: وهما الأصل، ولا يستعملان منقوصَيْن في غير نداء إلا في ضرورة.
قلت: وهو موافق لمذهب الكوفيين في أنهما بمعنى فلان وفلانة، مخالف له في الترخيم.
فإن قلت: قوله: وهما الأصل "يعني"1 موافقة الكوفيين "في الترخيم"2.
"قلت: قد رد المصنف مذهب الكوفيين في أنهما ترخيم"3 فلان وفلانة بالوجهين السابقين، فعلم أنه غير موافق لهم على ذلك، بل هما عنده من "قبيل"4 ما حذف منه لغير ترخيم.
ومن المسموع: "لُؤمان" و"نَومان" وقد نبه عليهما بقوله:
................
…
لُؤْمَان نَوْمَان كذا
أي: مختصان بالنداء.
أما "لؤمان" -بالهمز وضم اللام- فمعناه يا عظيم اللؤم، ومثله:
"يا مَلأمُ" و"يا مَلأمَان"5.
وأما "نومان" -بفتح النون- فمعناه يا كثير النوم6.
"تنبيهان":
الأول: الأكثر في بناء "مَفْعَلان" نحو "مَلْأَمَان" أن يأتي في الذم. وقد جاء في المدح "يا مَكْرَمَان"7. حكاه سيبويه والأخفش، و"يا مَطْيَبَان".
1 أ، ج.
2 أ، ج.
3 أ، ج.
4 ب، وفي أ، ج "قبل".
5 أ، ج.
6 أ، ج.
7 بفتح الراء، هو العزيز المكرم.
وزعم ابن السيد: أنه مختص بالذم، وأن "مَكْرَمَان" تصحيف "مَكْذَبان". وليس بشيء.
الثاني: قال في شرح الكافية -بعد أن ذكر ملأم، ولؤمان، وملأمان، ومكرمان:
وهذه الصفات مقصورات على السماع بإجماع. انتهى. وتبعه الشارح، وهو صحيح في غير "مَفْعَلان"، فإن فيه خلافا أجاز بعضهم القياس عليه، فنقول:"يا مَخْبَثان"، وفي الأنثى "يا مَخْبَثانة".
ثم انتقل إلى المقيس فقال:
............................
…
..................... واطردا
في سب الأنثى وَزْنُ يا خَبَاثِ
…
............................
اطراده مشروط بشرطين:
أحدهما: أن يكون في السب.
والثاني: أن يكون من ثلاثي كالنوع الذي يليه.
وسبب بنائه على الكسر شبهه بنزال عدلا وزنة وتأنيثا.
تنبيه:
كلام المصنف في الكافية والتسهيل وكلام الشارح يوهم أن في القياس عليه خلافا؛ لنصه على سيبويه وحده.
قال الشيخ أبو حيان: ولا أعلم فيه خلافا، وفي الارتشاف -في باب ما لا ينصرف- قال بعضهم: لا يقاس، فلا يقال:"يا قباح" قياسا على "فساق".
ثم استطرد فقال:
.......................
…
والأمر هكذا من الثلاثي
يعني أن بناء "فَعَال" للأمر مطرد من كل فعل ثلاثي نحو "نَزَالِ" و"تَرَاكِ" هذا مذهب سيبويه، وخالفه المبرد فقال:"لا يقال منه إلا"1 ما سمع.
1 أ، ج.
فإن قلت: أهمل المصنف من شروط القياس على هذا النوع أربعة شروط:
الأول: أن يكن مجردا، فأما غير المجرد فلا يقال منه إلا ما سمع نحو: دراك.
والثاني: أن يكون تاما، فلا يُبنى من الناقص.
والثالث: أن يكون متصرفا.
والرابع: أن يكون كامل التصرف، لا يُبنى من يذر ويَدعُ.
قلت: اشتراط بعض هذه الشروط واضح، فلم يتعرض له، وقوله:"ثلاثي" محمول على المجرد كما تقدم في التعجب.
ثم رجع إلى المسموع فقال:
وشاع في سب الذكور فُعَلُ
…
ولا تَقِسْ.................
يعني: أن ما عدل إلى فُعَل في سب الذكور نحو" يا خُبَث" و"يا فُسَق" و"يا غُدَر" و"يا لُكَع" شائع، ومع شياعه لا يقاس عليه، قيل: والمسموع منه هذه الأربعة.
ونص المغاربة "على"1 أنه ينقاس عليه، ونقله في البسيط عن سيبويه، ومن قاس عليه فبالشروط السابقة.
ثم نبه على أن بعض هذه الألفاظ قد استعمل في غير النداء ضرورة، بقوله:
.................
…
وجُرّ في الشعر فُلُ
يعني في قول الراجز2:
1 ب.
2 قائله: هو ابو النجم العجلي، يصف إبلا قد أقبلت متزاحمة وأثارت غبارا.
وتمامه:
تضل منه إبلي بالهوجل
في لجة...............
…
وهو من الرجز.
وصدره في الأشموني والعين:
تدافع الشيب ولم تقتل =
أمسك فلانا عن فُلِ
تنبيهان:
الأول: الحاصل من كلام سيبويه أن "فل" في الرجز محذوف من فلان؛ لضرورة الشعر، وليس هو المختص بالنداء، بل هو غيره، ومعناهما مختلف؛ لأن المختص كناية عن اسم جنس، وهذا كناية عن علم، ومادتهما مختلفة.
فالمختص مادته "ف. ل. ي"، وهو محذوف اللام، فلو صغر قلت فيه:"فُلَيٌّ".
وهذا مادته "ف. ل. ن"، فلو صغر قلت فيه:"فُلَيْنٌ" وتقدم ما ذهب إليه المصنف.
الثاني: ليس مراده أنه لم يستعمل في غير النداء من الألفاظ المذكورة إلا "فل".
اللغة: "الهوجل" المراد هنا المفازة الواسعة التي لا أعلام بها، ويطلق على الرجل الأهوج "لجة" -بفتح اللام وتشديد الجيم- الجلبة واختلاط الأصوات في الحرب.
المعنى: شبه تزاحم الإبل ومدافعة بعضها بعضا بقوم شيوخ في لجة وشر يدفع بعضهم بعضا فيقال: أمسك فلانا عن فلان. أي: احجز بينهم.
وخص الشيوخ لأن الشبان فيهم التسرع إلى القتال.
الإعراب: "تضل" فعل مضارع "منه" جار ومجرور متعلق بتضل "إبلي" فاعل تضل والياء مضاف إليه "بالهوجل" جار ومجرور متعلق به "في لجة" جار ومجرور متعلق به أيضا "أمسك" فعل أمر وفاعله ضمير مستتر فيه، والجملة مقول لقول محذوف. أي: يقال فيها: أمسك
…
إلخ "فلانا" مفعول به "عن فل" جار ومجرور متعلق بأمسك.
الشاهد فيه: "فل" قد استعمل في غير النداء، وجرها بحرف الجر.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية الأشموني 460/ 2، وابن هشام 249/ 3، وابن عقيل 206/ 2، والمكودي ص129 وابن الناظم.
وذكر سيبويه 333/ 1، 122/ 2، والسيوطي في الهمع 177/ 1.
بل "ذكرها"1. تنبيها على ورود نظيره، ومنه قوله2:
............ قَعِيدَته لَكَاعِ
وخرجه بعضهم على تقديم: يقال لها: يا لكاع، فحذف القول وحرف النداء.
1 ب، وفي أ، ج "ذكر".
2 قائله: الخطيئة -واسمه جرول- يهجو امرأته -وهو من الوافر- وتمامه:
أُطوِّف ما أطوف ثم آوِى
…
إلى البيت...............
اللغة: "أطوف" أكثر الدوران "آوي" مضارع أوى إلى منزله "قعيدته" قعيدة البيت المرأة؛ لأنها تطيل القعود فيها "لكاع" متناهية في الخبث.
المعنى: أنا أكثر دوراني وارتيادي الأماكن عامة النهار في طلب الرزق وتحصيل القوت، ثم أعود إلى بيتي فلا تقع عيني فيه إلا على امرأة شديدة الخبث متناهية في الدناءة واللوم.
الإعراب: "أطوف" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه "ما" مصدرية "أطوف" فعل مضارع وفاعله مستتر فيه. وما وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول مطلق قوله أطوف الأولى "ثم" حرف عطف "آوي" فعل مضارع وفاعله مستتر فيه "إلى بيت" جار ومجرور متعلق بآوي "قعيدته" مبتدأ والضمير مضاف إليه "لكاع" خبر المبتدأ، والجملة في محل جر نعت لقوله: بيت.
الشاهد: "لكاع" على وزن فَعَالِ، وقد استعمل في غير النداء للضرورة.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن هشام 215/ 3، وابن عقيل 78/ 1، وابن الناظم، والشاهد 149 في الخزانة.