الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني
أنواع الشرك الأصغر:
للشرك الأصغر أنوع كثيرة، أشهرها:
النوع الأول: الشرك الأصغر في العبادات القلبية
ومن أمثلة هذا النوع:
المثال الأول: الرياء
الرياء في اللغة مشتق من الرؤية، وهي: النظر، يقال: رائيتُه، مراءاة، ورياء، إذا أريتُه على خلاف ما أنا عليه"1".
وفي الاصطلاح: أن يظهر الإنسان العمل الصالح للآخرين أو يحسنه عندهم، أو يَظهر عندهم بمظهر مندوب إليه ليمدحوه ويعظم في أنفسهم"2".
"1" ويقال: أريته العمل إراءة، ورئاء، قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 264] ، فالياء في "رياء"مقلوبة عن همزه. ينظر بصائر ذوي التمييز 3/116، القاموس المحيط "مادة رئاء".
"2" وينظر الرعاية ص209، قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ص160، الإحياء 3/314، تفسير القرطبي للآية 36 من سورة النساء 5/181، وتفسيره للآية 142 من سورة النساء 5/422، وتفسيره للآية الأخيرة من سورة الكهف 11/71،
فمن أراد وجه الله والرياء معاً فقد أشرك مع الله غيره في هذه العبادة، أما لو عمل العبادة وليس له مقصد في فعلها أصلاً سوى مدح الناس فهذا صاحبه على خطر عظيم، وقد قال بعض أهل العلم: إنه قد وقع في النفاق والشرك المخرج من الملة"1".
مختصر منهاج القاصدين "ص275"، الفروق "الفرق 122"، فتح الباري: الرقاق، باب الرياء 11/336، الزواجر "الكبيرة الثانية 1/43"، الموافقات 2/217، 221، 222، سبل السلام 4/356. وقد أدخل بعض العلماء إرادة الدنيا في الرياء، والصحيح أن الرياء من إرادة الدنيا، لا العكس؛ لأن المرائي إما أن يريد أن يعظم في نفوس الخلق ليحصل على رئاسة أو مال من قبلهم ونحو ذلك، وهذا كله من الدنيا، وإما أن يريد مدح الناس والجلالة في أعينهم فقط، وهذا أيضاً من إرادة الدنيا؛ لأنه إنما يريد هذه الأمور العاجلة في هذه الحياة الدنيا، ولا يريد وجه الله والدار الآخرة، أما كون الإنسان يعمل العمل الصالح من أجل الوظيفة ونحو ذلك فهذا ليس من الرياء؛ لأنه لم يُرِ عمله أحداً، وإنما هو من إرادة الدنيا، وهي أعمّ من الرياء، وأفرد الرياء بمبحث مستقل لخطره. ينظر: الفروق "الفرق122"، الموافقات 2/217، فتح المجيد ص437، رسالة "الشرك الأصغر"ص102-104.
"1" قال ابن نجيم في "الأشباه""ص39": "في الينابيع: قال إبراهيم بن يوسف: لو صلى رياء فلا أجر له، وعليه الوزر. وقال بعضهم: يكفر. وقال بعضهم: لا أجر له ولا وزر عليه، وهو كأنه لم يصل". وقال الشيخ حافظ الحكمي في "معارج القبول"2/493: "إن كان الباعث على العمل هو إرادة غير الله عز وجل –
والرياء له صور عديدة، منها:
1 -
الرياء بالعمل، كمراءاة المصلي بطول الركوع والسجود"1".
فذلك النفاق الأكبر، سواء في ذلك من يريد به جاهاً ورئاسة وطلب دنيا ومن يريد حقن دمه وعصمة ماله وغير ذلك". وينظر: شعب الإيمان للبيهقي 5/335، سبل السلام 4/356، 357، النواقض الاعتقادية ص204. وبعض العلماء كالغزالي وابن رجب والهيتمي لا يجعل الرياء المحض في العبادات مكفراً، وهو ظاهر كلام كثير من أهل العلم، ولعله الأقرب، ومثله من أراد بعبادته الدنيا وحدها؛ لأنه لم يخضع ولم يتذلل في ذلك لأحد، ولم يعظمه، وإنما أراد تحقيق ما تهواه نفسه من المدح ونحوه من الحظوظ العاجلة وقد حكى أبوالبقاء في الكليات "مادة: شرك" الإجماع على أن العمل لغير الله معصية من غير كفر، وبالجملة فإن المسألة خطيرة، لكونه قصد بالعبادة غير وجه الله. وينظر: الرعاية ص210-214، إحياء علوم الدين 3/317-320، مختصر منهاج القاصدين ص279، 463، قواعد الأحكام 1/124، مجموع الفتاوى 22/21، الفروع: الردة 6/166، الزواجر 1/44، جامع العلوم والحكم 1/79، النواقض الاعتقادية ص204.
أما الرياء بأصل الإيمان، أو إظهار بعض العبادات الأخرى رياءً مع إبطان الكفر فهذا من الشرك الأكبر والنفاق الأكبر، كما سبق بيانه عند الكلام على شرك النية والإرادة والقصد في الباب السابق.
"1" وكبِرِّ الوالدين ليُقال: بارٌّ وكإكرام الضيوف ليقال: كريم، وكالصدقة على الفقراء وفي أوجه الخير الأخرى ليقال: كريم. أما الإنفاق على الأغنياء وإقامة الولائم لهم لا
2 -
المراءاة بالقول، كسرد الأدلة إظهاراً لغزارة العلم، ليقال: عالِم"1".
3-
المراءاة بالهيئة والزيِّ، كإبقاء أثر السجود على الجبهة رياءً"2".
على وجه العبادة والصدقة، بل ليقال: سخي، فليس من الرياء؛ لأنه ليس من أعمال الخير.
"1" وكتحريك الشفتين بالذكر أمام الناس رياءً. ومن الرياء بالقول أن يحسن صوته بالقراءة، ليقال: فلان قارئ، وهذا من السمعة المحرمة، وقد روى البخاري "6499"، ومسلم "2987" عن جندب مرفوعاً:" من يرائي يراء الله به، ومن يسمع يسمع الله به " والمعنى أن الله يفضحه يوم القيامة بإظهار قصده السيء.
ومن أنواع السمعة المحرمة أيضاً أن يذكر للناس ما عمله من أعمال صالحة فيما مضى، ليمدحوه أو يعظم في نفوسهم.
وهل السمعة بعد انتهاء العمل تبطل العمل؟ ورد في ذلك حديثان عند البيهقي في "الشعب""الباب: 45 في الإخلاص وترك الرياء، رقم 6813، 6864"، وعند الخطيب في "تاريخ بغداد" 6/63، 64 في أنه يبطل. وإسناد كل منهما ضعيف. قال في الإحياء 3/325:"الأقيس أنه مثاب على عمله الذي مضى، ومعاقب على مراءاته بطاعة الله بعد الفراغ منها". وقال في مختصر منهاج القاصدين ص283: "أما إن تحدث به بعد تمامه وأظهره فهذا مخوف، والغالب عليه أنه كان في قلبه وقت مباشرة العمل نوع رياء، فإن سلم من الرياء نقص أجره".
"2" وكتقصير الثياب، والظهور بمظهر الزهاد من أجل أن يمدح بذلك.
..............................................................................
ينظر في صور الرياء: الرعاية للمحاسبي ص227-232، 264، 273، إحياء علوم الدين 3/314-316، قواعد الأحكام 1/123-125، مختصر منهاج القاصدين ص276-278، شرح الأربعين للنووي ص10، مجموع الفتاوى 22/506، 507، قواعد الأحكام 1/123-125، شرح الطيبي 10/7، فيض القدير 6/155، 157، فتح الباري 11/336، عمدة القاري 1/33، 320، الزواجر 1/43-47، المرقاة 5/98، سبل السلام 4/356، الشرك الأصغر ص84-94.
هذا وهناك بعض الصور أدخلها بعض أهل العلم في الرياء، والأقرب أنها لا تدخل فيه ومنها:
1-
ترك فعل العبادات أمام الناس خوفاً من الرياء، فقد عمم بعض العلماء الحكم في هذا، والأقرب في ذلك هو التفصيل: فمن علم من نفسه أنه سيقع في الرياء إن أدى هذه العبادة أمام الناس ينبغي له أن لا يفعلها أمامهم، بل إنه قد ورد الندب إلى فعل النوافل في البيوت، وورد الندب إلى الإسرار بالصدقة، فهنا أولى. وينظر: تفسير القرطبي للآية 271 من البقرة، الإحياء 3/339-347، قواعد الأحكام 1/128، 129، الزواجر 1/48، 49.
أما من ترك العبادة من أجل مجرد رؤية الناس له فهو رياء، لأنه تركها من أجل الناس، لكن لو تركها ليصليها في الخلوة فهذا مستحب. ينظر: شرح الأربعين للنووي ص15.
2-
ترك المعصية خوفاً من ذم الناس، فإن الأقرب أن هذا ليس من الرياء؛ لأن المسلم مأمور بالستر على نفسه، ومأمور بأن يبتعد عما يسيء إلى عرضه، ومأمور بإبعاد قالة
وقد وردت أدلة كثيرة تدل على تحريم الرياء وعظم عقوبة فاعله، وأنه يبطل العمل الذي يصاحبه"1"، منها حديث محمود بن لبيد رضي الله عنه
السوء عن نفسه، وترك المعصية وإخفاؤها خوفاً من الذم داخل في هذا، وقد ذكر الغزالي في الإحياء 3/336-339: ثمانية أعذار يجوز أو يندب من أجلها إخفاء المعصية، ثم قال:"ومهما قصد بستر المعصية أن يخيل إلى الناس أنه ورع كان مرائياً"، وبالجملة فإن العبرة بالنية والقصد. وينظر المقدمات لابن رشد ص30، مختصر منهاج القاصدين ص286، 287، مقاصد المكلفين ص47.
3-
الفرح بعلم الناس بعمله بعد أدائه للعبادة. قال في مختصر منهاج القاصدين ص283: "فإن ورد عليه بعد الفراغ سرور بالظهور من غير إظهار منه فهذا لا يحبط العمل، لأنه قد تم على نعت الإخلاص، فلا ينعطف ما طرأ عليه بعده".
وقال شيخنا محمد بن عثيمين في القول المفيد 2/228: "وليس من الرياء أن يفرح الإنسان بعلم الناس بعبادته؛ لأن هذا إنما طرأ بعد الفراغ من العبادة". وينظر الإحياء 3/323، 324، شرح النووي لمسلم 16/189، جامع العلوم والحكم 1/83، سبل السلام 4/357.
"1" قال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم 1/79-83: "تارة يكون العمل لله، ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص تدل على بطلانه وحبوطه، ولا نعرف عن السلف في هذا خلافاً، وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين، وأما إن كان أصل العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء، فإن كان خاطراً ودفعه فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه فهل يحبط به عمله أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير، ورجَّحا أن
مرفوعاً: " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر "، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: " الرياء، يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، هل تجدون عندهم جزاءً؟ ""1".
وحديث محمود بن لبيد رضي الله عنه الآخر، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " أيها الناس! إياكم وشرك السرائر " قالوا: يا رسول الله، وما شرك السرائر؟. قال: " يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهداً لما يرى
عمله لا يبطل بذلك، وأنه يُجازى بنيته الأولى". انتهى كلامه مختصراً. وينظر: شعب الإيمان للبيهقي 5/334، 335، نقلاً عن الحليمي، مختصر منهاج القاصدين ص279، 283، شرح الأربعين للنووي ص9، 10، قواعد الأحكام 1/124، الفروق: الفرق 122، مجموع الفتاوى 22/506، 507، 612، و26/28-32، إعلام الموقعين 2/182، الاختيارات ص59، الوابل الصيب ص16، تجريد التوحيد ص91، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص39، الزواجر 1/43-45، رسالة الشرك الأصغر لعبد الله السليم "رسالة ماجستير ص81-86".
"1" رواه أحمد "23630"، والبغوي "4135" بإسناد حسن. وقال المنذري في الترغيب 1/82، 83:"رواه أحمد بإسناد جيد، وقد رواه الطبراني بإسناد جيد عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج، وقيل: إن حديث محمود هو الصواب دون ذكر رافع بن خديج فيه".
من نظر الناس إليه، فذلك شرك السرائر ""1". وحديث أبي هريرة في خبر الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، وهم رجل قاتل في الجهاد حتى قتل، ليقال: جرئ، ورجل تعلّم العلم وعلّمه أو قرأ القرآن ليقال: عالم أو قارئ، ورجل تصدَّق ليُقال: جواد. رواه مسلم"2".
ولهذا ينبغي للمسلم البعد عن الرياء والحذر من الوقوع فيه، وهناك أمور تعين على البعد عنه، أهمها:
1-
تقوية الإيمان في القلب، ليعظم رجاء العبد لربه، ويعرض عمن سواه، ولأن قوة الإيمان في القلب من أعظم الأسباب التي يعصم الله بها العبد من وساوس الشيطان، ومن الانقياد لشهوات النفس.
2-
التزود من العلم الشرعي، وبالأخص علم العقيدة الإسلامية، ليكون ذلك حرزاً له بإذن الله من فتن الشبهات، وليعرف عظمة ربه
"1" رواه ابن أبي شيبة 2/481، وابن خزيمة "937" بإسناد حسن، وله شاهد من حديث أبي سعيد عند أحمد 3/30، وابن ماجه "4204"، وفي سنده ربيح بن عبد الرحمن، قال البخاري "منكر الحديث".
"2" صحيح مسلم: الإمارة باب: من قاتل للرياء والسمعة "1905"، ورواه الترمذي "2382"، وابن خزيمة "2482"، وابن حبان "408" مطولاً بإسناد صحيح.
جل وعلا، وضعف المخلوقين وفقرهم، فيحمله ذلك كله على مقت الرياء واحتقاره والبعد عنه، وليعرف أيضاً مداخل الشيطان ووساوسه، فيحذرها.
3-
الإكثار من الالتجاء إلى الله تعالى ودعائه أنه يعيذه من شر نفسه ومن شرور الشيطان ووساوسه، وأن يرزقه الإخلاص فيما يأتي وما يذر، والإكثار من الأذكار الشرعية التي هي حصن من شرور النفس والشيطان.
4-
تذكر العقوبات الأخروية العظيمة التي تحصل للمرائي، ومن أعظمها أنه من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة.
5-
التفكُّر في حقارة المرائي وأنه من السفهاء والسَّفَلة؛ لأنه يضيع ثواب عمله الذي هو سبب لفوزه بالجنة ونجاته من عذاب القبر وشدة القيامة وعذاب النار من أجل مدح الناس والحصول على منزلة عند المخلوقين، فهو يبحث عن رضا المخلوق بمعصية الخالق، ولهذا لما سُئل الإمام مالك رحمه الله: مَنِ السَّفَلة؟ قال: "من أكل بدينه""1".
"1" روى البيهقي في "الشعب""6933" عن الإمام مالك أنه سأله شيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن –وهو من أئمة التابعين- فقال له: من السفلة؟ فقال مالك: من أكل
6-
الحرص على كل ما هو سبب في عدم الوقوع في الرياء، وذلك بالحرص على إخفاء العبادات المستحبة، وبمدافعة الرياء عندما يخطر بالقلب، وبالبعد عن مجالسة المدّاحين وأهل الرياء، ونحو ذلك"1".
وفي ختام الكلام على مسألة الرياء يحسن التنبيه إلى أنه لا يجوز للمسلم أن يرمي مسلماً آخر بالرياء، فإن الرياء من أعمال القلوب ولا
بدينه. قال ربيعة: من سفلة السفلة؟ قال: من أصلح دنيا غيره بفساد دينه. قال مالك: فصدَّرني.
وممن يأكل بدينه: المرائي. فقد يريد بأدائه للعبادة الحصول على مكانة في نفوس الناس ليكرم من أجلها أو يُولى عملاً يتقاضى عليه أجراً، أو يكرم بالهدايا والهبات ونحو ذلك، كما سبق بيانه عند تعريف الرياء، ويدخل في سفلة السفلة الذين يصلحون دنيا غيرهم بإفساد أديان أنفسهم: من يعمل في تجارة محرمة لغيره، ومن يظلم الآخرين أو يعذبهم أو يتجسس عليهم فيتسبب في أذاهم من أجل المحافظة على مصالح غيره، ومن يفتي بحل ما حرّم الله من أجل تحقيق رغبات وشهوات ومصالح من يفتيهم، فيهلك نفسه من أجل مصلحة أو هوى غيره.
"1" ينظر الرعاية ص233-242، الإحياء 3/321-334، مختصر منهاج القاصدين ص283-285، الزواجر "الكبيرة الثانية 1/49، 50"، مقاصد المكلفين للأشقر ص465-473، "نور الإخلاص"لسعيد بن علي القحطاني ص20-30، الإخلاص لحسين العوايشة ص41-56، الإخلاص والشرك الأصغر للدكتور عبد العزيز العبد اللطيف ص10-12، الشرك الأصغر لعبد الله السليم ص95-99.
يعلمه إلا علاّم الغيوب، واتهام المسلمين بالرياء هو من أعمال المنافقين"1"، والأصل في المسلم السلامة، وأنه إنما أراد وجه الله، وأيضاً فإن المسلم يندب له في بعض المواضع أن يظهر عمله للناس، إذا أمن على نفسه من الرياء، كما إذا أراد أن يُقتدى به في الخير، فليس كل من حرص على إظهار عمله للناس يعتبر مرائياً"2".
المثال الثاني: من أمثلة الشرك الأصغر في العبادات القلبية: إرادة الإنسان بعبادته الدنيا
المراد بهذا النوع: أن يعمل الإنسان العبادة المحضة ليحصل على مصلحة دنيوية مباشرة "3"
"1" ينظر ما سبق في الباب السابق عند الكلام على أعمال المنافقين الكفرية. وقد قال تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ} [براءة:79] ، وروى البخاري "4668"، ومسلم "1018" في سبب نزول هذه الآية عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: لما أمرنا بالصدقة كنا نتحامل، فجاء أبوعقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياء. ومعنى نتحامل: نحمل على ظهورنا للناس بالأجرة من أجل أن نتصدق بها، لأنه ليس عندهم شيء يتصدقون به.
"2" ينظر: الرعاية ص315-324، الإحياء 3/334-336، مختصر منهاج القاصدين ص287.
"3" وقد قيدت هذا النوع بإرادة المصلحة المباشرة؛ لأن الرياء يريد به صاحبه أيضاً مصلحة
وإرادة الإنسان بعمله الدنيا ينقسم من حيث الأصل إلى أقسام كثيرة"1"، أهمها:
1-
أن لا يريد بالعبادة إلا الدنيا وحدها، كمن يحج ليأخذ المال، وكمن يغزو من أجل الغنيمة وحدها، وكمن يطلب العلم الشرعي من أجل الشهادة والوظيفة ولا يريد بذلك كله وجه الله البتة، فلم يخطر بباله احتساب الأجر عند الله تعالى، وهذا القسم محرم، وكبيرة من كبائر الذنوب، وهو من الشرك الأصغر"2"، ويبطل العمل الذي يصاحبه.
ومن الأدلة على تحريم هذا القسم وأنه يبطل العمل الذي يصاحبه:
دنيوية، لكن ذلك غير مباشر، لأنه يرائي الناس ليعظم في أنفسهم رجاء أن يحصل مصلحة دنيوية من قبلهم، كما سبق بيانه عند تعريف الرياء. وينظر في المراد بالعبادة المحضة ما سبق عند الكلام على تعريف العبادة وبيان شمولها.
"1" من إرادة الدنيا: النفاق بأصل الإيمان، أو أن يظهر بعض العبادات الأخرى مع إبطان الكفر من أجل الحصول على مصالح دنيوية، فهذا من الشرك الأكبر، كما سبق بيانه في شرك النية والإرادة والقصد في الباب السابق.
"2" وقد سبق عند ذكر حكم الرياء قول بعض العلماء: إن هذا النوع من الشرك الأكبر، ولعل الأقرب أنه من الأصغر.
أ- قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود:15، 16] .
ب- حديث عمر رضي الله عنه مرفوعاً: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ". رواه البخاري ومسلم"1".
ج- حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: " من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة ". يعني ريحها"2".
"1" صحيح البخاري "1"، وصحيح مسلم "1907"
"2" رواه أحمد 2/338، وأبوداود "3664"، وابن حبان "78" بإسناد حسن إن شاء الله، رجاله رجال الصحيحين، وله شواهد بنحوه هو بها صحيح، وقد ذكرتها في رسالة النية في تخريج هذا الحديث تحت رقم "33"، وله شواهد أخرى كثيرة في تحريم طلب الدنيا بالعمل الصالح، ذكرتها في المرجع نفسه برقم "31، 32، 35، 42". وتفسير العرف بالريح هو من تفسير بعض رواة الحديث، وفي حديث عبد الله بن عمرو في صحيح البخاري "6914":" وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً ".
2 -
أن يريد بالعبادة وجه الله والدنيا معاً، كمن يحج لوجه الله وللتجارة، وكمن يقاتل ابتغاء وجه الله وللدنيا، وكمن يصوم لوجه الله وللعلاج، وكمن يتوضأ للصلاة وللتبرد، وكمن يطلب العلم لوجه الله وللوظيفة، فهذا الأقرب أنه مباح؛ لأن الوعيد إنما ورد في حق من طلب بالعبادة الدنيا وحدها، ولأن الله رتب على كثير من العبادات منافع دنيوية عاجلة، كما في قوله تعالى:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [الطلاق:2، 3]، وكما في قوله تعالى:{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً} [نوح:10-12] ، والنصوص في هذا المعنى كثيرة"1"،
"1" ومن ذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد "3669"، والترمذي "810"، والنسائي "2632" بإسناد حسن عن ابن مسعود مرفوعاً:" تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحج المبرور ثواب دون الجنة ". ولأوله شاهد من حديث ابن عباس عند النسائي "2631" وإسناده حسن.
وكما في حديث الثلاثة أصحاب الغار، وقد سبق تخريجه عند الكلام على تعريف العبادة وبيان شمولها، وكما في حديث أبي سعيد في قصة رقية اللديغ، فهو صريح في جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن. وسيأتي تخريجه عند الكلام على الرقى إن شاء
فهذه النصوص تدل على جواز إرادة وجه الله وهذه المنافع الدنيوية معاً بالعبادة"1"؛ لأن هذه المنافع الدنيوية ذكرت على سبيل الترغيب في
الله تعالى، وقد ذكر القرافي في الفروق "الفرق 122" أن من جاهد ليحصل طاعة الله بالجهاد وليحصل المال من الغنيمة أن ذلك لا يضره ولا يحرم عليه بالإجماع، وذكر السيوطي في منتهى الآمال ص175: أن من خرج حاجاً ومعه تجارة صح حجُّه وأثيب عليه بإجماع الأمة.
"1" في هذا القسم كلام وخلاف لبعض أهل العلم، وبعضهم يفرق بين ما إذا كان الباعث على العمل وجه الله وكان طلب الدنيا تابعاً له، وبين ما سوى ذلك، وبعضهم يفرق في الحكم بحسب تساوي القصدين أو عدم تساويهما، والأقرب عدم التفريق، لأن النصوص أطلقت، ولم تفصل، بل إن حديث أبي سعيد في رقية اللديغ والذي سيأتي عند الكلام على الرقية –إن شاء الله تعالى– صريح في جواز أن تكون إرادة الدنيا هي الباعث على قراءة الفاتحة رقية، ولذلك امتنع الصحابة عن الرقية إلا بجعل. وينظر في هذا القسم: جامع بيان العلم 1/187، إحياء علوم الدين 3/321، المحلى 1/76، المسألة 113، تفسير القرطبي 5/180، و9/14، مختصر منهاج القاصدين ص393، الفروق "الفرق 12"، المجموع 1/325، شرح الأربعين للنووي ص16، فيض القدير 6/107، قاعدة في المحبة ص99، تجريد التوحيد للمقريزي ص53، 54، دليل الفالحين شرح رياض الصالحين لابن علان 4/191، جامع العلوم والحكم 1/81، 82، إعلام الموقعين 2/182، الموافقات 2/217-222، فتح الباري: الجهاد باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، الأشباه لابن نجيم ص39، 40، منتهى الآمال ص174-180، التيسير وفتح المجيد والقول المفيد باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله
هذه العبادات"1".
وهذا القسم لا يبطل العمل الذي يصاحبه، ولكن أجر هذه العبادة يُنقص منه بقدر ما خالط نيته الصالحة من إرادة الدنيا"2".
الدنيا، العدة للصنعاني 1/60 الشرك ومظاهره للميلي ص66، 67، إزالة الستار عن الجواب المختار لهداية المحتار لشيخنا محمد بن عثيمين رحمه الله – ص5، 6، وينظر رسالة "الشرك الأصغر" ص109-115 ففيها تفصيل جيد لهذه المسألة.
"1" ولو لم يجز للعبد أن يريدها بعبادته مع إرادة وجه الله لما وردت على هذه النحو، وكيف يرد الترغيب في أمر بذكر هذه الفوائد ثم يقال للعبد: لا تقصدها عند أدائك لهذه العبادة، ولا يكن في نفسك إرادة شيء من حظوظ الدنيا حتى ما رُغِّبت فيه، فدلّ ذلك على إباحة إرادة الأمرين معاً. ينظر رسالة "الشرك الأصغر" ص110.
"2" والدليل على هذا حديث " وإنما لكل امرئ ما نوى "، وحديث " ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم " رواه مسلم "1906"، فإذا كان هذا في حق من غنم وهو لم يقصد الغنيمة مع إرادة الجهاد،
فمن أرادها وأراد وجه الله من باب أولى ولو لم يغنم؛ لأن العبد يُجزى على نيته، كما في حديث أبي كبشة عند أحمد 4/231، والترمذي "2325" بإسناد حسن، وقد توسعت في تخريجه في رسالة "النية"، الحديث رقم "45". .
ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أنه إذا طلب المسلم العلم الشرعي في المدارس والكليات الشرعية ونحوها مبتغياً تعليم نفسه ليعبد الله على بصيرة، وتعليم الناس ودعوتهم
المثال الثالث من أمثلة الشرك الأصغر في الأعمال القلبية: الاعتماد على الأسباب
السبب لغة: الحبل، ويطلق على "كل شيء يُتوصل به إلى غيره" استعير من الحبل الذي يتوصل به إلى الماء"1".
وفي الاصطلاح هو: الأمور التي يفعلها الإنسان ليحصل له ما يريده من مطلوب، أو يندفع عنه ما يخشاه من مرهوب في الدنيا أو في الآخرة.
فمن الأسباب في أمور الدنيا: البيع والشراء أو العمل في وظيفة ليحصل على المال، ومنها: أن يستشفع بذي جاه عند السلطان ليسلم من عقوبة دنيوية، أو ليدفع عنه ظلماً، أو لتحصل له منفعة دنيوية كوظيفة أو مال أو غيرهما، ومنها: أن يذهب إلى طبيب ليعالجه من
ونفعهم، ومبتغياً الحصول على شهادة أو وظيفة يستعين بها على عبادة الله وعلى التفرغ لتعليم الناس ودعوتهم ونفعهم يرجى أن يكون في دراسته هذه مخلصاً العمل لله تعالى وأن لا ينقص من أجره شيء. هذا ما ظهر لي في هذه المسألة المهمة، وهو ما ذهب إليه جمعٌ من مشايخي من علماء هذه البلاد "المملكة العربية السعودية". والله أعلم.
"1" ينظر: لسان العرب، والتعريفات، والكليات "مادة: سبب".
مرض، ونحو ذلك"1".
ومن الأسباب في أمور الآخرة: فعل العبادات رجاء ثواب الله تعالى والنجاة من عذابه"2"، ومنها: أن يطلب من غيره أن يدعو الله له بالفوز بالجنة والنجاة من النار، ونحو ذلك.
والذي ينبغي للمسلم في هذا الباب هو أن يستعمل الأسباب المشروعة التي ثبت نفعها بالشرع أو بالتجربة الصحيحة"3"، مع توكله
"1" كأن يستعمل دواء أو رقية للعلاج من مرض، وكأن يجري عملية جراحية لاستئصال مرض أو علاجه، وكأن يأخذ السلاح ويلبس الدرع في حال الحرب، وكأن يحمل الزاد معه في السفر ونحو ذلك.
"2" مجموع الفتاوى 8/175، 176.
"3" قال شيخنا محمد بن عثيمين رحمه الله – في القول المفيد، باب من الشرك لبس الحلقة 1/165: "طريق العلم بأن الشيء سبب: إما عن طريق الشرع، وذلك كالعسل {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} [النحل:69] ، وكقراءة القرآن فيها شفاء، قال الله تعالى:{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء:83]
وإما عن طريق القدر، كما إذا جرّبنا هذا الشيء فوجدناه نافعاً في هذا الألم أو المرض، ولكن لابدّ أن يكون أثره ظاهراً مباشراً كما لو اكتوى بالنار فبرئ بذلك مثلاً؛ فهذا سبب ظاهر بيّن، وإنما قلنا هذا لئلاّ يقول قائل: أنا جرّبت هذا وانتفعت به، وهو لم يكن مباشراً، كالحلقة، فقد يلبسها إنسان وهو يعتقد أنها نافعة، فينتفع
على الله تعالى "1"، واعتقاد أن هذا الأمر إنما هو مجرد سبب، وأنه لا أثر له إلا بمشيئة الله تعالى، إن شاء نفع بهذا السبب، وإن شاء أبطل
لأن للانفعال النفسي للشيء أثراً بيّناً، فقد يقرأ إنسان على مريض فلا يرتاح له، ثم يأتي آخر يعتقد أن قراءته نافعة فيقرأ عليه الآية نفسها فيرتاح له ويشعر بخفة الألم، كذلك الذين يلبسون الحِلَق ويربطون الخيوط؛ قد يحسون بخفة الألم أو اندفاعه أو ارتفاعه بناءً على اعتقادهم نفعها، وخفة الألم لمن اعتقد نفع تلك الحلقة مجرد شعور نفسي، والشعور النفسي ليس طريقاً شرعياً لإثبات الأسباب، كما أن الإلهام ليس طريقاً للتشريع". وينظر مجموع الفتاوى 1/137.
"1" تنوَّعت عبارات أهل العلم في تعريف التوكل، فقيل هو: الاكتفاء بالله تعالى مع الاعتماد عليه. وقيل هو: اعتماد القلب على الله دون سواه في جلب المنافع ودرء المفاسد في الدنيا والآخرة، واعتقاد أنه تعالى هو النافع والضار دون سواه. ينظر: المفهم 1/467، 468، تلبيس إبليس ص315، شرح النووي لصحيح مسلم: الإيمان باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب 2/90-92.
وقال الحافظ ابن رجب في لطائف المعارف: وظيفة شهر صفر "ص70": "فالتوكل علم وعمل: والعلم معرفة القلب بتوحيد الله بالنفع والضر، وعامة المؤمنين تعلم ذلك. والعمل: هو ثقة القلب بالله، وفراغه من كل ما سواه، وهذا عزيز، ويختص به خواص المؤمنين".
وقال الحافظ ابن القيم في "طريق الهجرتين""ص335، 336": "التوكل يجمع أصلين: علم القلب، وعمله، أما علمه: فيقينه بكفاية وكيله، وكمال قيامه بما وكله إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك. وأما عمله: فسكونه إلى وكيله
أثره"1".
أما إن اعتمد الإنسان على السبب فقد وقع في الشرك، لكن إن
وطمأنينته إليه، وتفويضه وتسليمه أمره إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك، ورضاه بتصرفه له فوق رضاه بتصرفه هو لنفسه، فبهذين الأصلين يتحقق التوكّل، وهما جماعه". وينظر مدارج السالكين: منزلة التوكل 2/116- 148، وقد أطال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم: شرح الحديث 49: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكّله.. الخ"في الكلام على التوكل وفيما يكون وعاقبته وبيان عاقبة صدق اليقين والتوكل، وعواقب ضعف التوكل، وإن كان بعض ما ذكره من توكل بعض الزّهاد والعبّاد وسفرهم بغير زاد، وترك آخرين للتكسب فيه نظر، وليس هذا من عمل الأنبياء عليهم السلام، ولا من عمل الصحابة، ولم يدل عليه نص من كتاب أو سنة، أو حتى أثر عن صحابي فيما أعلم. والله تعالى أعلم.
"1" قال شيخنا محمد بن عثيمين في القول المفيد باب ما جاء في الرقى 1/184: "ومع وجود الأسباب الشرعية الصحيحة ينبغي للإنسان أن لا يعلق نفسه بالسبب، بل يعلقها بالله، فالموظف الذي يتعلق بمرتبه تعلقاً كاملاً، مع الغفلة عن المسبِّب – وهو الله – قد وقع في نوع من الشرك، أما إذا اعتقد أن المرتب سبب، والمسبِّب هو الله سبحانه وتعالى، وجعل الاعتماد على الله، وهو يشعر أن المرتب سبب، فهذا لا ينافي التوكّل، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأخذ بالأسباب مع اعتماده على المسبِّب، وهو الله عز وجل". وينظر مجموع الفتاوى 1/137، و8/169، المدخل لابن الحاج 4/324-326، مدارج السالكين 3/521، الفتاوى الهندية: الكراهية الباب 18 في التداوي 5/254، شرح الطحاوية ص680.
اعتمد عليه اعتماداً كلياً، مع اعتقاد أنه ينفعه من دون الله فقد وقع في الشرك الأكبر، وإن اعتمد على السبب مع اعتقاده أن الله هو النافع الضار فقد وقع في الشرك الأصغر"1"، فالمؤمن مأمور بفعل السبب مع التوكل على مسبّب الأسباب جل وعلا.
وعليه فإن ترك الأسباب واعتقادَ أن الشرع أمر بتركها، وأنها لا نفع فيها كذب على الشرع، ومخالفة لما أمر الله به وأجمع عليه أهل العلم، ومخالفة لمقتضى العقل"2"، ولهذا قال بعض أهل العلم: "الالتفات إلى
"1" لطائف المعارف: وظيفة شهر صفر ص70، التيسير، وقرة عيون الموحدين، وإبطال التنديد، وفتح الله الحميد باب "وعلى الله فتوكلوا"، القول السديد باب لبس الحلقة ص45، 46، القول المفيد باب الرقى 1/183، وينظر: مجموع الفتاوى 8/169، شرح الطيبي: الطب 8/320، آخر مدارج السالكين 3/521، آخر مفتاح دار السعادة 2/712، فيض القدير: شرح حديث "الطيرة شرك"4/294، مرقاة المفاتيح 4/523. وينظر ما سيأتي عند الكلام على الرقى المحرمة، وعند الكلام على التمائم المحرمة عند بيان وجه كونهما من الشرك – إن شاء الله تعالى -.
"2" قال القرطبي في "قمع الحرص بالزهد والقناعة ورد ذلّ السؤال بالكتب والشفاعة"ص107 نقلاً عن رسالة الشرك الأصغر ص139: "القول بالأسباب والوسائط سنة الله وسنة رسوله، وهو الحق المبين، والصراط المستقيم الذي انعقد عليه إجماع المسلمين". وينظر: الفروق "الفرق 257 بين قاعدة التوكل وبين قاعدة ترك الأسباب
الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدحٌ في الشرع، وإنما التوكل والرجاء معنى يتألف من موجب التوحيد والعقل والشرع""1".
ومن الشرك في الأسباب: أن يجعل ما ليس بسبب سبباً، فإن اعتقد أن هذا الشيء يستقل بالتأثير بدون مشيئة الله فهو شرك أكبر، كحال عبّاد الأصنام وعبّاد القبور الذين يعتقدون أنها تنفع وتضر استقلالاً، وإن اعتقد أن الله جعله سبباً، مع أن الله لم يجعله سبباً فهو شرك أصغر"2"؛ لأنه شارك الله تعالى في الحكم لهذا الشيء بالسببية مع أن الله لم يجعله سبباً"3".
4/221-224"، الموافقات: القسم الثاني من قسمي الأحكام 1/187-262، مجموع الفتاوى 1/137، و8/485، 486، مدارج السالكين 3/516-523، آخر مفتاح دار السعادة 2/711، 712.
"1" مجموع الفتاوى 8/169، وينظر آخر مدارج السالكين 3/521، وشرح الطحاوية: الدعاء ص679.
"2" ومن أمثلته: التطيّر، والاستسقاء بالنجوم، وسيأتي بيانهما وبيان كونهما من الشرك في هذا الفصل إن شاء الله تعالى.
"3" القول السديد باب من الشرك لبس الحلقة ص45، 46، القول المفيد باب الرقى 1/183، مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين 1/102، 104، الشرك الأصغر ص135-147.
المثال الرابع من أمثلة الشرك الأصغر في الأعمال القلبية: التَّطَيُّر
التطيُّر لغة: مصدر "تطيَّر"، ويُسمى "الطِّيَرة"، و "الطَّيْر""1".
وفي الاصطلاح: التشاؤم بمرئي أو مسموع أو غيرهما"2".
ومعنى ذلك أن يكون الإنسان قد عزم على أمر ما، فيرى أو يسمع أمراً لا يعجبه فيحمله ذلك على ترك ما يريد فعله.
ويلحق بالتطيُّر في الحكم: عكسه، بأن يرى أو يسمع أمراً يسر به، فيحمله على فعل أمر لم يكن عازماً على فعله"3".
"1" ينظر: الصحاح، والقاموس المحيط، والنهاية "مادة: طير "، إكمال المعلم 7/141، جامع الأصول 7/628.
"2" أو هي: ما يتشاءم به من الفأل الردئ، والشؤم: ضد اليمن، وهو عدم البركة. تنظر: المراجع السابقة، وينظر شرح السنة: الطب 12/170، شرح صحيح مسلم للنووي كتاب السلام باب الطيرة 13/218، شرح الطيبي: الطب 8/313، آخر كتاب مفتاح دار السعادة 2/246، القوانين الفقهية ص296، فتح المجيد باب ما جاء في التطير 2/525، معارج القبول 3/990-993، القول السديد ص116، القول المفيد 1/559.
"3" ويلحق بذلك أيضاً الاستقسام بالأزلام الذي حرمه الله تعالى بقوله {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة: 3]، وبقوله تعالى:{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90] وهو ما كان يفعله أهل
ومن أمثلة التطيُّر: ما كان يفعله أهل الجاهلية من أن أحدهم إذا أراد سفراً زجر أو أثار طيراً، فإن اتجه ذات اليمين تفاءل، فعزم على السفر، وإن اتجه ذات الشمال تشاءم، وترك هذا السفر، وقد كثر استعمال أهل الجاهلية للطيور في هذا الأمر حتى قيل لكل من تشاءم "تطيَّر"، ومن أمثلة التشاؤم أيضاً: التشاؤم بسماع كلمة لا تعجبه ك "يا هالك"، أو بملاقاة عجوز شمطاء، أو برؤية الغراب، أو البوم، أو صاحب عاهة في أول سفره، أو في أول نهاره فيترك هذا السفر، أو يترك البيع والشراء في هذا اليوم، ومن أمثلته: التشاؤم ببعض الأشهر كصفر، والتشاؤم ببعض الأرقام كثلاثة عشر، كما يفعله كثير من أصحاب الفنادق والعمارات وغيرهم في هذا العصر، فتجد بعضهم لا يضع هذا الرقم في أدوار العمارة أو في المصعد أو في مقاعد الطائرات، ونحو ذلك تشاؤماً.
الجاهلية من أنهم إذا أرادوا عمل أمر من الأمور أتوا بقداح مثل السهام أو الحصى، وقد كتب على أحدها علامة الخير، وعلى الثاني علامة الشر، والثالث غفل لا شيء عليه، فإذا خرج هذا فعلوا، وإذا خرج هذا تركوا، وإذا خرج الغفل أعادوا الاستقسام، ومثله الضرب بالحصى والشعير واللوح والخشب ونحوها، ينظر تفسير ابن جرير وابن أبي حاتم والقرطبي وابن كثير للآيتين السابقتين، والفتاوى الكبرى 1/209.
والتطيّر محرم"1"، وشرك أصغر"2". ومثله: الفعل الذي يقدم عليه العبد أو يعزم عليه لرؤيته أو سماعه ما يسر به – كما سبق – ويستثنى
"1" ينظر: الكبائر للذهبي "الكبيرة 63"، وتنبيه الغافلين لابن النحاس ص209، وقد سبق عند بيان حكم الشرك الأصغر أنه من أكبر الكبائر بعد الشرك الأكبر.
"2" السبب في كونه شركاً هو بسبب ما يعتقده المتطير من أن ما فعله من التطيُّر كان سبباً في دفع مكروه عنه أو في جلب الخير له مع أنه سبب غير صحيح، وإنما هومن خرافات الجاهلية، ومما يزينه الشيطان في نفوس الجهال، فإذا وقع بعض ما تطيروا به في بعض الأحيان جعلهم الشيطان يتعلقون بهذا التطير ويظنون أنه صحيح، كما أن في هذا التطير نوعاً من الاعتماد على الأسباب في دفع الضر وجلب الخير، فهي أسباب باطلة شرعاً وعقلاً، فهو قد اعتمد على سبب لم يجعله الله سبباً، وتعلّق قلبه بهذه الأسباب الباطلة، كما أن في التطير نوع اعتماد على هذه الأمور الباطلة في دعوى معرفة ما سيكون في المستقبل. وينظر: مشكل الآثار 2/299، التمهيد 24/195، عارضة الأحوذي 7/116، 117، شرح صحيح البخاري لابن بطال 9/436، شرح النووي لصحيح مسلم باب الطيرة "13/219، شرح الطيبي 8/320، فتح المجيد 2/506، 521، 526، الدين الخالص 2/142، 143، القول السديد ص116-118، القول المفيد 1/574، 580، الشرك الأصغر ص124، 125، وهذا الحكم إنما هو في حق من اعتقد أن ما تطير به جعله الله علامة على هذا الأمر المكروه أو سبباً في حصوله، أما من اعتقد أن هذا المتشاءَم به يحدث الشر بنفسه ويفعله استقلالاً، أو اعتقد أنه يعلم الأمر الذي سيقع في المستقبل ويخبر به، فهذا من الشرك الأكبر. ينظر: فيض القدير 4/294، مرقاة المفاتيح 4/522، 523، القول المفيد
منه الفأل الحسن، وهو: أن يكون الإنسان قد عزم على أمر معين فيرى أو يسمع أمراً حسناً من غير قصد له، فيسر به ويستبشر به، ويزيده ذلك اطمئناناً بأن ما كان قد عزم على فعله سيكون فيه خير وبركة بمشيئة الله تعالى، ويعظم رجاؤه في الله تعالى في تحقيق هذا الأمر، من غير اعتماد على هذا الفأل، فهذا حسن، فالفأل حسن ظن بالله تعالى، ورجاء له، وباعث على الاستعانة به، والتوكل عليه، وعلى سرور النفس، وانشراح الصدر، وهو مسكن للخوف، باعث للآمال، والطيرة على النقيض من ذلك: فهي سوء ظن بالله، وتوكل على غيره، وقطع للرجاء، وتوقع للبلاء، وقنوط للنفس من الخير، وهو مذموم وباطل شرعاً وعقلاً"1".
1/577، الدعاء للعروسي السوداني 2/912.
ومثل التطير في الحكم: الاستقسام بالأزلام الذي سبقت الإشارة إليه قريباً، ومثله قراءة الكف أو الفنجان أو فتح المصحف أو كتاب ثم الاستدلال بما يقرأ في هذه الصفحة على ما سيقع، وقد سبقت الإشارة إلى شيء من ذلك عند الكلام على الشرك في الأسماء والصفات في الباب السابق، وينظر تفسير القرطبي "تفسير الآية 90 من المائدة 6/285، وتفسير الآية 26 من الجن 19/28".
"1" ينظر شرح السنة 12/175، المفهم 5/627، 628، إكمال المعلم 7/144، جامع الأصول: الكتاب الخامس في الطيرة والفأل والشؤم والعدوى 7/638، تفسير
وقد وردت أدلة كثيرة تدل على بطلان التطير"1"، وتحريمه، ومن
القرطبي للآية "3" من سورة المائدة، مفتاح دار السعادة "2/244-247"، حاشية ابن عابدين باب العيدين 1/555، وتنظر أكثر المراجع الآتية في التعليق بعده.
"1" أما حديث ابن عمر الذي رواه البخاري "5094، 5753"، ومسلم "2225" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" لا عدوى ولا طيرة، وإن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس "ومثله حديث سهل بن سعد عند البخاري "2859"، ومسلم "2226" فالأقرب أن المراد بالشؤم في هذا الحديث وشواهده ما رجّحه الإمام البخاري في صحيحه وغيره، ورجّحه شيخنا عبد العزيز بن باز رحمه الله – في بعض دروسه من أن المراد ما يكون في بعض أعيان هذه الثلاثة من الضرر المحسوس، كالمرأة السيئة الخلق، والدار الضيقة، أو السيئة الجيران، والفرس السيئة الطباع، ونحو ذلك، كما في الحديث الذي رواه ابن حبان "4032" بإسناد حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء، وأربع من الشقاوة: الجار السوء، والمرأة السوء، والمسكن الضيق، والمركب السوء ". وينظر: صحيح البخاري مع شرحه لابن بطال وشرحه لابن حجر: الجهاد باب ما يتقي من شؤم الفرس، والطب باب الطيرة، والنكاح باب ما يتقي من شؤم المرأة، وقوله تعالى:{إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ} [التغابن: 14] . مصنف عبالرزاق "كتاب الجامع لمعمر باب الشؤم 10/411"، التمهيد 9/278، 291، شرح السنة 12/178، 179، معالم السنن وتهذيب السنن 1/380، 381، شرح النووي لصحيح مسلم 13/220-222، شرح الطيبي 8/321، معارج القبول 3/990-993، وينظر أيضاً الموطأ مع شرحه المنتقى باب ما يتقى من
ذلك ما ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الطيرة شرك ""1".
الشؤم 7/293، 295، تهذيب الآثار "مسند علي ص34"، شرح معاني الآثار: الكراهية باب الرجل يكون به الداء 4/314، المعلم 3/104، مفتاح دار السعادة 2/251-256، الآداب الشرعية 3/365، لطائف المعارف ص75، فتح المجيد والقول السديد، والقول المفيد باب الطيرة، عالم السحر والشياطين ص304-310، رسالة "الطير والطيرة "ص11-109، ورسالة "الشرك الأصغر"ص125-131، الطيرة والفأل لمحمود الجاسم ص47-77، وينظر المراجع المذكورة في التعليق السابق.
"1" رواه الإمام أحمد "3687 تحقيق شاكر"، وابن أبي شيبة "6442"، وأبوداود
"3910"، والترمذي "1614"، وابن حبان "6122"، والحاكم 1/17، 18. وإسناده صحيح. وقد صححه الترمذي، والحاكم، وصححه أيضاً الذهبي والعراقي كما في فيض القدير 4/294، وابن العربي في عارضة الأحوذي 7/116 وتمامه:"وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل "وهذه التتمة من قول ابن مسعود رضي الله عنه كما في سنن الترمذي، والمعنى: وما منا أحد إلا وقد يعتريه التطير. وهذا يدل على أن ما يقع في القلب من التطير من غير قصد من العبد ولم يستقر في القلب معفو عنه، لكن إن ترتب عليه إقدام أو إحجام فهو محرم، ويؤيد هذا حديث معاوية بن الحكم عند مسلم "537": قال قلت: ومنا رجال يتطيرون؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " ذاك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يصدنهم "، وفي رواية:" فلا يصدنّكم "، ويؤيده حديث ابن عمرو الآتي. وينظر: شعب الإيمان 2/62-64، المفهم 1/465، و5/628، الآداب الشرعية 3/361، مرقاة المفاتيح 4/523، فتح المجيد 2/526.
ومما يدل على تحريم الطيرة أيضاً وإباحة الفأل: ما رواه عروة بن عامر، قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " أحسنها الفأل، ولا ترد مسلماً، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم: لا
ولهذا الحديث شواهد، منها ما رواه الإمام أحمد "7045 تحقيق شاكر" وابن وهب في الجامع "656" ومن طريقه ابن السني "292" عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً:" من أرجعته الطيرة عن حاجته فقد أشرك "، قالوا: وما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال: " يقول أحدهم: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك " وليس عند ابن وهب قوله: "قالوا.. الخ "وسنده حسن. وللنهي عن الطيرة وبيان بطلانها شواهد أخرى كثيرة منها: قوله تعالى عن قوم صالح: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ} "النمل:47"، ففي الآية نفي الطيرة، وإثبات أن ما أصابهم إنما هو بتقدير الله تعالى، ومن قبله، ومنها الحديث السابق، ومنها حديث ابن عباس في السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بلا حساب، وفيه يقول صلى الله عليه وسلم في صفتهم:" هم الذين لا يتطيرون، ولا يكتوون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون "رواه البخاري "5752" واللفظ له، ومسلم "220"، ومنها حديث جابر عند مسلم "2222":"لا عدوى، ولا طيرة، ولا غول"، ومنها ما رواه تمام في فوائده "1444"، والبيهقي في شعب الإيمان "1177" عن أبي الدرداء مرفوعاً:" لن يلجَ الدرجات العلى من الجنة من تَكَهَّن أو تُكُهن له، أو رجع من سفر تطيراً "، وغيرها، وقد ذكر الإمام الطحاوي في شرح معاني الآثار 4/311 أن الأحاديث في النهي عن الطيرة متواترة، وينظر المجمع 5/101-116.
يأتِ بالحسنات إلا أنت "1"، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك "2"""3"، وقوله صلى الله عليه وسلم: " لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل الحسن" قالوا: وما الفأل؟ قال: " الكلمة الصالحة يسمعها
"1" قال شيخنا محمد بن عثيمين في القول المفيد 1/571، 572:"وهذا هوحقيقة التوكل، وقوله "اللهم" يعني: ياألله، ولهذا بُنيت على الضم؛ لأن المنادى علم، بل هو أعلم الأعلام وأعرف المعارف على الإطلاق".
"2" قال في فتح المجيد ص522: "وقوله: " ولا حول ولا قوة إلا بك " استعانة بالله تعالى على فعل التوكل، وعدم الالتفات إلى الطيرة التي قد تكون سبباً لوقوع المكروه عقوبة لفاعلها، وذلك الدعاء إنما يصدر عن حقيقة التوكل الذي هو أقوى الأسباب في جلب الخيرات ودفع المكروهات".
"3" رواه أبوداود في الطب "3919"، وابن أبي شيبة في الأدب "6443"، وابن السني "293"، والبيهقي في كتابه "الدعوات""500". وإسناده صحيح إن ثبت سماع حبيب من عروة، والأقرب أن عروة صحابي، فقد أثبت صحبته جماعة، ونفاها آخرون، والمثبت مقدم على النافي. ينظر الإصابة 2/469، تهذيب التهذيب 2/185،
وقد صحح هذا الحديث النووي في رياض الصالحين "1686".
وله شاهد من مرسل الشعبي رواه عبد الرزاق في الجامع لشيخه معمر باب الطيرة
"19512"، وسنده صحيح، ومراسيل الشعبي قوية، وله شاهد آخر من مرسل عبد الرحمن بن سابط، رواه أبوداود في المراسيل "539"، وإسناده حسن، فحديث عروة على القول بأن سنده ضعيف حسن لغيره بهذين الشاهدين.
أحدكم ". رواه البخاري ومسلم "1".
قال الحافظ ابن رجب بعد ذكره أن التشاؤم باطل شرعاً وعقلاً، قال: "وفي الجملة فلا شؤم إلا المعاصي والذنوب فإنها تسخط الله عز وجل، فإذا سخط على عبده شقي في الدنيا والآخرة، كما أنه إذا رضي عن عبده سعد في الدنيا والآخرة، فالشؤم في الحقيقة هو معصية الله، واليُمن هو طاعة الله وتقواه كما قيل:
إنَّ رأياً دعا إلى طَاعةِ اللهِ
…
لَرَأيٌ مُبارَكٌ مَيمُونُ
والعدوى التي تهلك من قاربها هي المعاصي، فمن قاربها وخالطها وأصر عليها هلك، وكذلك مخالطة أهل المعاصي ومن يحسِّن المعصية ويزيِّنها ويدعو إليها من شياطين الإنس، وهم أضر من شياطين الجن، قال بعض السلف: شيطان الجن تستعيذ بالله منه فينصرف،
"1" صحيح البخاري "5754"، وصحيح مسلم "2223" من حديث أبي هريرة، وله شاهد من حديث أنس عند البخاري "5756"، ومسلم "2224"، وله شاهد آخر رواه البخاري "2731"، وهو قوله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية لما جاء سهيل بن عمرو:" سُهِّل لكم من أمركم "، وهو من مرسل عكرمة، وله شاهد ثالث رواه الترمذي "1616"، وشاهد رابع رواه أبوداود "3920" وما ذكر فيه من تغيره صلى الله عليه وسلم إذا سمع اسماً مكروهاً يحمل على أنه من أجل كراهته لهذا الاسم لا غير. وينظر التمهيد 24/68-74، مجمع الزوائد: الطب 5/105، 106.
وشيطان الإنس لا يبرح حتى يوقعك في المعصية، وفي الحديث:" المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل ""1"، وفي حديث آخر:" لا تصحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي ""2"، فالعاصي مشؤوم على نفسه وعلى غيره فإنه لا يؤمن أن ينزل عليه عذاب فيعم الناس، خصوصاً من لم ينكر عليه عمله فالبعد عنه متعين، فإذا كثر الخبث هلك الناس عموماً" "3".
النوع الثاني من أنواع الشرك الأصغر: الشرك في الأفعال
ومن أمثلة هذا النوع:
المثال الأول: الرقى الشركية"4".
"1" رواه أبوداود "4833"، والترمذي "2378"، وسنده حسن.
"2" رواه أحمد 3/38، وأبوداود "4832"، والترمذي "2395"، وابن حبان "554"، وسنده حسن.
"3" ينظر: لطائف المعارف: وظيفة شهر صفر ص77.
"4" الرقية تشتمل على قول اللسان، وذلك بقراءة الأذكار، وتشمل على عمل القلب، وهو اعتماد كل من الراقي والمرقي بقلبه على ما استعاذ به والتجأ إليه، وتشتمل في الغالب على أفعال كالنفث ومسح الجسد بعد الرقية، ووضع اليد على موضع الألم، وصب الماء على المريض، وشرب المريض للماء، وبعضهم يكتب الأذكار في إناء أو
الرُّقى في اللغة: جمع رقية، والاسم منه "رقيا"، يقال: رقيته، أرقيه، رَقياً، والمرة "رقية""1".
وفي الاصطلاح: الأمور التي يعوَّذ بها لرفع البلاء أو دفعه"2".
والرقية الشرعية هي الأذكار من القرآن والأدعية والتعويذات الثابتة في السنة أو الأدعية الأخرى المشروعة التي يقرؤها الإنسان على نفسه أو يقرؤها عليه غيره ليعيذه الله من الشرور بأنواعها، من الأمراض وشرور جميع مخلوقات الله الأخرى من السباع والهوام والجن والإنس وغيرها، فيعيذه منها بدفعها قبل وقوعها، بأن لا تصيبه"3"، أو يعيذه
على ورق بماء الزعفران أو غيره على ورق أو على إناء، ثم يغسله، ثم يصبُّه على المريض أو يسقيه إياه، وبعضهم يكتب الأذكار على بدن المريض، ونظراً لكثرة الأفعال في الرقية، ولارتباطها كثيراً بالتمائم – كما سيأتي إن شاء الله تعالى – ولذكرها معها في الحديث، والتمائم غالبها أفعال، لذلك كله ذكرت الرقى مع الأفعال في هذا الباب.
"1" النهاية، والمصباح، "مادة: رقى ".
"2" وينظر المرجعين السابقين وفتح الباري: الطب باب الرقى بالقرآن 10/195، وعمدة القاري 21/262. والرقى تسمى العزائم. والعزائم في الأصل: رقى كانوا يعزمون بها على الجن، فيقال: عزم الراقي، كأنه أقسم على الداء. ينظر لسان العرب "مادة: عزم "، وينظر المراد بالعزائم عند المشعوذين في الفروق "الفرق 242، 4/147".
"3" بعض الفقهاء لا يجيز الرقية إلا للعلاج لا للوقاية من الأمراض، والأقرب صحتها لرفع البلاء ولدفعه قبل وقوعه، للأدلة الدالة على ذلك، كما سيأتي، وهي صريحة في ذلك.
منها بعد وقوعها بأن يرفعها ويزيلها عنه، وغالباً يصحب قراءة هذه الأذكار نفث من الراقي"1"، وقد تكون الرقية بالقراءة والنفث على بدن المرقي أو في يديه ويمسح بهما جسده ومواضع الألم إن وجدت، وقد تكون بالقراءة في ماء ثم يشربه المرقي أو يُصبُّ على بدنه"2"،
"1" وهذا النفث قد يصحبه ريق وقد يكون هواء بلا ريق، وفي حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه البخاري "5736"، ومسلم "2201" في قصة رقية أحد الصحابة لسيد أهل الحي الذين نزل بهم جماعة من الصحابة فلم يضيفوهم لما لدغ، فرقاه بقطيع من الغنم، فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم، فيه:"فجعل يقرأ أم القرآن، ويجمع بزاقه، ويتفل"، قال القاضي عياض في إكمال المعلم 8/101:"وفائدة ذلك – والله أعلم – التبرك بتلك الرطوبة أو الهواء والنَفَس المباشر للرقية والذكر الحسن والدعاء والكلام الطيب، كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر والأسماء الحسنى في النشر، وقد يكون على وجه التفاؤل بزوال ذلك الألم عن المريض وانفصاله عنه، كانفصال ذلك النفث عن في الراقي". وينظر صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الطب باب النفث في الرقية 10/209، 210، مصنف ابن أبي شيبة: الطب 7/400-403، شرح ابن بطال 9/434، التمهيد 8/129-133، التبيان للنووي: آخر الباب السابع ص99، 100، تفسير القرطبي "تفسير سورة الفلق 2/258"، المفهم 5/580، زاد المعاد: الطب، فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في رقية اللديغ 4/179، عمدة القاري: الطب 21/262، الآداب الشرعية 2/457، 458، فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم 1/91، 92.
"2" ويدل لهذا ما رواه أبوداود "3885"، وابن حبان "6069" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نفث
وبعضهم يقوم بكتابة الأذكار بزعفران أو غيره على ورق أو في إناء، ثم يغسله بماء، ثم يسقيه المريض"1".
في ماء، وصبه على ثابت بن قيس، وفي إسناده ضعف يسير. وله شاهد موقوف على عائشة رضي الله عنها رواه ابن أبي شيبة "3560" أنها كانت لا ترى بأساً أن يعوذ في الماء ثم يصب على المريض، وسنده صحيح. فيتقوى به الحديث السابق، وقد جزم بثبوت هذا الحديث شيخنا عبد العزيز بن باز رحمه الله – كما في مجموع فتاويه ومقالاته 1/270، وينظر تفسير القرطبي "تفسير الآية 82 من الإسراء 10/318"، زاد المعاد 4/178، فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم 1/92-94.
"1" وثبت نحو هذا عن بعض التابعين، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما كما في المصنف لابن أبي شيبة: الطب 7/385، وإسناده ضعيف، ورواه ابن السني "619"، عن ابن عباس مرفوعاً، وفي إسناده محمد بن عبد الله بن المغيرة، وهو منكر الحديث، وقد ذكره شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى 19/64 بإسناد أحمد بنحو رواية ابن أبي شيبة، وذكر أن أحمد أشار إلى إسناد آخر له، ولم يذكره بتمامه. وقد أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء كما في مجلة البحوث الإسلامية العدد 12 ص102، والعدد 21 ص47، 48 بأن الأولى ترك الرقية التي بهذه الصفة والاستغناء عنها بالرقى الثابتة. ولعل هذا هو الأقرب والأولى، لأن قراءة القرآن وذكر الله في حال الرقية عبادة، والأصل في العبادات التوقيف، ومن قال بجواز هذه الرقية استدل بالقياس على ما ورد، وأخذ بعموم الاستشفاء بالقرآن، وبعموم حديث:" لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" رواه مسلم "2200". ينظر: فضائل القرآن لأبي عبيد ص231، المصنف لابن أبي شيبة 7/386، 387، الجامع لابن أبي زيد ص237، شرح السنة 12/166،
والرقى التي يفعلها الناس تنقسم إلى نوعين:
النوع الأول: الرقى الشرعية، وهي الرُّقى التي سبق ذكرها، وقد أجمع أهل العلم على جوازها في الجملة"1".
التبيان للنووي: آخر الباب السابع ص98، 99، زاد المعاد 4/358، الآداب الشرعية 2/455، 456، أسهل المدارك في فقه الإمام مالك 3/367، المدخل لابن الحاج 4/326-328، حاشية ابن عابدين: أول البيع 5/232، الفتاوى الهندية: الكراهية 5/356، فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم 1/94، الفتاوى الذهبية في الرقى الشرعية ص102-108، كتاب دراسات فقهية في قضايا طبية معاصرة "بحث أ. د. محمد شبير عن الرقى والتمائم 2/491-495".
وقريب من هذا ما يفعله بعضهم من القراءة في زيت ثم يدهن به جسد المريض. وينظر المدخل لابن الحاج 4/328، 329، الفتاوى الذهبية في الرقى الشرعية ص39، 40.
وبعضهم يقوم بكتابة الأذكار على بدن المريض، وقد أفتى بعض أهل العلم بجوازه، ولم يرد في ذلك شيء عن السلف فيما أعلم، ولذلك فالأقرب والأولى تركه. وينظر الآداب الشرعية فصل فيما يجوز من التمائم 2/457، زاد المعاد 4/358، 359، الفتاوى الهندية كتاب الكراهية الباب 18 في التداوي 5/356، التبرك للجديع ص233، 234.
"1" قال الحافظ ابن حجر الشافعي في الفتح في كتاب الطب باب الرقى بالقرآن 10/195: "أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسماء الله وصفاته، وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره، وأن
ويشترط في هذه الرقية أيضاً أن يعتقد الراقي والمرقي أن الرقية لا تؤثر بذاتها، وأن لا يعتمد عليها المرقي بقلبه، وأن يعتقد أن النفع إنما هو من الله تعالى، وأن هذه الرقية إنما هي سبب من الأسباب المشروعة"1"، ويشترط أن لا تكون هذه الرقية من ساحر أو متهم بالسحر، وحكم هذه الرقية عند اجتماع الشروط السابقة أنها مستحبة، وهي من أعظم أسباب الشفاء من الأمراض بإذن الله تعالى"2".
يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى، واختلفوا في كونها شرطاً، والراجح أنه لابد من اعتبار الشروط المذكورة"، وقال النووي في شرح مسلم 13/169: "وقد نقلوا الإجماع على جواز الرقى بالآيات وأذكار الله تعالى"، وقال ابن رشد في الجامع من المقدمات ص309: "لا اختلاف في جواز الاستعاذة بالقرآن والرقية به"، ونقل عن الحافظ السيوطي نحو قول الحافظ ابن حجر السابق. ينظر فتح المجيد ص243، وينظر التمهيد 5/264-285، و23/156، 157، أسهل المدارك كتاب جامع 3/367، مجلة البحوث الإسلامية "العدد 12 ص101".
"1" وقد حكى الحافظ ابن حجر والحافظ السيوطي الإجماع على هذين الشرطين، وقد سبق نقل كلامهما قريباً، وينظر المدخل لابن الحاج 4/326.
"2" سبق قريباً ذكر حديث أبي سعيد في رقية اللديغ، وفيه: أنه لما رُقي بسورة الفاتحة قام كأنما نشط من عقال. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح في كتاب المرضى باب فضل من يصرع من الريح 10/115: "علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير، وإن تأثير ذلك وانفعال البدن عنه أعظم من تأثير الأدوية
.......................................................................
البدنية، ولكن إنما ينجع بأمرين: أحدهما: من جهة العليل، وهو صدق القصد، والآخر: من جهة المداوي، وهو قوة توجهه وقوة قلبه بالتقوى والتوكل"انتهى كلامه مع تصرف يسير. وذكر الحافظ ابن القيم في زاد المعاد 4/182 أن الأدوية الإلهية تنفع من الداء بعد حصوله، وتمنع من وقوعه، وإن وقع لم يقع وقوعاً مضراً، وإن كان مؤذياً، أما الأدوية فإنما تنفع بعد حصول الداء، وقال في مدارج السالكين 1/67 بعد ذكره لحديث أبي سعيد السابق: "فقد تضمن هذا الحديث حصول شفاء هذا اللديغ بقراءة الفاتحة عليه، فأغنته عن الدواء، وربما بلغت من شفائه ما لم يبلغه الدواء، هذا مع كون المحل غير قابل، إما لكون هؤلاء الحي غير مسلمين أو أهل بخل ولؤم، فكيف إذا كان المحل قابلاً"، وقال أيضاً في المرجع نفسه 1/69: "فهنا أمور ثلاثة: موافقة الدواء للداء، وبذل الطبيب له، وقبول طبيعة العليل. فمتى تخلف واحد منها لم يحصل الشفاء. وإذا اجتمعت حصل الشفاء ولابد بإذن الله سبحانه وتعالى. ومن عرف هذا كما ينبغي تبين له أسرار الرقى، وميز بين النافع منها وغيره، ورقى الداء بما يناسبه من الرقى، وتبين له أن الرقية براقيها وقبول المحل، كما أن السيف بضاربه مع قبول المحل للقطع، وهذه إشارة مطلعة على ما وراءها لمن دق نظره، وحسن تأمله. والله أعلم. وأما شهادة التجارب بذلك فهي أكثر من أن تذكر، وذلك في كل زمان، وقد جربتُ أنا من ذلك في نفسي وفي غيري أموراً عجيبة، ولا سيما مدة المقام بمكة، فإنه كان يعرض لي آلام مزعجة، بحيث تكاد تقطع الحركة مني، وذلك في أثناء الطواف وغيره، فأبادر إلى قراءة الفاتحة، وأمسح بها على محل الألم فكأنه
والدليل على استحباب الرقية في حق المرقي"1": ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى
حصاة تسقط، جربت ذلك مراراً عديدة، وكنت آخذ قدحاً من ماء زمزم فأقرأ عليه الفاتحة مراراً، فأشربه فأجد به من النفع والقوة ما لم أعهد مثله في الدواء. والأمر أعظم من ذلك، ولكن بحسب قوة الإيمان وصحة اليقين، والله المستعان". وينظر: زاد المعاد 4/11، 12، 178-180، وقد ذكر فيه أن من قويت طبيعته ونفسه، وقويت استعانته بربّه وتوكله عليه كان ذلك لها من أكبر الأدوية، وأنه كلما كانت كيفية نفس الراقي أقوى كانت الرقية أتم. وينظر التمهيد 2/270، و23/29.
"1" قال القرطبي في المفهم: الإيمان باب يدخل الجنة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم سبعون ألفاً بغير حساب 1/464، 465:"الرُّقى باسماء الله تعالى هو غاية التوكل على الله، فإنه التجاء إليه، ويتضمن ذلك رغبته له، وتبركاً بأسمائه، والتعويل عليه في كشف الضر والبلاء، فإن كان هذا قادحاً فيلكن الدعاء والأذكار قادحاً في التوكل، ولا قائل به، وكيف يكون ذلك؟ وقد رقى النبي صلى الله عليه وسلم واسترقي، ورقاه جبريل وغيره، ورقته عائشة، وفعل ذلك الخلفاء والسلف، فإن كانت الرقى قادحة في التوكل ومانعة من اللحوق بالسبعين ألفاً فالتوكل لم يتم للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا لأحد من الخلفاء، ولا يكون أحد منهم في السبعين ألفاً، مع أنهم أفضل من وافى القيامة بعد الأنبياء، ولا يتخيل هذا عاقل".
وقال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم في شرح الحديث 49، ج2 ص501:"ومن رجَّح التداوي قال: إنه حال النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يداوم عليه، وهو لا يفعل إلا الأفضل، وحمل الحديث – أي حديث السبعين الفاً – على الرقى المكروهة التي يُخشى منها الشرك، بدليل أنه قرنها بالكي والطيرة، وكلاهما مكروه". وينظر ما ذكره
فراشه نفث في كفيه بـ: قل هو الله أحد، وبالمعوذتين جميعاً، ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده. قالت عائشة: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به"1".
ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص325، وابن القيم في زاد المعاد 4/10، 15، 16، حول عموم التداوي، وأنه لا ينافي التوكل، بل إن حقيقة التوحيد لا تتم إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى مقتضيات لمسبباتها قدراً وشرعاً.
"1" صحيح البخاري: الطب. باب النفث في الرقية "5748"، ورواه البخاري "5016"، ومسلم "2192" عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عليه بيمينه رجاء بركتها. وأيضاً روى مسلم "2185" عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى رقاه جبريل عليهما السلام، وروى البخاري "5738"، ومسلم "2195"، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرها أن تسترقي من العين، وروى البخاري "5739"، ومسلم "2197" عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة، فقال:" استرقوا لها، فإن بها النظرة "، والنظرة: الصفرة كما في رواية مسلم وقيل: المراد:عين من نظر الجن كما في عمدة القارئ 21/266، فهذه الأحاديث صريحة في استحباب طلب الرقية، وأنه لا نقص في توكل العبد إذا رقى نفسه أو طلب من غيره أن يرقيه، لفعله وأمره بذلك لأهله صلى الله عليه وسلم، وهو أفضل البشر توكلاً عليه الصلاة والسلام، وهو صلى الله عليه وسلم لا يفعل ولا يأمر أهله إلا بما هو الأفضل في حقه وحق أهل بيته صلى الله عليه وسلم.
والدليل على استحبابها في حق الراقي: ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان لي خال يرقي من
أما حديث السبعين الفاً الذي سبق ذكره عند الكلام على التطير، والذي فيه "ولا يسترقون" فمحمول على الرقى المحرمة التي كان يفعلها أهل الجاهلية، كما ذكر غير واحد من أهل العلم. ينظر: تأويل مختلف الحديث ص223-227، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان 13/455، 456، شرح معاني الآثار كتاب الكراهية باب الكي 4/320-329، معالم السنن 4/212، شرح السنة 12/159، شرح مسلم للنووي 14/169، المفهم 1/463-467، المعلم 1/231، التمهيد 5/273، الآداب الشرعية 2/348-352، الشرك الأصغر ص206، 207.
ويؤيد استحباب الاسترقاء ما رواه أحمد 4/278، وأبوداود "3855"، والترمذي "2038"، وابن حبان "6061، 6064"، والحاكم 4/198، 199، 399، 400، عن أسامة بن شريك مرفوعاً:" تداووا عباد الله. وسنده صحيح. وله شاهد عند أحمد 3/156 من حديث أنس، وسنده حسن. وله شواهد أخرى كثيرة بمعناه، وأقل أحوال الأمر الاستحباب، وأحسن التداوي ما كان بكتاب الله، وذكره، ودعائه، كما مر في التعليق السابق، وأيضاً فإن طلب الرقية من المسلم من جنس طلب الدعاء منه كما قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى 1/182، 328، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل من أفضل أصحابه رضي الله عنهم وهو عمر بن الخطاب في شأن أويس بن عامر: " إن استطعت أن يستغفر لك فافعل ". وفي رواية: " فمن لقيه فليستغفر لكم ". رواه مسلم "2542"، وأقل أحوال الأمر الاستحباب.
العقرب، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقى، قال: فأتاه فقال: يا رسول الله، إنك نهيت عن الرقى، وأنا أرقي من العقرب؟ فقال:" من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل ""1".
النوع الثاني: الرُّقى المحرمة
ومنها: الرقى الشركية، وهي الرقى التي يعتمد فيها الراقي أو المرقي على الرقية، فإن اعتمد عليها مع اعتقاده أنها سبب من الأسباب، وأنها لا تستقل بالتأثير فهذا شرك أصغر"2"، وإن اعتمد عليها اعتماداً كلياً حتى اعتقد أنها تنفع من دون الله، أو تضمنت صرف شيء من العبادة لغير الله، كالدعاء، أو الاستعاذة بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو من الشرك الأكبر المخرج من الملة"3".
"1" صحيح مسلم، كتاب السلام. باب استحباب الرقية رقم "2199"، وروى البخاري "4439"، ومسلم "2192" عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات، فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلتُ أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه، لأنها كانت أعظم بركة من يدي، والمعوذات: الفلق والناس، أو هما والصمد، وسُميت "المعوذات" تغليباً. ينظر الفتح 9/62.
"2" ومن الشرك الأصغر في الرقية: أن يرقى بأسماء الملائكة أو الأنبياء أو الجن أو غيرهم من المخلوقين من غير استعاذة بهم، ومنه أيضاً أن يقسم بأحد منهم.
"3" قال الحافظ ابن حجر الشافعي في "الفتح" كتاب الطب باب الرقى بالقرآن 10/196
والدليل على تحريم جميع الرقى الشركية: قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الرقى والتمائم والتولة"1" شرك ""2"، وما روى عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال:" أعرضوا عليَّ رُقاكم، لا بأس بالرقى، ما لم يكن فيه شرك "رواه مسلم"3".
ومن الرقى المحرمة: أن تكون الرقية فيها طلاسم، أو ألفاظ غير مفهومة، والغالب أنها رقى شركية، وبالأخص إذا كانت من شخص غير معروف بالصلاح والاستقامة على دين الله تعالى"4"، أو كانت من
"وإنما كان ذلك من الشرك لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله".
"1" التِّولة: نوع من السحر، يحبب المرأة إلى زوجها. ينظر غريب الحديث لأبي عبيد 4/50، الصحاح "مادة: تول"، جامع الأصول 7/575.
"2" رواه الإمام أحمد 1/381، وأبوداود "3883 "، وابن ماجه "3530"، والطبراني "8863"، وابن حبان "6090"، والحاكم 4/217 من طرق عن ابن مسعود. وهو صحيح بمجموع طرقه، وقد توسعت في تخريجه في رسالة "اليهود"تحت رقم "87"، وأوله أن ابن مسعود دخل على زوجته، فرأى في عنقها خيطاً، فقال: ما هذا الخيط؟ قالت: خيط رُقي لي فيه. فأخذه وقطعه، ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إن الرقى.. ."فذكره.
"3" صحيح مسلم: السلام "2200".
"4" قال الحافظ ابن حجر الشافعي في فتح الباري: الطب باب الرقى بالقرآن والمعوذات
كافر كتابي أو غيره"1".
المثال الثاني من أمثلة الشرك الأصغر في الأفعال: التمائم الشركية
التمائم في اللغة: جمع تميمة، وهي في الأصل خرزة كانت تُعلّق
10/195: "دل حديث عوف أنه مهما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك يمنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك، فيمنع احتياطاً"، وقال ابن الحاج المالكي في المدخل 4/326:"ينهى عن الرقى إذا كانت باللغة العجمية أو بما لا يدرى معناه، لجواز أن يكون فيه كفر". وبعض العلماء يمنع أن تكون الرقية بغير العربية، والأقرب أنها جائزة إذا كانت بلغة مفهومة عند المرقي عليه، أو عند من يثق به ممن يسمع هذه الرقية. ينظر: تأويل مختلف الحديث 227، المعلم 3/95، شرح السنة 12/159، الفروق للحازمي ص185، البيان والتحصيل 1/438-440، و17/165، الفروق "الفرق 242، 4/147"، مجموع الفتاوى 1/362، و19/13، 61، و24/278، شرح ابن بطال 9/427، الآداب الشرعية 2/455، النهاية "مادة: رقى"، الدر المختار في الفقه الحنفي مع حاشيته لابن عابدين: أول البيوع 5/232، الإقناع مع شرحه كشاف القناع: الردة 6/188، مجموع فتاوى ومقالات شيخنا عبد العزيز بن باز 1/275، السنن والمبتدعات ص279.
"1" ينظر: التمهيد 15/254، 255، الجامع لابن أبي زيد القيرواني ص239، شرح ابن بطال لصحيح البخاري: الطب باب الرقى بالقرآن 9/428، فتح الباري: الطب باب الرقى بالقرآن 9/195، منهج الإمام مالك في إثبات العقيدة ص400-403، الرقى للدكتور علي العلياني.
على الأطفال، يتقون بها من العين ونحوها"1"، وكأنّ العرب سموها بهذا الاسم لأنهم يريدون أنها تمام الدواء والشفاء المطلوب"2".
وفي الاصطلاح: هي كل ما يعلق على المرضى أو الأطفال أو البهائم أو غيرها من تعاويذ لدفع البلاء أو رفعه"3".
ومن أنواع التمائم: الحجب والرقى التي يكتبها بعض المشعوذين ويكتبون فيها طلاسم وكتابات لا يفهم معناها، وغالبها شرك، واستغاثات بالشياطين، وتعلق على الأطفال أو على البهائم، أو على بعض السلع أو أبواب البيوت يزعمون أنها سبب لدفع العين أو أنها سبب لشفاء المرضى من بني الإنسان أو من الحيوان، ومنها: الخلاخيل التي يجعلها بعض الجهّال على أولادهم يعتقدون أنها سبب
"1" ينظر: تأويل محتلف الحديث ص226، والصحاح، والنهاية، والقاموس، ولسان العرب "مادة: تمم".
"2" كما قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة "مادة: تمَّ"، وكما قال ابن الأثير في النهاية "مادة: تمم".
"3" التمهيد 17/162، سنن البيهقي: الضحايا 9/350، تفسير القرطبي "تفسير الآية 82 من الإسراء 10/320"، النهاية لابن الأثير "مادة: تمم"، شرح السنة 12/158، القوانين الفقهية كتاب الجامع ص295.
لحفظهم من الموت، ومنها: لبس حلقة الفضة للبركة أو للبواسير"1"، ولبس خواتم لها فصوص معينة يعتقدون أنها تحفظ من الجن، ولبس أو
"1" وقريب من ذلك لبس المعضد للعلاج، وقد أطال شيخنا عبد العزيز بن باز الكلام على حكمه كما في مجموع فتاويه ومقالاته 1/206-210، وقد ذكر خلاف العلماء المعاصرين في حكمه، ثم قال:"ما عرف أنه من جنس الأسباب المحرمة فهو محرم، وإنْ قدر فيه بعض النفع، ومعلوم أن لبس المعضد يبقى على الإنسان كما تبقى الحروز والتمائم الأيام والليالي والسنوات، بخلاف الحبة التي يأكلها ويفرغ منها، وبخلاف الإبرة التي يستعملها وينتهي منها، فلبس المعضد من جنس هذه الأشياء، بل هو أشبه بلبس الحلقة التي ورد فيها حديث عمران بن حصين". انتهى كلامه مختصراً. وسيأتي حديث عمران قريباً إن شاء الله تعالى.
وقد أطال أيضاً –رحمه الله– في بيان حكم السوار الذي يستعمله بعضهم لعلاج "الروماتيزم" في المرجع السابق 1/21، 212، وبيَّن الخلاف في حكمه، ثم قال:"والذي أرى في هذه المسألة هو ترك الأسورة المذكورة وعدم استعمالها، سداً لذريعة الشرك، وحسماً لمادة الفتنة بها والميل إليها وتعلق النفوس بها، ورغبة في توجه المسلم بقلبه إلى الله سبحانه ثقة به واعتماداً عليه واكتفاء بالأسباب المشروعة المعلومة إباحتها بلا شك، وفيما أباح الله ويسر لعبادة غنية عما حرّم عليهم، وعما اشتبه أمره" وينظر فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين 1/110، 111، والقول المفيد 1/192.
وقال شيخنا ابن باز في المرجع السابق 1/207: "ليس كل ما فيه نفع يباح استعماله، بل لابد من أمرين: أحدهما: أن لا يرد فيه نهي خاص عن الشارع عليه الصلاة والسلام. والأمر الثاني: أن لا تكون مضرته أكبر من نفعه"، وذكر شيخنا
تعليق خيوط عقد فيها شخص له اسم معين كـ"محمد " عقداً للعلاج من بعض الأمراض"1"، ومنها الحروز وجلود الحيوانات والخيوط وغيرها مما يعلق على الأطفال أو على أبواب البيوت ونحو ذلك، والتي يزعمون أنها تدفع العين أو المرض أو الجن أو أنها سبب للشفاء من الأمراض.
وهذه التمائم كلها محرمة، وهي من الشرك، لقوله صلى الله عليه وسلم:" إن الرقى والتمائم والتولة شرك ""2"، ولقوله صلى الله عليه وسلم:" من علق تميمة فقد أشرك ""3"، فهي من الشرك، لأنهم ظنوا أن لغير الله تأثيراً في
محمد بن عثيمين في شرح رياض الصالحين: شرح حديث " ما نهيتكم عنه فاجتنبوه " 3/326، 327 أن الضرورة لا تبيح المحرم إلا بشرطين:
1 -
أن لا تندفع الضرورة بسواه.
2-
أن يكون مزيلاً للضرورة. وذكر أنه على ذلك لا يجوز التداوي بالمحرم؛ لأن الإنسان قد يشفى بغيره، كرقيه أو علاج آخر مباح؛ ولأنه ليس يقيناً أنه سيشفى بهذا الدواء المحرم.
"1" ينظر تعليق الشيخ محمد حامد الفقي المصري – رحمه الله – على فتح المجيد باب من الشرك لبس الحلقة ص114، 118.
"2" سبق تخريجه في الرقى.
"3" رواه الإمام أحمد 4/156، والحاكم 4/219 بإسناد حسن من حديث عقبة بن عامر، وأول الحديث: أن عقبة رضي الله عنه جاء في ركب عشرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فبايع
الشفاء"1"، وطلبوا دفع الأذى من غيره تعالى مع أنه لا يدفعه أحد
تسعة، وأمسك عن بيعة رجل منهم، فقالوا: ما شأن هذا الرجل لا تبايعه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " إن في عضده تميمة "، فقطع الرجل التميمة، فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال:" من علق تميمة فقد أشرك ". وله شاهد بنحوه رواه ابن وهب في الجامع "666" من حديث رجل من صداء من الصحابة، وسنده حسن.
وله شاهد آخر بلفظ: "من تعلّق شيئاً وُكل إليه"- أي لم يعنه الله تعالى ووكله إلى هذا السبب الذي لا نفع فيه. والحديث رواه أحمد 4/311، والترمذي "2070" من حديث عبد الله بن عكيم، ورواه النسائي "4090" من حديث أبي هريرة، وفي كل منهما ضعف، ورواه ابن وهب في الجامع "667" بإسناد حسن من مرسل الحسن البصري، فهو حسن بهذه الأسانيد الثلاثة.
وله شاهد ثالث رواه الإمام أحمد 4/445، وابن حبان "6085" عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر على عضد رجل حلقة، فقال:" ويحك، ما هذه؟ " قال: من الواهنة. قال: " أما إنها لا تزيدك إلا وهناً، أنبذها عنك، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً ". وسنده حسن.
وله شاهد رابع رواه البخاري "3005"، ومسلم "2115" عن أبي بشير الأنصاري أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر –أو قلادة– إلا قطعت "، زاد مسلم في روايته:"قال مالك: أرى ذلك من العين". وله شواهد أخرى كثيرة يطول الكلام بذكرها، تنظر في أكثر مراجع التخريج السابقة.
"1" التمهيد 17/163، الدر النضيد للشوكاني ص9.
سواه جل وعلا"1".
لكن إن اعتقد متخذ هذه التمائم أنها تنفع بذاتها من دون الله فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أن الله هو النافع وحده، لكن تعلّق قلبه بها في دفع الضر، فهو شرك أصغر، لاعتماده على الأسباب، ولأنه جعل ما ليس بسبب سبباً"2"، فهذه التمائم السابق ذكرها كلها ليس فيها نفع بوجه من الوجوه، وهي من خرافات الجاهلية التي ينشرها السحرة والمشعوذون، ويدجلون بها على السذج والجهلة من الناس.
ويدخل في التمائم أن تكتب آيات من القرآن أو بعض الأذكار الشرعية "الرقى" في ورقة ثم توضع في جلد أو غيره ثم تعلق على الأطفال أو على بعض المرضى، وقد اختلف في جواز تعليقها"3"، والأحوط المنع من هذه التمائم، لعدة أمور، أهمها:
"1" النهاية لابن الأثير "مادة: تمم"، حاشية ابن عابدين: أول البيع 5/232.
"2" ينظر: التيسير، وقرة عيون الموحدين، والقول السديد، والقول المفيد باب من الشرك لبس الحلقة، وتعليق شيخنا عبد العزيز بن باز على فتح المجيد باب الرقى "ص12" ومجموع فتاويه ومقالاته 1/275، والشرك الأصغر ص216.
"3" ينظر: في أقوال العلم من الصحابة فمن بعدهم في هذه المسالة في الجامع لعبد الله بن وهب ص750-759، ومصنف عبد الرزاق "11/208، 209"، مصنف ابن أبي شيبة: الطب باب في تعليق التمائم 7/371-376، وباب من رخص في تعليق التعاويذ 7/396-398، غريب الحديث لأبي عبيد 4/51، فضائل القرآن لأبي
1-
أن الأحاديث جاءت عامة في النهي عن التمائم"1"، ولم يأتِ
عبيد أيضاً،ص231-234، الموطأ مع شرحه المنتقى كتاب العين باب الرقية من العين، جامع الأصول: الطب والرقى 7/575، 576، الجامع لابن أبي زيد القيرواني ص236-240، البيان والتحصيل 1/438-440، و17/196 و18/426، 427، شرح معاني الآثار: الكراهية 4/325، سنن البيهقي: الضحايا 9/350، 351، التمهيد 17/160-165، مجمع الزوائد 5/103، شرح السنة 12/158، المجموع آخر الأطعمة 5/66، 67، الجامع لابن رشد ص309، تفسير القرطبي تفسير الآية 82 من الإسراء 1/319، 320"، شرح ابن بطال 9/428، مختصر خليل مع شرحه للزرقاني "مس المصحف 1/94"، الفتح 6/165، زاد المعاد 4/357، الآداب الشرعية 2/455، 456، القوانين الفقهية ص295، شرح المنهج مع حاشيته للجمل: الأحداث 1/76، أسهل المدارك 3/367، تيسير العزيز الحميد،= = وفتح المجيد، والقول المفيد باب ما جاء في الرقى والتمائم، حاشية قليوبي: أول البيع 2/156، حاشية ابن عابدين: أول البيع 5/232، الفتاوى الهندية 5/356، معارج القبول 1/382، فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم 1/5-99، كتاب "دراسات فقهية في قضايا طبية معاصرة "بحث ضوابط التداوي بالرقى والتمائم للأستاذ الدكتور محمد شبير ص487-491"، مجلة البحوث الإسلامية "العدد 12 ص102، والعدد 21 ص46، 47، التمائم للدكتور علي العلياني، التبرك للدكتور ناصر الجديع ص237-239، رسالة "الشرك الأصغر"لعبد الله السليم ص217-219.
"1" ويؤيد ذلك أن الصحابة الذين رووا أحاديث النهي عن التمائم كابن مسعود وعقبة بن عامر فهموا منها عموم النهي عن جميع التمائم.
حديث واحد في استثناء شيء منها"1".
2-
أن تعليق التمائم من القرآن والأدعية والأذكار المشروعة نوع من الاستعاذة والدعاء، فهي على هذا عبادة، وهي بهذه الصفة لم ترد في القرآن ولا في السنة، والأصل في العبادات التوقيف، فلا يجوز إحداث عبادة لا دليل عليها"2"
3-
أن في تعليقها تعريضاً للقرآن وكلام الله تعالى وعموم الأذكار
"1" أما ما ثبت عن عبد الله بن عمرو من الترخيص في تعليق التمائم من الأذكار الشرعية حرزاً قبل وقوع المرض فهو معارض بما ثبت عن عائشة رضي الله عنها من أن ما علق قبل المرض فهو من التمائم المنهي عنها، ومعارض أيضاً بما ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه من قطع التميمة والتشديد في أمر التمائم مطلقاً، وبما ثبت عن عقبة ابن عامر أنه قال:"وضع التميمة على الإنسان والطفل شرك"، وما ثبت عن حذيفة من قوله لرجل وجد على عضده خيطاً: ما هذا؟ قال: خيط رقي لي فيه. فقال حذيفة: "لو متَّ ما صليت عليك"، وبما ثبت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يقول:"تعليق التمائم شعبة من شعب الجاهلية"، فعموم قوله يدل على نهيه عن جميع التمائم.
وإذا تعارضت الآثار عن الصحابة تقابلت، ولم يعمل بشيء منها، ويرجع إلى الأدلة الأخرى، والنصوص من السنة كلها عامة في النهي عن التمائم كما سبق.
"2" هذا التعليل لم أقف على من ذكره، ولكنه فيما ظهر لي تعليل صحيح.
الشرعية للإهانة، إذ قد يدخل بالتميمة أماكن الخلاء، وقد ينام عليها الأطفال أو غيرهم، وقد تصيبها بعض النجاسات، وفي منع تعليقها صيانة للقرآن ولذكر الله تعالى عن الإهانة"1".
4-
سد الذريعة؛ لأن تعليق هذه التمائم يؤدي إلى تعلُّق القلوب بها من دون الله، ويؤدي إلى تعليق التمائم الأخرى المقطوع بتحريمها من التمائم الشركية وغير الشركية، كما هو الواقع عند كثير من المسلمين"2".
"1" قال شيخ مشايخنا محمد بن إبراهيم مفتي المملكة في وقته كما في مجموع فتاويه 1/99: "ثم ههنا شؤم يقعون فيه، وهو أنهم بعض الأحيان يتخذون مصحفاً صغيراً تميمة، فيدخلون به المحال القذرة، فيجعلون المصحف كالأمتعة، وكفى بهذا القول ضعفاً أن يكون من فروعه اتخاذ مصحف يعلق في الرقبة، ويعلقه الجنب والحائض".
"2" تنظر أكثر مراجع أقوال العلم في هذه المسألة والتي سبق ذكرها قريباً. وقريب من هذه المسألة: مسألة تعليق القرآن أو آيات أو سور منه في البيوت ونحوها للتبرك أو للزينة، أو كتابة القرآن أو آيات منه على جدران البيوت أو جدران المساجد أو غيرها، أو وضع المصحف في البيت أو المحل أو السيارة تبركاً أو لدفع ضرر، فقد صرح جمع من أهل العلم بكراهة ذلك؛ لأنه مخترع لا دليل عليه من كتاب أو سنة. ينظر: شرح السنة للبغوي الشافعي: فضائل القرآن 4/529، التذكار في أفضل الأذكار للقرطبي المالكي الباب ص279، المغني لابن قدامة الحنبلي: الوليمة 10/205، الشرح الكبير 27/343، التبيان للنووي ص99، 115، تنبيه الغافلين لابن النحاس ص264، الحوادث والبدع للطرطوشي ص101، نقلاً عن التبرك للجديع
النوع الثالث: الشرك الأصغر في الأقوال
ومن أمثلة هذا النوع:
المثال الأول: الحلف بغير الله
الحلف في اللغة: مصدر حلَف، يحلف، وهو الملازمة؛ لأن الإنسان يلزمه الثبات على ما حلف عليه، ويُسمى "اليمين"؛ لأن المتحالفين كان أحدهما يصفق بيمينه على يمين صاحبه"1"، ويُسمّى أيضاً "القسم""2".
والحلف في الأصل: توكيد الشيء بذكر معظَّم مصدَّراً بحرف من حروف القسم.
ص239، 240، الفتاوى الهندية: الكراهية الباب 18، ج2 ص356، حاشية ابن عابدين: أول البيع 5/232، مجموع فتاوى ومقالات شيخنا عبد العزيز بن باز 1/51، 52، مجموع فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين 1/105-107
"1" ينظر: معجم مقاييس اللغة "مادة: حلف، ومادة: يمن"، المطلع ص387، الدر النقي 3/796.
"2" وأصلها من "القسامة"، وهي الأيمان التي تقسم على أولياء المقتول إذا ادّعوا دم مقتولهم على أناس اتهموهم به. ثم أطلق القسم على كل حلف. ينظر: معجم مقاييس اللغة، ولسان العرب"مادة: قسم".
وفي الاصطلاح: توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة لله تعالى"1" مصدراً بحرف من حروف القسم.
وقد أجمع أهل العلم على أن اليمين المشروعة هي قول الرجل: والله، أو بالله، أو تا لله"2"، واختلفوا فيما عدا ذلك"3".
"1" روضة الطالبين 11/3، فتح الباري: أول كتاب الأيمان والنذور 11/516، القول المفيد باب قوله تعالى:{فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً} 3/213، وينظر: المنتهى "مطبوع مع شرحه للبهوتي 3/419"، فتح القدير لابن الهمام 5/67، مغني المحتاج 5/320، المطلع ص387.
"2" حكى الإجماع على ذلك ابن المنذر في الإجماع ص136، وابن حزم في مراتب الإجماع ص185، وابن عبد البر في التمهيد 14/369، وابن قدامة في المغني 13/452، وابن جزي في القوانين الفقهية ص106، وحكوا جميعاً الإجماع على انعقاد اليمين إذا كانت باسم من أسماء الله تعالى التي لا يسمى بها سواه، ك "الله"، و"الرحمن".
وحكى الحافظ في الفتح: الأيمان باب لا تحلفوا بآبائكم 11/531 الإجماع على أن اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته.
"3" ومما اختلفوا فيه: الحلف باسم من أسماء الله التي يسمى بها غيره، ومما اختلفوا فيه قول:"لعمر الله"، والمراد به: الحلف ببقاء الله تعالى وحياته، وقول: بحق الله، وقول: علي يمين، وقول: علم الله، وقول:"أيم الله"وقيل: إن "أيم"عوض عن واو القسم، وقيل: إنها بمعنى "أحلف بالله"، كما اختلفوا في الحلف بفعل
واليمين عبادة من العبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله"1"، فيحرم الحلف بغيره تعالى، لقوله صلى الله عليه وسلم:" ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله، وإلا فليصمت " متفق عليه"2"، فمن حلف بغير الله سواء أكان نبياً أم ولياً أم الكعبة أم غيرها فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب"3"، ووقع في الشرك، لقوله صلى الله عليه وسلم:
من أفعال الله تعالى. ينظر: المراجع السابقة، ومختصر اختلاف العلماء للطحاوي 3/239-241، دلائل الأحكام لابن شداد 4/275-277، المنهاج مع شرحه مغني المحتاج 5/320، 321، الفروق "الفرق 124"، المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف 27/430-444 شرح الزركشي 5/76-79، الفتح 11/522، 526، 547، فتح القدير لابن الهمام 5/67، نهاية المحتاج 8/174-177.
"1" بدائع الصنائع: الأيمان 3/2.
"2" صحيح البخاري: الأدب "6108"، وصحيح مسلم: الأيمان "1646".
وقد سبق في تعريف العبادة المحضة عند الكلام على أنواع العبادة في الباب الأول أن ما دلّ دليل على تحريم صرفه لغير الله فهو عبادة محضة.
"3"قال الإمام الذهبي الشافعي في الكبائر "الكبيرة 25: اليمن الغموس ص91" قال: "ومن ذلك الحلف بغير الله عز وجل، كالنبي والكعبة والملائكة والسماء والماء والأمانة، وهي من أشد ما هنا، والروح والراس وحياة السلطان ونعمة السلطان وتربة فلان". وذكر ابن النحاس في تنبيه الغافلين ص201 أن الحلف بغير الله من كبائر الذنوب، وقال الهيتمي في الزواجر عن اقتراف الكبائر "الكبيرة 412، 2/184":
" من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك ""1"، ولأن الحلف فيه تعظيم
"الحكم عليه – أي الحلف بغير الله – بالكبيرة غير بعيد، لما في الحديث السابق والأحاديث الآتية من الوعيد الشديد".
ومما يؤيد أن الحلف بغير الله كبيرة من كبائر الذنوب سوى ما يأتي من الأحاديث: قول عبد الله بن مسعود: "لأن أحلف بالله كاذباً أحبّ إلي من أحلف بغيره صادقاً". رواه عبد الرزاق "15929"، والطبراني "8902"، من طريقين عن وبرة، عن عبد الله. وإسناده صحيح، رجاله رجال الصحيحين، وقال الألباني في الإرواء "2562" عن إسناد الطبراني:"إسناده صحيح على شرط الشيخين"، ورواه ابن وهب كما في المدونة 2/33 من طريق وبرة عن همام بن الحارث عن عبد الله ورجاله ثقات، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه "الجزء المفقود ص18" من طريق أبي بردة عن عبد الله، ورجاله ثقات.
وقال ابن عبد البر في التمهيد 14/366: "لا يجوز الحلف بغير الله عز وجل في شيء من الأشياء ولا على حال من الأحوال، وهذا أمر مجتمع عليه"، وقال 14/367:"أجمع العلماء أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها، لا يجوز الحلف بها لأحد". وينظر: الأم: الأيمان 7/61، مجموع الفتاوى 1/290، 335، الاستغاثة 1/364، 365، بداية المجتهد 1/407، نيل الأوطار 9/124، إرشاد السائل إلى دلائل المسائل للشوكاني "مطبوع ضمن الرسائل السلفية ص47"، فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز "جمع. د. الطيار ص719".
"1" رواه الإمام أحمد "329، 4904، 5375 تحقيق شاكر "، وأبوداود "3251"، والترمذي "1535"، وابن حبان "4358"، والحاكم 1/18، و 4/297، وإسناده
للمحلوف به، فمن حلف بغير الله كائناً من كان"1"، فقد جعله شريكاً لله عز وجل في هذا التعظيم الذي لا يليق إلا به سبحانه وتعالى"2".
صحيح، رجاله رجال مسلم. وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم، وقال الذهبي في مختصر الكبائر "الكبيرة 23":"إسناده على شرط مسلم". وأوله: أن ابن عمر سمع رجلاً يقول: "لا والكعبة"، فقال ابن عمر: ويحك لا تحلف بغير الله، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول
…
فذكره. وله شاهد يأتي في التشريك في الألفاظ قريباً – إن شاء الله تعالى -
"1" وما ورد من الأحاديث مما ظاهره الحلف بغير الله، كحديث " أفلح وأبيه إن صدق "، وحديث " نعم وأبيك لتنبأنّ " فقد أجيب عنها بعدة أجوبة، منها: أن ذكر الحلف في الحديثين شاذ لم يثبت كما بين ذلك الحافظ ابن عبد البر المالكي وغيره، كما أجيب عن ذلك – على فرض ثبوته – بأن ذلك كان جائزاً في أول الإسلام، ثم نسخ، وقال بعض أهل العلم: إن هذا على فرض ثبوته خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، أما غيره فهو منهي عن ذلك؛ لأنهم لا يساوون النبي صلى الله عليه وسلم في الإخلاص والتوحيد. ينظر معالم السنن 1/230، 231، سنن البيهقي 10/29، التمهيد 14/367، شرح السنة 10/6، 7، المغني 3/438، الفتح 11/534، القول المفيد 1/215.
"2" قال الحافظ في الفتح 11/531، والسيوطي في التوشيح شرح الجامع الصحيح 9/3924:"قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده"، وقال الكاساني الحنفي في بدائع الصنائع 3/8 عند كلامه على النهي عن الحلف بغير الله:"وروى عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم: " من حلف بغير الله فقد أشرك "؛ لأن هذا النوع من الحلف لتعظيم
وهذا الحلف يكون من الشرك الأصغر إن كان الحالف أشرك في لفظ القسم لا غير"1"، أما إن قصد الحالف بحلفه تعظيم المخلوق الذي
المحلوف، وهذا النوع من التعظيم لا يستحقه إلا الله تعالى"، وقال الحجاوي في الإقناع "مطبوع مع شرحه الكشاف 6/234": "ويحرم الحلف بغير الله وصفاته ولو بنبي، لأنه شرك في تعظيم الله"، وقال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار 9/124: "قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده، فلا يحلف إلا بالله وذاته وصفاته، وعلى ذلك اتفق الفقهاء". وينظر صحيح البخاري مع شرحه لابن بطال 9/292، وشرحه للعيني 22/160 كتاب الأدب باب من لم يرَ إكفار من قال ذلك متأولاً، المبسوط 8/126، شرح الكرماني لصحيح البخاي: الأيمان 23/105، فيض القدير 6/207، مغني المحتاج 5/320، سبل السلام 4/197.
وذكر علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي في دلائل التوحيد ص101، وعلامة مصر محمد خليل هراس في دعوة التوحيد ص55 أن الحلف بغير الله إنما نهي عنه لأن في الحلف تعظيماً للمحلوف به، وهو لا ينبغي إلا لله، ولأن فيه معنى إشهاد المحلوف به على صدق الحالف، وهذا لا يصح إلا بمن يعلم صدق المحلوف عليه أو كذبه، وهو الله تعالى، كما أن من يُحلف به يجب أن يكون يملك عقاب من حلف به والانتقام منه عند حلفه به كاذباً، وهو الله تعالى دون سواه.
"1" ينظر: مشكل الآثار للطحاوي الحنفي 2/297-299، مدارج السالكين 1/373، "معطية الأمان من حنث الأيمان"لابن العماد الحنبلي ص83، 84، فتح المجيد والقول السديد باب {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً} ، "اليمين"لسعاد الشايقي
حلف به كتعظيم الله تعالى، كما يفعله كثير من المتصوفة الذين يحلفون بالأولياء والمشايخ أحياء وأمواتاً، حتى ربما بلغ تعظيمهم في قلوبهم أنهم لا يحلفون بهم كاذبين مع أنهم يحلفون بالله وهم كاذبون، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة؛ لأن هذا المحلوف به أجل وأعظم وأخوف عندهم من الله تعالى"1".
ص157، 158، فقه الأيمان للدكتور أمير عبد العزيز ص29-32، فقه الأيمان للدكتور محمد عبيدات ص31-33:"من أحكام اليمين"لناجي الطنطاوي ص22، فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين "جمع فهد السليمان" 2/215-221".
"1" قال علاّمة اليمن محمد بن علي الشوكاني في الدر النضيد ص10 بعد ذكره لبعض الأحاديث التي فيها أن من حلف بغير الله فقد أشرك، والتي سبق ذكر بعضها، قال:"وهذه الأحاديث في دواوين الإسلام، وفيها: أن الحلف بغير الله يخرج به الحالف عن الإسلام، وذلك لكون الحلف بشيء مظنة تعظيمه"، وقال النووي في روضة الطالبين 11/6:"قال الأصحاب – أي الشافعية – فلو اعتقد الحالف في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله تعالى كفر". وقال الرملي في نهاية المحتاج 8/175: "لو اعتقد تعظيمه كما يعظم الله كفر"، وقال الشيخ أحمد بن يحيى المرتضى في البحر الزخار 5/235:"فإن أراد تعظيمها –أي الكعبة والملائكة والأنبياء والأئمة ونحوهم– كتعظيم الله حرم وكفر، لقوله صلى الله عليه وسلم: " من حلف بغير الله فقد أشرك بالله " إذ لم يكفر المشركون إلا لتعظيمهم الأوثان"، ونقل ابن العماد في "معطية الأمان
المثال الثاني من أمثلة الشرك الأصغر في الأقوال: التشريك بين الله تعالى وبين أحد من خلقه بـ"الواو".
العطف بالواو يقتضي مطلق الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، ولذلك فإنه يحرم العطف بها"1" بين الله وبين أحد من خلقه في أي أمر
من حنث الأيمان"عن "جامع الرموز"للقهستاني الحنفي أن الحالف بغير الله إن اعتقد أن حلفه به حلف يجب الوفاء به كفر. وينظر: الجواب الكافي ص198، الدر المختار "مطبوع مع حاشيته لابن عابدين 3/53"، تجريد التوحيد ص64، تطهير الاعتقاد ص38، الزواجر "الكبيرة 412"، الدررالسنية 1/232، سبل السلام 4/197، سيف الله لصنع الله الحنفي ص69، دليل الفالحين 4/540، دلائل التوحيد ص101، التيسير والقول المفيد باب {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادا} ، أحكام اليمين للدكتور خالد المشيقح ص80، "اليمين"للدكتور عطية الجبوري ص59، فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين "جمع فهد السليمان 2/22". وينظر أيضاً: أكثر المراجع المذكورة في التعليق السابق.
"1" أما العطف ب "ثم" فهو جائز؛ لأن "ثم"تفيد الترتيب والتراخي.ينظر: شرح شذور الذهب ص576، أوضح المسالك ص317-319، وأولى من العطف ب "ثم" أن ينسب الأمر إلى الله وحده كما في حديث ابن عباس، وكما في قول ابن عباس الآتيين قريباً – إن شاء الله تعالى – وهذا أكمل في الإخلاص. وينظر: فتح المجيد باب قول ما شاء الله وشئت ص499.
من الأمور التي يكون للمخلوق فيها دخل في وقوعها"1"، كأن يقال:"ما شاء الله وشئت"، أو يقال:"هذا من بركات الله وبركاتك"، أو يقال:"ما لي إلا الله وأنت"، أو يقال:"أرجو الله وأرجوك"، ونحو ذلك، فمن تلفظ بأحد هذه الألفاظ أو ما يشبهها فقد وقع في الشرك، والدليل قوله تعالى:{فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً} [البقرة:22] قال ابن عباس رضي الله عنهما: "الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلانة، وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص "2"، وقول
"1" قال فضل الله الجيلاني في فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد 2/253: "وهذا في الأمور التي يكون فيها لأحد دخل عادي أو شرعي في وقوعها وعدمه، ولو بحسب الغالب"، وعليه فإن الأمور الشرعية التي ليس للمخلوق دخل في وقوعها يجوز العطف بالواو، كما في حديث " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ". متفق عليه، وإن كان الأولى عدم الجمع بين اسم الله واسم رسوله صلى الله عليه وسلم بالضمير، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم للخطيب الذي قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعصِ الله ورسوله ". رواه مسلم "870". وينظر: معجم المناهي اللفظية ص315.
"2" وهذا يدل على أن هذه اللفظة وما يشبهها من الألفاظ التي فيها نسبة التأثير والتدبير
الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها "فلان"، فإن هذا كله به شرك""1"، وما روته قتيلة بنت صيفي رضي الله عنها أن يهودياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "إنكم
أو النعمة لغير الله تعالى من الأشياء التي جعلها الله تعالى سبباً كقول بعضهم: "هذا الخير من عرق الجبين"، أو "لولا فلان لم يحصل كذا"، ونحوها مما ينهى عنها، وقد ذكر بعضهم كابن القيم في مدارج السالكين 1/373 أن هذا من الشرك الأصغر، وذكر ابن رجب في لطائف المعارف: وظائف شهر صفر ص70 أنه من الشرك الخفي، وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى:{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106] : "قيل: معناها: أنهم يدعون الله ينجيهم من الهلكة، فإذا أنجاهم قال قائلهم: لولا فلان ما نجونا، ولولا الكلب لدخل علينا اللص، ونحو هذا، فيجعلون نعمة الله منسوبة إلى فلان، ووقايته منسوبة إلى الكلب، وقد يقع في هذا القول كثير من عوام المسلمين".
وقد استثنى بعض أهل العلم من هذا الحكم: ما إذا أضاف النعمة إلى سبب صحيح ثابت على سبيل الإخبار لا غير، مع اطمئنان القلب إلى أن المنعم الحقيقي هو الله تعالى، وأن هذا السبب إنما هو من فضل الله وإنعامه، فقالوا: بأن هذا جائز، ولهذا أدلة منها حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، هل نفعت أباطالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم:" هو في ضحضاح من نار، لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار ". رواه البخاري "6208"، ومسلم "209". وينظر الشرك الأصغر ص183-187.
"1" رواه ابن أبي حاتم في تفسيره في تفسير هذه الآية، رقم "230" وسنده حسن.
تندِّدون، وإنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة"، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، ويقولوا: ما شاء الله ثم شئت"1". فأقر النبي صلى الله عليه وسلم هذا اليهودي على تسمية هذا العطف شركاً، وعليه: فإن كان هذا القائل يعتقد أن
"1" رواه الإمام أحمد 6/371، 372، والنسائي في المجتبى: الأيمان "3782"، والطحاوي في مشكل الآثار "328" من طريقين أحدهما صحيح، عن معبد بن خالد عن عبد الله بن يسار عن قتيلة، ورجاله ثقات، وقد صححه الحافظ في الإصابة 4/378.
ورواه بنحوه أخصر منه الإمام أحمد 5/484، وأبوداود "4980"، وابن أبي شيبة: الأدب 9/117، والدعاء 10/346 من طرق عن شعبة عن منصور عن عبد الله بن يسار عن حذيفة. ورجاله ثقات، وقد صححه النووي في الأذكار كتاب حفظ اللسان ص308، وفي رياض الصالحين كتاب الأمور المنهي عنها "1754"، ورجّحه البخاري على حديث قتيلة كما في العلل للترمذي "658".
وله شواهد بنحوه أخصر منه، منها حديث الطفيل بن سخبرة الذي رواه الإمام أحمد 5/72، والحاكم 3/462، وسنده صحيح. ومنها حديث ابن عباس الذي رواه أحمد 1/214، والبخاري في الادب المفرد "783"، وسنده حسن، ولفظه: أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده ". وقد صحح الألباني في السلسلة الصحيحة "136-139" هذه الأحاديث الأربعة.
ما نسبه إلى المخلوق الذي عطفه على اسم الله تعالى بـ"الواو" ليس على سبيل الاستقلال، ولكن نسبه إلى هذا المخلوق لأنه هو المباشر لهذا الأمر لا غير، مع اعتقاده أن الله هو الخالق المقدِّر، فهو شرك أصغر، من أجل هذا اللفظ الذي فيه تشريك. وإن كان يعتقد أن هذا المخلوق مشارك لله تعالى على سبيل الاستقلال، وأن تصرفه في ذلك بدون مشيئة الله تعالى فهو شرك أكبر"1".
"1" مدارج السالكين 1/373، الدر النضيد "مطبوع ضمن الرسائل السلفية ص14، 15"، القول المفيد باب "فلا تجعلوا لله أنداداً"، وباب قول ما شاء الله وشئت، الشرك الأصغر ص166-168.
وينظر: الجامع لمعمر "مطبوع في آخر المصنف لعبد الرزاق 11/27"، الصمت لابن أبي الدنيا 5/215-221، صحيح البخاري مع الفتح: الأَيمان باب لا يقول ما شاء الله وشئت 11/539، 540، مشكل الآثار 1/220، 221، آخر الاعتبار للحازمي ص188، 189، المفهم: الجمعة 2/510-512، شرح السنة: الاستئذان 12/361، شرح الكرماني للبخاري 23/108، مجموع الفتاوى:"رسالة زيارة القبور 27/95"، شرح الطيبي للمشكاة: الآداب باب الأسامي 9/79، إكمال المعلم: الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة 3/275، عمدة القاري 23/180، إعلام الموقعين: الوجه 43 من الأوجه المؤدية إلى المحرّم 3/146، تجريد التوحيد ص65، التيسير، وفتح المجيد، والقول السديد "البابين السابقين"، الدين الخالص 1/413، التوحيد للدهلوي ص76، الشرك ومظاهره للميلي ص50 مرقاة
المثال الثالث من أمثلة الشرك الأصغر في الأقوال: الاستسقاء بالأنواء
الاستسقاء في اللغة: من سقى، يسقي، والمصدر: سَقياً، بفتح السين وتسكين القاف، والاسم: السُّقيا، والمراد: إنزال الغيث"1"، والسين والتاء في "الاستسقاء" تدل على الطلب، أي طلب السقيا، كالاستغفار، فهو طلب المغفرة، فمادة "استفعل"تدل على الطلب غالباً"2".
والأنواء: جمع نوء، وهو النجم، وفي السنة الشمسية ثمانية وعشرون نجماً، كنجم الثريا، ونجم الحوت"3".
فالاستسقاء بالأنواء: أن يُطلب من النجم أن ينزل الغيث، ويدخل فيه أن يُنسب الغيث إلى النجم، كما كان أهل الجاهلية يزعمون، فكانوا إذا نزل مطر في وقت نجم معين نسبوا المطر إلى ذلك النجم،
المفاتيح 4/608 وقد قال الملا علي القاري الحنفي في هذا الموضع: "لو قالوا: ما شاء الله وشاء محمد لكان شركاً جلياً".
"1" معجم مقاييس اللغة، والنهاية "مادة: سقي".
"2" القول المفيد باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء.
"3" ومدة النجم 13 يوماً، وهذه النجوم هي منازل القمر، وفي نهاية كل منزلة يغيب نجم من جهة المغرب، ويطلع نجم من جهة المشرق، وأصل النوء: طلوع النجم، وقيل: غروب النجم، ثم أطلق على نفس النجم.
فيقولون: مطرنا بنوء كذا، أو هذا مطر الوسمي، أو هذا مطر الثريا، ويزعمون أن النجم هو الذي أنزل هذا الغيث "1".
والاستسقاء بالأنواء ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن ينسب المطر إلى النجم معتقداً أنه هو المنزل للغيث بدون مشيئة الله وفعله جلّ وعلا، فهذا شرك أكبر بالإجماع"2".
القسم الثاني: أن ينسب المطر إلى النوء معتقداً أن الله جعل هذا النجم سبباً في نزول هذا الغيث، فهذا من الشرك الأصغر"3"؛ لأنه
"1" ينظر: التمهيد 16/287، 288، شرح السنة 4/420، شرح النووي لصحيح مسلم 2/61، النهاية "مادة: نوأ "، جامع الأصول: النجوم 11/577، 578.
"2" قال في الفروع 2/163: "وإضافة المطر إلى النوء دون الله كفر إجماعاً ". وهذا شرك في الربوبية، ومن الشرك الأكبر في هذا الباب: أن يدعو النجم أن ينزل الغيث، فهذا شرك أكبر في الربوبية والألوهية، وقد سبق الكلام على نحو من هذا عند الكلام على شرك الدعاء في الباب السابق، وينظر الأم 1/252، الأنواء لابن قتيبة، التمهيد 16/268، إكمال المعلم 1/330، شرح مسلم للنووي 2/60، الأذكار للنووي ص308، تنبيه الغافلين ص192، مغني المحتاج 1/326، الفتاوى الكبرى 1/393، لطائف المعارف ص70.
"3" بعض العلماء يسمي هذا الشرك بـ"كفر النعمة"؛ لأنه نسب إنعام الله تعالى عليه بالغيث إلى النجم، وجعله سبباً في ذلك، مع أن الله لم يجعله سبباً. وينظر: إكمال
جعل ما ليس بسبب سبباً"1"، فالله تعالى لم يجعل شيئاً من النجوم سبباً في نزول الأمطار، ولا صلة للنجوم بنزولها بأي وجه، وإنما أجرى الله العادة بنزول بعض الأمطار في وقت بعض النجوم.
وقد وردت أدلة كثيرة تدل على تحريم الاستسقاء بالأنواء، ومنها:
1-
ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مُطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر. قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا ". قال: فنزلت هذه الآية: {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [الواقعة:75] حتى بلغ: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} "2"، ومعنى الآية الأخيرة: أنكم تجعلون شكر ما أنعم الله به عليكم من الغيث أنكم تُكذّبون بذلك، وذلك بنسبة إنزال الغيث إلى غير الله تعالى"3".
المعلم 1/332، شرح مسلم للنووي 2/61، الفروع 2/163، لطائف المعارف: وظيفة شهر صفر ص70، التيسير ص402.
"1" القول المفيد باب ماجاء في الاستسقاء بالأنواء 2/19.
"2" صحيح مسلم: الإيمان، باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء "73".
"3" ينظر تفسير ابن جرير، وتفسير القرطبي، وتفسير ابن كثير، وتفسير الشوكاني للآية 82 من سورة الواقعة، المفهم 1/261، إكمال المعلم 1/333.
2-
ما رواه البخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل"1"، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال:" هل تدرون ماذا قال ربكم؟ "قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافرٌ بي مؤمن بالكوكب ""2". وهذا الحديث يشمل على الصحيح النوعين السابقين، فهذا القول كفر، لكن إن نسب الغيث إلى النجم من دون الله فهو كفر وشرك أكبر، وإن نسبه إليه نسبة تسبب فهو كفر نعمة وشرك أصغر"3".
"1" أي بعد مطر نزل في الليل، وسمى المطر سماءً لأنه ينزل من السماء. ينظر: شرح السنة 4/420.
"2" صحيح البخاري "846"، وصحيح مسلم "71". وله شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم "72"، ومن حديث معاوية الليثي عند أحمد "3/429" وسنده حسن.
"3" التمهيد 16/286، ولهذا قال كثير من العلماء: إن الحديث يحتمل الأمرين. ينظر الأم 1/252، المنتقى 1/334، المفهم 2/261، جامع الأصول 11/578، شرح مسلم للنووي 2/60، الفتح: آخر الاستسقاء 2/524.
3-
ما رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري مرفوعاً: "أربعٌ في أمّتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة ""1".
هذا وإذا قال المسلم: "مُطرنا بنوء كذا وكذا "ومقصده أن الله أنزل المطر في وقت هذا النجم"2"، معتقداً أنه ليس للنجم أدنى تأثير لا استقلالاً ولا تسبباً فقد اختلف أهل العلم في حكم هذا اللفظ: فقيل: هو محرم"3".
وقيل: مكروه"4". وقيل: مباح"5"، ولا شك أن هذا اللفظ ينبغي
"1" صحيح مسلم: الجنائز "934".
"2" لأن الباء تأتي للظرفية بمعنى "في"، كما في قوله تعالى:{وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} أي: وفي الليل، وكما في قوله تعالى:{نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ} [القمر:34]، لكن الباء أظهر في كونها للسببية. ينظر: مغني اللبيب 1/121، القول المفيد 2/31.
"3" الفروع: صلاة الاستسقاء 1/163، التيسير وفتح المجيد باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء، وينظر كلام ابن قتيبة وكلام الباجي وكلام ابن العربي وكلام القاضي عياض التي سيأتي نقلها قريباً – إن شاء الله تعالى -.
"4" الأذكار للنووي ص308، شرح مسلم للنووي 2/61، وينظر كلام الإمام الشافعي الذي سيأتي قريباً –إن شاء الله تعالى-.
"5" شرح السنة: الاستسقاء 4/421، النهاية "مادة: نوأ"؛ جامع الأصول: النجوم 11/578.
تركه، واستبداله بالألفاظ الأخرى التي لا إيهام فيها، فإما أن يقول:"مطرنا بفضل الله ورحمته"، أو يقول:"هذه رحمة الله"، وهذا هو الذي ورد الثناء على من قاله، كما سبق في النصوص، فهو أولى من غيره، وإما أن يقول:"هذا مطر أنزله الله في وقت نجم كذا"، أو يقول:"مطرنا في نوء كذا""1"، ونحو ذلك من العبارات الصريحة التي لا لبس ولا إشكال فيها، فقول "مطرنا بنوء كذا "أقل أحواله الكراهة الشديدة، والقول بالتحريم قول قوي، لما يلي:
1-
أنه قد جاء الحديث القدسي مطلقاً بعيب قائلي هذا اللفظ، وباعتبار قولهم كفراً بالله تعالى، وإيماناً بالكوكب"2".
"1" مغني المحتاج: صلاة الاستسقاء 1/326، الفروع 1/163، الإنصاف 5/439.
"2" قال الإمام الشافعي في "الأم": الاستسقاء: كراهية الاستمطار بالأنواء 1/252: "من قال: "مطرنا بنوء كذا" على معنى: مطرنا بوقت كذا فإنما ذلك كقوله: مطرنا في شهر كذا. ولا يكون هذا كفراً، وغيره من الكلام أحب إلي منه". قال الحافظ ابن حجر في الفتح: الاستسقاء باب قول الله تعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} 2/523 بعد نقله لكلام الإمام الشافعي السابق: "يعني حسماً للمادة، وعلى ذلك يحمل إطلاق الحديث"، وقال الإمام ابن قتيبة في "الأنواء"كما في الفتح 2/524: "وإن اعتقد أن ذلك من قبيل التجربة فليس بشرك، لكن يجوز إطلاق الكفر عليه وإرادة كفر النعمة؛ لأنه لم يقع في شيء من طرق الحديث
2-
أن هذا القول ذريعة إلى الوقوع في الاعتقاد الشركي، فاعتياد الناس عليه في عصر قد يُؤدي بجُهَّالهم أو بمن يأتي بعدهم إلى الوقوع في الاستسقاء الشركي بالأنواء"1".
3-
أنه لفظ موهم لاعتقاد فاسد"2".
4 -
أن فيه استبدالاً للفظ المندوب إليه شرعاً في هذه الحال، وهو قول:" مطرنا بفضل الله ورحمته "بلفظ من ألفاظ المشركين، ففي هذا ترك للسنة وتشبّهٌ بالمشركين، وقد نُهينا عن التشبه بهم"3".
بين الكفر والشرك واسطة، فيُحمل الكفر فيه على المعنيين لتناول الأمرين"، وقال الباجي المالكي في المنتقى: الاستسقاء 1/335: "هذا اللفظ لا يجوز إطلاقه بوجه، وإن لم يعتقد قائله ما ذكرناه، لورود الشرع بالمنع منه، ولما فيه من إيهام السامع ما تقدم ذكره"، وينظر كلام القرطبي الآتي قريباً - إن شاء الله تعالى-.
"1" ينظر قول الحافظ ابن حجر السابق، وقول القرطبي الآتي.
"2" ينظر قول الباجي الذي سبق نقله قريباً، وينظر فتح المجيد ص373.
"3" قال القرطبي في المفهم: الإيمان باب نسبة الاختراع إلى غير الله حقيقة كفر 1/259، 260:"من اعتقد أن الله تعالى هو الذي خلق المطر واخترعه، ثم تكلم بذلك القول فليس بكافر، ولكنه مخطئ من وجهين: أحدهما: أنه خالف الشرع؛ فإنه قد حذر من ذلك الإطلاق. وثانيهما: أنه قد تشبه بأهل الكفر في قولهم، وذلك لا يجوز، لأنا قد أمرنا بمخالفتهم، فقال: " خالفوا المشركين "، و " خالفوا
هذا وهناك أمثلة أخرى كثيرة للشرك الأصغر تركتها خشية الإطالة، ومن ذلك التسمي بالأسماء التي فيها تعظيم لا يليق إلا بالله تعالى، كملك الملوك، وقاضي القضاة ونحوهما"1"، ومنها التسمّي
اليهود "، ونهينا عن التشبه بهم، وذلك يقتضي الأمر بمخالفتهم في الأقوال والأفعال علىما يأتي إن شاء الله تعالى؛ ولأن الله تعالى قد منعنا من التشبه بهم في النطق بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا} لما كان اليهود يقولون تلك الكلمة للنبي صلى الله عليه وسلم يقصدون ترعينه منعنا الله من إطلاقها وقولها للنبي صلى الله عليه وسلم وإن قصدنا بها الخير، سدّاً للذريعة، ومنعاً من التشبه بهم.."ثم ذكر القرطبي مقولة المشركين السابقة عند نزول الغيث وبَيَّنَ اعتقادهم الشركي في ذلك، ثم قال:"فنهى الشرع عن إطلاق ذلك، لئلا يعتقد أحد اعتقادهم، ولا يتشبه بهم في نطقهم"، وقال القاضي عياض في إكمال المعلم 1/332:"فأما القول "مطرنا بنوء كذا" وإن لم يعتقد قائله تأثير النجوم وفعلها ففيه مشابهة لقول من يعتقد قائله ذلك، والشرع قد حرّم التشبّه بالكفار، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا} إذ كانت كلمة اليهود والمنافقين معرضين بها".
"1" وقد روى البخاري "6205"، ومسلم "2143" عن أبي هريرة مرفوعاً:" أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه وأغيظه عليه: رجل كان يسمى: ملك الأملاك، لا ملك إلا الله ". وينظر التيسير، وفتح المجيد، والقول السديد، والقول المفيد باب
بأسماء الله تعالى"1"، ومنها التسمِّي باسم فيه تعبيد لغير الله تعالى، كعبد الرسول، وعبد الحسين، ونحوهما"2"،
التسمي بقاضي القضاة ونحوه، وباب احترام أسماء الله تعالى، الشرك الأصغر ص169-171.
"1" وقد قيل: إن النهي إنما يكون إذا لوحظت الصفة عند التسمية، كما في قصة "أبي الحكم"الذي غير النبي صلى الله عليه وسلم كنيته بعد أن ذكر أن سبب تكنيته بذلك هو حكمه بين قومه. والحديث رواه أبوداود "4955"، والنسائي "5402" وإسناده حسن. وقد كنَّاه النبي صلى الله عليه وسلم بأبي شريح، وهو أكبر أولاده. فعلى هذا إذا كان الاسم لمجرد العلمية فلا بأس. وينظر: معالم السنن 7/256، النهاية "مادة: حكم"، شرح الطيبي للمشكاة: الآداب باب الأسامي 9/75، الشرك الأصغر ص172، 173. وتنظر في أسماء الله تعالى الخاصة به المراجع المذكورة فيما سبق في أول الكلام على الحلف بغير الله.
"2" ولهذا غيَّر النبي صلى الله عليه وسلم أسماء من اسلم من الصحابة، وكان اسمه معبَّداً لغيرالله، وقد جمع هذه الأسماء التي غيَّرها النبي صلى الله عليه وسلم الشيخ بكر أبوزيد في كتاب "معجم المناهي اللفظية"ص225-234، وخرّج الأحاديث الواردة فيها. وقد حكى ابن حزم في مراتب الإجماع باب الصيد والضحايا والذبائح والعقيقة ص179 الإجماع على تحريم كل اسم معبّد لغير الله، عدا عبد المطلب. ولعل استثناء هذا الاسم "عبد المطلب"من أجل أن التعبيد فيه المراد به عبودية الرق لا غير، كما هو معروف في سبب تسميته بهذا الاسم، حيث ظن بعض من رآه في صغره أنه عبد للمطلب، فسموه "عبد المطلب" ينظر: شأن الدعاء للخطابي ص84، 85. وينظر تحفة المودود ص73.
ومنها بعض صور التبرك البدعي"1"، ومنها التصوير لذوات الأرواح إذا كان فيه نوع تعظيم"2"، ومنها سبّ الدهر"3"، ومنها الحكم بغير
وقد ألحق بعض أهل العلم بذلك اسم: "غلام رسول"لأن "غلام"في اللغة الأردية بمعنى "عبد". ينظر الدين الخالص 2/213، فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم 1/176، 177.
أما قول السيد لعبده "عبدي"فقد ورد النهي عنه في حديث مرفوع في صحيح البخاري "2552"، وصحيح مسلم "224"، لكن حكى ابن حجر في الفتح: العتق باب كراهة التطاول على الرقيق 5/178 الاتفاق على أن النهي للتنزيه، وحمل بعض العلماء النهي على أن المقصود من النهي هو الإكثار من استعمال هذا اللفظ وما يشبهه، أو أن ذلك في حق من استعملها على سبيل التعاظم. ينظر: المفهم 5/552-555، شرح النووي لصحيح مسلم 15/6، 7، شرح الطيبي: الآداب 9/72، التيسير، وفتح المجيد، والقول المفيد باب لا يقول: عبدي وأمَتي، الشرك الأصغر 174-181.
"1" ينظر ما سبق عند الكلام على بدعة التبرك في فصل "وسائل الشرك"وهو الفصل الأول من هذا الباب.
"2" ينظر ما سبق عند الكلام على الغلو في الصالحين في فصل "وسائل الشرك"وهو الفصل الأول من هذا الباب.
"3" روى البخاري "4826"، ومسلم "2246" عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكيه عن ربه تعالى:"يُؤذيني ابن آدم، يسبّ الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلّب الليل والنهار". فالله هو الفاعل حقيقة، فمن سبّ الدهر فقد سبّ الله، وسبّ الدهر
ما أنزل الله، وبالأخص إذا كان في قضية واحدة"1".
يكون من الشرك الأصغر في حق من سبَّ الدهر وهو يعتقد عدم تأثيره، فالشرك من أجل اللفظ الذي فيه نوع تشريك بين الله وبين الدهر في الفعل والتأثير، أما إن كان الساب للدهر يعتقد ما يعتقده أهل الجاهلية من تأثير الدهر وفعله من دون الله، كما أخبر الله تعالى عنهم أنهم يقولون:{وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية:24] فهو شرك أكبر. وينظر: الأسماء والصفات للبيهقي 1/378، زاد المعاد 2/355، فتح الباري: تفسير سورة الجاثية 8/574، 575، الشرك الأصغر ص197-200.
"1" ينظر ما سبق في الباب السابق عند الكلام على الشرك في الحكم والطاعة.