الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إنَّما ذكرنا هذا كله؛ ليعرف من يتصدى لتلك الناحية ليؤرخها تاريخا حقيقيّا أن المراجع لا تعوزه بالكلية، زيادة على ما سيجده عند الأسر من مشجرات الأنساب، وما سيلقاه من الكنانيش، ومن كتب النوازل وأقوال الناس وأشعار الشلحيين، فقد استمددت أنا كثيرا من الفتاوي البرجية والعباسية والسَّميحية وأمثالَها أسْمَاء وعلماء متعاصرين، ومن أراد أن يستمد منها العادات والمألوفات فإنه سَيجد في ذلك شيئا كثيرا، وكنْزا لا ينضب، فقد سَمعت يوما من ابن غيل الشاعر الشلحي الأقاوي المفوه، قصيدة شلحية بليغة في الواقعة التي كانت عام (1291هـ) بين الجراري وسيدي الحسين بن هاشم، فإذا بي أشده بتصوير ذلك وترتيب وقائعه، وهناك أيضا قصيدة شلحية، يصف فيها قائلها كيف خرب مُحمد بن علي المنصاكي مدينة تامْدولت، وكذلك قرأت قصيدة مثلها لآخر في مُجادلات بين أحد باشوات تارودانت وبين أحد شيوخ إحدى القبائل المجاورة، يذكر فيها علاقة غرامية مع بنت ذلك الشيخ، وما جرى حولَها، وهكذا يَجد المؤرخ الباحث المواد من كل ناحية، حتى مِما لا يؤبه له، والفائدة هي المنشودة، فتلتقط ضالتها حيثما توجد.
على أن تاريخ بلاد سوس لا يزال كله بكرا غير مفتض، ولَم تُكتب منه إلا شذرات، فهأنذا أقر أنني -وإن بذلت من المجهود ما بذلت- ما جمعت مِما أمكن جَمعه إلا قليلا ضئيلا؛ لاتِّساع الرقعة، ولعدم تيسر الاتصال المطلوب مع كل أحد، حتى التاريخ العلمي للعهود الأخيرة، فإن كل ما حرصت على جمعه حوله؛ لن يبلغ الحد المطلوب ولا نصيفه ولا قاربه، لعدم حرية التجول أمس، ولاشتغالي بالوظيف بعد استقلالنا اليوم، وكل ما تقممته هنا وهناك، فإنَّما خطفته كما يَخطف الباشق من ثَمرات البستان الذي لا يغفل ناطوره، وعلى من يأتون أن لا ينظروا إلى كل ما جَمعته إلا نظرة من يَجد بين يديه بعض المصادر، ثُم عليه أن يَجتهد حتى ييسر مصادر أخرى، زيادة على الأغلاط التي لا بد أن تكون مني كثيرة.
وبعد:
فإنني لَم أعرج في هذه المراجع على ذكر مؤلفات في التاريخ ذكرت لعبد الله بن يعقوب السملالي، وأحمد بن عبد الله التِّيزركِيني وأمثالَهُما؛ لأنني لا أظن ذلك موجودا، حين لَم يقع عليه باحث، ولا نقل عنه ناقل، وكذلك مثل كتاب (إنارة البصائر في أصحاب الشيخ ابن ناصر) الذي يعده الباحثون داخلا في دائرة الضياع، فلا معنى للتنبيه عليه بين
المراجع الموجودة حقّا أو المظنونة الوجود، وأمَّا لو كان موجودا؛ فإنه سيكون من أهم المصادر.
إن كل من أمعن نظره في كل ما تقدم مِما جالت فيه أقلام السوسيين يُدرك بادئ ذي بدء أن تاريخ سوس الحقيقي، لا يزال منتظرا من أحد السوسيين الذين لا يَخلو منهم هذا العصر الذي تنبهت فيه الأفكار، وعلت فيه الأنظار، فليت شعري هل أحيا حتى أرى بعض شبابنا الحي يتقدم فيُحصي كل قبيلة قبيلة، يُحصي ما يتعلق بِها جغرافيّا، بِما فيها من المساجد والجوامع والمدارس وبيوتات العلم والرئاسة، وذلك -بفضل الله- من أسهل ما يكون، وقد فتحنا له الباب، فما هي إلا خطوات فإذا به يَجد كل شيء أمامه، فتصبح كل قبائل سوس الحاضرة التي لا تعدو عشرات بينة التاريخ واضحة المعالِم، فلئن تَم ذلك ليكونن الكتاب على نسق كتاب (المغرب) لابن سعيد، ثُم لا يعدو مُجلدات، ولكنه يكون سِجلا لتاريخ ناحية من نواحي هذا القطر العزيز، وعسى أن يكون لكل ناحية من نواحي المغرب كالأطلس ودرعة وسجلماسة والريف، وقبائل الشمال من يقوم بِمثل هذا، فإذا بتاريخ المغرب يَحيا من جديد، وهذه المصادر الجديدة التي كتبت بأيدي الأجانب، تكون لنا خير مُعين، فنصحح خطأها، ونزيد تصحيحا لِما صَحَّ منها، وكلنا يَعلم أنه لَم تبق اليوم ناحية لَم يَجر فيها يراع أجنبي، بل يراعات، حتى اكتظت المكتبات بِها، فقد علمت عن سوس عشرات منها، ألمت بكل ناحية، خصوصا ما يتعلق بالأخلاق والعادات والاجتماع والاقتصاد، فهل فينا من يبرهن أنه يعيش حقيقة في القرن العشرين، وأنه تَملص من سباته العميق الذي كان استولى منذ القرون الوسطى؟