الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب استعدى أخواله بيثرب على عمه كي يردّوا عليه حقه. وأقبل ثمانون فارسا من خزرج يثرب لنصرته، فاضطرّ نوفل إلى ردّ ماله إليه. وقام عبد المطلب في مناصب هاشم، له السقاية والرّفادة من بعد عمه المطلب.
وقد لقي في القيام بهذين المنصبين، وبالسقاية بنوع خاص، شيئا غير قليل من المشقة؛ فقد كان يومئذ وليس له من الأبناء إلا ولده الحارث. وكانت سقاية الحاجّ يؤتى بها، منذ نضبت زمزم، من آبار عدّة مبعثرة حول مكة، فتوضع في أحواض إلى جوار الكعبة. وكانت كثرة الولد عونا على تيسير هذا العمل والإشراف عليه.
أمّا وقد ولي عبد المطلب السقاية والرّفادة وليس له ولد إلا الحارث فقد عنّاه الأمر وطال فيه تفكيره.
حفر زمزم
وكانت العرب ما تفتأ تذكر زمزم التي طمّها مضاض بن عمرو الجرهمي منذ قرون خلت، وتتمنى لو أنها كانت لا تزال باقية. وكان عبد المطلب بطبيعة مركزه أكثرهم تفكيرا في هذا الأمر وأشدّهم تمنيا أن يكون.
ولقد ألحّ الرجاء به حتى كان يهتف به الهاتف أثناء نومه يحضّه على أن يحفر البئر التي تفجّرت تحت أقدام جدّه إسماعيل. وألح الهاتف يدلّه على مظانّ وجودها؛ وألحّ هو باحثا عن زمزم حتى اهتدى إليها بين الوثنين إساف ونائلة. وجعل يحفر مستعينا بابنه الحارث حتى نبع الماء وظهرت غزالتا الذهب وأسياف مضاض الجرهميّ وأرادت قريش أن تشارك عبد المطلب في البئر وفيما وجد فيها. فقال لهم: لا! ولكن هلمّ إلى أمر نصف بيني وبينكم: نضرب عليها بالقداح نجعل للكعبة قدحين، ولي قدحين، ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شيء كان له، ومن تخلّف قدحاه فلا شيء له؛ فارتضوا رأيه. ثم أعطوا القداح صاحب القداح الذي يضرب بها عند هبل في جوف الكعبة، فتخلف قدحا قريش وخرجت الأسياف لعبد المطلب والغزالتان للكعبة.
فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة، وضرب في الباب غزالتي الذهب حلية للبيت الحرام. وأقام عبد المطلب في سقاية الحاجّ بعد أن يسّرتها زمزم له.
النذر والوفاء به
وأحس عبد المطلب قلة حوله في قومه لقلة أولاده، فنذر إن ولد له عشرة بنين ثم بلغوا معه أن يمنعوه من مثل ما لقي حين حفر زمزم لينحرنّ أحدهم لله عند الكعبة. وتوافى بنوه عشرة آنس فيهم المقدرة على أن يمنعوه؛ فدعاهم إلى الوفاء بنذره فأطاعوا. وفي سبيل هذا الوفاء كتب كل واحد من الأبناء اسمه على قدح، وأخذها عبد المطلب وذهب بها إلى صاحب القداح عند هبل في جوف الكعبة. وكانت العرب كلما اشتدّت بها الحيرة في أمر لجأت إلى صاحب القداح كي يستفتي لها كبير الآلهة الأصنام عن طريق القداح. وكان عبد الله بن عبد المطلب أصغر أبنائه وأحبّهم لذلك إليه. فلمّا ضرب صاحب القداح القداح التي عليها أسماء هؤلاء الأبناء ليختار هبل من بينها من ينحره أبوه، خرج القدح على عبد الله، فأخذ عبد المطّلب الفتى بيده وذهب به لينحره حيث كانت تنحر العرب عند زمزم بين إساف ونائلة. إذ ذاك قامت قريش كلها من أنديتها تهيب به أن لا يفعل، وأن يلتمس عن عدم ذبحه عند هبل عذرا. وتردّد عبد المطلب لدى إلحاحهم. وسألهم ما عساه يفعل لترضى الآلهة؟ قال المغيرة بن عبد الله المخزومي: إن كان فداؤه بأموالنا فديناه. وتشاور القوم واستقرّ رأيهم على الذهاب إلى عرّافة بيثرب لها في مثل هذه الأمور رأي. وجاؤا العرّافة، فاستمهلتهم إلى الغد ثم قالت لهم كم الديّة فيكم؟ قالوا: عشر من الإبل. قالت: فارجعوا إلى بلادكم ثم تقرّبوا وقرّبوا عشرا من الإبل ثم اضربوا عليه وعليها بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم: فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم. وقبلوا، وجعلت القداح تخرج على عبد الله فيزيدون في الإبل حتى بلغت مائة؛ عند ذلك خرجت القداح على الإبل.
فقالت قريش لعبد المطلب، وكان أثناء ذلك كله واقفا يدعو ربه: قد رضي ربّك يا عبد المطلب. قال عبد المطلب: لا والله، حتى أضرب عليها ثلاث مرّات. وفي المرّات الثلاث خرجت القداح على الإبل؛ فاطمأن عبد المطلب إلى رضاء ربه ونحرت الإبل، ثم تركت لا يصدّ عنها إنسان ولا سبع.
بذلك تجري كتب السيرة فتصف طرفا من عادات العرب وعقائدها وأوضاع هذه العقائد، وتدلّ في الوقت نفسه على ما بلغت مكة في بلاد العرب من مقام كريم ببيتها الحرام. ويروي الطبري، استدلالا على قصة الفداء، هذه، أن امرأة من المسلمين نذرت إن فعلت كذا لتنحرنّ ابنها. وفعلت ذلك الأمر، ثم ذهبت إلى عبد الله بن عمر فلم ير في فتياها شيئا، فذهبت إلى عبد الله بن العبّاس فأفتاها بأن تنحر مائة من الإبل، كما كان الأمر في فداء عبد الله بن عبد المطلب، فلما عرف ذلك مروان والي المدينة أنكره، وقال: لانذر في معصية.
أدّت مكانة مكة ومقام بيتها الحرام إلى إقامة بعض البلاد البعيدة معابد فيها لعلّها تصرف الناس عن مكة وعن بيتها. فأقام الغساسنة بيتا بالحيرة. وأقام أبرهة الأشرم بيتا باليمن. فلم يغن ذلك العرب عن بيت مكة ولا هو صرفهم عن البلد الحرام. وقد عني أبرهة بزخرفة بيت اليمن غاية العناية، وجلب له من فاخر الأثاث ما خيّل إليه معه أنه صارف العرب وصارف أهل مكة أنفسهم إليه. فلمّا رأى العرب لا تتجه إلا إلى البيت العتيق، ورأى أهل اليمن يدعون البيت الذي بني ولا يعتبرون حجّهم مقبولا إلا بمكة، لم يجد عامل النجاشي وسيلة إلا هدم بيت إبراهيم وإسماعيل. وتهيأ للحرب في جيش لجب من الحبشة تقدّمه على فيل عظيم ركبه.
وسمعت العرب بذلك. فخافت العاقبة وعظم عليها أن يقدم رجل حبشيّ على هدم بيت حجهم ومقام أصنامهم. وهبّ رجل، كان من أشراف أهل اليمن وملوكها يدعى ذا نفر، فاستنفر قومه ومن أجاب من غيرهم من العرب لمقاتلة أبرهة وصدّه عما يريد من هدم بيت الله. لكنه لم يستطع أن يثبت لأبرهة بل هزم وأخذ أسيرا. وهزم كذلك نفيل بن حبيب الخثعمي حين جمع قومه من قبيلتي شهران وناهس وأخذ كذلك أسيرا، فأقام نفسه دليلا لأبرهة وجيشه. فلما نزل أبرهة الطائف كلّمه أهلها بأن بيتهم ليس هو البيت الذي يريد، إنما هو بيت اللّات، وبعثوا معه من يدلهم على مكة.
فلما اقترب أبرهة من مكة بعث رجلا من الجيش على فرسان له، فساق إليه أموال أهل تهامة من قريش وغيرهم وبينها مائة بعير لعبد المطّلب بن هاشم. وهمّت قريش ومن معه من أهل مكة بقتاله، ثم رأوا أن لا طاقة لهم به. وبعث أبرهة رجلا من رجاله يدعى حناطة الحميري سأل عن سيد مكة، فذهبوا به إلى عبد المطلب بن هاشم، فأبلغه رسالة أبرهة إليه، أنه لم يأت لحرب وإنّما جاء لهدم البيت؛ فإن لم تحاربه مكة فلا حاجة به لدماء أهلها فلمّا ذكر له عبد المطلب وأجابه إلى ردّ إبله إليه. لكنه أبى إباء تاما كل حديث في أمر الكعبة ورجوعه عن هدمها، ورفض ما عرض عليه وفد مكة من النزول له عن ثلث ثروة تهامة. وعاد عبد المطلب قومه إلى مكة؛ فنصح للناس أن يخرجوا منها إلى شعاب الجبل خيفة أبرهة وجيشه حين يدخلون البلد الحرام لهدم البيت العتيق.
وكانت ليلة ليلاء تلك التي فكّر فيها القوم في هجر بلدهم وما هو نازل به وبهم. ذهب عبد المطلب ومعه نفر من قريش فأخذ حلقة باب الكعبة وجعل يدعو ويدعون يستنصرون آلهتهم على هذا المعتدي على بيت الله.
فلما انصرفوا وخلت مكة منهم وآن لأبرهة أن يوجّه جيشه ليتمّ ما اعتزم فيهدم البيت ويعود أدراجه إلى اليمن، كان وباء الجدريّ قد تفشى بالجيش وبدأ يفتك به؛ وكان فتكه ذريعا لم يعهد من قبل قطّ. ولعل جراثيم الوباء