الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ. قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ)«1» . وإنما فعل إبراهيم هذا بعد إذ فكّر في ضلال عبادة الأصنام وفيمن تجب له العبادة: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ. فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)«2» .
إبراهيم وسارة بمصر
ولم ينجح إبراهيم في هداية قومه، بل كان جزاؤه منهم أن ألقوه في النار وأنجاه الله منها، ففرّ إلى فلسطين مستصحبا معه زوجه سارة. ومن فلسطين ارتحل إلى مصر. وبها يومئذ ملوك العماليق (الهكسوس) ؛ وكانت سارة جميلة وكان الملوك الهكسوس يأخذون الجميلات المتزوجات؛ فأظهر إبراهيم أن سارة أخته خشية أن يقتله الملك ليتّخذها له زوجا. وأراد الملك اتخاذها زوجا، فرأى في المنام أنها ذات بعل، فردّها إلى إبراهيم بعد أن عاتبه وأعطاه هدايا من بينها جارية تدعى هاجر. ولما كانت سارة قد سلخت السنين الطوال مع إبراهيم ولم تلد، دفعته ليدخل بهاجر، فدخل بها، فلم تبطئ أن ولدت له إسماعيل، وبعد أن شبّ إسماعيل وترعرع حملت سارة وولدت إسحاق.
يختلف الرواة هاهنا في مسألة إقدام إبراهيم على ذبح إسماعيل والفداء، وهل كانت قبل ميلاد إسحاق أو بعده، وهل كانت بفلسطين أو بالحجاز.
وإن مؤرخي اليهود ليذهبون إلى أن الذبيح إنما كان إسحاق لا إسماعيل. وليس ها هنا مقام تمحيص هذا الخلاف. وفي رأي الأستاذ الشيخ عبد الوهاب النجّار في كتاب «قصص الأنبياء» أن الذبيح هو إسماعيل. ودليله من التوراة نفسها أن الذبيح وصف فيها بأنه ابن إبراهيم الوحيد. وكان إسماعيل هو الابن الوحيد إلى أن ولد إسحاق. فلمّا ولدت سارة لم يبق لإبراهيم ابن وحيد أن كان له إسماعيل وإسحاق.
والتسليم بهذه الرواية يقتضي أن تكون قصة الذبح والفداء بفلسطين. وكذلك يكون الأمر إذا كان الذبيح إسحاق؛ فقد ظل إسحاق مع أمه سارة بفلسطين ولم يذهب إلى الحجاز. فأما الرواية التي تذهب إلى أن الذبح والفداء إنما كانا فوق منى فتجعل الذبيح إسماعيل. ولم يرد في القرآن ذكر لاسم الذبيح مما جعل المؤرخين المسلمين يختلفون فيه.
قصة الفداء في القرآن
وقصة الذبح والفداء أن إبراهيم رأى في منامه أن الله يأمره بأن يقدّم ابنه قربانا فيذبحه؛ فسار وابنه في الصباح، (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ. فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ. وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ)
«3» .
القصة في رواية التاريخ
وتصوّر بعض الروايات هذه القصة تصويرا شعريّا تدعونا روعته أن نقصّه هنا وإن لم يقتض الحديث عن
(1) سورة الأنبياء آيتا 62 و 64.
(2)
سورة الأنعام الآيات من 76 إلى 79.
(3)
سورة الصافات الآيات من 102 إلى 107.
مكة قصصه؛ ذلك أنّ إبراهيم لمّا رأى في المنام أنه يذبح ابنه وتحقق أن ذلك أمر ربّه، قال لابنه؛ يا بنيّ خذ الحبل والمدية وانطلق بنا إلى هذه الهضبة لنحتطب لأهلنا. وفعل الغلام وتبع والده. فتمثّل الشيطان رجلا.
فجاء أمّ الغلام فقال لها: أتدرين أين يذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: ذهب به يحتطب لنا من هذا الشّعب.
قال الشيطان: والله ما ذهب به إلّا ليذبحه. قالت الأمّ: كلا؟ هو أشفق به وأشد حبّا له. قال الشيطان:
إنه يزعم أن الله أمره بذلك، فأجابت الأم: إن كان الله قد أمره بذلك فليطع أمر ربّه. فانصرف الشيطان خاسئا، ثم لحق بالابن وهو يتبع أباه، وألقى إبليس عليه ما ألقى على أمه، وأجاب الابن بما أجابت هي به.
فأقبل الشيطان على إبراهيم يذكر له أن المنام الذي رأى خدعة من الشيطان ليذبح ابنه ثم يندم ولات ساعة مندم، فصرفه إبراهيم ولعنه. فنكص إبليس على عقبيه خزيان محنقا أن لم ينل من إبراهيم ولا من زوجه ولا من ابنه ما أراد أن ينال منهم. ثم إن إبراهيم أفضى إلى ابنه برؤياه وسأله رأيه في الأمر. قال يا أبت افعل ما تؤمر. ثم قال في رواية القصة الشعرية: يا أبتاه! إذا أردت ذبحي فاشدد وثاقي لئلا يصيبك شيء من دمي فينقص أجري. وإن الموت لشديد، ولا آمن أن أضطرب عنده إذا وجدت مسّه، فاشحذ شفرتك حتى تجهز عليّ. فإذا أنت أضجعتني لتذبحني فاكببني على وجهي ولا تضجعني لجنبي، فإني أخشى إن أنت نظرت إلى وجهي أن تدركك الرقّة فتحول بينك وبين أمر ربك فيّ. وإن رأيت أن تردّ قميصي إلى أمي فإنه عسى أن يكون أسلى لها عني فافعل. قال إبراهيم: نعم العون يا بنيّ أنت على أمر الله! ثم إنه همّ بالتنفيذ، فشد كتاف الغلام وتلّه للجبين ليقتله، فنودي أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا، وافتدى بكبش عظيم وجده إبراهيم على مقربة منه فذبحه وحرّقه.
هذه قصة الذبح والفداء. وهي قصة الإسلام لأمر الله غاية الإسلام. والتسليم لقضائه كل التسليم.
وشبّ إسحاق إلى جانب إسماعيل، وتساوى عطف الأب على الاثنين، فأغضب ذلك سارة أن رأت هذه التسوية بين ابنها وابن هاجر أمتها غير لائقة بها. وأقسمت لا تساكن هاجر ولا ابنها حين رأت إسماعيل يضرب أخاه. وأحسّ إبراهيم أن العيش لن يطيب وهاتان المرأتان في مكان واحد. عند ذلك ذهب بهاجر وبابنها ميمما الجنوب حتى وصل إلى الوادي الذي تقوم مكة اليوم به. وكان هذا الوادي، كما قدّمنا، مضرب خيام القوافل في الأوقات التي تفصل فيها القوافل من الشام إلى اليمن، أو من اليمن إلى الشام، ولكنه كان فيما خلا ذلك من أشد أوقات السنة خلاء أو يكاد. وترك إبراهيم إسماعيل وأمه وترك لهما بعض ما يتبلغان به.
واتخذت هاجر عريشا أوت إليه مع ابنها. وعاد إبراهيم أدراجه من حيث أتى. فلما نفد الماء والزاد جعلت هاجر تجيل طرفها فيما حولها فلا ترى شيئا. فجعلت تهرول حتى نزلت الوادي تلتمس ماء، وهي- فيما يقولان- لا تنفك في هرولتها بين الصّفا والمروة، حتى إذا أتمت السعي سبعا عادت إلى ولدها وقد ملكها اليأس فألفته قد فحص الأرض بقدمه فنبع الماء من الأرض فارتوت وأروت إسماعيل معها. وحبست الماء عن السيل حتى لا يضيع في الرمال وأقام الغلام وأمّه ترد عليهم العرب أثناء رحلاتهم، فينالان من الخير ما يكفيهم أسباب العيش إلى أن تمر بهم قوافل أخرى.
استهوت زمزم وماؤها المتفجر بعض القبائل للمقام على مقربة منها. وجرهم أولى القبائل التي أقامت والتي يقول بعض الرواة إنها كانت هناك قبل أن تجيء هاجر وابنها، على حين تذهب روايات أخرى إلى أنها لم تقم إلا بعد أن تفجّرت زمزم وجعلت العيش في هذا الوادي الأجرد مستطاعا. وشبّ إسماعيل وتزوج فتاة من جرهم، وأقام وإياها مع الجرهميّين في هذا المكان الذي شيّد به البيت الحرام، وقامت مكة بعد ذلك من حوله. ويذكرون أن إبراهيم استأذن سارة يوما في زيارة إسماعيل وأمّه فأذنت له فذهب. فلما سأل عن بيت
إسماعيل وعرفه قال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ذهب يتصيد ما نعيش به. فسألها أعندها ضيافة من طعام أو شراب؟ فأجابت بأن ليس عندها شيء. فانصرف إبراهيم بعد أن قال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه مني السلام وقولي له: غير عتبة بيتك. فلما أخبرت إسماعيل بما ذكره أبوه سرّحها وتزوّج جرهميّة أخرى بنت مضاض بن عمرو. وقد أكرمت وفادة إبراهيم لمّا جاء بعد ذلك بزمن.. فلما انصرف طلب إليها أن تقرئ زوجها السلام وتقول له: الآن استقامت عتبة بيتك. وولد لإسماعيل من هذا الزواج اثنا عشر ولدا، هم آباء العرب المستعربة، وهم العرب الذين ينتمون من ناحية خؤولتهم في جرهم إلى العرب العاربة أبناء يعرب بن قحطان؛ فأما أبوهم إسماعيل بن إبراهيم فيمتّ من ناحية أمومته إلى مصر بأوثق نسب، ومن ناحية أبوته إلى العراق وإلى فلسطين وإلى حيث نزل إبراهيم من أرض الله.
هذه القصة من قصص التاريخ يكاد ينعقد الإجماع على جملتها من ذهاب إبراهيم وإسماعيل إلى مكة وإن وقع خلاف على التفاصيل. والذين يعرضون لتفاصيل حوادثها بالنقد يروونها على أن هاجر ذهبت بإسماعيل إلى الوادي الذي به مكة اليوم، وكانت به عيون أقامت جرهم عندها، فنزلت هاجر منهم أهلا وسهلا لما جاء إبراهيم بها وبابنها. فلمّا شبّ إسماعيل تزوّج جرهميّة ولدت له أولاده. وكان لهذا التلاقح بين إسماعيل العبريّ المصريّ وبين هؤلاء العرب ما جعل ذريته على جانب من العزم وقوة البأس والجمع بين فضائل العرب والعبريين والمصريين. أما ما ورد عن حيرة هاجر لما نضب الماء منها، وعن سعيها سبعا بين الصفا والمروة، وعن زمزم وكيف نبع الماء منها، فموضع شك عندهم.
ويرتاب وليم موير في ذهاب إبراهيم وإسماعيل إلى الحجاز وينفي القصة من أساسها، ويذكر أنها بعض الإسرائيليات ابتدعها اليهود قبل الإسلام بأجيال ليربطوا بها بينهم وبين العرب بالاشتراك في أبوّة إبراهيم لهم أجمعين، أن كان إسحاق أبا لليهود. فإذا كان أخوه إسماعيل أبا العرب فهم إذا أبناء عمومة توجب على العرب حسن معاملة النازلين بينهم من اليهود، وتيسر لتجارة اليهود في شبه الجزيرة. ويستند المؤرّخ الإنكليزي في رأيه هذا إلى أن أوضاع العبادة في بلاد العرب لا صلة بينها وبين دين إبراهيم لأنها وثنيّة مغرقة في الوثنية، وكان إبراهيم حنيفا مسلما. ولسنا نرى مثل هذا التعليل كافيا لنفي واقعة تاريخيّة. فوثنية العرب بعد موت إبراهيم وإسماعيل بقرون كثيرة لا تدلّ على أنهم كانوا كذلك حين جاء إبراهيم إلى الحجاز وحين اشترك وإسماعيل في بناء الكعبة. ولو أنها كانت وثنيّة يومئذ لما أيّد ذلك سير موير؛ فقد كان قوم إبراهيم يعبدون الأصنام وحاول هو هدايتهم فلم ينجح. فإذا دعا العرب إلى مثل ما دعا إليه قومه فلم ينجح وبقي العرب على عبادة الأوثان لم يطعن ذلك في ذهاب إبراهيم وإسماعيل إلى مكة. بل إن المنطق ليؤيد رواية التاريخ. فإبراهيم الذي خرج من العراق فارّا من أهله إلى فلسطين وإلى مصر، رجل ألف الارتحال وألف اجتياز الصحارى؛ والطريق ما بين فلسطين ومكة كان مطروقا من القوافل منذ أقدم العصور؛ فلا محلّ إذا للريبة في واقعة تاريخية انعقد الإجماع على جملتها.
والسير وليم موير والذين ارتأوا في هذه المسألة رأيه يقولون بإمكان انتقال جماعة من أبناء ابراهيم وإسماعيل بعد ذلك من فلسطين إلى بلاد العرب واتصالهم وإياهم بصلة النسب. وما ندري، وهذا الإمكان جائز عندهم في شأن أبناء إبراهيم وإسماعيل، كيف لا يكون جائزا في شأن الرجلين بالذات! وكيف لا يكون ثابتا قطعا ورواية التاريخ تؤكده! وكيف لا يكون بحيث لا يأتيه الريب وقد ذكره القرآن وتحدّثت به بعض الكتب المقدّسة الآخرى!.
ورفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت الحرام. (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ. فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً)«1» . ويقول تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ. وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)«2» .
كيف رفع إبراهيم البيت مثابة للناس وأمنا، ليتوجّه الناس فيه إلى الله مؤمنين به وحده، ثم أصبح من بعد ذلك موئل الأصنام وعبادتها؟ وكيف كانت أوضاع العبادة تؤدّى فيه بعد إبراهيم وإسماعيل، وفي أية صورة كانت تؤدّى.؟ ومتى تغيّرت هذه الأوضاع وتغلبت عليها الوثنية؟ هذا ما لا يحدّثنا التاريخ المعروف عنه، وكل ما هنالك فروض يحسبها أصحابها تصف ما كان واقعا. فالصابئون من عبّاد النجوم كان لهم سلطان كبير في بلاد العرب. وقد كان هؤلاء- فيما يقولون- لا يعبدون النجوم لذاتها وإنما كانوا في بداءة أمرهم يعبدون الله وحده، ويعظمون النجوم على أنها مظاهر خلقه وقدرته. ولما كانت كثرة الناس الكبرى أقصر من أن يحيط ذهنها بمعنى الألوهية السامي، فقد اتخذوا من النجوم آلهة. وكانت بعض الأحجار البركانية يخال الناس أنها ساقطة من السماء منحدرة لذلك من بعض النجوم، ومن ثمّ اتخذت أوّل أمرها مظاهر لهذه الآلهة الرفيعة وقدّست بهذه الصفة، ثم قدّست لذاتها، ثم كانت عبادة الأحجار، ثم بلغ من إجلالها أن كان العربيّ لا يكفيه أن يعبد الحجر الأسود بالكعبة، بل كان يأخذ معه في أسفاره أي حجر من أحجار الكعبة يصلي إليه ويستأذنه في الإقامة والسفر، ويؤدّي إليه كل ما يؤدّي للنجوم وخالق النجوم من أوضاع العبادة. وعلى هذا النحو استقرت الوثنية وقدّست التماثيل وقرّبت لها القرابين.
هذه صورة يصوّرها بعض المؤرخين لتطوّر الأمر في بلاد العرب من بناء إبراهيم البيت لعبادة الله، وكيف آل أمره بعد ذلك فصار مستقر الأصنام. وقد ذكر هيرودوت، أبو التاريخ المكتوب، عبادة اللّات في بلاد العرب، وذكر ديودور الصّقلّي بيت مكة الذي يعظمه العرب؛ فدل ذلك على قدم الوثنية في شبه الجزيرة، وعلى أن دين إبراهيم لم يستقر فيها طويلا.
ولقد قام في هذه القرون أنبياء دعوا قبائلهم في بلاد العرب إلى عبادة الله وحده، فرفض العرب وأصرّوا على وثنيّتهم: قام هود فدعا عادا، وكانت تقيم في شمال حضرموت إلى عبادة الله وحده فما آمن به إلا قليل؛ فأمّا كثرة قومه فاستكبروا وقالوا له:(يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ)«3» . وأقام هود يدعوهم السنين، فلا تزيدهم دعوته إلا عتوا في الأرض واستكبارا. وقام صالح يدعو للإيمان ثمود. وكانت مساكنهم بالحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى في الجنوب الشرقيّ من أرض مدين القريبة من خليج العقبة؛ ولم تثمر دعوة صالح ثمود أكثر مما أثمرت دعوة هود عادا. وقام شعيب في شعب مدين، وكانوا بالحجاز، يدعوهم إلى الله، فلم يسمعوا له فهلكوا ونزل بهم ما نزل بعاد وثمود. وغير هؤلاء من الأنبياء قصّ القرآن قصصهم ودعوتهم قومهم لعبادة الله وحده، واستكبار قومهم وإقامتهم على عبادة الأوثان وعلى التوجه بقلوبهم لأصنام الكعبة وحجّهم إليها كل عام من كل صوب وحدب في بلاد العرب. وفي ذلك نزل قوله تعالى:(وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)«4» .
(1) سورة آل عمران آيتا 96 و 97.
(2)
سورة البقرة الآيات من 125 إلى 127.
(3)
سورة هود آية/ 53.
(4)
سورة الإسراء آية/ 15.