الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
- 2 -
في الجامعة*
حين كان شِقُّ اِلمقْراض يعمل عمله على هذا النحو في أوساط الناشئة والمتعلمين، كان الشق الآخر يمارِس ذلك العمل نفسه في إعداد معلم اللغة العربية ومعلم الدين. والواقع أن المحاولات المبذولة في أوساط المعلمين أسبق من نظيرتها المبذولة في أوساط النشء والمتعلمين. فمن الممكن إرجاعها إلى إنشاء كلية الاداب، بل إن من الممكن إرجاعَها إلى إنشاء "دار العلوم". ولقد عرف ذلك حق المعرفة أحدُ أبناء هذه الدار حين قال:(ثم جاء حمزة فتح الله وحفني ناصف والإِسكندري والعناني والجارم وضيف من رجال دار العلوم، فألفوا في الأدب والعلوم العربية مع الاقتباس من مناهج الغرب في نظام التأليف. ويعتبر هؤلاء رجال المرحلة الوسطى التي مهدت لمرحلة الجامعة ورجالها)(1). ومع ما أعلمه من أن بيان هذا الإِجمال شديد الصلة بموضوعنا فإِني أخشى أن يتشعب بنا الحديث ويطول حتى ينسينا ما نحن فيه. لذلك أدع تفصيل هذا الِإجمال لموضع آخر قد أعود للحديث عنه مع غيره من الخطط والأساليب التي استهدف بها الإِنجليز إضعاف (الأزهر) ، لأنه كان يصبغ التعليم بالصبغهَ الإِسلامية في مصر، بل في البلاد الإِسلامية بعامة والعربية بخاصة، وذلك بمحاصرته وعزله عن الحياة وسد أبواب الرزق أمام المتخرجين فيه وحصرها في باب واحد هو خدمة المساجد.
(*) نشرت في عدد جمادي الآخرة سنة 1378 من مجلة الأزهر.
(1)
الثقافة الإِسلامة والحياة المعاصرة ص 542 من مقال مُحَمَّدْ خلف الله عن "القيم الإِسلامية والحياة الأدبية في مصر الحديثة".
فلندع إذن ذلك الحديث الطويل لفرصة أُخرى، ولأكتف هنا بأن أبدأ بكتاب "مستقبل الثقافة في مصر" الذي كتبه طه حسين في أعقاب معاهدة 1936، والذي أصبح مكانه من كل حركات الهدم التي يسمونها إصلاحاً مثلَ مكان الدستور من القوانين. ولأكتف من هذا الكتاب في هذا المقام بفقرة واحدة منه هي الفقرة التاسعة والأربعون، التي أشار فيها إلى لونين من ألوان الدراسة اقترح إنشاءهما في كلية الآداب، وسعى عند المسؤولين في وضع اقتراحه موضع التنفيذ، فلم يحالفه النجاح في أيهِّما. أما أحد المشروعين فهو يدعو إلى إنشاء معهد للأصوات لدراسة اللهجات قديمها وحديثها. وقد عارض وكيل المالية الذي كان ممثلاً للدولة في مجلس الجامعة وقتذاك في منحه ما يحتاج إليه من مال، لأنه لم يستطع - على رواية المؤلف - أن يفهم قيمة هذا المعهد وحاجة المتعلمين إليه. أما المشروع الآخر فقد كان يدعو إلى إنشاء معهد للدراسات الإِسلامية يلحق بكلية الآداب. ومهمة هذا المعهد كما تصورها طه حسين هي العناية بالدراسات الإِسلامية (على نحو علمي صحيح). والمبرر لإِنشائه عنده هو أن (كلية الآداب متصلة بالحياة العلمية الأوروبية. وهي تعرف جهود المستشرقين في الدراسات الإِسلامية. ومن الحق عليها أن تأخذ بنصيبها في هذه الدراسات لتلائم بين جهود مصر التي ترى لنفسها زعامة البلاد الإِسلامية وبين جهود الأمم الأوربية).
ومضى على هذين المشروعين الفاشلين زمن طويل حتى كاد الناس ينسون ما كان من أمرهما وأمر صاحبهما. ودارت الأيام دورتها فإِذا المشروعان يظهران من جديد، ينجح أحدهما في اتخاذ طريقه إلى التنفيذ بإِنشاء شعبة في قسم اللغة العربية بجامعة الإِسكندرية تدعى (شعبة الدراسات العربية الحديثة)، وهي شعبة لا تزال - لحسن الحظ - حبراً على ورق منذ أنشئت في سنة 1955 (*). وما أظن أن الطريق أمامها ميسَّر في واقعنا العربي الراهن. أما المشروع الآخر فقد عاد للظهور في صورة اقتراح مقدم من أحد أعضاء
(*) ألغيت هذه الشعبة من بعد في سنة 1958 م، قبل أن توضع موضع التنفيذ. وكان قد صدر بها مرسوم جمهوري، ونشرتها الجامعة في تقويم كلية الآداب للعام الجامعي 1955 - 1956.
لجنة التربية الدينية بوزارة التربية والتعليم. وكما كان صاحب الاقتراحين القديمين شخصاً واحداً هو طه حسين، فقد كان صاحب الاقتراحين الجديدين شخصاً واحداً أيضاً هو مُحَمَّدْ خلف الله. وقد اقترن المشروعان الجديدان بظروف وملابسات تدعو إلى التدبر والتأمل.
بدأت فكرة هذين المشروعين في مؤتمر للثقافة الإِسلامية عقد في صيف سنة 1953 بدعوة من جامعة برنستون الأمريكية ودُعي إليه مندوبون من مختلف البلاد الإِسلامية بين أندونيسيا شرقاً والمغرب العربي غرباً واشترك معهم عدد مساو من الأمريكيين، بعضهم من رجال وزارة الخارجية وبعضهم من المبشرين الذين يسترون أهدافهم الهدامة تحت اسم البحث العلمي، وفريق ثالث من موظفي شركات البترول.
أما مشروع (إنشاء قسم أو شعبة للدراسات الإِسلامية في كل كليةٍ للآداب بالجامعات المصرية)(1) فقد بناه صاحبه على أن الركن الأكبر في نجاح التربية الدينية (هو المعلم الذي ينبغي أن يعاد النظر في تكوينه وإعداده، وأن يرسم لذلك منهج جديد يحقق له عمق الثقافة وحرية الفكر- ص 164). وبناه كذلك على (أن قيام مصر بنصيبها في تقدم الإِنسانية وفي حل مشكلات الحياة المعاصرة يتطلب من المصريين تعمقاً في دراسة دينهم، وتَبيُّن موقفِه من مختلف المذاهب والاتجاهات التي يجيء بها التطور الاجتماعي والفكري - ص 165). واقترح فيما اقترحه من الدراسات في هذا القسم دراسة "سيكولوجية الدين" و"التاريخ الديني والفكري للبشرية قبل الإِسلام" و"ما كان لمصر وعلمائها بين الأمم الإِسلامية من آثار علمية خالدة" و"النظم الدينية والأخلاقية المقارنة".
فالدراسة المقترحة تقوم على أساسين، أولهما استبعاد الأزهر من القيام
(1) نشر هذا الاقتراح في مجلة "الأسرة" التي يصدرها قسم اللغة العربية بجامعة الاسكندرية في العدد 6 سنة 1957 (ص 160 - 165). وفي آخره إشارة إلى أن صاحب هذا الاقتراح قدم معه مذكرة تفسيرية مفصلة عن مواد الدراسة وعدد الدروس في كل مادة بالنسبة لكل سنة من سنين الدراسة في هذا القسم. ولم يتيسر لي الإِطلاع عام هذه المذكرة.
بوظيفة تعليم الدين لأن مناهجه لا تحقق للدارسين فيه (عمق الثقافة وحرية الفكر)، وثانيهما هو الصبغة المصرية التي تبرز في الإِشارة إلى مهمة مصر القيادية في حل مشكلات الحياة المعاصرة ومسايرة التطور الاجتماعي - وهو تطور غربي بالبداهة - كما تبرز في إمداد الدارس بما يقوِّي فيه الاعتزاز بفقهاء الإِسلام وعلمائه من المصريين بخاصة، مما يوجد لوناً من الشعوبية الإِسلامية يشبه الشعوبية السياسية.
والصلة واضحة بين هذا المشروع وبين مشروع طه حسين من ناحية، وبينه وبين ما أُلقي في مؤتمر الثقافة الإِسلامية السالف ذكره من ناحية أُخرى. فهو قريب الصلة بما جاء - في كلام الإِسماعيلي الهندي المتجَلْنِز آصف علي فيظي عن الإِسلام الهندي الحديث المتأثر بالمذاهب الغربية، والذي أنشئت جامعة عليكرة "الكلية المحمدية الإِنجليزية" لنشره وترويجه (ص 81 - 82 من كتاب "الثقافة الإِسلامية والحياة المعاصرة" نشر فرنكلين 1956)، كما يذكِّرنا بما زعمه من أن التصور الأساسي (لا تمكن الحافظة عليه سليمًا إلَّا بإِعادة تفسيره وإعادة تقريره في كل عصر وفي كل مرحلة من المدنية)، وبدعوته إلى الاستفادة من الدراسات الحديثة في علم النفس ومن الفكر الأوروبي والفكر البروتستنتي والتفكير المدرسي المسيحي والتفكير اليهودي (ص 411)(*). ولعل له صلة مع ذلك كله بمقررات "اللجنة الدائمة للتعاون الإِسلامي المسيحي" التي شارك صاحب الاقتراح في اجتماعيها في بحمدون سنة 1954 وفي الاسكندرية سنة 1955. أما ما جاء في المشروع عما سمّاه صاحبه "سيكولوجية الدين" فهو شديد الشبه بكلام القسيس الأمريكي ميلر بروز في دعاواه الهدَّامة التي طالب فيها بوضع (تجربة الدين) و (تجربة النبوة) والمعجزات والصلاة والحياة الآخرة موضع البحث وإخضاعها لقواعد علم النفس الحديث ص 43 - 49). وهو من ناحية أُخرى استجابة لدعوة القسيس الأمريكي الآخر هارولد سميث الذي قال "إن وجهتي في هذا القال هي أن أستعرض بعض الاتجاهات الحديثة، وأن أقترح طرقاً لدراسة النظرية
(*) راجع المقال المكتوب عن "الثقافة الإِسلامية والحياة المعاصرة" في الطبعة الثالثة من كتابنا (الإِسلام والحضارة الغربية).
الإِسلامية المهمة في الإِنسان
…
ولا شك أن القيام بهذه الدراسة على وجهها أمر متروك لعلماء المسلمين أنفسهم - ص 59". وغيرُ خافٍ ما تنطوي عليه (سيكولوجية الدين) من مفاهيم. أولها وأبرزها أن الدين ظاهرة نفسية ليس لها وجود خارجي حقيقي، لأن من المعروف أن هذه (السيكولوجية) تردُّ كل التصرفات إلى مصدر مجهول في أعماق النفس البشرية يسمونه (العقل الباطن). ولا أدري ولا يدري أحد أين هو على وجه التحديد، ولكنه في داخل الإِنسان على كل حال وليس خارجَه، ليس وحياً وليس تنزيلاً. يقول المبشر ميلَر بْروز صاحب الاقتراح الأصيل إن (تجربة النبوة) يمكن "أن تلاحظ وتدرس بنفس الطريقة، وإلى نفس الدرجة التي يمكن بها ملاحظة التأثيرات الذوقية والوجدانية ودراستها - ص 43". ويقول "ويستطيع العالم أن يشير إلى أن التجارب الدينية - منظوراً إليها في ضوء الظواهر السيكولوجية - لا يمكن تمييزها من أوهام الحس - ص 44". ويقول "إنه ليس للدين أن يتوقع أن معتقداته ستؤخذ قضايا مسلَّمة، على أساس أنها جاءت من طريق الوحي، وأن وراءها سلطة التقاليد القديمة
…
أما العلم فإِنه يرى في روح البحث الحر جوهر الحياة. وإذا كان الدين يريد أن يضمن احترام العلماء فعليه أن يُظهِر استعداده لعرض قضاياه لضوء العقل، غيرمُحْتمٍ بسلطة إلَّا سلطة الحقيقة نفسها - ص 45" (1). ولعل ذلك كله هو ما قصد إليه مُحَمَّدْ خلف الله في مذكرته من (عمق الثقافة وحرية الفكر).
تلك هي قصة أحد المشروعين. أما المشروع الآخر فهو متصل بمناهج جديدة للدراسة في قسم اللغة العربية بجامعة الإِسكندرية. وهو قسم
(1) الرد على كل هذه الدعاوى سهل يسير. وهو يتلخص في أن العلم البشري لا يصلح لأن يكون فيصلاً إلَّا في شؤون المادة المحسوسة التي يجُري عليها تجاربه، بل في بعض شوون هذه المادة مما تيسَّر له الكشف عنه. أما ما وراء المادة من الغيب الذي لا يحصيه إلَّا الله سبحانه وتعالى، فالعلم عاجز عن إبداء رأي فيه. وكل ما يقال في التشكيك فيما جاء به الدين ليس إلَّا ظنوناً لا تتجاوز مرتبة (الفروض العلمية). وذلك هو قول الله تبارك وتعالى فيما أنزل على نبيه "وما يتبع أكثرهم إلَّا ظناً. إن الظن لا يغني من الحق شيئاً" وقوله سبحانه وتعالى:"بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله".
لا يشتغل المتخرجون فيه بغير تعليم اللغة العربية في بلاد العرب كما هو معروف. فلننظر: هل تُعِدُّ هذه الدراسة ببرامجها الجديدة للقيام بهذه المهمة؟
تقوم هذه البرامج - كما هو واضح من جداول الدراسة المذكورة في تقويم كلية الآداب بجامعة الاسكندرية للعام الدراسي 1955 - 1956 (ص 85 - 86)، ومن المذكرة التفسيرية الخاصة بها (ص 95 - 97) على تفرقةٍ أساسية بين مرحلتين من مراحل الأدب العربي ودراساته. فالمرحلة الأولى تشمل الأدب العربي والدراسات المتصلة به منذ عرفه التاريخ إلى بداية القرن التاسع عشر الميلادي. أما المرحلة الثانية فهي تقتصر على ما يلي ذلك باعتباره مرحلة مستقلة تختلف موادها وأسلوب الدراسة فيها وأهدافها عن المرحلة السابقة. فالمنهج يسمي المرحلة الأولى (الدراسات العربية في مرحلتها الكلاسيكية) تارة، ويسميها (الدراسات العربية القديمة) تارة أخرى (ص 95 من تقويم كلية الآداب السابق ذكره)، بينما يعرِّف المرحلة الثانية ويصفها بقوله:(الآداب العربية في نهضتها الحديثة منذ القرن التاسع عشر، وما كان للفكر العربي من اتصال وتأثر بالثقافة الغربية). وقبل أن يبدأ الطالب تخصصه في إحدى هاتين المرحلتين يدرس في سنتيه الأولى والثانية دراسة عامة يتعرف فيها (أركان الدراسات العربية في مرحلتها الكلاسيكية) كما تقول المذكرة التفسيرية (ص 95)، ثم يخُيرَّ بعدها بين متابعة الدراسة في (شعبة الدراسات العربية والشرقية القديمة) أو متابعتها في (شعبة الدراسات العربية الحديثة). ولأدع الشعبة الأولى، على ما يشوب دراستها من نقص، وما تنطوي عليه من انحراف تُصوِّره جداول الدراسة الغارقة في مواد أجنبية تطغى على علوم العربية الأصيلة وتضيِّق عليها المجال. ويكفي أن أقدم مثالاً واحداً لذلك في درس الأدب العربي الذي لا يتجاوز ساعتين كل أسبوع، بينما يشغل درس اللغة العبرية وآدابها، أو السريانية وآدابها ثلاث ساعات أسبوعية من وقت الطالب في كل من السنتين الثالثة والرابعة. ومن شاء المزيد من الأمثلة فليرجع إلى المذكرة التفسيرية (ص 96) ليرى ما تتضمنه محاضرات "الدراسات الإِسلامية) و (النقد والبلاغة) من مفاهيم منحرفة تبدد الوقت الضئيل المحدد لها في قشور تبعدها عن طبيعتها الإِسلامية والعربية ولا تصل إلى أعماق المادة
ولبها. ومن شاء المزيد من الوضوح فليرجع إلى ما بين أيدي الطلاب من مذكرات ليعرف مبلغ ما يحصِّلونه ونوعَه. أقول إني لا أريد أن يتشعب بي الكلام في هذه الشعبة (القديمة)، وأريد أن أحصر كلامي في الشعبة الأخرى (الحديثة) لأن البلية بها أكبر. فهي تُسقط من حسابها كل العلوم العربية نحوها وصرفها وبلاغتها ونصوصها الفصحى شعراً ونثراً، كأن ذلك كله ليس له وجود وليس له آثار، وليست لنا به حاجة منذ القرن التاسع عشر الذي حصرت الشعبة دراساتها فيه وفيما يليه، كما تشير إليه المذكرة التفسيرية. وأكتفي في هذا الموضع بأن أنبه القارئ إلى ما ذكرته من أمر المناهج التي تريد أن تفصل حاضرنا ومستقبلنا عن ماضينا، لأستأنف إكمال الصورة التي نحن في صددها بنقل ما جاء في المذكرة التفسيرية عن مواد الدراسة في هذه الشعبة بسنتيها:
في السنة الثالثة:
1 -
تاريخ النهضة العربية الحديثة في القرن التاسع عشر.
2 -
الأدب العربي الحديث في مصر والبلاد العربية.
3 -
تاريخ النقد الأدبي الحديث، مع العناية بنواحي الاتصال بينه وبين لنقد الأدبي الأوربي.
4 -
التطور اللغوي العريي في العصر الحديث، مع العناية بمشكلة الفصحى والعامية.
5 -
تيارات الفكر الإِسلامي وحركات التجديد في العصر الحديث (1)
6 -
المذاهب الكبرى في الآداب الغربية وتأثيرها في الفكر العربي.
في السنة الرابعة:
1 -
الحياة الثقافية والاجتماعية في البلاد العربية وصلتها بالأدب.
(1) ذكرت هذه المادة في جداول دراسة الشعبة الحديثة تحت اسم: "تطور الفكر الاسلامي في العصر الحديث"، وذلك في مقابل "دراسات إسلامية" في جداول الشعبة القديمة. فتأمل!
2 -
مدارس الشعر العربي الحديث.
3 -
مدارس القصة.
4 -
فنون الأدب الشعبي.
5 -
اللهجات العربية الحديثة.
6 -
ويقوم الطالب بدراسات لغوية حديثة، مع العناية بالنحو المقارن والأصوات اللغوية.
هذه هي مواد الدراسة في الشعبة (الحديثة)، منقولةً عن المذكرة التفسيرية الملحقة بالجداول حرفاً بحرف (ص 97 من تقويم الكلية السابق ذكره). وهي تخلو خلواً تاماً - كما ترى - من درس واحد في النحو أو الصرف أو البلاغة أو القرآن أو الدراسات الإِسلامية أو الأدب العربي السابق على الحملة الفرنسية. ويترتب على هذه الظاهرة الخطيرة أمران خطيران: أولهما عدم صلاحية التخرج في هذه الشعبة لتدريس اللغة العربية التي يجهل نحوها وصرفها وأدبها وبلاغتها. ليس هذا فحسب، بل إنه سيكون حرباً على العربية ومِعْول هدمٍ يعمل فيها، لأنه إذا سئل عن شيء مما يجهده غطى جهله بالتهكم بالعربية وقواعدها وأساليبها. وسيكون من آثار ذلك أن ينشأ جيل من الناس لا يقيم العربية ولا يتذوقها. فإِذا نعق ناعق من بَعْدُ بأن إعراب أواخر الكلمات لا داعي له، وبأن عربية القرون الأولى لغة ميتة لا وجود لها في الحياة، فسوف يجد هذا الناعق لصوته صدًى في عقول ذلك الجيل من الضحايا الذين ألقاهم سوء حظهم بين أيدي هؤلاء المعلمين.
هذه واحدة، أما الأخرى فهي أن هذه البرامج تهدد الدراسات العربية التي يريد المنهج أن يسميها (كلاسيكية) ، لأن بقاءها يصبح مرهوناً بأهواء الشباب، الذي قد تستهويه هذه البدعة، فينصرف عن دراسة لغة القرآن ولغة الآباء والأجداد ولغة العرب الجامعة لشتاتهم إلى هذه الدراسات، التي تحاول أن تربط حاضرنا ومستقبلنا الأدبي بالغرب، في الوقت الذي تقرن فيه تراثنا الأدبي الحيّ العريق بالآداب الساميَّة الميتة. آداب السريانية والعبرية. إذ تجعلها جميعاً في شعبة واحدة هي (شعبة الدراسات العربية والشرقية القديمة).
فإِذا تركنا برامج الشعبة (الحديثة) إلى السنتين التمهيديتين اللتين يشترك
فيهما طلبة الشعبتين، وتزعم البرامج أنها تزوِّد الطالب فيهما بأركان الدراسات
العربية (في مرحلتها الكلاسيكية)، وجدنا أن الدراسات العربية لا تظفر فيهما بأكثر من نصف الوقت المحدد للدراسة، وهو وقت قصير لا يتجاوز مجموعه أربع عشرة ساعة في الأسبوع، نصيب الدراسات العربية منها سبع ساعات أسبوعياً في السنة الأولى وتسع ساعات أسبوعياً في السنة الثانية. مع ملاحظة أن بعض هذه الساعات التي ضممتها في إحصائي إلى الدراسات العربية يمكن إسقاطها من الحساب، لأن مراجعة المذكرة التفسيرية تبين أن ما يدرس فيها ليس من صميم العلوم العربية، بل هو في بعض الأحيان بعيد عنها. فبين ساعات السنة الأولى السبع مثلاً ثلاث ساعات باسم (اللغة العربية) تنص المذكرة التفسيرية على أنها دروس عامة يشترك فيها طلبة قسم اللغة العربية مع طلبة الأقسام الأخرى في دراسةٍ سطحية تلائم غير المتخصصين. وبين ساعات السنة الثانية التسع ثلاث ساعات تحت اسم (دراسات لغوية) وضحت المذكرة التفسيرية ما يدرس فيها بقولها:"ويبدأ هنا كذلك دراسة علم اللغة العام (General Linguistics) في تطوراته الحديثة مع الإِلمام بالمناهج الحديثة في دراسة الظواهر اللغوية - ص 96".
ذلك هو ما تتضمنه دراسة الطالب الذي تمنحه الدولة في نهاية هذه السنوات الأربع شهادة تسمى اليسانس اللغة العربية وآدابها)، تجعل لحاملها الحق في مباشرة تعليم اللغة العربية للناشئة من أشبال العرب. فهل ترى أن هذه الدراسة تُعِدّه للقيام بهذه الوظيفة وحمل هذه الأمانة؟
بقي بعد ذلك أن أعود لما بدأت به حديثي حين قلت إن فكرة هذه الشعبة (الحديثة) قد بدأت في بِرْنستون، فأشير إشارة موجزة إلى مرحلتين سبقتا هذه البرامج تصوران نشأة هذا التوجيه وتطوره. أما المرحلة الأولى فهي تتمثل في الكلمة التي ألقاها مقترح هذه البرامج في مؤتمر الثقافة الإِسلامية المعاصرة الذي انعقد بجامعة بِرْنستون الأمريكية في صيف 1953، وقد جاءت في كتاب (الثقافة الإِسلامية والحياة المعاصرة) تحت عنوان (القيم الإِسلامية والحياة الأدبية في مصر الحديثة) بين صفحتي 527، 549 وهي كلمة
لم يتضمنها نقدي لذلك الكتاب الذي نشر في عددي شعبان ورمضان سنة 1376 (*).
ذكر مُحَمَّدْ خلف الله في مقاله ذاك حين عرض لذكر الدراسات النقدية في قسم اللغة العربية بالاسكندرية أنها قد "أثارت - فيما أثارته - معضلة لها نواحيها التطبيقية والتعليمية: تلك هي صلة علوم البلاغة العربية بالنقد الأدبي، وهل تلك العلوم دراسات لزمنٍ قد انقضى ويجب أن تخليِّ المكان للنقد الحديث - ص 544". ثم عرض في ذلك المقال لما سماه (مشكلات اللغة العربية)، فذكر منها "الصلة بين الفصحى والعامية، وأثر هذا الازدواج في إضعاف المجهود الفكري للأمة. وهل من المصلحة أن تعمَّم العامية بعد صقلها وترقيتها، أو يحدث تقارب بين اللغتين؟ وهل لطريقة الكتابة العربية التي تعبِّر عن مادةِ الكلمة لا صورتها أثر في صعوبة اللغة نفسها على متعلميها؟ وإذا كان، فكيف السبيل إلى إصلاحها؟ - ص 546". وقال بعد ذلك في صدد ما سماه مشكلة الخط العربي: "ويبدو من المحتمل أن يقبل الرأي العام اقتراحاً للإِصلاح يقوم على الاحتفاظ بالطريقة العربية في الكتابة مع إضافة أحرف جديدة للحركات القصيرة، تدخل بها الحركات في صلب الكلمة على نظام الكتابة الغربية - ص 547". ووصف هذه المعضلة الموهومة بأنها مشكلة عالمية (؟!) ، لأن حلها في نظره "يهم العالم كله. ومن الخير أن يتولى بحثها مؤتمر إسلامي عام يشترك فيه الأخصائيون من علماء الغرب - ص 547". أما ما سماه (مشكلة العامية والفصحى) فقد وصفها تارة بأنها (ازدواج - ص 546) ووصفها تارة أخرى بأنها (ثنائية لغوية - ص 549). وزعم أنها ظاهرة لها مضارها في سير الفكر والتعبير - ص 549". وكان من مضارها عنده صعوبة الاتصال المباشر بين الغربيين وشعوب العربية (وذلك لَمِا اضطُّر إليه الغربيون من الاقتصار على تعلم الفصحى واستمداد أساليبها من الكتب - ص549). ومن عجيب أن يراقب صاحب المقال الغرب في كل مقاله حتى يجعل لهذه المراقبة اعتباراً في لغتنا التي هي أخص خصائصنا. ويحاول الكاتب في ختام مقاله أن يلقي ستاراً على رأيه الذي يبدو واضحاً في هذه المشاكل
(*) راجع هذا النقد في الطبعة الثالثة من كتاب (الإِسلام، والحضارة الغربية).
المزعومة، فيقول إنه قد اقتنع منذ مدة "أن الوسيلة انوحيدة للبلاد العربية والإِسلامية هي الحرص على اللغة الفصيحة وتعميمها - ص 549". ولكن حقيقة أمره لا تلبث أن تتضح حين يتبين للقارىء أن اللغة الفصيحة التي يعنيها هي لغة أخرى معدَّلة متطورة في رسمها وفي مادتها، إذ يدعو إلى "استعمالها في شؤون الحياة والفكر، وإصلاح رسمها بما يسهل الاستعمال، وإغنائها بكثير من عناصر الحياة التي تفيض بها اللغة العامية، وإخضاعها لما لا يضيع خصائصها الجوهرية من أساليب التطور والتجديد - ص 549).
فهذا المقال يصور مولد الفكرة في برنستون، وهو المرحلة الأولى في برامج قسم اللغة العربية. أما المرحلة الثانية التي توسطت بين نشأة الفكرة في صيف سنة 1953 وبين تنفيذها في البرامج الجديدة بقسم اللغة العربية في العام الدراسي (55 - 56) فهي مسجَّلة في مقال لمحمد خلف الله نشره في (مجلة اتحاد كلية الآداب) عن العام الدراسي (54 - 55)، وهو يصور اختمار الفكرة، وقد جاء هذا المقال تحت عنوان (ثقافة الاسكندرية الحديثة - ص12 إلى 14)، وفيه يقول بعد أن أشار إلى عناية جامعة؟ الإسكندرية بدراسة الفكر العربي الحديث:"وستشهد السنوات القليلة المقبلة مزيد عناية بهذه الدراسة وتوسعاً في ميادينها، حتى تشمل ظواهر التطور اللغوي والأدبي وتفرع اللهجات في وادي النيل والبلاد العربية. وسيزداد الاهتمام في هذه الدراسة بالجانب التجريبي من بحوث اللغة، فينشأ معمل لتسجيل الأصوات وقياسها - ص 14"(1). وقد قسم كاتب المقال الفكر الإِسلامي والعربي في ختام مقاله هذا إلى (فكر عربي وإسلامي كلاسيكي) و (فكر عربي حديث) ودعا إلى "المحاضرة عنه في المعاهد الأوربية والأمريكية التي تعنى الآن بدراسة هذا الفكر وتعرف اتجاهاته"، ولست أدري إن كان قد سأل نفسه حين كتب هذا الكلام، ما هو سبب هذه العناية الجديدة من جانب أمريكا بتعرف اتجاهات الفكر الإِسلامي الحديث ومحاولة توجيهه في اتجاهات معينة؟!
ولأكتف من المقال بهذا القدر، ولأتجاوز عما جاء به من اقتراح إنشاء (معهد لدراسات البحر الأبيض) يصبح "كعبة للطلاب الغربيين الذين يفدون
(1) وقد أنشىء هذا المعمل الذي ذكرت في صدر المقال أن طه حسين قد فشل في إنشائه.
من أوروبا وأمريكا"، لأن لذلك المعهد المقترح قصةً أخرى غيرَ ما نحن فيه. ولأكتف هنا بأن أقول إن كل حديث عن رابطة البحر الأبيض وحضارة البحر الأبيض، وشعوب البحر الأبيض لا يراد به إلا صرف الناس عن رابطة العروبة ورابطة الإِسلام. وعند حكومة تونس الراهنة وحكومة لبنان الغابرة الخبر اليقين.
وبعد، فلست أحب أن أختم مقالي هذا قبل أن أنبه القارئ إلى أن الخطر الذي تنطوي عليه كل هذه الاتجاهات المنحرفة خطر مزدوج. فهو يهدد بقطع ما بين العرب بعضهم والبعض الآخر فيتناكر المتعاصرون منهم، ثم إنه يهدد من ناحية أخرى بقطع ما بين العرب - جملة وأفراداً، في حاضرهم ومستقبلهم - وبين قديمهم، وبينهم وبين مصادر إسلامهم. والخطران كلاهما ماثلان في برامج هذه الشعبة الحديثة في الدراسات العربية والإِسلامية.
وفي الوقت الذي أنشئت فيه هذه الدراسة في إحدى كليات الآداب كان أنيس فريحة المدرس بالجامعة الأمريكية في بيروت يلقي محاضرات في الدعوة إلى دراسة اللهجات السوقية وآدابها والدفاع عنها من فوق منبر جامعة الدول العربية (1). وكان مجمع اللغة العربية في القاهرة مشغولاً بدراسة هذه اللهجات. وكان دعاة العامية وأعداء العروبة يتجمعون وينشطون في الترويج لدعوتهم ويملأون بها الصحف مستغلين اسم الثورة على ما هو معهود من أساليبهم في التضليل وانتهاز الفرص، لابسين ثوب الشعبية والدفاع عن لغة الشعب. وكان بعض الأعضاء الذين شهدوا مؤتمر مجامع اللغة العربية الأول في دمشق يدعو إلى وضع معجم لغوي مستقل لكل إقليم عربي، وإلى تبديل قواعد اللغة العربية وتغيير رسمها وإملائها. وكانت هذه الاقتراحات في الوقت نفسه تتخذ طريقها إلى التنفيذ في كتب الطالعة والنحو التي يتداولها تلاميذ المرحلة الابتدائية والمرحلة الإِعدادية في مصر.
أيُّ صدفةٍ عجيبة تلك التي ألَّفت بين هذه الجهود وأصدرت إليها أمراً بالزحف العام في وقت واحد؟ يا لها من صدفة حكيمة عاقلة!؟
(1) راجع "محاضرأت في اللهجات وأسلوب دراستها" لأنيس فريحة نشر معهد الدراسات العرببة العليا سنة 1955.