الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(2)
دلالات الألفاظ وسر الكلمة
من قديم شغلت قضية الترادف علماء العربية. واختلفت مذاهبهم فيها.
والبيان القرآني يجب أن يكون له القول الفصل فيما اختلفوا فيه، حين يهدي إلى سر الكلمة لا تقوم مقامَها كلمةٌ سواها من الألفاظ المقول بترادفها.
والأمر كذلك في ألفاظ القرآن: ما من لفظ فيه يمكن أن يقوم غيره مقامه وذلك ما أدركه العرب الخلَّص الفصحاء الذين نزل فيهم القرآن.
وأحتاج هنا إلى نظر في مشكلة الترادف التي طال الجدل فيها والخلاف عليها.
ولا يشغلنا تعدد الألفاظ للمعنى الواحد، إذا كان عن اختلاف لغات القبائل العربية. وذلك ما لا خلاف فيه، فيما أعلم.
وإنما يشغلنا الترادف حين يقال بتعدد الألفاظ للمعنى الواحد، دون أن يرجع هذا الترادف إلى تعدد اللغات، أو يكون بين الألفاظ المقول بترادفها قرابة صوتية.
منا من يَعُدُّ هذا التعدد ظاهرةَ فقدان الحس اللغوي وعدم قدرته على ضبط الدلالات وتحديد معاني الألفاظ. أو يراه من الفضول والتزيد الذي لا فائدة فيه.
ومن من يراه ظاهرة ثراء وسعة وقدرة على التصرف. وما أكثر من يباهون بهذه الثروة اللغوية ويعدونها ميزة من مزايا العربية الشريفة!
وإن يكن تقدم الدراسات اللغوية قد جاوز بنا مرحلة المفاضلة الساذجة بين لغتنا وغيرها من اللغات، ووجَّهنا إلى البحث في خصائص العربية منتفعين بما هدت إليه البحوث العلمية في اللغويات والصوتيات، فلم تعد كثرة الألفاظ الدالة على الكعنى الواحد، مدعاة فخر ومباهاة، وإنما أصبحت قضية تلتمس حلاً.
* * *
وحين ننظر فيما وصل إلينا من كتب اللغة ومعاجمها، نراها تسلك مسلكين متغايرين:
منها ما يذهب إلى وجود الترادف فيجمع للمعنى أو الشيء الواحد الفاظاً ذات عدد، دون إشارة إلى كونها لغات فيه. وهذا هو مذهب "أبي مسحل الأعرابي ق 2هـ" في (كتاب النوادر) و"ابن السكيت - 244 هـ" في (الألفاظ) . وللفيروزابادى، صاحب القاموس - 817 هـ - كتاب اسمه (الروض المسلوف، فيما له اسمان إلى ألوف) وكتاب آخر في (أسماء العسل) ذكروا أنه جمع فيه منها ثمانين اسماً.
ولكن من كتب اللغة ما يميز دلالة خاصة لكل لفظ من الألفاظ التي تطلق على الشيء الواحد أو تتوارد على معنى من المعاني. وهو مذهب "أبي منصور الثعالبي" في (فقه اللغة) وأبي هلال العسكري في (الفروق اللغوية) وأحمد بن فارس في (الصاحبي في فقه اللغة) وأبي الفتح ابن جنى في (الخصائص) وهم من علماء العربية في القرن الرابع للهجرة.
والخلاف بين المذهبين قديم. نقل "أحمد بن فارس" حبر الأصمعي حين سأله "الرشيد" في شعر غريب ففسره، فقال الرشيد:
"يا أصمعي، إن الغريب عندك لغَيرُ غريب.
قال: يا أمير المؤمنين، ألا أكون كذلك وقد حفظت للحجَر سبعين اسماً؟ "
وسُمِعَ "ابن خالويه" يقول: جمعتُ للأسد خمسمائة اسم، وللحيَّةِ مائتين.
ورووا أنه قال يوماً في مجلس سيف الدولة بحلب: أحفظ للسيف خمسين اسماً. فتبسم "أبو علي الفارسي"، وكان يومئذ بالمجلس، وقال: ما أحفظ له إلا اسماً واحداً وهو السيف.
ولما سأله ابن خالويه: فأين المهند، والصارم، والقضيب، والحسام، وكذا وكذا؟
أجاب أبو علي: هذه صفات، وكأن الشيخ لا يفرق بين الاسم والصفة.
ويقول "المبرد" في كتابه (ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد) :
"هذه حروف ألفناها من كتاب الله عز وجل، متفقة الألفاظ مختلفة المعاني متقاربة في القول مختلفة في الخبر، على ما يوجد في كلام العرب، لأن من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين، واختلاف اللفظين والمعنى واحد، واتفاق اللفظين والمعنى واحد:
"أما اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين فنحو قولك: ذهب وجاء، وقام وقعد، ويدٌ، ورجل، وفرس،
وأما اختلافها والمعنى واحد، فقولك: ظننت وحسبت، وقعدت وجلست، وذراع وساعد، وأنف ومِرسَن".
وأما اتفاقهما واختلاف المعنيين فنحو قولك: وجدت شيئاً وجدانا للضالة، ووجدت على الرجل موجدة أي غضبت، ووجدت زيداً كريماً، أي علمت"
ما جاء به المبرد أمثلةً لاختلاف اللفظين والمعنى واحد، فيه نظر: إذ ليس الظن والقعود والذراع والأنف، مرادفة للحساب والجلوس والساعد والمرسن.
على أن "المبرد" في موضع آخر، يرفض القول بالترادف، على ما سوف ننقله بعدُ.
وممن قالوا بوجود الترادف: قطرب أبو علي البصري، والفخر الرازي، والتاج السبكي. . . ويوشك أن يكون هذا هو مذهب السيوطي أيضاً.
وأنكره علماء آخرون إنكاراً باتاً، منهم "ثعلب" الذي نقل عن ابن الأعرابي قوله:
"كل حرفين أوقعتهما العرب على معنى واحد، في كل منهما معنى ليس في صاحبه، ربما عَرَفناه فأخبرنا به، وربما غمض علينا فلم نلزم العربَ جهله" ومسلك "الثعالبي" في (فقه اللغة) يقطع برفضه القول بالترادف، وابن الأنباري في (كتاب الأضداد) يقرر أن هناك علة لغوية كامنة وراء تعدد لفظين في
معنى واحد، إذ أن كل لفظ منها يختلف عن الآخر في المعنى اختلافاً مت "وقد يكون الفرق دقيقاً لا ينتبه له إلا العارف بلغة العرب".
وصنّف "أبو هلال العسكري" كتابه (الفروق اللغوية) لبيان فروق الدلالات بين معاني ألفاظ مقول بترادفها. صدَّره بباب "في الإنابة عن كون اختلاف الألفاظ في لغو واحدة، يوجب اختلاف المعاني" فإذا جرى اسمان على معنى من المعاني أو عين من الأعيان في لغة واحدة، فإن كان كل واحد منهما يقتضي خلاف ما يقتضيه الآخر، وإلا لكان الثاني فضلاً لا يُحتاج إليه.
قال: "وإلى عذا ذهب المحققون من العلماء. . . وإليه أشار المبرد في تفسير قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} قال: فعطف شِرعةً على منهاج، لأن الشرعة لأوَّل الشيء، والمنهاج لمعظمه ومتَّسعِه. . . ويعطف الشيء على الشيء، وإن كانا يرجعان إلى شيء واحد، إذا كان في أحدهما خلاف للآخر، فأما إذا أريد بالثاني ما أريد بالأول، فعُطِف أحدهما على الآخر، فهو خطأ.
"قال أبو هلال: والذي قاله المبرد ههنا في العطف، يدل على أن جميع ما جاء في القرآن وعن العرب من لفظين جاريين مجرى ما ذكرنا، من العقل واللب، والمعرفة والعلم، والكسب والجرح، والعمل والفعل. . . معطوفاً أحدهما على الآخر، فإنما جاز هذا فيهما لما بينهما من الفرق في المعنى، ولولا ذلك لم يجُز عطفُ زيد على أبي عبد الله، إذا كان هو هو. . .
"وكما لا يجوز أن يدخل اللفظ الواحد على معنيين، فكذلك لا يجوز أن يكون اللفظان يدلان على معنى واحد، لأن في ذلك تكثيراً للغة بما لا فائدة فيه"
وقال "ابن فارس" في كتابه (الصاحبي) : "ومذهبنا أن كل صفة منها - أي الصفات الواقعة على الشيء الواحد - معناها غير معنى الأخرى. وقد خالف قوم في ذلك فزعموا أنها وإن اختلفت ألفاظها، فإنها ترجع إلى معنى واحد".
* * *
وظلت القضية فيما أعلم، معلقة لم يستقر فيها أصحاب العربية على رأى، حتى بعد أن اتصلت دراساتنا اللغوية الحديثة بجديد البحوث غي علوم اللغة والصوت والاجتماع.
وإن كان مذهب القول بالترادف هو الذي غلب وراج في العصور المتأخرة. ويقول به اليوم عدد من أصحاب التخصص في فقه اللغة وعلم الاجتماع اللغوي منهم "الدكتور علي عبد الواحد" الذي نشر في (مجلة الثقافة سنة 1963) مقالاً في مزايا لغتنا العربية، التي انفردت بشرف نزول الوحي بها. فكان مما عده من مزاياها، أنها تستطيع لثرائها أن تؤدي المعنى الواحد بعشرات الألفاظ.
و"الدكتور إبراهيم أنيس"، قطع في كتابه (دلالات الألفاظ) بوجود الترادف في العربية، فلم يلمح فرقاً، أي فرق، بين أن تقول مثلاً: لم يسمع، وفي أذنيه صمم، وفي أذنيه وقر. وذكر الآية الكريمة شاهداً:
وإلى عهد قريب، كانت قضية الترادف من بين ما شَغِلَ به المجمع اللغوي في القاهرة. وقد اقترح أحد السادة الأعضاء، أن نتخفف من ثقل المترادفات فنصنف معجماً لألفاظ العربية، يستبعد في المعنى الواحد مازاد على لفظ واحد يختاره المجمعيون من حشد الألفاظ المترادفة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والقرآن الكريم كتاب العربية الأكبر، ومن الحق ألا نأخذ في القضية برأي دون عرضها على الكتاب العربي المبين، لأنه الذي يحسم ذلك الخلاف الذي طال.
وفيما أشتغل به على المدى الطويل من تخصص في الدراسات القرآنية، شهد التتبع الاستقرائي لألفاظ القآن في سياقها، أنه يستعمل اللفظ بدلالة معينة
لا يؤديها لفظ آخر، في المعنى الذي تحشد له المعاجم وكتب التفسير عدداً قلَّ أو كثر من الألفاظ.
* * *
الرؤيا والحلم:
في آيتى يوسف مثلاً، عن رؤيا ملك مصر:
المعاجم تفسر الحلم بالرؤيا.
فهل من العرب الخلص في عصر المبعث. بحيث يضعون أحد اللفظين بدلاً من الآخر، حين تحداهم القرآن أن يأتوا بسورة من مثله، فيقال مثلاً: أفتوني في حلمي إن كنتم للحلم تعبرون؟
ذلك ما لا يقوله عربي يجد حسَّ لغته، سليقة وفطرة.
ونستقرئ مواضع ورود اللفظين في القرآن فلا يترادفان.
استعمل القرآن "الأحلام" ثلاث مرات، يشهد سياقها بأنها الأضغاث المهوشة والهواجس المختلطة، وتأتي في المواضع الثلاثة بصيغة الجمع، دلالة على الخلط والتهويش لا يتميز فيه حلم من آخر: في جدل المشركين:
وعلى لسان الملأ، من قوم العزيز، حين سألهم أن يُفتوه في رؤياه:
{قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ} يوسف 44
وأما الرؤيا، فجاءت في القرآن سبع مرات، كلها في الرؤيا الصادقة، وهو لا يستعملها إلا بصيغة المفرد، دلالة على التميز والوضوح والصفاء.
من بين المرات السبع، جاءت الرؤيا خمس مرات للأنبياء، فهي من صدق الإلهام القريب من الوحي:
رؤيا إبراهيم عليه السلام في آية الصافات:
ورؤيا يوسف إذ قال له أبوه:
نتابع سياقها في السورة وقد صدقت وتحققت:
ورؤيا المصطفى عليه الصلاة والسلام في الإسراء:
{وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ}
ورؤياه في الفتح:
فهذه خمس مرات من استعمال القرآن للرؤيا من الأنبياء. والمرتان الأخريان في رؤيا العزيز وقد صدقت. وفي آيتها هبر عنها القرآن مرتين على لسان الملك بالرؤيا، لوضوحها في منامه وجلائها وصفائها، وإن بدت للملأ من قومه هواجس أوهام وأضغاث أحلام.
{وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) قَالُوا
أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ} يوسف 43، 44
وتمضي القصة في سياقها القرآني، فإذا رؤيا الملك صادقة الإلهام، وليست كما بدت للملأ من قومه أضغاث أحلام.
* * *
آنس، وأبصر:
في المعاجم، آنس الشيء أبصره، والصوتَ سمعه. واستأنس: استأذن. فهل تسيغ العربية النقية، حيث يقول القرآن:{آنس ناراً} أن سقال: أبصرها، أو نظرها، أو رآها، أو ما أشبه ذلك من الألفاظ التي يُظن أنها تتعاقب على معنى آنس؟
نستقرئ الاستعمال القرآني، فيعطينا حِسَّ العربية المرهف، لا تقول "آنس" في الشيء تُبصره أو تسمعه إلا أن تجد فيه أْنساً. فإذا قال العربي الأصيل: آنستُ، فقد رأى أو سمع ما يؤنسه.
والقرآن قد استعمل الفعل "آنس" خمس مرات، منها أربعً في النار التي رآهل موسى عليه السلام إذ سار بأهله في البرية، فأنس إليها وهذه آياتها:
والمرة الخامسة في آية النساء:
ليس الإيناس هنا مجرد إبصار لظواهر الرشد المادية الحسية في سن البلوغ ولكنه الطمأنينة المؤنسة بالابتلاء والامتحان، إلى أنهم قد رشدوا حقاً.
وفي القرآن من المادة، صيغة الفعل المضارع من الاستئناس في آية النور:
الاستئناس فيها ليس مجرد استئذان كما وهم الذين فسروه بذلك، وإنما هو حِسُّ الإيناس لأهل البيت قبل دخوله. ولا يسوغ في ذوق العربية أن يقال مثلاً:
استأنس الرشطي، أو جابى الضرائب، أو الجائن. وإنما هو الاستئذان ليس فيه حِسُّ إيناس.
كما لا يسوغ استعمال "آنس" في رؤية عدو أو نار حريق، أو في سماع هزيم رعد وزئير وحش. . .
* * *
النأى، والبُعد:
يأتي بهما أكثر المعجميين والمفسرين تأويلاً لأحدهما بالآخر، دون إشارة إلى فرق بينهما. وفَرَّقَ بينهما مَن أنكروا الترادف.
ونستقرئ مواضع الاستعمال القرآني للنأى والبعد فلا يترادفان:
النأى يأتي بمعنى الإعراض والصد والإشاحة، بصريح السياق في آياته:
الإسراء 83: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ}
معها فصلت 51
الأنعام 25، 26: {حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا
إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}
وأما البعد، فيأتي بمختلف صيغة في القرآن، على الحقيقة أو المجاز، في البعد المكاني أو الزماني، المادي منهما والمعنوي، بصريح آياته:
الفرقان 12: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا}
سبأ 52: {وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} معها: سبأ 53.
فُصلت 44: {أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ}
هود 83: {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ}
الأنبياء 101: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}
الأنبياء 109: {وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ}
المعارج 6: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا}
ق 31: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ}
وكلها في البُعد المكاني أو الزمني.
وجاء البعد نقيضاً للقرب في لعنة الطرد بآيات:
هود 95: {أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ}
هود 44، 60، 68، {وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ومعها: المؤمنون 41، 44 كما جاء في المعنويات في:
{شِقَاقٍ بَعِيدٍ} بآيات: البقرة 176، الحج 52، فصلت 52.
و {ضَلَالٍ بَعِيدٍ} بآيات: إبراهيم: 3، 18، والنساء: 6، 116، 136، 167، والحج 12، الشورى 18، سبأ 8، ق 27.
والبعد، فيها جميعاً، نقيض القرب
على حين يخلُص النأى للصد والإعراض، نقيض الإقبال.
* * *
حَلَفَ وأقسم:
كثيراً ما يُفسر أحدهما بالآخر. وقلما نفرق بينهما المعاجم.
وقد تأتي "حلف" في شواهد من الشعر الجاهلي بمعنى أقسم، في مثل قول
"النابغة الذبيانى": * حلفت فلم أترك لنفسك ريبة *
وقول "الأعشى": * حلفت له بالراقصات إلى مِنىً *
وشاس بن عبدة: * حلفتُ بما ضمَّ الحجيج إلى منى *
ولكن اللافت من حِس العربية النقية، أنها تقول: حِلفة فاجر، وأحلوفة كاذبة، ولم يُسمع بَرً وأحلوفة صادقة، إلا أن تأتي مجازاً.
وفي العربية: أحَلفَ الغلامُ، جاوز رُهاق الحُلمُ فشُكَّ في بلوغه. وقد قالت العرب: ناقة محلفة السنام، للمشكوك في سنها. وقالت: كميت محلفة، إذا اشتبه لونها بين الأحوى والأحم، فإذا كانت صافية الكُمتة، قالوا: كميت غير محلفة. وقالوا: حضارِ والوزنُ محِلفان، وهما كوكبان يطلعان قبل سُهيل، فيُظن بكل واحد منهما أنه سهيل.
فهل يكون ما في الشعر من "حلف" في غير موضع الشك والريبة، من الضرورات الشعرية؟
نحتكم إلى البيان الأعلى، في النص المحكم الموَثَّق، فيشهد الاستقراء الكامل بمنع ترادفهما:
جاءت مادة "ح ل ف" في ثلاثة عشر موضعاً، كلها بغير استثناء، في الِحنْث باليمين.
والغالب أن يأتي الفعل مسنداً إلى المنافقين، كآيات التوبة التي فضحت زيف نفاقهم:
{وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ} 56
{وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} 107
ومعها في المناقفين. . . كذلك، آيات:
وآية القلم 10 - 12: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ}
وجاء الفعل مرة واحدة مسنداً إلى ضمير الذين آمنوا فوجبت عليهم كفارة الحَلْف: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} المائدة 89.
وأما القسم، فيأتي في الإيمان الصادقة: وجاء موصوفاً بالعظمة في آية الواقعة:
{وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} 76
وسؤالاً من الله تعالى، على وجه الاعتبار، لكل ذي حجر، في آية الفجر 5:
{هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} ؟
واختص القسم بحرمة الشهادة على الوصية، حيث لا يحل الحنث باليمين، في آيتى المائدة (108، 109) .
وكان أصحاب الجنة، في سورة القلم، صادقين:
{إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ}
وليس المجرمون بكاذبين إذ يقسمون يوم تقوم الساعة {مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} .
وكذلك يسند القسم في القرآن إلى الضالين، عن وَهْمٍ منهم أو إيهام بالصدق، قبل أن ينكشف أنهم كانوا على ضلال، كما في آيات:
إبراهيم 44: {وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا
أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ}
وفي آية المائدة 53: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ}
يحتمل سياقُها أن يكون هذا القسم قبل أن يُبتلى المنافقون بالتجربة الكاشفة عن كذبهم والله أعلم.
وأما هذا البيان القرآني، لا يهون أبداًَ أن نفسر القسم بالحلف، وصنيع القرآن يلفت إلى فرق دقيق بينهما. فإن لم نقل إن القسم لليمين الصادقة - حقيقة أو وهماً - والحلف لليمين الكاذبة على إطلاقها، فلا أقل من أن يكون بين دلالتهما الفرق بين العام والخاص: فيكون القسمَ لمطلق اليمين بعامة، ويختص الحَلْفُ بالحنث في اليمين، على ما اطرد استعماله في البيان القرآني.
* * *
التصدع والتحطم:
وقوله تعالى في آية الحشر:
ليس التصدع فيها مرادفاً للتحطم:
التصدع من الصدع، والأصل فيه الشق في الأجسام الصلبة، وتستعمله العربية مجازاً في الصداع، كأنه انشقاق في الرأس من الألم أو الخمار، ومنه آية الواقعة:{وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ} 18، 19
كما يستعمل معنوياً في التصدع بمعنى التفرق والتمزق. والصدعُ بالأمر:
الفصلُ فيه بحسم قاطع، ومنه آية الحِجر:{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}
وأما الحطم فأصله في العربية الهشم، مع اختصاص بما هو يابس وإن لم يكن صلباً، كالعظام، وقيل للأسد حطوم، يحطم الفريسة ويهشمها. والحاطوم والحطمة: السنة المشئومة. ورجل حكم يلتهم كل شيء ولا يشبع. وراعٍ حُطَمة وحطم، كأنه يحطم الماشية عند سوقها، لعنفه.
وهذا الملحظ الأصيل من التهشيم مع العنف والقسوة، لا نخطئه في الاستعمال القرآني للمادة، في المواضع الستة التي جاءت فيها:
الفعل في آية النمل 18:
وحطام، للزرع المصفر اليبيس المهشم، في آيتى الزمر والحديد:
وحُطمة، في آيتى "الهمزة" لنار الله الموقدة تهشم كل هُمَزة ولمزةٍ:
وهذا الحطم للهشيم اليَبيِس، غير التصدع للجبل الصلب في آية الحشر، وصدعِ الأرضِ في آية الطارق:
* * *
الخشوع والخشية
والخضوع والخوف:
والتصدع للجبل، في آية الحشر. آية البيان فيه، أن تراه خاشعاً متصدعاً من خشية الله، لو أنه تعالى أنزل عليه هذا القرآن. إذ ليس من شأن الجبل أن يخشع ولا أن يخشى، والخشوع والخشية، كلاهما، من أفعال القلوب التي لا تصدر عن جماد، إلا أن يكون ذلك من صنيع البيان يبث الحياة في الصخر الأصم.
وتفترق الخشية عن الخوف، بأنها تكون عن يقين صادق بعظمة من نخشاه، كما يفترق الخشوع عن الخضوع، بأننا لا نخشع إلا عن إنفعال صادق بجلال مَن نخشع له.
وأما الخوف فيجوز أن يحدث عن تسلط بالقهر والإرهاب، كما أن الخضوع قد يكون تكلفاً عن نفاق وخوف، أو تقية ومداراة. والعرب تقول: خشع قلبه، ولا تقول: خضع، إلا تجوزاً.
وعجيب أمر هذا البيان المعجز في اطراد نسقه ولطف دلالاته وباهر أسراره:
كل خشية فيه، على اختلاف صيغها، لا تكون إلا في الحياة الدنيا، لا في الآخره، إذ الدنيا هي مجال الإبتلاء:
وإذا تعلقت الخشية، في القرآن، بأمر يَّخشىَ، فإنه الغيب، والساعة، واليوم الأخر. أو العنت والكساد والإملاق، وضياع اليتامى، والإرهاق طغياناً وكفراً.
وأما إذا تعلقت بذات، لا بأمر، فإنها في تقدير القرآن، لا تكون إلا الخشية لله، وحده، دون أي مخلوق. يطرد ذلك في كل مواضع استعمالها في الكتاب المحكم، بصريح الآيات:
يس 11: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ}
معها آيات: ق 33، الأنبياء 49، فاطر 18، الملك 13، الرعد 21، المؤمنون 57.
البينة 8: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}
النازعات 19: {وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى}
الأحزاب 37: {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} معها آيات: المائدة 3، 44 والتوبة 13 والبقرة 150، والنساء 77.
التوبة 18: {وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ}
وتسند خشية الله في القرآن إلى: الذين يبلغون رسالات ربهم، ومن اتبع الذكر، والمؤمنين، والعلماء، والذين رضى الله عنهم ورضوا عنه. . .
فإذا كانت خشية الله متوقَّعة من الجبل كما في آية الحشر، أو من الحجارة كما في آية البقرة:{وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} 74.
فذلك من رائع البيان الرقآني إذ يبث الحياة في الجامد الأصم، فيجعله بحيث يحس وينفعل، ويخشى الله ويخشع.
والخشوع كذلك، ليس من شأن الجبل الجامد، لأنه من أفعال القلوب. وإذا خشع الصوت أو خشع الوجه أو البصر، فإنما يكون ذلك من خشوع القلب.
ويتسق البيان القرآني في استعماله للخشوع، كمثل اتساقه في استعمال الخشية: فكل خشوع في القآن إنها هو لله تعالى:
يأتي وصفاً أو بياناً لحال المؤمنين، في هذه الحياة الدنيا، مطرداً بلا تخلف، بصريح الآيات:
الإسراء 107 - 109: {إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ
سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا}
المؤمنون 1، 2:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}
آل عمران 199: {خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا}
الأنبياء 90: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} ومعها آيات: البقرة 45، الأحزاب 35، الحديد 16.
فإذا جاء الخشوع، في البيان القرآني من المجرمين والكفار، فذلك إنما يكون منهم في اليوم الآخر الذي كانوا يوعَدون، بصريح السياق في الآيات:
الغاشية 1 - 4: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً}
وأمعن التدبر لهاذ الملحظ من المراد مجئ خشوع المؤمنين لله في الدنيا، وخشوع الكفار والمجرمين والظالمين ف6ي الآخرة، وسرُّه البياني - فيما ألمح - هو أن خشوع
الكفار لا يكون إلا بعد أن يأتي اليوم الذي يوعّدون فيخشعوا خوفاًَ ورهبة وذلة، على حين يخشع المؤمنون في الدنيا، عن صدق إيمان وتقوى، وخشية لله.
وفي آية الحشر، لا يمنع الجبلّ من الخشوع إلا أن هذا القرآن لم ينزل عليه، وإلا لرأيته خاشعاَ متصدعاً من خشية الله.
مثل يضربه الله تعالى للناس لعلهم يتفكرون.
فإذ كان الجبل الصلد الأصم بحيث يُرى خاشعاً متصدعاً من خشية الله، لجلال هذا القرآن، فكيف بالإنسان المدرك الواعي، المميز السميع البصير؟
قليل منه، وقد أُنزِل إليه هذا القرآن، لأن يُرى خاشعاَ من خشية الله، وإن الجبل لجدير بأن يُرى كذاك، لو أنزِل القرآن عليه.
ودون هذه الدرجة من الحس والتأثير والاعتبار، تُهدر إنسانية بجحود عقله وقسوة قلبه، فيكون أقسى قلباً من الحجارة وأكثف حِساً من الجبل:
{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}
* * *
زوج، وامرأة:
وترى البيان القرآني يستعمل لفظ "زوج" حيثما تحدث عن آدم وزوجه: (آيات البقرة 35 والأعراف 19 وطه 117)
على حين يستعمل لفظ "امرأة" في مثل: امرأة العزيز، وامرأة نوح وامرأة لوط، وامرأة فرعون.
قد يبدو من القريب أن يترادفا فيقوم أحد اللفظين مقام الآخر - وكلاهما من الألفاظ القرآنية - فنقول في "زوج آدم" مثلاً: امرأة آدم، وفي "امرأة العزيز": زوج العزيز.
وذلك ما يأباه البيان المعجز.
وهو الذي يعطينا سرَّ الدلالة في الزوجية مناط العلاقة بين آدم وزوجه في قصة أول زوجين من البشر. ولم تكن زوج آدم امرأة من أخريات. بل كانت وحدها الزوج، وكانت الزوجية، ولا شيء غيرها، مناط علاقتها بآدم، وسر وجودها.
ونتدبر سياق استعمال القرآن للكلمتين:
كلمة زوج تأتي حيث تكون الزوجية هي مناط الموقف: حكمة وآية، أو تشريعأً وحُكماً: في آية الزوجية قال تعالى:
وكذلك الأمر في "أزواج" بالحياة، في مثل آيات: الواقعة 7، والبقرة 25، وآل عمران 15، والنساء 56، والزخرف 70، ويس 56. . .
فإذا تعطلت آيتها من السكن والمودة والرحمة، بخيانة أو تباين في العقدية، فامرأة لا زوج:{امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا} يوسف 30، 51
- ومعها في امرأة لوط، آيات: العنكبوت 33، النمل 57، الحجر 60، الذاريات 81، الأعراف 83.
"امرأة فرعون" وقد تعطلت آية الزوجية بينهما، بإيمانها وكفره: التحريم 11 وحكمة الزوجية في الإنسان وسائر الكائنات الحية من حيوان ونبات، هي اتصال الحياة بالتوالد. وفي هذا السياق يكون المقام لكلمة زوج، وزوجين وأزواج، من ذكر وأنثى، كآيات: النساء 1، هود 40، الشورى 11، يس 36، الذاريات 49، النجم 45، النبأ 8. . .
ومعها: المؤمنون 17، الأنعام 103، الزمر 6، الرعد 3، لقمان 10، الحج 5، الشعراء 7، طه 53، ق 7. . .
فإذا تعطلت حكمة الزوجية في البشر بعقم أو ترمل، فامرأة لا زوج، كالآيات في امرأة إبراهيم وامرأة عمران (هود 71، والذاريات 29، آل عمران 35)
ويضرع زكريا إلى الله سبحانه:
{وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} مريم 5
{قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} - آل عمران 40
ثم لما استجاب له ربه وحققت الزوجية حكمتها، كانت الآية:
{فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} الأنبياء 90
وبملحظ دقيق من تقرير التكامل بين الزوجين، لم يستعمل القرآن الكريم كلمة "زوجة" - وإن صحت عربيةً - في الإفراد ولا في التثنية والجمع، بل هي زوجه وهو زوجها، وهما زوجان، وهن أزواجهم وهم أزواجهن،.. يطرد ذلك حيثما وردت الكلمة في البيان القرآني. . .
* * *
والمحققون من فقهاء العربية لم ينكروا الترادف في الألفاظ التي تختلف حروفها وموادها فحسب، بل أنكروه كذلك في الألفاظ تتفق مادتها وحروفها، وتختلف صِيَغُها وأبنيتها - إلا أن يجئ ذلك في لغتين - بل إنه لا يجوز أن تختلف الحركتان في الكلمتين ومعناهما واحد.
ونقل "أبو هلال" من ذلك مثلاً، صيغ المبالغة: "إذا كان الرجل قوياً على الفعل قيل فعول، مثل صبور وشكور. وإذا فعل الفعل وقتاُ بعد وقت، قيل فعَّال، مثل علام وصبَّار. وإذا كان ذلك عادة له قيل مفعال، مثل معوان ومعطاء. ومن لا يتحقق المعاني يطن أن ذلك كله يفيد المبالغة فقط. وليس الأمر كذلك. بل هي مع إفادتها المبالغة تفيد المعاني التي ذكرناها.
"وكذلك قولنا: فعلت، يفيد خلاف قولنا: أفعلت، في جميع الكلام، إلا ما كان من لغتين. فقولك: سيقت الرجل، يفيد أنك أعطيتة ما يشربه أو صببته في حلقه. وأسقيته: يفيد أنك جعلت له سقيا أو حظاً من المائ. وقولك: شرقت الشمس، يفيد خلافَ غرُبت، واشرقت يفيد أنها صارت ذات إشراق.
"فأما قول بعض أهل اللغة إن الشَّعَر والشَّعْر، والنهَر، والنَّهْر بمعنى واحد، فإن ذلحك لغتان. وإذا كان اختلاف الحركات يوجب اختلاف المعاني، فاختلاف المعاني أنفسها أولى أن يكون كذلك"
* * *
ويجلو لنا كتاب العربية الأكبر، هذا الملحظ الدقيق من فروق الدلالات بين الألفاظ تختلف حركاتها أو صِيَغُها من المادة الواحدة. . .
من ذلك مثلاً:
أشتات، وشتى:
مادتهما واحدة، والشتُّ والشتات في اللغة التفرق والاختلاف. وقد وردت المادة خمس مرات في القرآن الكريم، ثلاث منها بصيغة شتى، في آيات:
طه 53: {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى}
الليل 4: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}
الحشر 14: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى}
ومعنى الاختلاف، المقابل للائتلاف، هم ما يعيطه سياقها.
على حين يؤذن السياق بمعنى التفرق، المقابل للتجمع، في صيغة أشتات، يآيتى:
الزلزلة 6: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ}
النور 61: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا}
* * *
الإنس والإنسان:
يلتقيان في الملحظ العام لدلالة مادتها المشتركة على نقيض التوحش، لكنهما لا يترادفان، بل ينفرد كل منهما بكلحظ خاص يميزه عن الآخر:
لفظ الإنس يأتي في القرآن دائماً مع الجن على وجه التقابل. يطرد ذلك ولا يتخلف في كل الآيات التي جاء فيها اللفظ قسيماً للجن، وعددها ثماني عشر آية.
وملحظ الإنسية فيه، بما تعني من نقيض التوحش، هو المفهوم صراحة من مقابلته بالجن في دلالتها أصلاً على الخفاء الذي هو من ظواهر التوحش.
وبهذه الإنسية يتميز جنسنا عن أجناس خفية مجهولة غير مألوفة لنا، ولا هي تخضع لنواميس حياتنا.
وأما الإنسان فليس مناط إنسانيته فيما نستقرئ من آيات البيان المعجز. كونه مجرد إنس، وإنما الإنسانية فيه ارتقاء إلى أهلية التكليف وحمل أمانة الإنسان، وما يلابس ذلك من تعرض للابتلاء بالخير والشر.
وقد جاء لفظ الإنسان في القرآن الكريم في خمسة وستين موضعاً نتدبر سياقها جميعاً فتهدينا إلى الدلالة المميزة للإنسانية
هو في جنسه العام إنس:
{خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} الرحمن: 14
لكنه مع إنسيته، يختص إنساناً:
بالقراءة والعلم: العلق 1 - 5
والبيان: الرحمن 3.
والكسب والتكليف: الإنسان، النجم 39، القيامة 14، الإسراء 17.
والجدل: الكهف 54
ويحتمل الوصية: لقمان 14، العنكبوت 8
وهموم المكابدة واقتحام العقبة: البلد 4
ويحمل الأمانة التي أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها: الأحزاب 72
وهو الذي يتعرض لتجربة الابتلاء ومحنة الغواية: الفرقان 24، ق 16، الحشر 16، الإنسان 2، 4، الفجر 15
ويزدهيه الغرور فيطغى ويستكبر، ويضله وهمُ الاستغناء عن خالقه: العلق 6
وما أكثر ما يُذكر القرآن هذا الإنسان بضعفه وهَوَانِه، كبحاً لجماح غروره كيلا يتجاوز قدره فيطغى. وهو مظنة أن يتمادى به الغرور والطغيان إلى حد الكفر بخالقه والوقوف منه تعالى موقف خصيم مبين.
(النحل 4، مريم 67، الانفطار 6، فصلت 49، الزخرف 15، عبس 17، العاديات 6) .
* * *
النعمة، والنعيم:
اللفظان من مادة واحدة، وهما يلتقيان فب الدلالة العامة لمادتهما المشتركة. والمعاجم اللغوية لا تكاد تفرق بين الصيغتين، والمفسرون يؤولون النعيم بكل ما تحتمله الدلالة المعجمية للمادة.
ونستقؤئ الصيغتين في القرآن كله فنراه يفرق بينهما تفرقة واضحة:
كل نعمة في القرآن إنما هي لنعم الدنيا على اختلاف أنواعها. يطرد ذلك ولا يتخلف في مواضع استعمالها، مفرداً وجمعاً، وعددها ثلاثة وخمسون موضعاً.
وأم صيغة النعيم فتأتي في البيان القرآني بدلالة إسلامية، خاصة بنعيم الآخرة. يطرد هذا أيضاً ولا يتخلف، في كل آيات النعيم وعددها ست عشرة آية. منها خمس عشرة آية لا يحتمل صريح لفظها أي تأويل بغير نعيم الجنة:
الواقعة 89: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ}
المعارج 38: {أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ}
المطففين 22: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ} .
الشعراء 85: {وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ}
الإنسان 20: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} . . . {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا}
المائدة 65: {وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ}
يونس 9: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}
القلم 34: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ}
لقمان 8: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ}
الطور 17: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ}
الحج 56: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} معها آيتا: الصافات 43، الواقعة 12.
التوبة 21: {وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ}
وتبقى آية التكاثر، خطاباً لمن ألهاهم التكاثر:
{ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}
لا نستطيع أمام اطراد تخصيص القآن صيغة نعيم لنعيم الآخرة، أن نفسرها بنعمة من نعم الدنيا التي لا تأتي في البيان القرآني إلا بصيغة نعمة ونعماء ونِعَم. وسرُّ البيان فيها، أن الذين ألهاهم التكاثر في أعراض الدنيا عن اتزود لأخراهم، سوف يُسألون يوم يرون الجحيم، وسيرونها عين اليقين، عن النعيم الحق ما هو، وعندئذ يعلمون علم اليقين حققية النعيم الذي أضاعوه، وألهاهم عنه التكالب على نعم الدنيا الفانية والتكاثر في أعراضها الزائلة.
أكتفي بما قدمت من شواهد تؤيد ما ذهب إليه المحققون من أهل اللغة في إنكار القول بالترادف إلا أن يجئ في لغتين "فأما أن يجئ في لغة واحدة فمحال أن يختلف اللفظان والمعنى الواحد، كما ظن كثير من النحويين واللغويين. وإنما سمعوا العرب تتكلم بذلك على طباعها وما في نفوسها من معانيها المختلفة، وعلى ما جرت به عادتها وتعارفُها، ولم يعرف السامعون تلك العلل والفروق فظنوا ما ظنوه من ذلك وتأولوا على العرب ما لا بجوز في الحكم".
* * *
فأما ما كان من لغتين فقال فيه "ابن جنى" في (باب الفصيح تجتمع في كلامه لغتان فصاعداً) : وما اجتمعت فيه لغتان أو ثلاث، أكثر من أن يحاط به، فإذا ورد شيء من ذلك كأن يجتمع في لغة رجل واحدٍ لغتان فصيحتان فصاعداً، فينبغي أن تتأمل حال كرمه: فإن كانت اللفظتان في كلامه متساويتين كثرتُهما واحدة، فإن أخلق الأمر به أن تكون ف=قبيلته تواضعت في ذلك المعنى على تينك اللغتين، لأن العرب قد تفعل ذلك للحاجة إليه في أوزان أشعارها وسعة تصرف أقوالها. وقد يجوز أن تكون لغته في الأصل إحداهما ثم إنه استفاد الأخرى من قبيلة أخرى وطال به عهده وكثر استعماله فلحقت لطول المدة واتصال استعمالها بلغته الأولى. وإن كانت إحدى اللفظتين أكثر في كلامه من صاحبتها فأخلَقُ الحالين به في ذلك أن تكون القليلة الاستعمال هي المفادة، والكثيرة هي الأولى الأصلية. . .
"وإذا كثر على المعنى الواحد ألفاظ مختلفة فسُمِعَتْ في لغة إنسان واحد فإن أحْرى ذلك أن يكون قد أفاد أكثرها أو طرفا منها، من حيث كانت القبيلة الواحدة لا تتواطأ في المعنى الواحد على ذلك كله. هذا غالب الأمر وإن كان الآخر من وجه القياس جائزاً.."
* * *
وقد ينبغي لي أن أعترف هنا بقصوري عن لمح فروق الدلالة لألفاظٍِ قرآنية تبدو مترادفة، فليس لي إلا أن أقر بالعجز والجهل، وأنا أتمئل بكلمة ابن الأعرابي:
"كل حرفين أوقعتهما العرب على معنى واحد، في كل منهما معنى ليس في صاحبه، ربما عرفناه فأخبرنا به، وربما غمض علينا فلم نُلزم العربَ جهلَه".
* * *