المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الزواج من رجل شيعي أو امرأة شيعية - رسائل السنة والشيعة لرشيد رضا - جـ ٢

[محمد رشيد رضا]

فهرس الكتاب

- ‌الحق أن علياً كرم الله وجهه كان مكلفا بتليغ أمر خاص

- ‌ قو

- ‌الكلمة الأولى في الهجرة المحمدية

- ‌الكلمة الثانية مناقب الصديق في قصة الهجرة:

- ‌(الأولى) :

- ‌(الرابعة) :

- ‌(السابعة) :

- ‌(الثامنة) :

- ‌المعية الإلهية معنى إضافي يختلف باختلاف موضوعه ومتعلقه

- ‌(الثانية عشرة) :

- ‌(الثالثة عشرة) :

- ‌الكلمة الثالثة(تفنيد مراء الروافض

- ‌تفنيد شبهتهم على منقبة {ثاني اثنين} :

- ‌ من أكبر جنايات الروافض على الإسلام والمسلمين أنهم جعلوا أبا بكر وعليا رضي الله عنهما خصمين

- ‌تفنيد شبهتهم على نهيه عن الحزن

- ‌تفنيد تحريفهم لقوله {إن الله معنا}

- ‌ت ف

- ‌السنة والشيعة وضرورة اتفاقهما

- ‌ الزواج من رجل شيعي أو امرأة شيعية

- ‌جواب صاحب المنار

- ‌المناظرة بين أهل السنة والشيعة

- ‌الرسالة الأولى: للعلامة السيد عبد الحسين شرف الدين

- ‌ مشاربه

- ‌مطالبة علماء الشيعة برأيهم في دعوى المناظرة:

- ‌كتاب ورسالة من سائح شيعي أديب

- ‌س ال

- ‌السنة والشيعةالاتفاق بينهما والوسيلة إليهورأينا ورأي علامة الشيعة فيه

- ‌جواب العلامة آل كاشف الغطاء

- ‌تعليقنا الوجيز على هذه الدعوى وأدلته

الفصل: ‌ الزواج من رجل شيعي أو امرأة شيعية

أقسم عليه يمينًا مغلظة أنه لولا علي بن أبي طالب لقتل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقم للإسلام قائمة في الأرض، بالرغم من وعد الله تعالى بنصره، وإظهار دينه على الدين كله.. إلخ، فهل يريد المستنكر من إخواننا أن نسكت لهؤلاء على كل هذا الطعن فيكون سكوتنا حجة على أهل السنة كافة، ومعصية يأثمون بها كلهم، ولا يزيد الشيعة إلا يقينًا بضلالهم، وبُعدًا عن الاتفاق معهم؟!

وقد أخبرني مَن بلَّغني ما تقدم من الاستنكار أن بعض مسلمي بيروت استفتاني في تزوج كل من أهل السنة والشيعة في الآخرين ولم أفتِهِ بشيء. وأقول:

إن هذا الاستفتاء لم يصل إليَّ، وإنني كنت استُفتيت في مثله من قبل؛ إذ خطب أحد كبار الإيرانيين بمصر فتاة من بيت بعض كبراء المصريين فأرسل الحريم يستفتوني في ذلك سرًّا فأفتيت بالجواز، واستدللت بأن هذا الخاطب من الشيعة الإمامية وهم مسلمون، لا من البابية ولا البهائية المارقين من الإسلام، وإنما يمتنع تزويج هؤلاء، والتزوج فيهم. (1)

(1) لا يخلو‌

‌ الزواج من رجل شيعي أو امرأة شيعية

من ثلاث حالات:

الأولى: أن يكون في معتقده أو معتقدها ما هو كفر مخرج عن الملة، فلا يجوز الزواج منها، ولا ينعقد لفساد العقد، نظراً لاختلاف الملتين، قال سبحانه {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} .

الثانية: أن يكون الرجل واقعاً أو المرأة واقعة في بعض البدع اعتقاداً وعملاً مما هو دون الكفر، والذي يظهر تحريم الزواج منها في هذه الحالة كذلك - لا لحرمة العقد ذاته - وإنما لما يترتب على ذلك من مفاسد شرعية واجتماعية كثيرة عليه وعلى أولاده، والشريعة جاءت بِسَدّ باب الذرائع، وإغلاق باب الفتن وواقع الحال يؤكد ذلك.

الثالثة: أن يعزم أو تعزم على ترك ما سبق في الحالتين السابقتين، وأن يلتزم أو تلتزم بمنهج أهل السنة والجماعة، فإذا تم التحقق من صدق التوبة، وسلامة المقصد جاز.

على أن الأصل في هذه المسألة هو الحذر، وسدّ الذرائع؛ حتى لا يترتب على ذلك مفاسد قد لا تكون ظاهرة في حينها، فالحرص على الزواج منه أو منها قد ينسيه تلك المفاسد، هذا إضافة إلى أنه قد يكون تعامل الرجل أو المرأة بالتقية، أو قد يكون التغير والتأثر بالمذهب في وقت لاحق؛ ولذا لا بد من دراسة هذا الأمر دراسة متأنية، واستشارة العلماء والعقلاء، حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها، والله أعلم. " بتصرف واختصار من فتوى للشيخ ناصر العمر "

ص: 116

وأما رأيي في الاتفاق فهو قاعدة المنار الذهبية التي بيناها مرارًا وهي:

(أن نتعاون على ما نتفق عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما نختلف فيه)(1)

، فأهل السنة متفقون مع الشيعة على أركان الإسلام الخمسة، وعلى تحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وعلى محبة آل البيت عليهم السلام وتعظيمهم، وعلى جميع المصالح الوطنية من سياسية واقتصادية، وفي البلاد العربية على إعلاء شأن الأمة العربية ولغتها.. إلخ واستقلال بلادها وعمرانها، فيجب أن يتعاونوا على ذلك كله.

وهم يختلفون في مسألة الإمامة (وقد مضى وانقضى الزمن الذي كان فيه هذا الخلاف عمليًّا) وفي المفاضلة بين الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وفي عصمة الأئمة الاثني عشر، مع مسائل أخرى تتعلق بصفات الله تعالى وفيما دون ذلك من الفروع العملية، فلكلٍّ من الفريقين أن يعتقد ما يطمئن إليه قلبه، ويعمل بما يقوم عنده الدليل على ترجيحه أو يقلد فيه من يثق بهم من العلماء، وأن يبين ذلك قولاً وكتابةً من غير طعن في عقيدة الآخر ولا في الصحابة وأئمة العلماء المجتهدين والمحدثين.

كما فعل بعض

(1) نعم يجب أن نتعاون فيما اتفقنا عليه من نصر الحق والدعوة إليه والتحذير مما نهى الله عنه ورسوله، أما عذر بعضنا لبعض فيما اختلفنا فيه فليس على إطلاقه بل هو محل تفصيل، فما كان من مسائل الاجتهاد التي يخفى دليلها فالواجب عدم الإنكار فيها من بعضنا على بعض، أما ما خالف النص من الكتاب والسنة، فالواجب الإنكار على من خالف النص بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن عملا بقوله تعالى {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} وقوله سبحانه {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ الآية} وقوله عز وجل {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم (49) :((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) ، وقوله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم أيضاً (1893) :((من دل على خير فله مثل أجر فاعله أخرجهما مسلم في صحيحه)) . والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

وإذا كان العاقل هو من يتلمح العواقب؛ فكيف يُسكت - إذا كان السكوت هو مقتضى المعذرة - عن خلاف يُفضي لرواج البدع والأهواء والأخطاء والضلالات؟! قال ابن قتيبة رحمه الله: ((وإنما يقوى الباطل بالسكوت عنه)) ، فالوحدة والجماعة في شرعنا لا ينبغي أن تبنى على مداراة الباطل وكتمان الحق حفاظاً على المشاعر، فيكون التسالم على ترك المعروف وإقرار المنكر. بل على العكس؛ فإن هذا هو أساس الفرقة مهما بدا أصحابه في ظاهرهم مجتمعين موحدين! ورحم الله القائل:

لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم

وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا

ص: 117

أدبائهم في قصائد نظمها في مدح الأئمة وشرحها وجعل مقدمتها في بيان العقيدة الإسلامية عندهم، وفيها ما لا يوافقهم عليه أهل السنة، ولا يكفرونهم به. ولم ينكر ذلك عليه أحد منهم. فيجب على محبي الاتفاق أن يقنعوهم بقاعدتنا ويؤلفوا جمعية أو حزبًا من الطائفتين للعمل بمقتضاها، بالرغم من زعم مجلة المشرق اليسوعية أن الاتفاق متعذر، واستدلالها عليه بالمناظرة التي دارت بين المنار والعرفان، وما كان صاحباها إلا أخوان، ولا يتعذر عليهما العودة إلى ما كانا عليه بمقتضى هذه القاعدة.

هذا، وإننا لا نعرف أحدًا من علماء أهل السنة المتقدمين ولا المعاصرين يطعن في أحد من أئمة آل البيت عليهم السلام، كما يطعن هؤلاء الروافض في الصحابة الكرام، ولا سيما أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وفي أئمة حفاظ السنة كالبخاري ومسلم، وكذا الإمام أحمد إمام السنة وشيخ كبار حفاظها وشيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ الذهبي وابن حجر وغيرهم، فإنهم يعدونهم من النواصب لعدم موافقتهم لجهلة الروافض على ما يفترونه من

ص: 118

الغلو في مناقب آل البيت (1)

، وقد أغناهم الله عن اختلاق المناقب لهم بكثرة مناقبهم الصحيحة الثابتة بالنقل الصحيح.

وحفاظ السنة ومدونوها هم المرجع في هذا، وكل مَن خالفهم من المبتدعة فهم جاهلون بنقد الروايات، والروافض منهم أجهلهم بهذا العلم، وأكذبهم في النقل، كما هو مشهور عنهم في التاريخ، وقد ذكره أحد علماء ألمانية المستشرقين في كتاب له، وإنما النواصب أولئك الخوارج الذين يتبرؤون من علي كرم الله وجهه، وكذلك مَن يتولون مَن بغوا عليه ومَن قتلوا سبط الرسول صلى الله عليه وسلم أو يصوبون أعمالهم، لا أئمة السنة الذين محّصوا رواياتها، وبينوا درجاتها.

ونذكر على سبيل النموذج لجهلهم بالحديث ما انتقدته مجلة العرفان على مجلة الشبان المسلمين المصرية من الثناء على معز الإسلام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وما أوردته فيه من هذه النقول وكنت قد كتبته للجزء الماضي فلم يتسع له وهو:

(1) الصورة العالقة في أذهان كثير من الشيعة أنهم وحدهم الذين يحبون أهل البيت ويتولونهم وأنّ من ينتسب إلى أهل السنة ناصبي مبغض لأهل البيت أو في أحسن أحواله محب لأعداء أهل البيت!

وقد ألف يوسف البحراني - الذي ترجم له آية الله جعفر السبحاني في "تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره ص403" بقوله: (هو المحدّث الكبير، والفقيه المتبحّر، الجامع بين التوغّل في الحديث والاِحاطة بالفروع) - كتاباً أسماه الشهاب الثاقب في معنى الناصب يقول فيه ص144: ((وبالجملة فالمستفاد من الأخبار أنّ محبتهم عليهم السلام يعني الأئمة الاثنا عشر - إنما هي عبارة عن القول بإمامتهم، وجعلهم في مرتبتهم، وأنّ اعتقاد تأخيرهم عن تلك المرتبة وتقديم غيرهم عليهم بغض وعداوة لهم صلوات الله عليهم، فما يدّعيه بعض المخالفين من المحبة أو يدّعيه بعض أصحابنا لهم، دعوى لا دليل لها ولا برهان بل الدليل على خلافها واضح البيان، كما دريته من أمثال هذه الأخبار الحسان)) . اهـ

ويقول نعمة الله الجزائري في "الأنوار النعمانية 2/307" ما نصه: ((ويؤيد هذا المعنى أنّ الأئمة عليهم السلام وخواصهم أطلقوا لفظ الناصبي على أبي حنيفة وأمثاله مع أنّ أبا حنيفة لم يكن ممن نصب العداوة لأهل البيت عليهم السلام بل كان له انقطاع إليهم وكان يُظهر لهم التودد)) . اهـ

ولن تجد مغالياً في الحب يرضى بحب من لم يكن مغالياً مثله.

ص: 119

((علم عمر وعلي رضي الله عنهما بالدين والقضاء بين مجلة الشبان المسلمين ومجلة العرفان)) .

لا يطيق أحد من الشيعة المتعصبين أن يرى في كتاب أو مجلة ثناءًا عظيمًا على أبي بكر أو عمر رضي الله عنهما ولا سيما إذا كان فيه صيغة اسم التفضيل، مع العلم بأن اسم التفضيل كثيرًا ما يستعمل في التفضيل الإضافي أو بتقدير من التبعيضية. (1)

وقد كتب الأستاذ الدكتور يحيى أحمد الدرديري مقالة في مجلة جمعية الشبان المسلمين في الثناء على عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال فيها: كان عمر رضي الله عنه أعلم الصحابة بالدين وأفقههم فيه. فنقل عنه الأستاذ صاحب مجلة العرفان نبذة منها وعلق على هذه الجملة ردًّا عليها لعله لم ينقلها إلا لذلك قال: هذا منافٍ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أقضاكم علي)(2) وقوله: (أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها) وقول عمر نفسه: (لولا عليٌّ لهلك عمر)(3) ، (ولا كنت لقضية ليس لها أبو الحسن)(4)

اهـ.

ونقول في الرد على الأستاذ صاحب مجلة العرفان: إن الحديثين

(1) إنّ المشكلة الحقيقية التي تعتري هذا النوع من العقول هي أنها عقول لا تريد أن تفهم، وإنما بُرمجت منذ أمد بعيد على أن ترى الإمام علياً فوق مستوى البشرية، وأن لا تقبل الحقيقة كما هي، وقد بُرمِجوا - أو لِنقل برمَجوا أنفسهم - على أنّ أعداءهم الأولين والآخرين هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين صاهر منهم من صاهر وقرّب منهم من قرّب واختص منهم من اختص!

(2)

أخرجه ابن ماجه (154) عن أنس رضي الله عنه لكن بلفظ: ((أرحم أمتي أبو بكر

وأقضاهم علي)) ، وهو ضعيف والصواب إرساله كما ذكر ذلك الحاكم في معرفة علوم الحديث (ص 174 ط: العلمية) ، وقد برهن على ذلك بكلام علمي نافع الحافظ الشاب محمد ابن عبد الهادي رحمه الله حيث ألف جزءاً خاصاً في إثبات هذا الأمر.

(3)

سبب قول عمر رضي الله عنه فيما يروون - أن عمر رضي الله عنه أمر برجم مجنونة فقال له علي رضي الله عنه: ((إن القلم رفع عن المجنون حتى يفيق..)) فأمسك عمر وقال: ((لولا على لهلك عمر)) وقال شيخ الإسلام في منهاج السنة عن هذه العبارة: ((والجواب: أن هذه الزيادة ليست معروفة في هذا الحديث)) .

وممن أشار إلى - تلك الزيادة دون ذكر إسنادها - ابن عبد البر في الاستيعاب (3/1103) ، وقد ذكر المحب الطبري في الرياض النضرة جـ2 ص (161) قصة أخرى وعزاها إلى كتاب العقيلي وهو في الضعفاء أصلاً، وإلى ابن السمان في الموافقة ولا يوجد منه إلا مختصره للزمخشري.

(4)

أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (2/339) عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس فيها أبو حسن.

وفي سنده: "مؤمل بن إسماعيل" قال البخاري: (منكر الحديث) . انظر: لسان الميزان (7/472) .

وهاتين العبارتين على - فرض صحتهما - تدلان على الأهمية والمكانة والرأي المعتبر لعلي رضي الله عنه لدى من سبقه من الخلفاء، كما أنها تتعارض تماماً مع دعو أنهم أبعدوا علي بن أبي طالب فنبذوه وتركوه حبيس داره، ولم يشركوه في شئ من أمرهم طيلة ربع قرن، ليذلوه ويحقروه، ويبعدوا الناس عنه!

لكن هل نظر القوم إلى هذه العبارة - على فرض صحتها - تلك النظرة التي أشرتُ إليها، كلا بل على العكس! حيث استعملوها بالمقلوب واعتبروها أدلة على جهل عمر

ص: 120

اللذين ذكرهما وهما مما يحفظه كل شيعي -وكثير من غير الشيعة- ليس لهما رواية صحيحة ولا حسنة، ولو فرضنا صحتهما لما كانا معارضين لقول مَن قال: كان عمر أعلم الصحابة.

أما العلم والقضاء فإنه يجوز عقلاً أن يكون عمر أعلم بأصول الدين ومقاصده وحكمه وسياسته، ولا يكون مع ذلك أقضى الصحابة، وأن يكون علي أقضاهم أي أعلم بالفصل بين الخصوم وتطبيق قضاياهم على أحكام الشرع، ولا يكون مع ذلك أعلم من عمر به (1) ، وقد كان أبو يوسف أقضى من أستاذه أبي حنيفة وزميله محمد بن الحسن ولم يكن أعلم منهما، ومثل هذا كثير مشاهَد في كل زمان.

كان الشيخ محمود نشابة في طرابُلس الشام أعلم من أحمد أفندي سلطان بكل علوم الشرع وكان أحمد أفندي أقضى منه، بل لم يكن الشيخ محمود نشابة علامة سورية في زمنه الذي أدركناه في آخره مستعدًّا لأن يكون قاضيًا.

وأما حديث: (أنا مدينة العلم وعلي بابها)(2) فليس بينه - على تقدير صحته - وبين ما قاله الكاتب في تفضيل عمر أدنى تعارض ولا منافاة؛ إذ المتبادر من معناه أن عليًّا رضي الله عنه موصل إلى علم

(1) الغاية من استدلال الشيعة بهذا الحديث ليس مجرد إثبات أعلمية علي رضي الله عنه على جميع الصحابة فحسب، وإنما التوسل بذلك إلى إثبات كونه هو الأولى بالخلافة ممن سبقه من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، والاستدلال به على ذلك باطل؛ إذ أنه لو كان كل من تميز بالقضاء تكون له الأولوية بالخلافة لزاحم القضاء منصب الإمامة، فهل يقبل الشيعة أن يكون لمنصب القضاء منزلة تداني منزلة إمامة المسلمين الكبرى؟ هل يقبلون أن يقال بأن من كان أفضل الناس قضاء في إيران - مثلا - وجب أن تكون له الأولوية على خامنئي؟!

(2)

أخرجه بهذا اللفظ الحاكم في المستدرك (3/126)، والطبراني في الكبير (11 / 65 وقال يحي بن معين: هذا الحديث كذب ليس له أصل، وقال ابن عدى: هذا الحديث موضوع يعرف بأبي الصلت، وقال أبو حاتم بن حبان: هذا خبر لا أصل له عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم، وسئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: قبح الله أبا الصلت. وقال البخاري: ليس له وجه صحيح. وقال الدارقطني: مضطرب غير ثابت. انظر أقوالهم في كتاب الموضوعات لابن الجوزي 1/265، والمقاصد الحسنة للسخاوي ص170، وكشف الخفاء للعجلوني 1/205، وسيذكر المصنف بعضها، وقد توسَّع الشيخ الألباني رحمه الله في الكلام على الحديث وبيان بطلانه في السلسلة الضعيفة برقم:(2955) .

ص: 121

النبي صلى الله عليه وسلم بالرواية للسنة والتفسير للقرآن والعمل بهما، وهذا المعنى صحيح في نفسه، معلوم من جملة سيرته كرم الله وجهه، وإن كان الحديث المذكور غير صحيح، ليس في لفظه ما يدل على أنه أعلم بما كان في هذه المدينة من كل مَن كان فيها، ولا برواية ذلك العلم وتفسيره أيضًا. وإلا لحكمنا بأن كل ما رُوي عن غيره كرم الله وجهه من الحديث والتفسير والأحكام فليس من علم النبوة. ولم يقل بهذا رافضي ولا غيره. (1)

والحديث رواه الحاكم في مستدركه من طريق أبي الصلت بن عبد السلام بن صالح عن ابن عباس وتتمته (.. فمَن أراد المدينة فليأتِ الباب) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأبو الصلت ثقة مأمون. ونقل توثيقه عن يحيى بن معين، وتعقبه الحافظ الذهبي في تلخيص المستدرك فقال ردًّا على قوله (صحيح) : بل موضوع. قال: (أبو الصلت ثقة مأمون) قلت (2) : لا والله لا ثقة ولا مأمون اهـ.

وتصحيح الحاكم للأحاديث لا يعتمد عليه أحد من المحدثين؛ فقد صحح كثيرًا من الضعاف والمنكرات وكذا

(1) كما أن في هذا الحديث مخالفة لقوله تعالى {إني رسول الله إليكم جميعاً} وقال تعالى {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} فإذا كان علم النبي صلى الله عليه وسلم ممنوعاً عن الناس ولا يناله غير علي، ومن ثم يكون هو الباب الذي يبلغه، لصار علي هو الرحمة للعالمين! والله تعالى يقول في سورة المائدة:{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} وحذف المعمول يدل على العموم، قال العلامة محمد تقي الدين الهلالي رحمه الله في الهدية الهادية للطائفى التجانية: ((أي: بلغ ما أنزل إليك من ربك جميع الناس لا عليا وحده الذي هو باب المدينة، وسائر الناس يجب أن يأخذوا العلم من علي وغلاة الشيعة يوافقون التجانيين، أو يوافقهم التجانيون في أنه لا يصل شيء من العلم إلى أحد إلا من علي، وقد صرح لي بذلك الشيخ عبد المحسن الكاظمي في المحمرة، التي تسمى اليوم بالفارسية، خرم شهر أي مدينة التمر حين ناظرته في الحسينية وهي دار يجتمعون فيها للبكاء على الحسين بن علي رضي الله عنهما فإنه احتج عليَّ بالحديث المتقدم، وقال إنه متواتر عندنا وعندكم قلت له أما عندنا فهو ضعيف أو موضوع، وقلت له أما معناه: فإن أريد به علي أحد أبواب هذه المدينة فهو صحيح، وإن أريد به أنه لا باب لهذه المدينة إلا علي فهو باطل، فإن أبوبها كثيرة، فقد أمر الله نبيه أن يبلغ الرسالة جميع الناس وذكرت له آية المائدة

)) . اهـ

ثم لا أدري كيف يقول الغلاة من الشيعة الاثنا عشرية: إن (علياً باب مدينة محمد) مع أنهم يوردون في كتبهم - على سبيل الاحتجاج والاستشهاد - أن الله تبارك وتعالى قال: (لولا علي لما خُلق محمد) أصلاً!! فإنه إذا كان علي هو العلة الغائية من خلق محمد كما ترويه كتبهم، فالعقل والمنطق يقتضي أن يكون هو الباب لعلي وليس العكس، ولفظ الحديث:(لولاك ما خلقت الأفلاك، ولولا علي ما خلقتك، ولولا فاطمة ما خلقتكما) انظر: كشف اللآلئ للعرندس، ومستدرك سفينة البحار 3 / 168، واحتج به المرجع الديني الشيعي محمد الحسيني الشيرازي، والشيخ الشيعي محمد فاضل المسعودي في كتابه " الدرر البهية في الأسرار الفاطمية "وقد أثنى عليه أحد الآيات في حوزة قم وهو آية الله السيد عادل العلوي، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لولا علي رضي الله عنه لم يُخلق، فمن هو الأجدر بأن يكون هو الباب للآخر؟!

(2)

القائل هو الحافظ الذهبي رحمه الله كما في المستدرك 3/126، وانظر أقوال أهل العلم في أبي الصلت " ميزان الاعتدال للذهبي أيضاً 6/556".

ص: 122

الموضوعات وتعقبه الذهبي وغيره فيها.

وأخرج الترمذي [3723] من طريق: ((شريك عن سلمة بن كهيل عن سويد بن غفلة عن الصنابحي عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا دار الحكمة وعلي بابها) هذا حديث غريب منكر (1) ، روى بعضهم هذا الحديث عن شريك ولم يذكروا فيه عن الصنابحي، ولا نعرف هذا الحديث عن أحد من الثقات غير شريك، وفي الباب عن ابن عباس)) . اهـ. كلام الترمذي.

وأقول: أبو الصلت راوي الحديث الأول وثقه ابن معين كما قال الحاكم ولكن طعن فيه الأكثرون والجرح مقدم على التعديل. قال مسلمة عن العقيلي: كذاب، وكذا محمد بن طاهر قال: إنه كذاب، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. وكلهم أنكروا حديثه هذا، وكأنهم يتهمونه بوضْعه على أبي معاوية.

ولكن ابن معين يقول: إنه ليس ممن يكذب، وذكر أن محمد بن جعفر الفيدي حدث به عن أبي معاوية (2)

وقال: أخبرني ابن نمير قال: حدث به أبو معاوية قديمًا ثم كف عنه. (3) اهـ

ومراد ابن معين أن أبا الصلت

(1) هذا تضعيف للحديث من الترمذي نفسه في سننه، وقد قال رحمه الله في العلل الكبير (ص 402 رقم: 699) : ((سألت محمداً - يعني الإمام البخاري - عنه فلم يعرفه وأنكر هذا الحديث)) .

وإسناد الحديث واهٍ جداً، فمحمد بن عمر بن الرومي ليّن الحديث كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب، وقد ضعّفه أبو زرعة وأبو داوُد وغيرهما، وقد ساق الحافظ الذهبي هذا الحديث في ترجمة محمد بن عمر بن الرومي من (الميزان) وقال:((فما أدري من وضعه؟)) ، ويُضاف إلى ذلك أن شريك القاضي ضعيف من قبل الحفظ.

(2)

محمد بن جعفر الفيدي قال عنه الحافظ في التقريب: ((مقبول)) أي عند المتابعة وإلا فهو ضعيف، وهناك إشكالية في المتابعة التي ذكرها يحيى بن معين، وهي هل محمد بن جعفر الفيدي الذي تابع أبا الصلت - الذي رمي بالوضع - روى هذا الحديث عن أبي معاوية مباشرة أو بواسطة؟

فقد جاء في جزء معرفة الرجال (رواية ابن محرز 2/242 رقم832) عن يحيى بن معين أنه قال: ((حدثنا محمد بن جعفر العلاف الذي كان ينزل بفيد كوفي، قال: حدثنا محمد بن الطفيل، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم:

)) فذكره.

ورواه محمد بن أبي يحيى كما في المنتخب من علل الخلال (ص 208- 209) حيث نقل محمد بن أبي يحيى عن يحيى بن معين أنه قال: ((حدثني به ثقة: محمد بن الطفيل عن أبي معاوية)) ، وهذا ظاهره مغاير لهذا الإسناد الذي ذكره ابن محرز، وقد بحثت عن ترجمة محمد بن أبي يحيى فلم أدر من هو، ولم يذكره أبو يعلى في طبقات الحنابلة ولا غيره - بحسب بحثي - وقد قال عنه الشيخ الألباني رحمه الله:((ابن أبي يحيى فيه جهالة)) .

وأما الحاكم فرواه عن ((محمد بن يحيى بن الضريس، ثنا محمد بن جعفر الفيدي، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) فذكره دون وجود واسطة بين محمد بن جعفر وبين أبي معاوية وهو المذكور أعلاه، إضافة إلى أنه يشكل على إسناد الحاكم هذا أن محمد بن يحيى بن الضريس، وهو فيدي أيضاً وكوفي، لم يُذكر محمد بن جعفر من الذين روى عنهم. انظر: ترجمته في الجرح والتعديل (8/124) ، تهذيب الكمال (24/587) .

(3)

قال ابن محرز: سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح الهروي فقال: ((ليس ممن يكذب، فقيل له في حديث أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: "أنا مدينة العلم وعلي بابها" فقال: هو من حديث أبي معاوية، أخبرني ابن نمير قال: حدّث به أبو معاوية قديماً ثم كفّ عنه، وكان أبو الصلت رجلاً موسراً يطلب هذه الأحاديث ويكرم المشايخ وكانوا يحدثونه بها)) . جزء معرفة الرجال ـ رواية ابن محرز 1/79 رقم231.

والصواب أن الرجل - أعني أبا الصلت - كان يكذب كما ذكره الأكثر، إذ أننا لو سلّمنا بكلام الإمام يحيى بن معين فالسؤال هو ما الجواب عن المناكير التي رواها عن علي بن موسى الرضا؟ ومن أجل هذا قال المعلمي في تعليقه على كتاب الفوائد المجموعة للشوكاني ص 308:((من يأبي أن يكذّب أبا الصلت يلزمه أن يكذّب علي بن موسى الرضا وحاشاه)) ، كما في حديث جعفر بن محمد عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:((الإيمان إقرار بالقول وعمل بالجوارح)) وهو موضوع، وأبو الصلت متهم بوضعه لم يحدث به إلا من سرقه منه فهو الابتداء في هذا الحديث. وانظر: تاريخ بغداد 11/51.

ص: 123

لم يكن هو الذي افتراه بل كان حدث به أبو معاوية (1)

ثم كف عنه فلعل أبا الصلت رواه عنه ولم يبلغه كفه عن التحديث به لعدم الثقة بصحته.

وقال صاحب (تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على الألسنة من الحديث) :

حديث: (أنا مدينة العلم وعلي بابها) رواه الحاكم في المناقب من مستدركه عن ابن عباس مرفوعًا والترمذي من جامعه عن علي بمعناه وقال: إنه منكر، وكذا قال البخاري وقال: إنه ليس له وجه صحيح. وقال ابن معين: إنه كذب لا أصل له، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات ووافقه الذهبي وغيره على ذلك، وقال ابن دقيق العيد: هذا الحديث لم يثبتوه وقيل: إنه باطل. اهـ.

وقد أورده الأستاذ الشيخ محمد الحوت الكبير علامة بيروت في (أسنى المطالب) وذكر بعض ما نقله الديبع عن أستاذه الحافظ السخاوي من قول الحفاظ بوضعه حتى ابن معين، ثم قال:((قد ولع به العلماء، وذكره من دون بيان رتبته خطأ، ومثله: (أنا دار الحكمة وعلي بابها) وزاد بعضهم: (

وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها) ،

(1) قال عباس بن محمد الدوري: سمعت يحيى بن معين يوثق أبا الصلت عبد السلام بن صالح، فقلت ـ أو قيل له ـ: إنه حدّث عن أبي معاوية، عن الأعمش:"أنا مدينة العلم وعلي بابها" فقال: ما تريدون من هذا المسكين؟ أليس قد حدّث به محمد بن جعفر الفيدي عن أبي معاوية، هذا أو نحوه. تاريخ بغداد 11/50.

والحديث قد أنكره يحيى بن معين من حديث عمر بن إسماعيل بن مجالد بن سعيد عن أبي معاوية، وقال عن عمر هذا:((كذاب)) كما في الضعفاء للعقيلي 3/896، وتهذيب الكمال للمزي 21/276، ولما ذكر أبو زرعة الرازي له - كما في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 6/99 - رواية عمر بن إسماعيل لهذا الحديث قال له:((قل له: يا عدو الله متى كتبتَ أنت هذا عن أبي معاوية؟ إنما كتبتَ أنت عن أبي معاوية ببغداد، ولم يحدث أبو معاوية هذا الحديث ببغداد)) . أي أن عمر بن إسماعيل إنما سمع من أبي معاوية ببغداد حيث سمع منه يحيى بن معين، وأبو معاوية لم يحدث بهذا الحديث ببغداد، إنما حدّث به قبل ذلك ثم كفّ عنه.

ص: 124

وذلك لا ينبغي ذكره في كتب أهل العلم لا سيما مثل ابن حجر الهيتمي ذكر ذلك في الصواعق والزواجر وهو غير جيد من مثله)) . اهـ

وأقول: إن ابن حجر الهيتمي هذا قد أتقن فقه الشافعية التقليدي على طريقة أهل زمنه، وهو ليس بحافظ للحديث ولا من نقاده، وإنما ينقله من الكتب، فإن لم تكن له عناية خاصة بالاحتجاج به فلا يبالي أكان صحيحًا أم ضعيفًا أم موضوعًا.

فكيف إذا كان له هوى يوافق معناه كالغلو في المدح؟! وأخطأ مَن حَسَّنَه بكثرة طرقه.

وأما حديث: (أقضاكم عليّ)(1) فقد قال الحافظ السخاوي: ما علمته بهذا اللفظ مرفوعًا، بل في مستدرك الحاكم [3/145] عن ابن مسعود قال: كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي، وقال: إنه صحيح ولم يخرجاه. اهـ

وأقول: إن الحافظ الذهبي أقر الحاكم على روايته له عن ابن مسعود من قوله، ولو ورد مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولو من طريق منكر - لأورده الحاكم، ولعمري إنه لَحقٌّ في نفسه سواء كان اسم

(1) تقدم تخريجه في حاشية رقم (290) .

ص: 125

التفضيل على بابه أم لا، ولكن لا ندري متى قال ابن مسعود هذا؟ هل قاله في زمن عمر أو بعده.

وأما ما ذكره صاحب مجلة العرفان من قول عمر فهو لم يروَ بسند صحيح، وإنما ذكره بعضهم فيما يتساهلون فيه من رواية المناقب. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه لم يذكر عنه إلا في قضية إن صح، وكان عمر يقول مثل هذا لمن دون علي كما قال للمرأة التي عارضته في الصداق: امرأة أصابت وأخطأ عمر. (1)

وبيَّن في (منهاج السنة) بالشواهد أنه كرم الله وجهه لم يكن أقضى الصحابة رضي الله عنهم، وفيه نظر.

وأما الأحاديث الدالة على علم عمر في الصحاح والسنن فهي كثيرة: منها: موافقات رأيه للقرآن وكونه من المحدَّثين (بفتح الدالة المهملة) أي الملهَمين، وغير ذلك، ولسنا بصدد تفصيل هذه المسألة، وكذلك ما رُوي في قضائه باجتهاده وفي اتباع الصحابة له في مسائل متعددة، وكذلك المسائل التي كان يستشير فيها الصحابة.

(1) هي قصة ضعيفة لا تثبت سنداً، ولها ثلاثة أسانيد ذكر ابن كثير في تفسيره (1 / 468) اثنين منها: أحدهما فيه مجالد بن سعيد وهو ضعيف، والآخر فيه مصعب بن ثابت وهو ضعيف كذلك، وقد أخرج القصةَ عبد الرزاق في المصنف (6 / 180) عن قيس بن الربيع عن أبي حصين عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عمر رضي الله عنه، وقيس ضعيف وأبو عبد الرحمن السُّلَمِي لم يسمع من عمر فيكون الإسناد ضعيفاً منقطعاً

ص: 126

هذا، وإن العلم الذي يتعلق به القضاء هو الأحكام العملية من شخصية ومدنية وعقوبة، وهو أدنى علوم الدين الإسلامي، وأما أعلاها فهو العلم بالله تعالى وصفاته وبسننه في خلقه من نظام العالم، ويليه العلم بتهذيب النفس وتزكيتها بالعبادات الصحيحة، والعلم بسياسة الأمم وإقامة الحق والعدل فيها، والذين يفضلون عمر على غيره في علوم الإسلام - ولا سيما بعد أبي بكر - يفضلونه بهذه العلوم التي هي في الذروة العليا، وهي ما تثبتها له أعماله وأقواله وأحواله وسياسته وإدارته، ولم يغمطْه أحد حقه في علم الأحكام العملية القضائية أيضًا، وما روي من تفضيل علي لعمر أصح مما روي من قول عمر في علي، وما هما إلا أخوان، ومن مصائب التعصب جعْلهما خصمين يتضادان.

فإن كان قد روي عن عبد الله بن مسعود أنهم كانوا يتحدثون بأن عليًّا كرم الله وجهه كان أقضى أهل المدينة، فقد روي عنه أنه قال لما مات عمر:((إني لأحسب أنه ذهب بتسعة أعشار العلم)) .

رواه أبو خيثمة في كتاب العلم [رقم: 61] عن جرير عن الأعمش عن إبراهيم

ص: 127

[بن](1) عبد الله.

وقد أورده أبو طالب المكي في قوت القلوب والغزالي في الإحياء. قالا: فقيل له: أتقول ذلك وفينا جلة الصحابة -وفي القوت- وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون؟!

فقال: إني لست أعني العلم الذي تذهبون إليه إنما أعني العلم بالله عز وجل. اهـ

وجرير الراوي لهذا الأثر هو ابن حازم وهو ثقة فيما يرويه إلا عن قتادة.

وأما إبراهيم بن عبد الله (2) فلا نعرفه في شيوخ الأعمش وإنما يروي الأعمش، عن إبراهيم النخعي فلعله هو وناهيك به في رواة حديث ابن مسعود وآثاره. (3)

هذا وإن علماء السنة الذين طعنوا في رواية الحديثين المذكورين قد أثبتوا من الروايات في مناقب علي رضي الله عنه أكثر مما أثبتوه من مناقب غيره من الصحابة رضي الله عنهم وصرح بذلك إمامهم الأعظم أحمد بن حنبل وأقروه عليه، فهل يعدون من النواصب؟!

وأختم هذا البحث بالتذكير بأنني كنت نوهت بشيعة العراق في أول العهد باستيلاء الإنكليز عليها؛ لأنهم كانوا أشد من أهل

(1) الصواب: إبراهيم عن عبد الله - وهو ابن مسعود رضي الله عنه.

(2)

انظر: الحاشية السابقة، والأثر أخرجه أيضاً البيهقي في المدخل (70) ، والطبراني في الكبير (9/179، 180) .

(3)

رغم أن إبراهيم النخعي لم يدرك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وقد أخرج الترمذي في كتاب العلل (ص 223 بشرح الحافظ ابن رجب الحنبلي) عن سليمان الأعمش قال:((قلت لإبراهيم النخعي أسند لي عن عبد الله بن مسعود. فقال إبراهيم: إذا حدثتك عن رجل عن عبد الله فهو الذي سميت، وإذا قلت: قال عبد الله فهو عن غير واحد عن عبد الله)) وبناءً على ذلك اختار بعض أهل العلم صحة إسناد ما أرسله النخعي عن ابن مسعود رضي الله عنه وقال الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 226: ((كان إبراهيم إذا أرسل عن عبد الله لم يرسله إلا بعد صحته عنده وتواتر الرواية عن عبد الله)) ، وقال الحافظ ابن رجب في شرح علل الترمذي 1/542:((وهذا يقتضي ترجيح المرسل على المسند، لكن عن النخعي خاصة فيما أرسله عن ابن مسعود خاصة)) وانظر للفائدة: التنكيل للمعلمي اليماني التنكيل (1/32) ، (2 / 142) وتعليقات الشيخ الألباني رحمه الله.

ص: 128

السنة في الثورة عليهم، ولما بلغنا عنهم من احتقار الدسيسة التي عرضها عليهم الإنكليز للتفرقة بينهم وبين أهل السنة؛ إذ عرضوا عليهم أن يكون القضاء في الجهات التي يكثرون فيها بمذهبهم الجعفري، فأجابوهم بأن الشريعة واحدة لا فرق فيها بين مذهب جعفر ومذاهب أهل السنة، وإنما الخلاف في كل مذهب يشبه ما في غيره وهو في مسائل اجتهادية، يعذَر فيها كل مجتهد. ثم نُكسوا على رؤوسهم وعادوا إلى خدمة الأجانب بالتفريق والتعادي من حيث لا يشعرون (1)

، ولم يعتبروا باعتدال شيعة إيران وميلهم إلى الوحدة والاتفاق، وإنما كان أسلافهم من أمراء الفرس وموابذتهم هم الذين أسسوا قواعد الغلو في الرفض ونظموا جمعياته ونشروه في العالم لإزالة ملك العرب وإعادة دين المجوس وملكهم كما شرحناه مرارًا، فقد أخبرني الأستاذ الثعالبي الذي زار بلادهم في العام الماضي بمثل ما أخبرني به الأستاذ الكردي الذي ذكرت خبره من قبل وهو ناشئ في بلادهم، قالا: إن الميل فيهم إلى الوحدة الإسلامية والاتفاق مع أهل السنة قوي جدًّا، وهذا

(1) يجب - وخاصة في وقتنا الحاضر - أن يكون هناك تفريق بين الموقف الديني والموقف السياسي، خاصة مع الشيعة الذين يصرحون بحقيقة كونهم أصحاب دين أو مذهب يختلف عما ندين به من حيث الأصول والفروع، وما يهمنا في التقييم هو الأصول، فعلينا أن نكون واضحين من هذه الناحية، أما الناحية الأخرى وهي ناحية التعايش أو ناحية الموقف السياسي فموجز القول فيه أنهم إن وقفوا معنا وقفنا معهم، لكن ينبغي أن نكون يقظين من انسحاب هذا الموقف السياسي على الدين، فيتصور العوام أو جمهور أهل السنة صحة دينهم الذي أُشيرَ في ثنايا هذا الكتاب إلى عدة جوانب منه، فيجب أن نبين لهم الفرق بين ما هو ديني وما هو سياسي.

فلا يصح شرعاً أن نصف قادتهم بالمجاهدين، وهم يجاهرون بتكفيرِ سادة المجاهدين وهم الصحابة، والطعنِ بأعراض أمهات المؤمنين زوجات النبي؟! وهذا أقل ما يقال عن عقيدتهم. وأما إن اعتزلونا وتركونا تركناهم، وأما إذا أبدوا لنا صفحة عداوتهم فليس لهم منا إلا مثلها، والبادئ أظلم، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، وأكرر قول الشاعر:

لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم

وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا

ص: 129

ما نشاهده في جاليتهم بمصر، فهم كأهل السنة هنا في كراهتهم للخلاف، وحبهم للائتلاف، إلا بما شذ به صديق لنا منهم طعن علينا وافترى، فكان قدوة للعاملي فيما امترى، ثم تصافحنا وتصالحنا، ونسأله تعالى أن يصلح الجميع، فالشقاق شر للجميع.

أفليس من أعجب العجائب أن نرى أخلاف أولئك الفرس يرجعون عن ذلك الغلو ويجنحون إلى الاتفاق مع أهل السنة من العرب وتقوية الرابطة الإسلامية ثم نرى مع هذا أخلاف العرب - حتى المنتسبين إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم يزدادون غلوًّا في الشقاق المذهبي والسياسي الذي كان أكبر عيوب سلفها وخلفها، وهو الذي أضعف دولها، وأزال ملكها، واللهِ إن هذا لشيء عُجاب، وعسى أن يزول قريبًا بسعي أُولي الألباب.

ص: 130

***

اقتراح مناظرة في الخلاف بين أهل السنة والشيعة:

(جاءنا الكتاب الآتي من حضرة صاحب الإمضاء، أحد علماء الشيعة الإمامية الأعلام ننشره بنصه وحروفه وننشر بعده جوابنا له وقد سبق هو إلى نشرها في بعض الصحف) :

بسم الله تعالى، بأزكى التحية وأفضل السلام أحيي مقام ذلك الإمام السيد الرشيد آل رضا، ألهمه الله قول السداد، وسلك به سبيل الهدى والرشاد، أما بعد: فإني أحمد إليك الله سبحانه الذي عرَّفنا أولياءه وأهل محبته، وهدانا إلى ما سنَّه من شريعته {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} (الأعراف: 43) وأسأله أن يوفقنا جميعًا لنصرة الحق وإرشاد الضال، وإحياء السنة وإماتة البدعة، فإنه ولي ذلك والقادر عليه.

ثم إني رأيتك قد أرهفت يراعتك ونثلت كنانتك منتصبًا في وجه الشيعة زاعمًا أنهم قد نشطوا في هذه الأيام لدعاية الرفض والبدع، والصد عن السنة وأعلامها، فإن يكن ذلك منك حمية للحق

ص: 131

وغيرة على الإسلام (والسرائر لا يعلمها غيره سبحانه) فحَقِّقْ دَعْواك - إن رأيت - بأن تفتح لنا بابًا في مجلتك الغراء نذكر فيه المسائل الهامة التي وقع الخلاف فيها بين الطائفتين، ونحقق الحق في ذلك متبعين البرهان، غير متحيزين إلى فئة، ملتزمين آداب المناظرة، وايم الحق، لئن فعلت ذلك إنها لأعظم حماية للدين، وأعْوَد نفعًا على المسلمين، وأكون لك بلسان أهل الحق من الشاكرين، فأرجوك؛ وظني بك ستحقق رجائي، ولك عهد الله سبحانه أن لا أذكر في مناظرتي كلمة أقصد بها جرح عاطفتك، والغض من كرامتك، وأحتمل لك كل قول، وبذلك يظهر فساد ما ليس من الدين مما يعتقد صحته الكثير من الطائفتين، وتنال لقب المصلح، ويكون لمجلتك شأن، وإنني بانتظار الجواب وإلا فسندرج صورته في مجلة العرفان الغراء وغيرها.

...

...

...

... صاحب الكلمات

...

...

...

... عبد الحسين نور الدين

***

ص: 132