الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كيفية تثنية المقصور والممدود وجمعهما تصحيحا:
تقدم حد المقصور والممدود، وإنما اقتصر عليهما لوضوح تثنية غيرهما وجمعه، قال في شرح الكافية: إذا قصدت تثنية اسم ولم يكن مقصورا ولا ممدودا فتح آخره ووصل بإحدى العلامتين المذكورتين في باب الإعراب.
آخِرَ مقصورٍ تُثَنِّي اجعلْهُ يَا
…
إِنْ كَانَ عن ثلاثةٍ مرتَقِيَا
شمل الألف الرابعة نحو: معطى، والخامسة نحو: منتمى، والسادسة نحو: مستدعى، فتقول: معطيان ومنتميان ومستدعيان بقلب الألف ياء في جميع ذلك ولا نظر إلى أصلها، ثم قال:
كذا الذي اليا أصله نحو الفتى
…
والجامدُ الذي أُميل كمتى
إذا وقعت ألف المقصور ثالثة فلها أربعة أقسام: منقلبة عن الياء نحو: الفتى، ومنقلبة عن واو نحو: العصا، وأصلية وهي: إذا ومتى، والمراد بها: كل ألف في حرف أو شبهه، ومجهولة الأصل نحو: الددا -وهو اللهو- فإن ألفه لا يُدرى هل هي عن ياء أو عن واو؟ لأن الألف في الثلاثي المعرب لا تكون إلا منقلبة عن أحدهما.
فأما المنقلبة عن الياء فتنقلب في التثنية ياء ردا إلى أصلها نحو قولك: فتيان، وأما المنقلبة عن الواو فتقلب واوا ردا إلى أصلها أيضا نحو قولك: عصوان.
وأما الأصلية والمجهولة ففيها ثلاثة مذاهب:
الأول: -وهو المشهور- أن يعتبر حالهما بالإمالة فإن أميلا ثنيا بالياء، نحو: بلى ومتى، فتقول: بليان ومتيان، وإن لم يمالا فبالواو نحو: على، وإذا مسمى بهما علوان وإذوان، وهذا مذهب سيبويه، وبه جزم هنا.
= الإعراب: "فقلت" فعل وفاعل، عطف على قوله تقول في بيت سابق "لو" للشرط "باكرت" فعل وفاعل "مشمولة" مفعوله "صفرا" صفة لمشمولة "كلون" الكاف للتشبيه ولون مجرور بها "الفرس" مضاف إليه "الأشقر" صفة للفرس وجواب لو هو قوله: رحت وفي رجليك -في بيت بعده.
الشاهد: قوله: "صفرا" حيث قصرها وهي ممدودة.
مواضعه: ذكره الأشموني 658/ 3.
والثاني: أن ألفهما إن أميلت أو قلبت ياء في موضع ما ثنيت بالياء، وإلا فبالواو، وهذا اختيار ابن عصفور، وبه جزم في الكافية. فعلى هذا يثنى على وإلى ولدى بالياء لانقلاب ألفهن ياء مع الضمير، وعلى الأول يثنيان بالواو، والقولان عن الأخفش.
والثالث: أن الألف الأصلية والمجهولة يقلبان ياء مطلقا.
تنبيهان:
الأول: قوله: "جامد" يشمل الألفين، فإن الجامد هنا ما لم يعرف له اشتقاق، وقد عبر بعضهم عن الأصلية بالمجهولة.
والثاني: مثل في شرح التسهيل المجهولة بخسا -بمعنى فرد- ولقا بمعنى ملقى لا يعبأ به، ونوزع في المثالين، أما خسا فقال في المخصص يكتب في الألف من خساء مهموزا، وأما لقى فنص ابن جني على أن ألفه عن ياء وهو بمعنى ملقى فهو فعل بمعنى مفعول، والمعنى أنه لخساسته وكونه تافها يلقاه كل أحد فلا يأخذه.
وقوله:
في غَيْرِ ذا تُقْلَبُ واوا الألِفْ
الإشارة إلى الأنواع التي تقلب ألفها ياء وهي ما كانت ألفه رابعة فصاعدا أو ثالثة منقلبة عن ياء أو أصلية أو مجهولة وأميلت، وما عدا ذلك تقلب ألفه واوا، وهو نوعان؛ أحدهما: ما ألفه ثالثة منقلبة عن واو. والآخر: ما ألفه أصلية أو مجهولة ولم تمل، وتقدم تمثيل ذلك.
وقوله:
وأَوْلِهَا ما كان قَبْلُ قد أُلفْ
يعني: من العلامة المذكورة في باب الإعراب، ثم انتقل إلى الممدود فقال:
وما كصحراء بواو ثنيا
يعني: أن ما كانت همزته للتأنيث فإذا ثني تقلبها واوا فتقول في صحراء صحراوان، وكذلك ما أشبهه.
وقوله:
.......................
…
ونحو علباء كساء وحياء
بواو أو همز............
…
.......................
يعني: أن ما همزته للإلحاق نحو علباء1 أو منقلبة عن أصل نحو كساء وحياء فهمزة كساء عن واو وأصله كساو، وهمزة حياء عن ياء وأصله حياي، فهذان النوعان يجوز في همزتهما وجهان: قلبهما واوا وتصحيحهما، فتقول عن الأول: علباوان وكساوان وحياوان، وعلى الثاني: علباءان وكساءان وحياءان.
1 العلباء: اسم لبعض أعصاب صفة العنق.
فإن قلت: أي الوجهين أجود؟
قلت: ذكر المصنف وفاقا لبعضهم أن قلب التي للإلحاق أولى من تصحيحها والمنقلبة عن أصل بالعكس. ونص سيبويه والأخفش على أن إقرار الهمزة فيهما أحسن إلا أن سيبويه ذكر أن القلب في التي للإلحاق أكثر منه في المنقلبة عن أصل، مع اشتراكهما في القلة، وقوله:
.......... وغير ما ذكر
…
صحح................
يعني: أن غير ما ذكر من أقسام الممدود تصحح همزته في التثنية، ويعني بذلك ما همزته أصلية نحو: قَرَّاء ووَضَّاء، فإنه لم يبقَ من أقسام الممدود غيره، فتقول فيهما: قراءان ووضاءان1.
والحاصل أن الممدود أربعة أقسام؛ لأن همزته إما أصلية أو مبدلة من أصل أو مبدلة من ياء الإلحاق أو مبدلة من ألف التأنيث، وقد عرفت أحكامها.
تنبيه:
قال الشارح: الممدود على أربعة أضرب؛ لأن همزته إما زائدة وإما أصلية، والزائدة إما للتأنيث نحو حمراء وصحراء وإما للإلحاق كعلباء وقوباء2، والأصلية إما بدل نحو كساء ورداء وحياء، وإما غير بدل نحو قراء ووضاء. انتهى. وفيه تجوُّز؛ لأن الهمزة في حمراء ونحوه ليست زائدة للتأنيث، بل مبدلة من الألف الزائدة للتأنيث عند الجمهور، وكذلك الهمزة في علباء ونحوه إنما هي مبدلة من الياء الزائدة للإلحاق، وتسمية همزة كساء ونحوه أصلية إنما هو باعتبار ما نشأت عنه. وقوله:
...........................
…
..... وما شذ على نقل قُصِرْ
يشير به إلى أن الذي يقاس عليه في تثنية المقصور والممدود هو ما سبق ذكره، وما ورد بخلافه فهو شاذ لا يقاس عليه.
أما الذي شذ في المقصور فثلاثة أشياء:
الأول: قولهم مِذْرَوان -وهما طرفا الألية- وقد يطلقان على جانب الرأس ونحوه، والقياس مِذْرَيان؛ لأن ألفه رابعة، وعلة تصحيحه أنه لم يستعملها مثنى،
1 القراء: الناسك أي: المتعبد، والوضاء: الوضيء أي: الحسن الوجه.
2 القوباء: مرض جلدي معروف، يظهر على الجلد على شكل بقع بيضاء مستديرة صغيرة ثم تتسع.
قال أبو علي: التالي لا يفرد ألبتة، وحكى أبو عبيد عن أبي عمرو مذري مفردا، وحكي عن أبي عبيدة مذري ومذريان على القياس.
والثاني: حذف ألف المقصور خامسة فصاعدا لقولهم: خَوْزَلان وضَغْطَران في خوزلي1 وضغطري -وهو الأحمق- ولا يقاس على ذلك خلافا للكوفيين.
والثالث: قوله بعضهم: رضيان في رضى وقياسه رضوان؛ لأنه من ذوات الواو، وقاس الكسائي على ما ندر من ذلك، فأجاز تثنية نحو رضى وعلا من ذوات الواو المكسورة الأول والمضمومة بالياء.
وأما الذي شذ في الممدود فخمسة أشياء:
الأول: إقرار همزة التأنيث كقولهم: حمراءان.
والثاني: قلبها ياء نحو حمرايان. قال المصنف: وكلاهما نادر، انتهى. وحكى النحاس أن الكوفيين أجازوا فيها الإقرار، وحكى غيره أن قلبها ياء لغة فزارة.
والثالث: حذف الألف والهمزة من قاصعاء ونحوه، قالوا: قاصعان، وقاس عليه الكوفيون.
والرابع: قلب همزة كساء ونحوه ياء، وفي التسهيل: ولا يقاس عليه خلافا للكسائي. انتهى، ونقله أبوزيد لغة عن فزارة.
والخامس: قلب الأصلية واوا، قال في التسهيل: وربما قلبت قلبت الأصلية واوا. انتهى. وفي كلام بعضهم ما يقتضي أنه لم يسمع، وقال في شرح التسهيل: والحاصل أن المقيس عليه قلب المبدلة من ألف التأنيث واوا وسلامة الأصلية وإجازة وجهين في الملحقة مع ترجيح القلب، وإجازة وجهين في المبدلة من أصل مع ترجيح السلامة، وما سوى ذلك يحفظ ولا يقاس عليه إلا عند الكسائي، وقد تبين ذلك.
واحْذِفْ من المقصورِ في جَمْعٍ عَلَى
…
حَدِّ المثنى ما به تَكَمَّلا
1 الخوزلى: مشية فيها تثاقل وتبختر.
الجمع الذي على حد المثنى هو الجمع المذكر السالم، فإذا جمع الاسم هذا الجمع وكان مقصورا حذف لالتقاء الساكنين وأبقيت الفتحة التي كانت قبل الألف لتشعر بالألف المحذوفة، فتقول: جاء الأعلون ورأيت الأعلين، وقد أشار إلى إبقاء الفتحة، وعلة إبقائها بقوله:
والفتحَ أبقِ مُشْعِرًا بما حُذِفْ
وقد فهم من إطلاقه أنه لا فرق فيما ألفه زائدة وما ألفه غير زائدة، وهذا مذهب البصريين، وأما الكوفيون فنقل عنهم أنهم أجازوا ضم ما قبل الياء مطلقا، ونقله المصنف عنهم في ذي الألف الزائدة نحو حبلى -مسمى به- قال في شرح التسهيل: فإن كان أعجميا نحو عيسى أجازوا فيه الوجهين؛ لاحتمال الزيادة وعدمها.
تنبيه:
ظاهر كلامه في التسهيل وشرحه أن الكوفيين يجزمون في ذي الألف الزائدة بما ذكر من الضم والكسر، وقال في شرح الكافية: وأجاز الكوفيون ضم ما قبل الواو وكسر ما قبل الياء في المقصور الذي ألفه زائدة، فظاهره أنهم يجيزون الوجهين، وهو الظاهر من نقل غيره.
فإن قلت: لم يذكر هنا حكم غير المقصور إذا جمع على حد المثنى.
قلت: قد تقدم أول الباب الاعتذار عن اقتصاره هنا على المقصور والممدود، ولما كان حكم همزة الممدود في جمع التصحيح كحكمها في التثنية لم يعد ذكره في الجمع إحالة على التثنية، وكان ينبغي أن ينبه على أن ياء المنقوص تحذف في الجمع على حد المثنى، ويضم ما قبل الواو ويكسر ما قبل الياء فتقول:"جاء القاضون ورأيت القاضين".
والحاصل أن حكم المجموع على حد المثنى في الصحة والتغيير كحكم المثنى إلا المقصور والمنقوص، فإن آخرهما يحذف.
ثم انتقل إلى الجمع بالألف والتاء فقال:
....................
…
وإِنْ جَمَعْتَهُ بتاءٍ وأَلِفْ
فالألفَ اقلِبْ قلبَها في التثنيهْ
…
..........................
الضمير في قوله: "وإن جمعته" للمقصور، ومعنى قوله:"قلبها في التثنية" أنها إن كانت رابعة فصاعدا قلبت ياء، وإن كانت ثالثة فعلى التفصيل المتقدم.
فإن قلت: ما حكم الممدود والمنقوص إذا جمعا بالألف والتاء؟ قلت: كحكمهما إذا ثنيا.
فالحاصل أن حكم المجموع بالألف والتاء كحكم المثنى مطلقا إلا في حذف تاء التأنيث مما هي فيه، كما سيأتي.
فإن قلت: لم ذكر حكم المقصور إذا جمع بالألف والتاء ولم يذكر حكم الممدود وكلاهما موافق للتثنية، فكان حقه أن يترك ذكرهما استغناء بما تقدم في التثنية أو يذكرهما إيضاحا؟
قلت: لما كان حكم الممدود في جمعي التصحيح واحدا لم يذكره استغناء بذكره في التثنية بخلاف المقصور فإنه خالف التثنية في أحد الجمعين ووافقهما في الآخر.
وقوله:
.......................
…
وتاءَ ذي التا أَلزِمَنَّ تَنْحِيَهْ
يعني: أن تاء التأنيث تحذف عند تصحيح ما هي فيه؛ لئلا يجمع بين علامتي التأنيث، ويعامل الاسم بعد حذفها معاملة العاري منها فتقول في مسلمة: مسلمات، وإذا كان قبلها ألف قلبت على حد قلبها في التثنية، فتقول في فتاة: فتيات؛ لأنها عن ياء، وفي قطاة: قطوات؛ لأنها عن واو، وفي معطاة: معطيات؛ لأنها رابعة، وإذا كان قبلها همزة تلي ألفا زائدة صححت إذا كانت أصلية نحو قراءة وقراءات، وجاز فيها القلب والتصحيح إن كانت بدلا من أصل نحو نباءة فيقال: نباءات ونباوات، كما يفعل في التثنية.
والسالِمَ العَيْن الثلاثي اسمًا أنِلْ
…
إتْباعَ عين فاءَه بما شُكِلْ
إنْ ساكن العين مؤنثا بَدَا
…
مُختتما بالتاء أو مُجردَا
يعني: أن ما جمع بالألف والتاء وحاز الشروط المذكورة في هذين البيتين تتبع عينه فاءه في الحركة، فتفتح إن كانت الفاء مفتوحة وتضم إن كانت الفاء مضمومة وتكسر إن كانت الفاء مكسورة.
والشروط المذكورة خمسة، وأنا أذكرها على ترتيبها:
الأول: أن يكون سالم العين، واحترز به من نوعين: أحدهما المشددة نحو جَنة وجِنة وجُنة1 فليس فيه إلا التسكين. والآخر: ما عينه حرف علة، وهو ضربان: ضرب قبل حرف العلة فيه حركة تجانسه نحو تارة ودولة وديمة، فهذا يبقى على حاله، وذكر ابن الخباز في سورة الفتح ونسب إلى الوهم، وفي المصباح: هذيل تقول ديمات -بالفتح- في جميع الباب. وضرب قبل حرف العلة فيه فتحة نحو جَوْزة وبيضة، وهذا فيه لغتان: لغة هذيل الإتباع، ولغة غيرهم الإسكان، وسيأتي ذكره عند إشارة الناظم إليه.
الثاني: أن يكون ثلاثيا، واحترز به من الرباعي نحو جيأل -علم للضبع فإنه يبقى على حاله.
الثالث: أن يكون اسما، واحترز به من الصفة نحو ضخمة وجِلْفة2 وحلوة، فليس فيها إلا التسكين.
الرابع: أن يكون ساكن العين، واحترز به من متحرك العين، نحو شجرة ونِبقة وسمُرة، فإنه لا يغير.
الخامس: أن يكون مؤنثا، واحترز به من المذكر نحو بكر، فإنه لا يجمع بالألف والتاء فلا يكون الإتباع المذكور، ولا يشترط أن يكون فيه تاء التأنيث، فلذلك سوى بين المختتم بتاء التأنيث والمجرد منها، فمثال المختتم بالتاء جفنة وسدرة وغرفة، ومثال المجرد منها دعد وهند وجُمْل، فإذا جمعت هذه المثل ونحوها بالألف والتاء تبعت عينها فاءها لجمعها للشروط المذكورة فتقول: جفنات وسدرات وغرفات ودعدات وهندات وجملات.
تنبيه:
منع الفراء إتباع الكسرة إلا أن يسمع فيحفظ ولا يقاس عليه، وحجته أن فعلات تتضمن فعلا وهو وزن أهمل إلا ما ندر كإبل، ورد بأنه أخف من فعل، فإن تصرف أدى إلى استعماله فلا ينبغي أن يجتنب.
1 الجنة: بفتح الجيم البستان، وبكسرها: الجنون والجن، وبضمها: الوقاية.
2 جلفة: بكسر الجيم -مؤنث جلف- وهو الرجل الجافي.
وقوله:
وسَكِّنْ التالي غيرَ الفتحِ أوْ
…
خفِّفْهُ بالفتح فكُلًّا قد رَوَوْا
يعني: أنه يجوز في العين بعد الفاء المضمومة أو المكسورة وجهان مع الإتباع، وهما الإسكان والفتح، فاتضح بذلك أن في نحو سدرة وهند من مكسور الفاء وجمل وغرفة من مضموم الفاء ثلاث لغات: الإتباع والإسكان والفتح. وأما نحو جفنة ودعد فلا يجوز فيه إلا الإتباع، ولا يسكن إلا في الضرورة، وذكر في التسهيل أنه يجوز فيه الإسكان اختيارا لأمرين؛ أحدهما: اعتلال لامه نحو ظبيان، والآخر: شبه الصفة نحو أهل وأهلات، ولم يستثنِ أكثرهم هذين النوعين، والأول حكاه ابن جني عن قوم من العرب، فإذا صح النقل وجب قبوله.
تنبيهان:
الأول: أشار بقوله: "فكلا قد رووا" إلى ثبوت هذه اللغات نقلا عن العرب خلافا لمن زعم أن الفتح في نحو غرفات إنما هو على أنه جمع غرف، ورُدَّ بأن العدول إلى الفتح تخفيفا أسهل من ادعاء جمع الجمع، ورده السيرافي بقولهم:"ثلاث غُرَفات" -بالفتح.
الثاني: مذهب أبي علي والجماعة أن السكون في نحو غرفات تخفيف عن الضم وليس على الأصل، واستدل أبو علي بأن السكون لم يجئ في المفتوح على الأصل إلا نادرا في الشعر فلا يحمل عليه الشائع الكثير، وكذلك الفتح عندهم تخفيفا عن الضم، عدلوا عن الضم إليه، وذهب بعضهم إلى الفتح إتباع لما بعد، وان التسكين تسليم للمجموع، واستدل بقول سيبويه: ومن العرب من يدع العين ساكنة، فهذا دليل على أنه سكون الأصل، وظاهر قوله:"وسكن التالي الفتح أو خففه بالفتح" موافقة أبي علي والجماعة.
ومنعوا إِتْباع نحو ذروه
…
وزبية................
يعني: أن العرب منعوا إتباع الكسرة فيما لامه واو، وإتباع الضمة فيما لامه ياء؛ لاستثقال الكسرة قبل الواو والضمة قبل الياء، ولا خلاف في ذلك.
وقوله:
.....................
…
..... وشذ كسر جروه
إشارة إلى قولهم: جِروات -بكسر الراء- حكاه يونس وهو في غاية الشذوذ؛ لما فيه من الكسر قبل الواو.
تنبيهات:
الأول: قد ظهر بهذا أن لإتباع الكسرة والضمة شرطا آخر غير الشروط السابقة.
الثاني: فهم من كلامه جواز الإسكان والفتح في نحو ذِرْوَة وزُبْيَة1؛ إذ لم يتعرض لمنع غير الإتباع.
الثالث: فهم أيضا من إطلاقه جواز اللغات الثلاث، في نحو خطوة ولحية، ومنع بعض البصريين الإتباع في نحو لحية؛ لأن فيه توالي الحركات مرتين قبل الياء قال ابن عصفور: كما لم يحفلوا باجتماع ضمتين والواو، كذلك لم يحفلوا باجتماع كسرتين والياء.
ونَادِرٌ أو ذو اضطرارٍ غير ما
…
قَدَّمْتُه أو لأناس انْتَمَى
يعني: أن ما ورد من هذا الباب مخالفا لما تقدم فهو إما نادر، وإما ضرورة، وإما لغة قوم من العرب، فمن النادر قول بعضهم: كَهَلات -بالفتح2- وقياسه الإسكان؛ لأنه صفة، ولا يقاس عليه، خلافا لقطرب، ومنه قول جميع العرب:"عِيَرات" -بكسر العين وفتح الياء- جمع عير وهي الدابة التي يحمل عليها، والعير مؤنث، وذهب المبرد والزجاج إلى أنه "عَيرات" بفتح العين، قال المبرد: جمع عَيْر -وهو الحمار- وقال الزجاج: جمع عير، الذي في الكتف أو القدم3 وهو مؤنث، ومنه جروات كما تقدم.
1 ذروة: بكسر الذال وضمها كما في القاموس، وهو أعلى الشيء.
وزبية: بضم الزاي وسكون الباء وفتح الياء، وهي حفرة الأسد.
2 كهلات: جمع كهلة، وهي التي جاوزت ثلاثين سنة.
3 وهو العظم الناتئ في وسط الكتف أو وسط القدم.
ومن الضرورة قوله1:
فتستريح النفسُ من زَفْراتِهَا
وقياسه الفتح.
ومن المنتمي إلى قوم من العرب فتح العين المعتلة بعد الفاء المفتوحة نحو: جوْزة وبيضة، فإنها لغة هذيل. قال شاعرهم2:
1 قائله: لم أقف على اسم راجزه، وهو من الرجز.
وقبله:
عل صروف الدهر أو دولاتها
تدلننا اللمة من لماتها
اللغة: "عل" لغة في لعل "الدولات" -بضم الدال- جمع دولة في المال، وبالفتح في الحرب، وقيل: هما واحد "تدلننا" من الإدالة، وهي الغلبة "اللمة" بالفتح الشدة "زفراتها" -جمع زفر- وهي الشدة.
الإعراب: "عل" حرف من الحروف المشبهة بالفعل "صروف" اسم لعل "الدهر" مضاف إليه "أو" حرف عطف "دولاتها" عطف عليها "تدلننا" جملة من الفعل والفاعل والمفعول خبر لعل "اللمة" -بالنصب- مفعول ثان لتدلننا "من لماتها" جار ومجرور في محل نصب صفة لقوله اللمة تقديرها: اللمة الكائنة من لماتها "فتستريح" -بالنصب- فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء "النفس" فاعل "من زفراتها" جار ومجرور متعلق بنستريج.
الشاهد: قوله: "زفراتها" حيث سكن الفاء فيها لإقامة الوزن، والقياس تحريكها.
مواضعه: ذكره الأشموني 668/ 3، وابن الناظم، والسيوطي ص129، والمكودي ص164.
2 قائله: هو شاعر من هذيل يمدح جمله، وهو من الطويل.
وعجزه:
رفيق بمسح المنكبين سبوح
اللغة: "أخو بيضات" أي: صاحب بيضات وملازم لها وهو جمع بيضة "رائح" اسم فاعل من راح يروح رواحا، والرواح: السير وقت العشي، والمراد راجع إلى عشه "متأوب" اسم فاعل من تأوب، إذا جاء في أول الليل "رفيق بمسح" عليم بتحريكهما في السير "سبوح" حسن الجري.
المعنى: يمدح الشاعر الهذلي جمله فيقول: إن جملي في سرعة سيره كذكر النعام الذي له بيضات يحرص عليها. فهو يسعى ليلا ونهارا بسرعة ومهارة؛ ليصل إليها ويطمئن عليها.
الإعراب: "أخو" خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو أخو "بيضات" مضاف إليه "رائح متأوب" صفتان لأخ وكذلك "رفيق وسبوح" ويجوز في سبوح أن تجعل خبرا ثانيا للمبتدأ.
الشاهد: قوله: "بيضات" حيث فتح العين إتباعا لحركة الفاء، والاسم ثلاثي معتل العين.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 668/ 3، وابن هشام 91/ 4، وابن الناظم، والمكودي ص164.
أخو بيضات رائح متأوب
وبلغتهم قرئ: {ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} 1، ومنه إسكان العين في نحو ظبية؛ لاعتلال لامه كما تقدم. والله أعلم.
1 من الآية 58 من سورة النور.