الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النهضة الأدبية الثانية 1269هـ - 1352ه
ـ
عرفنا كيف كانت المحاولة لإنعاش الأدب السوسي مستمرة كل أوائل القرن الثالث عشر وأواسطه، وإن هذه المحاولة ساعدها الجد، فهيأ لَها من حيث تعلم أو لا تَعلم -ما يقوم لَها مقام التشجيع الذي قلنا أنه لا بد منه لكل نَهضة أدبية، فالتشجيع ملاك الأدب، ومدعاة القرائح إلى التفجر بالْمَاء المعين، فقد خلق لِهذه الحركة رجال أولعوا بالأدب غاية الولوع، فكان لَهم من مَحبتهم لفنه، والْخَوض في بَحره، ومناغاة معانيه، واقتطاف روائعه، واجتلاء أفكاره، ما قام لَها مقام التشجيع المادي الذي كان الأمراء يقومون به في كل النهضات الأدبية، في أدوار تاريخ الخليقة، منذ عرف الاستمتاع بتلك الناحية التي تنفح بروائح الْجَنَّة.
كنا عرفنا فيما تقدم أن تلك الْحَركة الأدبية كانت تنبعث من المدرسة الجشتيمية المباركة، فتتسع دائرتها بأعمال بنيها المتخرجين، وبأعمال من ينافسونَها من أبناء ضرتها المدرسة التيمجيدشتية، فتكشفت سنة (1269هـ) التي جعلناها ختام ذلك الطور الثالث، طور مُحاولة إنعاش الأدب، عن ارتكاز الأدب في المدرسة الجشتيمية، كما ارتكز بعض ارتكاز في المدرسة الأدوزية، فهكذا قدر لِهذه النهضة أن تكون ذات شعبتين من أول يومها، فصح لنا أن نراعي أعمال تينك المدرستين الجشتيمية وما إليها، والأدوزية وما إليها، زيادة على أدباء (سَجْرَاديِيِّن) و (رودانيين) و (إجْرَارِيِّين) رأينا قصائدهم في مَجموعة قصائد (1) قدمت لِمَولاي الْحَسن من السوسيين قبل أن يكون على العرش، ثُم إن أردنا أن نتثبت في كيفية انتشار حب فن الأدب هذا الانتشار الغريب الذي أدركناه وعرفنا غوره؛ فلا بد أن نتتبع ما قامت به الشعبتان، كل واحدة في دائرتها.
تولى الأستاذ مُحمد بن العربي قيادة المدرسة الأدوزية، فكان زعيم الأدب الأدوزي الذي يطاطئ الرأس لتيمجيدشت، ويعد قوافيه للإشادة بِمجدها وللذود عن حِيَاضِها، وقد قدر لِهذا الأستاذ أن يكون ذا تأثير قليل في تثبيت أركان هذه النهضة بِما أوتيه من صلابة الرأي، وأريحية النفس، وسلاسة الطبع، مع ضعف كثير ملموس في الذي وقفنا عليه في القوافي، ثُم نشأ بتأثيره كما ذكرناه، الأدب البونعماني على يد من يمت إلى
(1) هي في خزانة القاضي سيدي عباس المراكشي، وعندنا فرع منها.
ابن العربي بالتلمذة: مُحمد بن مسعود، فلم ينشب أن ظهر بعد (1309هـ) في الميدان، فحسب له حساب كبير، فوجب علينا لارتكاز مقامه ارتكازا عجيبا في هذا الفن أن نقرنه في قيادة هذه الشعبة الأدوزية بالأستاذ ابن العربي، وأن نَجعل له إزاءه منصة سامية يتسنمها، ثُم تَخرج بِهما أناس، وأكبر من تَخرج بابن العربي الأستاذ الأديب: أبو فارس الأدوزي، شارح المعلقات والشمقمقية، ورسالة ابن زيدون، والأستاذ المؤرخ الإجراري الأريحي، صاحب اليراع الحاد، والنزوع إلى الأدب بكل جوارحه، والأديب الدغوغي، والأديب أبو زيد الإيسي، وقد كان الأديب الشاعر الحبيب السكراتي أيضا من هذا الرعيل معاصرة ومُجاورة ومنافسة، وكالأديب عبد الرحمن البزي الحامدي في طائفة تَجاذبت إذ ذاك القوافي هناك. ومن بين مَن تَخرجوا بابن مسعود: مُحمد الحضيجي، والحسين التَّالعِينتِي الأديبان الممتازان، وأمثالَهُما؛ كالطاهر السماهري، والْحَسن بن عبد الرحمن الإجراري، فهكذا أدى المحمدان ابن العربي وابن مسعود لِهذه الشعبة الأدبية التي يقودان زعامتها ما أديا، فكان لأعمال هذه الشعبة بِهما وبِمن يتقفاهما آثار تتأيد بِها النهضة الأدبية السوسية العامة.
هذا مُلخص ما قام به هذا الفريق، أمَّا المدرسة الجشتيمية والشعبة الأدبية التي كانت زعيمتها؛ فإنَّها أحظى من أختها انتشارا فقد رأس الأديب البارع أبو العباس الجشتيمي ولد أبي زيد هذا الفريق منذ حوالي (1269هـ)، وهي السنة التي توفي فيها والده أبو النهضة؛ ولذلك أنطنا توسعها به -كما ترى- فأصدر أدباء كبارا لَهم آثار خالدة؛ كالحاج الحسين الإفراني، والْحَاج ياسين الواسخيني، ومُحمد بن إبراهيم التامانارتي الإفراني وأمثالهم، ثُم رأيناهم وبعض من تَخرجوا من تلك المدرسة، يسيرون بِهذه النهضة إلى الأمام، فنبغ من بين تلاميذ الأستاذ مُحمد بن إبراهيم التامانارتي ثم الإفراني مُحمد بن عبد الله الإلغي مؤسس المدرسة الأدبية، فكان حظ ابن إبراهيم بسبب ما انتشر من تلميذه هذا أجلى وأعلى مِمَّا انتشر عن الوَسخيني، والْحَاج الحسين، والحاج داود، والْحَاج مُحمد اليزيدي الإيسي، وأحمد (أمزاركو) السندالي، فإننا لا نرى لِهؤلاء كبير أثر إلا ما كان من الأخير، فإنه ثقف الأديب أبا عمران الرسْمُوكي قاضي تارودانت، كما أن للحاج داود أثرا ظاهرا من وراء أعمال تلميذيه الصوابيين اللذين خرجا مثل ابن إسْحَاق أحد أدباء الكرسيفيين اليوم،
وإن كان النابغة العثماني هو أديب سوس حقّا على الإطلاق؛ وإلا ما كان من الأديب الحاج مُحمد اليزيدي، فإن له تأثيرا كبيرا، غير أن أعماله اندمجت بين أعمال تلاميذه الإلغيين، أمَّا مُحمد بن عبد الله الإلغي المثقف بابن إبراهيم التَّامَانارتي؛ فإنه أسعد حظّا من كل من ذكرناهم من الرجال الأدباء في هذا الفريق الجشتيمي وغيرهم، فإنه أسس مدرسة وأتاه فيها السعد، فكانت كأنَّما تأسست معهدا أدبيّا فقط، فأدت في عهد مؤسسها ثم في عهد خلفه أبي الحسن علي بن عبد الله، ما كان لِهذه النهضة كتاج مرصع فوق هامتها.
حقّا نالت المدرسة الإلغية في الاعتناء بالأدب وتَجديد الأسلوب والانتقاد العلني، وكثرة المدروسات الأدبية، وتعدد ما يَجعلونه كشرط أساسي لِمن أراد أن يتعالى إلى سَماوات الأدب، مَا لَم يلحق فيه غُبارها غيرها، ولا شاهد على ذلك إلا العيان لأعمال لا تزال بيننا مَحسوسة إلى الآن آثارها الباقية، والنهار لا يَحتاج إلى دليل، فقد اعتنت بالأدب وتنوعت في التثقيف حتى اهتدت إلى الثقافة الأندلسية، فاتخذتها محورا خاصّا لأدبها؛ فلذلك يَجعل (نفح الطيب) هجيري كل متأدب إلغي، حتى أن منهم من يكاد يَحفظ غالب كل مُختاراته، وأمَّا استحضار الطرف من مُحتوياته من القصائد والرسائل والتراجم والنوادر والطرف الأدبية؛ فهو عند أكابرهم؛ كالحديث عند البخاري وابن معين، وليس على من يرتاب في هذا، ويُحمل هذا الحكم على الغلو إلا أن يلاقي أستاذينا: مولاي عبد الرحمن (البوزاكارتي)(1)، ومُحمد بن الطاهر، وصاحبنا أحمد اليزيدي، ومُحمد الحامدي وأمثالهم، فإنَّهم لا يزالون يرزقون إلى الآن (2).
خرجت المدرسة الإلغية كثيرين ينيفون على المائة، يندر فيهم من لَم يرم بسهم في الأدب، فضلا عن مَحبته وقدر قدره، فالشاعر الإفراني وأحمد بن صالِح (التَّانكرتي)، وأبو القاسم (التَّاجَارمُونتِي)، والطاهر، والبشير الناصريان، وابن الحسين بوكرع البعمراني، وأحمد بن سعيد الأجْمَاري، والْهَاشم القاضي الأقاوي، وإدريس (التَّاغاجِّيجتي)، ومُحمد، والطاهر، والْحَسن، والمدني الإلغيون، وشيخنا عبد الله بن مُحمد الصالِحي، وعلي بن صالِح الأفقيري، ومولاي عبد الرحمن (البوزاكارني)، وأحمد اليزيدي، ومُحمد بن الْحَاج (التُّوزونتِي)، ومُحمد الكثيري،
(1)
نزيل الرباط في هذه السنوات: فهو نموذج حي لأدباء سوس وعلمائها في الاستحضار.
(2)
توفي الأخيرون بعد كتابة هذا: ولكل تراجم واسعة في (المعسول) طافحة بآثارهم الأدبية.
وإبراهيم (التَّازيلالتي) الرَّسْموكي، وعلي بن الطاهر الرسْمُوكي، ومُحمد بن علي التملي، وأحمد البنائي الأغثاني، ومُحمد (أوبَالوش) القاضي العبلاوي، وكثيرون أمثالَهم من الإلغيين وغيرهم مِمَّن درجوا، ومِمن لا يزالون أحياء، وكلهم مِمن مر بتلك المدرسة، وتشبع بروح أدبية فائقة، وغالبهم جيد القول، مقبول المنزع إن وزن بِميزان بيئته، ثُم كان من هؤلاء المتخرجين من هناك سير آخر إلى الأمام، وأحظاهم في هذا المقام: الشاعر الإفراني شيخنا الأخير، فإنه خرج البشير (العَزِّييِني)، (التَّانكرْتِي)، وولده مُحمد بن الطاهر، والحسن الكوسالي، وداود الرسْموكي، ومُحمد الحامدي، ومُحمد بن مُحمد التملي الدمناتي المدفن، ومُحمد بن الطيب التِّيزي الصائغ وآخرين.
هكذا قام عمل مُحمد بن عبد الله الإلغي، وعمل مُحمد بن مسعود البونعماني، وعمل مُحمد بن العربي الأدوزي بِما شيد أركان نَهضة أدبية آتت أكلها، وكتب لَها سعدها أن يبقى غالب آثارها حتى يدرسها من أراد أن يكون وراء درسها على يقين من مدى سموها، ومقدار ما لَها من البلاغة والبراعة (فليس الخبر كالمعاينة).
أمَّا مستندات هذه النهضة بالإجمال؛ فمن دراسة الكتب الأدبية الموجودة، كالمقامات الحريرية التي عم تدريسها في كل النواحي من عهد بعيد، ولا تزال تدرس دائما إزاء التحفة؛ كالمعلقات، والزيدونية، وبانت سعاد، والطغرائية، والمقصورة الدريدية، والوردية، والدالية اليوسية، والشقراطيسية، ويزيد الأدوزيون دراسة ميمية الحامدي، وديوان المتنبي، وقلائد العقيان بشرح ابن زاكور، يدرسونَها بالأنصبة اليومية، ويزيد البونعمانيون مقامات بديع الزمان، وديوان المعري، ويزيد عبد العزيز الأدوزي في البوعبدلية ديوان الحماسة، وينفرد الإلغيون بالاعتناء الكبير بدراسة نَحو نفح الطيب، والعقد الفريد، وخزانة الأدب الكبرى، وطبقات ابن خلكان لا يتدارسونَها بالأنصبة، بل بالتتبع ثبات ثبات في أيام الاستراحة من توالي الدروس العامة، فتجد أحدهم تلا أمثال هذه الكتب مرات، كما يعتنون كذلك بِمروج الذهب، وحياة الحيوان الدميري، المشحون بالأدبيات، والمستطرف، وثَمرات الأوراق، وتزيين الأسواق، وكثير من الدواوين الشعرية، وهذه تروج كثيرا زيادة على اعتنائهم بالتثبت في اللغويات بكثرة مراجعة القواميس، وذلك أول ما يتعلمه متأدبهم من الخطوة الأولى، كما لَهم أيضا ولوع بِمثلث قويدر، ومَنظومة ابن المرحل
لفصيح ثعلب، وربَّما يُحاول بعضهم حفظ ذلك المثلث كله، ثُم ينفرد كل فريق أو أفراد بكل ما تناوله أيديهم من وراء هذا أيّا كان، وهم يعتنون بِحفظ المقامات الحريرية مع استحضار كل ما كان في شرحها للشريشي، ولا يُمكن أن تَجد من نُجبائهم من لَم يكن حفظ منها فيهم إلا تَحلة القسم، كما لا يُمكن أن تَجد منهم من لا يَحفظ كثيرا من نوادر الأبيات والأمثال العربية، فيدور ذلك في مُحاوراتِهم وفي أسْمارهم، فتجد رسائلهم مشحونة بذلك، حتى رسائل بلدانهم ومُحاورات أشباه العامة من متطلبتهم، وهذا كله شائع ذائع عنهم حتى ليعابون من الجامدين على الفقه وحده بِهذا اللهج الشديد بِهذه الناحية؛ كما عَابَ الأستاذ الرفاكي الإلغيين بذلك عن حسن نية، ولكن لسان حالِهم يُجيبهم بِهذا البيت:
ذاك الذي تكرهون مني
…
هو الذي يشتهيه قلبِي
أمَّا مَجالات أدبياتِهم؛ فإنَّها كما تعتني بالقافية تعتني أيضا بالترسل، فبين أيدينا الآن عشرات وعشرات من رسائلهم بينها ما فيه براعة فائقة، ولا أثلج للصدر من رسائل كان طلبة المدارس في عنفوان هذه النهضة يتراشقون بِها بينهم عتابا أو موادة أو مساجلة، وهي طويلة مسجعة مفعمة بالأبيات اللطيفة والأمثال الحكيمة، وقد دارت بين الطلبة المتأدبين في مدرسة إلغ وبين مدارس بومروان وإفران وأداي وإغشَّان وتَانَالْت وبونعمان وإيغيلالن رسائل من هذا النوع الذي يرمون فيه إلى الترسل الأندلسي الجميل، وأمَّا قوافيهم فإنَّها تطرق غالبا المديح، والرِّثاء، والإخوانيات، والمجاذبات، والجناب النبوي، والتشكي من الدهر، والعتاب، والهجو، وقلما نقف منها على خلاف هذه الأنواع، كما وصل إليه تتبعنا لذلك متقصين (1).
هذا الذي نصف به هذه النهضة يدخل فيه كله البونعمانيون والأدوزيون والإفرانيون والإلغيون، ثم يسري ذلك إلى مدارس أخرى تريد أن تتشبه بِهذه؛ كمدرسة (تاهَالا) حين كان المانوزي وطبقته من تلاميذ (الأسَكاري) يتشبهون بالإلغيين في الأدب، فنبغ بذلك المانوزي، وما ذلك إلا لأن لِهذه النهضة تأثيرا كثيرا شاملا مَجرور الذيل، حتى لينحاش فيها إلى الأدب من ليس في العير ولا في النفير، بل وقفنا على بعض
(1) في تراجمهم في (المعسول) سيق كل ذلك سوقًا يكاد لا يبقى ولا يذر إلا ما لا يمكن أن يساق لإسفافه.
السرقات لبعضهم من نثر الإلغيين أو من شعرهم، ينسبه لنفسه (1) تزينا وتَجملا به، فكم فقيه يلج الحلبة بين هؤلاء، فيتخذ متندر المحافل الأدبية ما شاء الله، حتى أننا لنعجب أن رأينا مثل (أعْبُّو) و (الأسْكَاري) الأستاذين الفقيهن، يُخرجان مثل الأديب المانوزي، مع أنّهما غير مَوْصُوفيْنِ بالنّزوع إلى الأدب، وما ذلك إلا من تأثير هذه النهضة المائجة على أمثال المانوزي، فيتأدب هو وأمثاله بِجهودهم على حدة، ثُم لا يفوتنا أن ننبه على ظاهرة في (إلغ) لَم تكن في غيرها، مِما يشاركها في الاعتناء الأدبي؛ وهي وجود ندوة أدبية انتقادية يعرض أمامها كل شيء، فتقبل وترد، وإن كانت لا تَخرج عن دائرة المجاملات وتتخذ انتقاداتها في صفة إرشادات، وكان رئيس هذه الندوة أبا الحسن علي بن عبد الله الإلغي الأديب الكبير، فلا تَخطر قصيدة جديدة، أو رسالة حديثة كيفما كانت وإن لَم تكن إلا من مبتدئ في خطوته الأولَى إلا وتتلى في المجمع، والعيون شاخصة، والأسْمَاع مرهفة فيشاد بِما للمجيدين، ويرشد بالملاطفة غير المجيدين، فهذه الندوة لَها تأثيرها كثيرا في الإشادة بالأدب الإلغي وفي تنشيطه إلى الأمام؛ لأن بعض القائلين قد تبلغ منهم كلمة يُحبذ بِها ما لا تبلغ جائزة كان غيره يتسلمها من يد مَمدوح في بلاط. ولا يدري إلا الله كم قصيدة مرت في هذه الندوة؛ لأن العادة استمرت أنه كلما حضرت فرصة أن تستنبط القرائح، فعند كل ولادة لِمعتبر عندهم، أو وفاة فاضل، أو قدوم أديب، أو توديع آخر، أو قيام عرس، أو ختم مؤلف يدرس، أو مناسبة ما، تَجد القصائد يُرمى بِها بين يدي رئيس الندوة، وقد يصل عددها أحيانا ما فوق العشرة، أفلا يكون هذا هو الباعث حتى بلغ الأدب الإلغي ما بلغه مِما لَم يدركه سواه في سوس.
ثُم إن الإلغيين والأدوزيين والبونعمانيين، كان من عادتِهم أن يُخاطبوا تلاميذهم شعرا أو نثرا في كل فرصة ينتهزونَها، ثُم يقترحون على كل أحد أن يُجيب كي يتمرن الطلبة بذلك، وقد وقفنا على آثار غير قليلة في هذا الموضوع (2).
(1)
يوجد ذلك في تعزية بعضهم في سيدي الحاج عابد في (المعسول) من (القسم الرابع).
(2)
يوجد كل ما اتصلنا به من الآثار الإلغية في كتبنا (المعسول) و (الإلغيات) و (خلال جزولة) و (نجوى الصديقين) و (جوف الفرى) كما توجد آثار أخرى في كتاب (روضة الأفنان) للمؤرخ الأكراري وفي كتاب (تحلية الطروس) للمؤرخ السكرادي، وكذلك توجد مجموعة قيمة طافحة تحت أيدي آل شيخنا سيدي الطاهر الأفراني مما كان يجول في حضرة شيخنا هذا وآله، وقد اقتبسنا منها للمعسول كل ما وافق شرطنا فيه.
وأخيرا أكفكف القلم، فقد كدت أتَجاوز الإيجاز في وصف هذه النهضة الكبيرة التي بلغت أشدها ما بين (1269هـ) وبين (1352هـ)، ثُمَّ وقف دولابَها إلا نادرا بعد الاحتلال؛ لتبلبل الأفكار، ولكون الحال يقتضي أن يشتغل كل واحد بِخويصة نفسه، فأدَّى إلى إقفال النادي الإلغي، فكاد ينتهي في إلغ كل شيء، لولا خطرات تسنح، فتتفجر بِها القرائح، وقد كانت بونعمان وأدوز انتهى منهما قبل ذلك هذا الفن أيضا فوجبت شمس الأدب السوسي بذلك في مدارس شتى، وذبل زهره إلا بقايا هنا وهناك لذهاب البواعث، ولا يدوم إلا الله، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، فلم يبق إلا دور تسجيل ذلك (1) لئلا يَجرفه النسيان، فهذا ما تعزم عليه منَّا الْهِمَّة إن شاء الله.
فلنذكر بعض أشعار ورسائل عن هذا الطور أيضا؛ اتِّبَاعا لِمَا كُنَّا نصنعه في كل الأطوار المتقدمة، ولا نتعدى غاية الإيجاز، وإلا فإن الموضوع زاخر الآثار جدّا، ونَحن جد حريصين على جَمع شتاتِها في كل ما يَجول فيه يراعنا، مِمَّا نَجمعه في هذا المنفى، فنزجي به الآن الوقت في هذه العزلة الجبرية، ولنختر ما يوافق أذواق اليوم في الجملة؛ لأن في جل ما في آثار هذا العهد ما تنبو عنه أسْمَاع كثيرين مِمَّن مازج الأدب الحديث أذواقهم، وإن كانت له روعة ما في تلك البيئة إذ ذاك؛ لأن هذه النهضة الأدبية السوسية، وإن كانت بنت هذا العصر، هي بِمعزل تام عن الأدب الحديث، وقد ضرب ما بينهما بسور من حديد، حتى لَم يكن لأسلاكهما أدْنَى اتِّصَال إلا من سنوات قليلة جدّا (2)، ولِهذه الحيثية مكانتها عند من يريد أن يبحث تَحت ضوئها في آثار هذا الطور إن كان من المنصفين، وكان من الذين يراعون المشقة العظيمة التي تكون أمام المتأدب السوسي العجمي قبل أن يتذوق الأسلوب العربي في سماوات فصاحته ومُحيط بلاغته.
قال الأديب أبو العباس الجشتيمي في المولى عبد الرحمن العلوي من قصيدة ليس عندنا منها إلا ما نسوقه مطلعها:
اُحْدُ النياق بذكرهم يا حادي فالذكر عنهم سلسبيل الصادي (3)
(1)
كنا كتبنا هذا وقت العزم، وها نحن أولاء بفضل الله نكاد نتم تسجيل ذلك كله، فلم يبق إلا إخراجه للقراء إن شاء الله بالطبع جزءًا جزءًا.
(2)
نقول هذا سنة: 1358هـ، لكن الحالة تغيرت كثيرًا بعد ذلك.
(3)
الصادي: العطشان.
يقول عند التخلص:
من لَم يكن مستلئما متكميا
…
أنى يصاول في مَجال طراد؟! (1)
هذا الإمام أبو البسالة ما ارتضى
…
إلا بِحزم فل كل أعاد،
رأي كما جالت نوافذ بيضه
…
فتقد كل الغلب أعلى الْهَادي
(2)
فكأنَّما سجف الغيوب مزحزح
…
عنها يبصر رائحا من غادي
ورث المجادة والسيادة والعلا
…
عن ساسة ساسوا الورى أمجاد
خلقوا منَ انوار النبوة ما همُ
…
إلا الشموس سَمت على الأنداد
قد أنجبتهم من بني عدنان أمـ
…
ـلاك عظام من صدور النادي
فشبابهم كالشيب في آرائهم
…
وضراوة الأشبال كالآساد
بِخلاء بالأعراض لكن إن أتى
…
زاد، فما أنداهمُ بالزاد
من آل إسْمَاعيل كانوا من خيا
…
ر الناس لاقيناه بالأسناد
إلَى أن قال في أواخرها:
مولاي يا خير الملوك ونُخبة الـ
…
أبرار أهل الفضل والإسعاد
قد جل قدرك ما الذي سيقوله
…
فيه ذوو الإنشاء والإنشاد؟
تعيي مناقبك العظيمة من همُ
…
أهل البلاغة من فصاح إياد
أأرى أنا وأنا الفهيهة محصيا،
…
ما كان عندي غاية لِمرادي (3)
اقبل أمير المؤمنين مقال من،
…
لَم يدر كيف السرد للأزراد (4)
فلقد بذلت الْجهد لكن عاقني
…
حصري العظيم على لسان الضاد
فعليك من ضيف يَجوب بشوقه،
…
ليراك أطراف الفلا بالْحَادي
أزكى سلام طيب يشذى كما
…
تشذى الحدائق من أريج الْجَادي (5)
وقال على لسانه يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ذاكرا بعض ما كان يعانيه في إصلاح الأمة، ويتشوق إليه:
شوق يذوب القلب من جَمراته
…
وجوى يغيب الرأي في غمراته
من لي بزورة من أحب ولو كرى
…
فهو الروى لو نلت من زوراته
(1) استئلام: لبس اللأمة: درع الحرب، وتكمي في سلاحه: دخل فيه.
(2)
الأغلب: الغليظ العنق، الهادي: العنق.
(3)
الفهيهة: تصغير الفهيه، وهو العيي الحصر، هكذا يقصد القائل، وتصغير فهيه فُهيِّه لا فُهَيْهَه.
(4)
الزرد: درع الحرب، أو الحلقات التي تتألف منها الدرع.
(5)
الجادي: الزعفران.
يقول فيها:
يا خير من ساق الغرام لربعه
…
صبّا فنال السؤل من عفطاته
ماذا ترى فيما نكبت؟ فإنني
…
من لَم يناد سواك في أزماته
تَهفو لربك ما نأيت صبابة
…
روحي وتَحيا من شذى نَسماته
ويقول فيها:
أشكو إليك وكم كشفت ملمة
…
ما حار فيه القلب من ظلماته
شكوى حزين حلف جرم لا يرى
…
إلا بك الإنقاذ من كرباته
فلأنت أحنى من أناخ ببابه
…
مثلي ثقيل الظهر من هفواته (1)
وقال يُخاطب مولانا الحسن، وقد كان لازمه ما شاء الله إماما لصلواته، فيقترح عليه أن يودعه؛ لاشتياقه إلى أهله، والسلطان ضنين به، نأتي بِها كلها:
لولا حقوق لا تعد عظيمة
…
للأهل دمت لذا المقام مقيمه
لو مت من ظمإ بقيظ مُحرق
…
والقفر يرسل في السماء سمومه
وأنا بوسط مَجاهل لا يهتدي
…
فيها الظليم إذا أضل حَميمه
وأنا وج نقب الأخامص مبدع
…
بي لا يرى سمعي هناك كليمه (2)
وأنا أرجي من هناك رضاك كا
…
ن الكل عندي نعمة مغنومه
لا رأي للعبد المطيع إذا رأى
…
من كان طول حياته مَخدومه
مر يَمتثل يا خير مولى رأي
…
من منه الإنابة دائما معلومه
رأي الملوك منارة الإرشاد أمـ
…
ـا غيرهم فمزاعم مركومه
مولاي يا مَن لي رضاه جنة
…
ولزومه أزهاري المشمومه
إني عرضت على مسامع سيدي
…
من قبل بعد صلاتنا المعلومه
أمرا يقلقل عبده ويقيمه
…
ويطيل بالسهر الطويل خديمه
فجرى على سمعي مشرف رأيه
…
ولعله ما كان منه عزيمه
فاليوم عدت لعل ما أرتاده
…
من روض جودكمُ أحس شميمه
فالأهل والوا رسلهم بتتابع
…
حتى رسائلهم علي كديمه
(1)
توجد كها في ترجمة الأستاذ في (القسم الثالث) من (المعسول).
(2)
وجيت رجله كتعب: إذا تأثر بكثرة المشي، وأبدع بفلان بالبناء للمجهول ماتت ناقته، والنقب في الرجل: تأثرها بالحفاء: ونقبت كتعبت.
والأمر أمركمُ فقولوا يَمتثل
…
من نفسه بِهواكمُ مزمومه
لكن رجائي واقف مستعطف
…
من خيبة الراجي لديه عديمه
فالزغب في الأوكار ترسل طرفها
…
من رأس شاهقة تكل البومه (1)
في كل صبح أو زوال أو مساء
…
ترتجي ممن يغيب قدومه
لكن إذا رضي الإمام إقامتي
…
أبدأ هنا كنت الحياة مقيمه
فعلى أمير المؤمنين تَحية
…
بدموع شوق أخي النوى مَختومه
نرى أن هذه في موضوعها من ألطف ما رأيناه لمستعطف، عرف كيف يأتي من كل جهة، حتى لا يُمكن لأدنى فاهم إلا أن يؤخذ بِمثل هذا بِمجرد ما يسمعه.
وقال ابن العربي في وصف مَجلس تنشد فيه الأمداح النبوية:
بَهجة القلب في اجتناء الأماني
…
واجتلاء المقسمات الحسان (2)
وغصون الرمان فيها ثِمار
…
بل نهود على قدود الغواني
وورود الرياض تنفح من شـ
…
ـم بِمنس نوافج الغزلان
وجَميع الأحباب قد حضروا فاسـ
…
ـتجمع المنتدى شتيت الأماني
قد أهابت بِهم دواعي التهاني
…
فأجابوا طرا دواعي التهاني (3)
فشدوا بالمديح شدو حمام
…
طاب منه الهديل في الأفنان
وبخار العود الرفيع تعالى
…
حينما العود صادح بالأغاني (4)
أن هذا يوم كيوم الذي يو
…
عده المؤمنون وسط الجنان
متع كله وأنس عظيم
…
شاهدته العينان والأذنان
تتباهى بِها المسرة بالأفـ
…
ـراح شتى جاءت على ألوان
فتراضت كل الجوارح فيه
…
بين حور الفردوس والولدان
وقال أيضا في مَجلس مثله:
أدرها بِمشمولة يا هلال
…
أدرها فخمرتها لي حلال
إذا ما بدت خلتها شعلة
…
بكف هلال حكاه الْهِلال
(1) يعني بالزغب: أولاده الصغار.
(2)
وجهه مقسم: جميل.
(3)
أهاب به: إذا ناداه.
(4)
كان أشياخه التِّيمْجِّيدْشْتِيُّون لا يرون بأسا بالأغاني.
فكل شراب له سكرة
…
وهذا شراب يزيل الضلال
فهذا الشراب شراب الْهُدى
…
فأين الفحول وأين الرجال؟
وقال في أول قصيدة قدمها للمولى الحسن في إحدى وفداته عليه، يذكر ما لاقاه في وادي (النفيس) ولعل ذلك في سنة (1293هـ):
دواعي المنى قادت زمامي إلى الْحِمَى
…
وتَحدو الرجاء المستجد المصمما
بكرت إلى المأمول مثل الغراب إن
…
نوى في رجى ما يرتجيه فيمما (1)
فجلت على كور تسنم ذروة
…
كقطعة مزن فوق يذبل خيما (2)
تناوح وجهي العاصفات وإنني
…
أمد لَها حر الجبين المعمما
أخوض بُحور الثلج بالْمَاء في ذرى
…
جبال النفيس والظلام المقتما
وما القصد وصل الغانيات وما أنا
…
وأحْمَدُ ربي الزير أتبع الدما (3)
ولكن قصدي وهْو أفضل مقصد
…
يشرف أن ألقى الإمام المعظما
وكتب أبو فارس الأدوزي إلى بعض من يأخذون عنه أثناء رسالته:
وكتب إلى بعض أقرانه أيضا:
«سيدي، حرس الله بدرك من المحاق، وطيب ذكرك من الآفاق، إن أتفق معك في الانتساب إلى العلم؛ فلم أساوك في الفهم؛ لأن لك قلما بليغا لا يلحق شأوه، ولا يشق غباره، وأنى للبغاث أن يطاير الطير العتاق، وللسكيت أن يُجاري الخيل السباق؟!» . إلى أن قال معتذرا عن شيء: «عياذا بالله أن يراني سيدي حيث يكره، أو أجتني مكره، إذن رمى الله سلعتي بالكساد وصرفني عن الرشاد، بل أنا سهْمك إن رميت بي العيوق أنتظمه، أو أقحمتنِي البحر أقتحمه، فأنا أطوع من بنانك، وأنفذ من سنانك» .
(1) الرجى مقصورًا وبالفتح: الناحية.
(2)
الكور: رحل البعير.
(3)
الزير بالكسر: المولع بمناغاة النساء.
وقال الأديب ابن مسعود في قصيدة مديح لبعض أشياخه الكبار من الإلغيين وهو الشيخ الإلغي:
لئن سوغوا في المدح قول مبالغ
…
يسيح له من حول مَمدوحه مد
فأنت سَموت المد من كل قائل
…
بليغ فما من جزر تقصيره بد
لعمري لئن أطرى يزيد بن مزيد
…
صريغ الغواني واللها رشحها الْحمد (1)
وأغرب بل أربى على كل شاعر
…
أبو الطيب الجعفي يقتاده الجد
فجاء بني حَمدان من نفثاته
…
مرصع تاج ليس يصدأ والعقد
وأسدى لكافور ثناء مُخلقا
…
تطيب به في روضة اللسن الملد
فأنت أحق بالقصائد ينتقى
…
لَها الماس والياقوت والسلك والنضد
أحق لعمري بالمدائح فوق ما
…
يَحوك ابن أوس حين فصحه الرفد
لئن كسبوا في مَدحهم كل طائل
…
ففي مدحك الطول الذي ما له حد (2)
وقال من قصيدة في رثاء عالِم عظيم من أشياخه الأدوزيين وهو ابن العربي:
ماذا تؤمل من دناك وإنَّما
…
آمال نضرتها سراب سار
فإلى الزوال نعيمها فإذا حبت
…
سلبت وإن نفعت فنفع معار
ما دام فيها مالك وخليله الـ
…
أصفى عقيل بعد طول جوار
وجذيمة وقصيره وقصوره
…
لَم تغن عنه مكائد الختار
غالتهمُ أيدي الْمَنون فكسرت
…
كسرى وقسرا صرح قيصر هار
وخلا الخورنق بعد آل مُحرق
…
ومضت بسيف مدرك الأوتار
وجرت على عبس وذيبان بِما
…
غم النفوس وعم بالأكدار
شأن الزمان كذا وليس بنافع
…
لَهف الفتى من نازل الأقدار
يقول فيها:
من للفهوم ودقة الأنظار
…
مَن بعد فارس سوسنا الكرار
من للعلوم يبثها ويَمد البـ
…
ـباب الرجال بثاقب الأفكار
من للقصائد ينتقي درر الكلا
…
م لَها ويرسلها كماء جار
ما شئت عن لطف ورقة مَنْزع
…
ومتانة في أحرف كدرار
(1) اللها بالضم: العطايا.
(2)
هي كلها في ترجمة الشيخ الألغي في (القسم الأول) من (المعسول).
انظر إلى ما أدرجوا في القبر من
…
فضل ومن علم وكل فخار
هذا إمام الدين يوم واحد
…
من مثله خير من الأعمار
لا در در العين إن لَم تبكه
…
بنجيعها ومهذب الأشعار
ويقول فيها:
أمحمد أسفا لِهذا الصقع بل
…
للغرب من نبراسك المتواري؟
كانت أدوز بك البدور طوالع
…
حتى طلعت بِها كشمس نَهار
فرقيت ذروة ذلك المجد الصميـ
…
ـم مجليا في ذلك المضمار
وأقمت رسْم العلم فابتهجت من الـ
…
ـبحث الأنيق مسالك النظار
إن مت فالذكر الجميل حياة من
…
دامت صنائعه على الأحرار
ما مات من عبقت بنشر علومه
…
وتفتحت أزهار ذي الأقطار
تلك المكارم لا التعاظم نَخوة
…
وسفاهة من غير زند وار (1)
وكتب الأستاذ مُحمد بن عبد الله الإلغي إلى طلبته بِمناسبة رمضان يُحرضهم على مقابلته بِما يقتضيه، فقال بعد أبيات:
وقال الأديب علي بن عبد الله الإلغي يُخاطب ابن الداني من كتاب (الحضرة الحسنية)، وذلك عند زورة السلطان لسوس (1303هـ):
إلى الفقيه الذي بدت مَحاسنه
…
كالبدر إذ يَجتلي في دارة الحمل
لله أخلاقه الغر التي سقيت
…
ماء الحياة فرقت رقة الغزل
تنسيك أقلامه في الرق راقمة
…
سم المقرع صنع البيض والأسل
غارت مصانعه في الناس فاشية
…
وانجدت فغتدت في مضرب المثل
فمن يُجاريه في الإحسان تنشده
…
(وهل يطابق معوج بِمعتدل)(2)
(1) هي كلها في ترجمة ابن العربي في (القسم الثالث) من (المعسول).
(2)
هذا الشطر من لامية (الطغرائي) مضمن.
وقال مرحبا بوفد أدبي -كما هو دأبه دائما كلما نزل به وفد-:
لله يوم خَميس جاد لي بلقا
…
من كنت من بينهم قبل اللقا لقى
حيوا فأحيوا نفوسا طالَما قبرت
…
واستأصل البعد من أرواحها الرمقا
وفى لي الدهر مذ وافوا وجدد لي
…
من وشي برد التهاني كل ما خلقا
ما كنت أقضيهم الحق الذي لَهم
…
وإن فرشت لَهم من جفني الْحَدقا
وقال مودعا، كما هي عادته دائما في كل مقام توديع:
يا راحلا والقلب بين عيابه
…
والروح مني تبلغ الحلقوما
ما في عظامي طاقة أمشي بِها
…
فأسير في تشييعكم وأقوما
هيهات سير بقوتي عند الودا
…
ع فصرت ملقى في الفراش سقيما
وقال من قصيدة أجاب بِها قريضا:
فما روضة جاد العهاد وهادها
…
وغنت بِها الأطيار في ملد أشجار
وأبدت ونور الشمس قابل نورها
…
جدا ولَها كالأيم في حين أدبار
وتصبح في برد قشيب منمق
…
وشته يد الوسمي وشيا بأزهار
بأحسن من شعر يعز على أن
…
أرى رقمه في غير صفحة أفكاري
وكتب في أثناء رسالة يُهنئ بِها رئيسا بفتح وقع له:
«فالحمد لله الذي جعل الملك مظفرا، وألقى أعداءه منبوذين بالعراء، فأهنئ سيدنا الخليفة، صاحب الأخلاق المنيفة، بِهذا الفتح الذي تيسر لسيدنا، فهو والله فتح انفتحت به مغاليق المنى.
فتح تفتح أبواب السماء به
…
وتبرز الأرض في أثوابها القشب"
وكتب إلى أستاذ كبير يسائله عن مشاكل فقهية:
بِحقك يا ريح الصبا طيبي الجوا
…
ليسلكه مني السلام لِمن أهوى
من على الذي يتململ شوقا، إلى من اتَّخذه وده رقّا، شيخ الشيوخ في هذا العصر، والْحَامل منه بفك المعضلات الأصر ....
عليك سلام من مشوق يدعه
…
إليك اشتياق كلما طلع الفجر
أمَّا بعد: فلا زائد إلا أننا توقفنا في مسائل أعضلت، وتلوت مسالكها وأشكلت، فليتفضل الشيخ بأن يرعيها بصره، ثم يكتب إلينا في ذلك نظره، وليدع لنا سيدي بِحسن العقبى، فإن البضاعة مزجاة، لا ترجى منها مداجاة، والسلام على من ضمه مَجلسكم الكريم، من العلماء اللهاميم».
ويقول ابن الحاج الإفراني واصفا ولبعضهم فيها ذيل:
أولوز أرض حَماها الله من عاد
…
برأس واد سقاه الله من وادي (1)
قطر بَهيج بأعلى سوس منظره
…
أبْهَى من الْحوز عند الرائح الغادي
جلست فيه أصَيْلانا وقد صبغت
…
فيح الفجاج لدى الغروب بالْجادي (2)
أمزج بالراح منه الراح فاكتسبت
…
لونا وطعما غريبا غير معتاد
في روضة من رياض الخلد باكرها
…
صوب الغمام بإبراق وإرعاد
ظللت فيها رخي البال مغترفا
…
من نعم سابغات ذات إمداد
حتى تقضيت من شرب الغبوق مني
…
فقمت عن شاكر لله حَماد
وكتب إلى بعض أشياخه بعد ما عزم على مفارقة من شارط عندهم:
«أمَّا بعد: فقد عولت أن أقوض الخيام، من عند هؤلاء الأقوام، بعد ما صار صيبهم إلى الجهام، وصار صارمهم إلى الكهام (3) فلا خير في عيش يتمصصه الأبي من بين أشداق الملتهمين، ولا في حياة قنوع غير جسور بين متلمظين نَهمين، فالمشاكلة في الأوصاف، شرط في المعاملة بإنصاف، فكيف مثلي بين لئام رُضَّع؟ (4) والطير إنَّما هي على ألافها وقع، وركوب الجنائز، والتلف في المفاوز، على كاهل المعاوز (5) أدنى إلى من إعادة الشرط مع هؤلاء، والصبر مع أنذال جهلاء.
فما للمرء خير من حياة
…
إذا ما عد من سقط المتاع
(1) أولوز: مكان يبعد عن تارودانت بأكثر من (100) كيلومتر وكان محل رياسة مثرية ينزل عند أهلها شاعرنا.
(2)
الجادي: الزعفران.
(3)
الجهام بالفتح: السحاب الذي هراق ماءه، والكهام بالفتح أيضًا: السيف الذي لا يقطع.
(4)
الرضع بضم فمشدد مفتوح: هو جمع اللئام.
(5)
الأعواز: الفقر.
وقد أسمعني بعض نفاليسهم (1) المفاليس، الذين لمثلهم خلقت كلمة (بيس)، ما يكاد السماوات يتفطرن منه، وتنشق الأرض وتَخر الجبال هدّا، فلم أجد من المغادرة ونفض الكف من مدرستهم بدّا، وسأرد عن قريب، فأكون عن أعذاري خير مُجيب.
وقال شيخنا الإفراني في رسالة كتبها إلى كبير أشياخه الإلغيين وهو علي بن عبد الله من فاس سنة (1313هـ):
أيا نسمة من نفح ريح الصبا روحي
…
بأطيب أنواع السلام على روحي
فقد فارقتني حين فارقت ساحة
…
رمتني عيون العين منها بتبريح
وخلفتها بين الربيع أسيرة
…
لكل مليح لا يَمن بتسريح
وبؤت بِجسم دون روح تَمجه
…
بِحكم النوى فيح الفجاج إلى فيح
فلله كم قاسيت من مضض الأسى
…
وبرح هموم لا تبان بتشريح
فمن غربة تضني وبين أحبة
…
تروح عني الهم أية ترويح
همُ سادتي من لا أقول سواهمُ
…
علي له منّ برمز وتصريح
عسى نفحة من عطفة الله تَنْثَني
…
بوصل قريب يَجمع الشمل ممنوح
سيدي الذي تقيدت بِمحاسنه وأنا المطلق، واستفتحت بفاتِحة يُمنه فانفتح كل باب مغلق، ونصبت شباك سعده فاصطدت بيض الأنوق، وأدركت الأبلق العقوق، واستبصرت به في ليل الهموم، فما رأيت من غير جبين إحسانه طالع الفلق، ولا استرقيت بسوى سورة ذكره، متى عس طائف الغسق، أو اعتاد القلب من جن عائد الأولق (2) قبلة وجهي أينما توجهت، ومولى نعمتي الذي عن غيره تنزهت، سيدنا وأستاذنا، وأصل نعمتنا أبو الحسن، جذب الله شوارد النعم والعوارف إلى ربعه بالرسن (3)، وأعاد عليه ما عوده من لطفه الجميل الحسن .. ». إلى آخرها.
وقال في مطلع قصيدة مدحية في جناب المولى الحفظ الذي له فيه قصائد عدة:
(1) هو اسم يطلق بالشلحة على رؤوس القبيلة.
(2)
الأولق: الجن نفسه.
(3)
الرسن: الزمام.
تبسم ثغر من جانبي نَجد
…
فأذكر عهد الجزع قدس من عهد
وأذكى رسيس الحب من بعد ما بدت
…
وارق صبح الشيب من مشرق الفَود
وجدد تذكار الحمى ونعيمه
…
وغزلانه اللائي يبحن حِمى الأسد
من اللائي يصبين الخلي ويسبين الـ
…
ـحليم ويصددن المنيب عن القصد
بأقمار تَم في ظلام ذوائب
…
وكثبان ردف فوقها قضب القد
يفوقن عن قوس الحواجب أسهم اللـ
…
ـحاظ فيصمين البريء على عمد
ويبسمن عن سمطي لآل تضمنا
…
رضابا كطل الزهر قد شيب بالشهد
على مثلها يَحلو التهتك صبوة
…
ويُحسن في شرع الهوى الزهد في الزهد
رعى الله عهد الجزع ما من ذكره
…
على القلب إلا ازداد وقدا على وقد
إلَى أن قال في وصف الممدوح:
ورأي إذا طاش الحليم وأخرس الـ
…
ـفصيح مضى من حيث تنبو ظبا الهند
ونور يقين مشرق وعزيمة
…
كما سل مسنون الغرارين من غمد (1)
وقال من أول قصيدة ألقيت بِمناسبة ختم مُختصر خليل:
تعال حَمام الغصن نبتحث الوجدا
…
لنعلم في شرع الهوى أينا أهدى
ونعلم عمن تسند الشوق أنني
…
تعلمت أحكام الصبابة من هندا
فبرزت في دست الغرام مُحرما
…
سلوا ومن أسر اللواحظ أن يُفدى
وأصلتت من نَجل الحسان صوارما
…
على سارق باللحظ تقتله حدا
وحللت للغزلان تقتيل كل من
…
تصدى بلا وتر وتقتنص الأسدا
وقال في أول قصيدة يُخاطب بِها الشيخ أحمد الهيبة بن ماء العينين وله فيه روائع:
دعت للهوى بعد الصبا أعين العين
…
فلبيت إذعانا وطوع المها ديني
خرائد أبدى الخدر منهن غادة
…
كشمس على غصن على حقف يبرين
غزالية وحشية غير أنَّها
…
تتيه على الغزلان بالدل واللين
تَميس بعطف كالقنا متأطرا
…
وتسطو بسيف من ظبا اللحظ مسنون
وتسفر عن أبهى من الصبح زانه
…
أزج كعطف القوس أو عطفة النون
وتبسم عن أحوى اللثاث مؤشرا
…
كدر نظيم في القلادة مكنون
(1) غرار السيف بالكسر: حده.
وقال من قصيدة طويلة يُخاطب الشيخ أبا العباس الجشتيمي يذكر ما يُهدد المغرب من الاحتلال سنة (1325هـ):
فيا بدر أفق يا ليث غابه
…
ويا غوث ملهوف ويا خير مُنجد
تدارك ذماء الدين واسمع صريخه
…
وشمر إلى نصر الْهُدى وتَجلد (1)
فقد أنشب الكفر المداهن نابه
…
ومد إلى سرح الْهُدى كف مفسد (2)
وكاد بأنواع المكايد أهله
…
وصار يُنادي خامري وتلبدي (3)
أسر احتساء في ارتغاء وما له
…
سوى الدين من مرمى يُرام ومقصد (4)
وقد بلغ السيل الزبى بظهوره
…
وإن لَم يداو العر بالكي يزدد (5)
فقد طبق الصحراء بالنحس شؤمه
…
وأعدى نواحي التل بالخبث الردي (6)
وجاش على هذي السواحل كلها
…
ببحر سفين بالقوارب مزبد
وغص به الدين الحنيفي فاكتسى
…
لِما يشتكي من بثه ثوب مكمد
شجاه الأسى من فقد حر يهمه
…
فكاك ذماه من يد المتمرد
يقود إليه كل أصيد قارم
…
للحم العدا مخشوشن متمعدد (7)
يُجاهد في الله العظيم عدوه
…
بأقدام ليث في الكريهة محرد (8)
يشب لظى الهيجاء بقلب مشيع
…
وكف بصير بالطعان معود (9)
وإطراق ثعبان وكيد ثعالة
…
وتصميم فهد في جراءة فرهد (10)
ويُختال ما بين الصفوف كأنه
…
عروس تَهادى بين خود وخرد (11)
على كل طرف سابح ومطهم
…
قوي القَرَا عبل كصرح مُمَرد (12)
ببيض سيوف أو بسمر مدافع
…
مزلزلة أن يبرق السيف ترعد
(1) الذماء بالفتح: بقية الروح.
(2)
سرح الهدى: مسروحه، وسرح الغنم: رعاها.
(3)
يقول الصياد للضبع: خامري وتبلدي، يلايها بذلك فتهدأ حتى يأخذها باليد.
(4)
مثل مشهور، وهو (يسر حسوا في ارتغاء) ورغوة اللبن: ما علا صريحه.
(5)
يقال بلغ السيل الزبي: أي اشتد الأمر وانتهى إلى غاية بعيدة، والعر بالضم والفتح: الجرب.
(6)
التل: يطلق على الأطلس الصغير.
(7)
الأصيد: الرجل الذي يرفع رأسه كبرًا، وقارم مشتق من قرم كسمع يسمع اللحم: إذا اشتدت شهوته له، وفي آخر البيت إشارة إلى قول عمر رضي الله عنه:"تمعددوا واخشوشنوا فإن الحضارة لا تدوم" أي تشبهوا بمعد بن عدنان في عدم الرفاهية.
(8)
محرد غضبان.
(9)
مشييع على صيغة اسم مفعول: شجاع.
(10)
الفرهد: الشاب الممتلئ القوي.
(11)
خود كعود ج خود كخمر: المرأة الشابة، والخرد ج خريدة: البكر لم تمس قط أو الحيية الطويلة السكوت.
(12)
الطرف بالكسر: الفرس الكريمة، مطهم: أي جواد تام الحسن، القرا بالفتح: الظهر.
يلاعب أطراف الرماح كأنه
…
صبي مع الولدان بالجوز مستد (1)
يَخال مَجال الْحَرب وجه صحيفة
…
تسطرها خيل اللقا بالتطرد
فينقط مدفاع ويشكل صارم
…
ويكتب رمح الخط خط مُجود
فأين مساعير الوغا وفوارس اللـ
…
ـقا ومصابيح العجاج المعقد؟ (2)
وأين الألى صوت الصريخ إليهمُ
…
ألذ وأشهى من سلافة صرخد؟ (3)
وأين الألى قد الجسوم عليهمُ
…
هباء إذا ما العرض غير مقدد (4)
فما لَهمُ ناموا عن الدين وارتضوا
…
بدون حياة في هوان معبد
وما لَهمُ لَم يثأروه وقد هوى
…
به الكفر مطلول الدماء ولَم يد (5)
لقد حق للإسلام إذ مات أهله
…
وخلوه أن يدعو بويل مردد
فقدس أرواح بِهم عز ركنه
…
ونام إلى جنب المهدي الموسد (6)
وأخصب مرعاه وأشكر ضرعه
…
وعاش بِهم في خفض عيش مرغد (7)
بأسيافهم طال الهدى فتعززت
…
جوانبه بالنصر في كل مشهد
تروح وتغدو كل يوم بشارة
…
عليه بفتح أو بِملك مُجدد
إلى أن علا في الشرق والغرب كعبه
…
وحل حلول الشمس في كل معهد
وكرت جيوش الصبح منه ففر إذ
…
بدا كل جيش من دجى الكفر أسود
وأهلك حزب الله حزب عدوه
…
وطهرت الأرجاء من كل مُلحد
أولئك قد باعوا الإله نفوسهم
…
فلم يستقيلوا بالنعيم الموبد
إلى آخرها (8).
أحس أن هذا القدر كاف في أن الأدب السوسي موجود وجودا حقيقيّا بلا مرية في هذا الطور أيضا، ثُم لِهذا الاتساع الأفيح الذي اتصل به حكمنا عليه بالْحُكم المتقدم حين وسمناه بنهضة متموجة، فإن له ميزات شتى وشُمولا كثيرا لنواح متعددة، وألسنا لسنة كثيرة، ما بين مقل ومكثر، ومفلق ومتوسط، بله آخرين كثيرين أيضا من الغاوين الذين يتبعون دائما الشعراء بدعوى مرتبتهم وإن كان بينهم ما بين الخضراء والغبراء.
(1) استدى الصبي بالجوز: لعب.
وعبل كضخم وزنا ومعنى، والصرح: القصر وكل بناء عال، وممرد مسوى مملس.
(2)
مساعير الوغا: أشداؤها.
(3)
السلافة والسلاف: ما سال وتحلب قبل العصر: وهو أفضل الخمر، والصرخد من أسماء الخمر.
(4)
هباء: سهل يسير.
(5)
لم يد: أي يعط الدية.
(6)
من هدات الأم ولدها تهدئه ووسدته عندما تنيمه.
(7)
أشكر الضرع: امتلأ حليبًا.
(8)
وهي كلها في ترجمة الممدوح بها الجشتمي في (القسم الثالث) من (المعسول).