الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ـ أـ
كلمة
في المغرب حواضر وبواد، وتاريخه العلمي العام لا يمكن أن يتكون تكونا تامّا إلا من التواريخ الخاصة لكل حاضرة من تلك الحواضر، ولكل بادية من هذه البوادي، فإذا كان بعض الحواضر فازت بما يلقى على تاريخها العلمي بعض ضوء ينير الطريق للسالكين، فإن تلك البوادي المترامية لا تزال إلى الآن داجية الآفاق في أنظار المتطلعين الباحثين، فهذه تافيلالت ودرعة والريف وجبالة والأطلس الكبير وتادلة ودكالة وأمثالها، قد كان لَها كلها ماض مَجيد في ميادين المعارف العربية، فهل يُمكن أن يَجد الباحث اليوم ما يفتح أمامه صفحاتها حتى يُدرك ما كان فيها طوال قرون كثيرة من النشاط والإكباب والرحلة في سبيل الثقافة، فكم سجلماسي ودرعي وريفي وجبالي وأطلسي وتادلي ودكالي وشاوي يمر باسمه المطالع أثناء الكتب، وكم مدارس، وزوايا علمية إرشادية في هذه البوادي لا تزال آثارها إلى الآن ماثلة للعيون، أو لا تزال الأحاديث عنها يُدَوِّي طنينها في النوادي، فأين ما يبين كنه أعمالها، وتضحية أصحابها، وما قاساه أساتذتها وأشياخها في تثقيف الشعب، وتنوير ذهنه، وتوجيهه التوجيه الإسلامي بنشر القرآن والحديث وعلوم القرآن والحديث، من اللغة والفقه وسيرة السلف الصالِح؟ أفيمكن أن يتكون التاريخ العام للمغرب تامّا غدا إذا لَم يقم أبناء اليوم -والعهد لا يزال قريبا- ولَمَّا تغمرنا أمواج هذه الحضارة الغربية الجارفة التي تُحاول منذ الآن حتى إفساد ماضينا بِما يكتبه عنا بعض المغرضين من أهلها -بِجمع كل ما يمكن جمعه، وتنسيق ما لا يزال مبعثرا بين الآثار، ومنتشرا أثناء المسامرات، فإنه لو قام من كل ناحية
ـ ب ـ
رجال باحثون ببذل الجهود؛ لتكونت بما سيهيئونه من التاريخ الْخاص لكل ناحية مراجع عظيمة، سيتكئ عليها الذين سيتصدرون للتاريخ العام المستوعب في العلم العربي المغربي غدا، بله الحوادث والأطوار المتقلبة، وما هذا الغد ببعيد، وتباشير فجره تلوح الآن في الأفق.
قد يَخطر في بال بعض الناس القصيري النظر: أن السجلماسي أو الدكالي -مثلا- إذا تصدى كل واحد منهما لِمثل هذا البحث في ناحيته، أن ذلك من العنصرية الممقوتة التي لا يزال المستعمرون أمس يضربون في كل فرصة على وترها لِجعل المغرب أشلاء ممزعة، مع أن هذا العلم ليس من العنصرية في شيء، فهل إذا توفر الطبيب للتخصص في بَحث ما حول عضو من أعضاء الذات، نلمزه بالعنصرية إزاء الأعضاء الأخرى؟ وهل إذا قام رب أسرة بكل ما تَحتاج إليه أسرته بالإنفاق عليها وحدها، وبالدفاع عن حقوقها، وتَحديد أملاكها الْخاصة، يلمز أيضا بالعنصرية؟ أو هل الذين كتبوا عن فاس ومراكش وأسفي وطنجة وتيطاون والعدوتين، وخصصوا كل مدينة على حدة، يلمزون بالعنصرية؟ إن هذا لَخطل في الرأي، وخطأ في تقدير الأعمال، وسد للأبواب دون العاملين في ميدان خاص، وتثبيط لأعمال المجتهدين.
إن لليوم غدا، وإن في الميدان لأفراسا مطلقة، وإن أبواب العمل مفتوحة على مصاريعها أمام كل من يريد أن يعمل في أي ميدان من الميادين. وقد زالت الأعذار بالاستقلال، وأمكن لكل ذي عزيمة أن يعمل، فهل للكسالى أن ينتفضوا فيدخلوا في غمار العاملين، عوض أن يَملئوا الْجواء بالنقد الزائف، والأعذار الواهية، فعند الممات تظهر التركات، وإنَّما الأعمال بالنيات، ومن أبطأ به عمله؛ فلا يلومن إلا نفسه.
أقِلُّوا عليهم لا أبَا لأِبِيكُمُ
…
من اللوم أوْ سُدُّوا الْمكانَ الذي سَدُّوا
هذا وإنني -أنا ذلك السوسي المولع بالتاريخ منذ نشأته- لأبذل كل ما في إمكاني للكتابة عن بادية سوس، منذ نفيت إليها في مُختتم:(1355هـ)، إلى أن أفرج عني الإفراج التام في مُختتم (1364هـ). توفرت
ـ ج ـ
على ذلك، وجمعت فيه جهودي ومَن لَم يتوفر على شيء ويَجمع فيه جهوده؛ فقلما يعطيه حقه من البحث، فقد سودت في (إِلْغ) مسقط رأسي، حيث ألزمت العزلة عن الناس، أجزاء كثيرة تناهز خمسين جزءا في العلماء والأدباء والرؤساء والأخبار والنوادر، والهيئة الاجتماعية، وما هذا الكتاب (سوس العالِمة) إلا واحدا من تلك الأجزاء، وكلها مقصورة على أداء الواجب عليَّ، من إحياء تلك البادية التي سبق في الأزل أن كنت ابنا من أبنائها، ويعلم الله أنه لو قدر لي أن أكون ابن تافيلالت أو درعة أو الريف أو جبالة أو الأطلس أو تادلة أو دكالة؛ لرأيتُ الواجب عليَّ أن أقوم بِمثل هذا العمل نفسه لتلك الناحية التي تَنْبُت نبعتي فيها؛ لأنني من الذين يرون المغرب جزءا لا يتجزأ، بل أرى العالم العربي كله، من ضفاف الأطلسي إلى ضفاف الرافدين وطنا واحدا، بل أرى جَميع بلاد الإسلام كتلة متراصة من غرب شمال أفريقيا إلى أندونيسية، لا يدين بدين الإسلام الحق من يراها بعين الوطنية الضيقة التي هي من بقايا الاستعمال الغربي في الشرق، بل لو شئت أن أقول -ويؤيدني ديني فيما أقول-: إنني أرى الإنسانية جَمعاء أسرة واحدة، لا فضل فيها لعربي على عجمي إلا بالتقوى، والناس من آدم، وآدم من تراب (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).
إيه فهذه سوس وجدت من هذا السوسي من يبذل جهوده حول إحياء تاريخ بعض رجالاتها، فليت شعري هل تَجد البوادي الأخرى، بل وبعض الحواضر التي لَم يكتب عنها بعد أي شيء من تثور فيه الحمية المحمودة -وفي ذلك فليتنافس الْمُتنافسون- فيفتح لنا الأبواب التي نراها موصدة؟ إننا أيها الفيلالي والدرعي والريفي والجبالي والأطلسي والتادلي والدكالي لَمنتظرون أم يذهب هذا النداء كصرخة الوادي بين ثنايا الصدى؟
وبعد: فإن تاريخنا لَم يكتب بعد كما ينبغي، حتى في الْحَواضر التي كتب عنها كثيرون قديما وحديثا، فهذه مراكش التي كتب عن رجالاتها الزائرين والساكنين شيخنا سيدي عباس، لَم تفز بعد بِمن
ـ د ـ
يكتب عن نواح شتى من أدوارها التي تقلبت فيها، وقد كنت أجمع كتابا في ذلك سميته:(مراكش في عصرها الذهبي) مشيت فيه خطوات، ومقصودي إظهار مراكش كما هي سياسيّا وعلميّا وأدبيّا واجتماعيّا في عصر المرابطين والموحدين، وبينما أنا مُكبٌّ على جَمع المواد -وما أكثرها- بِمناسبة استيفاء مراكش إذ ذاك سنة (1354هـ) تسعمائة سنة، إذا بالنفي مُختتم (1355) نادى مناديه، فتركت على رغمي الكتابة حول مراكش الذهبية التي هي العاصمة العظيمة للمغرب ردحا من الزمان إلى الكتابة حول تلكم القبائل التي تكانف هذه القرية الساذجة المغمورة (إلغ)(1)، (ولو خيرت لاخترت)، فقدر لبني هذه القرية ومُجاوريهم ولأساتذتهم ولتلاميذهم ولأصدقائهم كتاب (المعسول) الذي يصل الآن -وقد كاد يتم تَخريجه- عشرين جزءا، حوول فيه أن يكتب بإسهاب كل ما أمكن عن السوسيين بأدنى مناسبة، ثم ليس ذلك كله بالتاريخ المطلوب عن سوس، وإنَّما المقصود جَمع المواد لمن سيكتبون وينظمون غدا، وهذا هو الواجب الآن علينا. وأما أن ندعي أننا حقيقة نكتب التاريخ كما ينبغي، فإن ذلك إفك صراح، أولا ترى أن لك من عرف فاسا، وما أدراك ما فاس، واستحضر ما كتب حولَها من القرن الرابع إلى الآن كتابة ناقصة مُجحفة، وقد أدرك الدوز العظيم الذي مثلته فاس لا في المغرب ولا في شمال إفريقية وإزاء الأندلس فحسب، بل وفي العالم الإسلامي أجمع - يوقن أن تاريخها لَم يكتب بعد كما يَجب أن يُكتب - فكثيرا ما أقول: لو تصدى باحث أو باحثون لكتابة تاريخ فاس من نواحيها كلها؛ لفتحوا صفحة عربية ذهبية وهاجة طافحة، وربما تنسي كل ما كتب عن بغداد ودمشق والقاهرة. فهذا (تاريخ تطوان) لأخينا الأستاذ محمد داود المستوفي ثماني مُجلدات- وهو التاريخ الوحيد المستوفي لكل جوانب التاريخ المطلوب عن إحدى مدننا- قد كتب عن مدينة ربما كان جانب خاص من جوانب فاس أطفح وأعظم من جَميع جوانب تطوان في كل أدوار حياتها، ولكن حسن التنسيق من المؤلف، والإكباب على جَمع النظائر، وحسن الترتيب، ومُحاولة الاستيعاب، قد كست الكتاب حلة
(1) إلغ بكسر فسكون.
ـ هـ ـ
براقة أخاذة بإبصار المطالعين، ومن لنا بِمثله عن فاس الْمَاجدة العظيمة التي هي فاسنا كلنا لا فاس سكانَها وحدهم؛ لأن فاس فاس العلم والفكر والحضارة، لا فاس شيء آخر، وإن تاريخ المغرب الثقافي العام ليكاد كله يكون كجوانب الرحى حول قطب فاس، فهأنذا أعلن عن سوس هذه التي أولعت بها، أن أول عالِم سوسي عرفته سوس فيما نعلمه هو وجَّاك، وهل هو إلا تلميذ أبي عمران الفاسي، وأنا هذا الذي أحسن مني بهذه الهمة، هل كنت إلا تلميذ علماء آخرين، وأجلهم وأكثرهم تأثيرا في حياتي الفكرية العلماء الفاسيون، وليت شعري كيف أكون لو لَم أقض في فاس أربع سنوات قلبت حياتي وتفكيري ظهرا لبطن، ثم لَم أفارقها إلا وأنا مَجنون بالمعارف جنون قيس بن الملوح بليلاه، حتى نسيت بها كل شيء.
فهكذا فاس، فهذ الأستاذة أمس واليوم، وكل أنْحَاء المغرب تلاميذ لَها، ولعل القارئ عرف ما ذكره المراكشي الصميم صاحب (المعجب) عن فاس في وقت ازدهار مراكش في عصرها الذهبي من الإشادة بِها، وتلك مزية كتبت لفاس من الأزل، فكانت أحق بِها وأهلها، أفيجمل بِمدينة مثل هذه تطفح بالشخصيات النادرة من العباقرة ما بين لغوي وأديب وطبيب وفيلسوف ومشرع ومُصلح وسياسي وصوفي، زيادة عما مضى فيها من الحوادث التي كانت هي الحاسمة في كل أدوار الحوادث في المغرب كله، أن تبقى بلا تاريخ مفصل منظم، مع أن ذلك في دائرة الإمكان؟
وبعد فليسمع صوت هذا السوسي كل جوابن المغرب من أعظم حاضرة إلى أصغر بادية، فلعل من يصيخون يندفعون إلى الميدان، فنرى لكل ناحية سجلا يضبط حوادثها، ويعرف برجالها، ويستقصي عاداتها، فيكون ذلك أدعى إلى وضع الأسس العامة أمام من سيبحثون في المغرب العام غدا على منضدة التاريخ المغربي العام.
ثم أقول لإخواننا السوسيين من الشباب: لا تظنوا أنني في كل ما سودته مما كتبته في مُختلف تلك الأجزاء الخمسين مِما خصص بالرجال أو بالحوادث أو بالرحلات أديت به حتى عشر المعشار من الواجب عن
ـ وـ
سوسهم، فإنني ما عدوت أن جَمعت ما تيسر جَمعا بسيطا كيفما اتفق، بقلم متعثر، وأسلوب لا يزال يتتبع خطا أساليب القرون الوسطى؛ إلا أنني لا أنكر أنني حاولت فتح الباب فبذلت جهدي، وأفرغت وسعي، فكم غلط لا بد أن يقع لي، وكم من تَحريف أو تصحيف اسم لا جرم واقع فيه، فعليهم أن يقوموا ليستتموا وليصححوا الأغلاط، فهل من مُجيب؟
وبعد؛ فإليك أيها القارئ الكتاب الأول من تلك المجموعة التي تضم زهاء خَمسين جزءا تَحت أسْماء مُختلفة، فادع الله أن يُيسر موالاة نشر تلك الكتب كلها بفضله، وكرمه، على أنها لا تنشر إلا بتنشيطك وإقبالك عليها.
وقد كان ينبغي لِهذا الْجزء أن يَخرج إلى الوجود مُنذ جَمع سنة (1358هـ)، ولكن تأخر خروجه فكان في تأخره فوائد؛ منها: تنقيحه والزيادة فيه بِحسب الإمكان، وههوذا الآن وفق ما تيسر، لا على حسب ما ينبغي من التحرير.
فما كان فيه من فائدة جديدة في عالَم التاريخ المغربي ففضل من الله على مغربي لا يطول إخوانه بزيادة علم أو فضل، وما كان فيه من تقصير -وهو لا بد كائن- فإن التقصير من لوازم البشر.
وأي عمل من أعمال البشر يسلم؟! فالله الموفق والستير للعيوب.
الرباط 1379
مُحمد المختار السوسي
لطف الله به