الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شَفَاعَةٌ مِنَ الخَلِيْفَةِ، فَأُطلق، فَسَارَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَخَمْسِيْنَ إِلَى بَغْدَادَ ليطْلب وَديعتَه، فَمَا مُكِّن مِنَ العُبُور إِلَى بَغْدَادَ، فَنَزَلَ بِالمَشْهَد (1) ، وَحَجّ وَتَشَفَّعَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُنشِداً قصيدَةً (2) ، ثُمَّ إِنَّهُ مرض بِدِمَشْقَ وَمَاتَ، وَدُفِنَ بِالمُعَظَّمِيَّةِ عِنْد أَبِيْهِ.
وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الدِّمْيَاطِيّ فِي (مُعْجَمِهِ)، فَقَالَ: أَخْبَرَنَا العَلَاّمَةُ الفَاضِل الْملك النَّاصِر.
قُلْتُ: مَاتَ فِي الثَّامن وَالعِشْرِيْنَ مِنْ جُمَادَى الأُوْلَى، سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، مَاتَ بِطَاعُوْنٍ رحمه الله وَشيّعه السُّلْطَان مِنَ البُوَيضَاءِ، وَحزن عَلَيْهِ، وَقَالَ: هَذَا كَبِيْرُنَا وَشيخُنَا، وَكَانَتْ أُمُّهُ خُوَارِزْمِيَّة عَاشت بَعْدَهُ.
271 - المَنْصُوْرُ نُوْرُ الدِّيْنِ عَلِيُّ ابْنُ المُعِزِّ أَيْبَكَ التُّرْكِيُّ التُّرُكْمَانِيُّ *
السُّلْطَانُ، الملكُ المَنْصُوْرُ، نُوْرُ الدِّيْنِ عَلِيُّ ابْنُ السُّلْطَانِ المَلِكِ المُعِزِّ أَيْبَكَ التُّرْكِيُّ، التُّرُكْمَانِيُّ، الصَّالِحيُّ.
لَمَّا قُتِلَ وَالِدُهُ فِي رَبِيْعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، سَلطَنُوا هَذَا، وَعَمِلَ نِيَابَتَهُ مَمْلُوْكَ أَبِيْهِ قُطُزَ الَّذِي كَسَرَ التَّتَارَ نَوْبَةَ عَيْنِ جَالُوتَ، وَضُرِبَتِ السِّكَةُ وَالخُطْبَةُ بِاسمِ المَنْصُوْرِ، وَلَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَامَ دَسْتُهُ بِالأُمَرَاءِ المُعِزِّيَةِ غِلمَانِ وَالِدِهِ، فَكَانَتْ دَوْلَتُهُ سَنَتَيْنِ وَنِصْفاً، وَدَهَمَ العَدُوُّ مَعَ
(1) مشهد الحسين بن علي رضي الله عنهما، بكربلا. وسير من المشهد قصيدة يمدح بها الخليفة ويتلطفه في رد وديعته فلم ينفع ذلك.
(2)
هي القصيدة اللامية المشهورة ومطلعها: إليك امتطينا اليعملات رواسما * يجبن الفلا ما بين رضوى ويذبل
(*) تاريخ الإسلام، الورقة: 148 (أيا صوفيا 3013) في ترجمة أبيه، وحوادث سنة 655 منه (الورقة: 210، ودول الإسلام: 2 / 120 والعبر: 5 / 222.
هُوْلَاكُو البِلَادَ، فَبَايَعُوا قُطُزَ بِالسَّلطَنَةِ، وَعَزَلُوا المَنْصُوْرَ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ سَبْعٍ وَخَمْسِيْنَ، فَلَمَّا قُتِلَ قُطُزُ وَتَمَلَّكَ الظَّاهِرُ، نَفَى أَوْلَادَ المُعِزِّ إِلَى عِنْدِ الأَشْكرِيِّ فِي البَحْرِ، وَانقَضَتْ أَيَّامُهُم.
وَاتَّفَقَ أَن فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِيْنَ رَأَوا شَابّاً عِنْد قَبْرِ المُعِزِّ يَبْكِي، فَأُحضِرَ إِلَى السُّلْطَانِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ قَليجَ قَانَ وَلَدَ المُعِزِّ، وَأَنَّهُ قَدِمَ مِنَ القُسْطَنْطِيْنِيَّةِ مِنْ سِتِّ سِنِيْنَ، وَأَنَّهُ يَتَوَكَّلُ لأَجنَاد، فَسَجَنَهُ السُّلْطَانُ، فَبَقِي سَبْعَ سِنِيْنَ، حَتَّى أَخْرَجَهُ المَلِكُ المَنْصُوْرُ، فَاتَّفَقَ رُؤْيَتِي لَهُ بَعْدَ دَهْرٍ طَوِيْلٍ عِنْدَ قَاضِي القُضَاةِ تَقِيِّ الدِّيْنِ (1) فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَثَلَاثِيْنَ وَسَبْعِ مائَةٍ، فَرَأَيْتُهُ شَيْخاً جُندِيّاً جَلْداً فَصِيحَ العِبَارَةِ حَافِظاً لِلْقُرْآنِ، فَذَكَرَ أَنَّ لَهُ ابْناً شَيْخاً قَدْ نَيَّفَ عَلَى السِّتِّيْنَ،
وَقَالَ:
قَدْ وُلِدْتُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، وَتَنَصَّرَ أَخِي المَنْصُوْرُ بِبِلَادِ الأَشْكرِيِّ، وَتَأَخَّرَ إِلَى قَرِيْبِ سَنَةِ سَبْعٍ مائَة، وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ نَصَارَى، نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ المَكْرِ!
قَالَ: وَجَاءنِي مِنْهُ كِتَابٌ فِيْهِ: أَخُوْهُ مِيْخَائِيْلُ بنُ أَيْبَكَ، فَلَمْ أَقرَأْهُ.
قَالَ: وَلَبِستُ بِالفَقِيْرِيِّ مُدَّةً، وَحَضَرتُ عِنْدَ المَلِكِ الأَشْرَفِ، فَسَأَلَنِي عَنْ لَاجِيْنَ -يَعْنِي: الَّذِي تَسَلطَنَ- فَقُلْتُ: هُوَ عَلَى مُلْكِي.
فَطَلَبَهُ، فَأَقَرَّ لِي بِالرِّقِّ، فَبِعتُهُ لِلأَشْرَفِ بِخَمْسَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنَّهُ سَارِقٌ آبِقٌ بِقَتْلِ أُسْتَاذِهِ.
قَالَ: وَوَرِثتُ بِالوَلَاءِ جَمَاعَةَ أُمَرَاءٍ مِنْ غِلمَانِ أَبِي، وَاسْمِي قَلِيْج قَانَ، لَقَبُهُ سَيْفُ الدِّيْنِ.
(1) أحسبه يقصد: تقي الدين السبكي، لأنه تولى قضاء القضاة في تلك السنة، انظر مقدمة تهذيب الكمال: 1 / 27.
تَمَّ الجُزْءُ الثَّالِثُ وَالعِشْرُوْنَ مِنْ (سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلاءِ) لِلْشَيْخِ الإِمَامِ العَالِمِ العَامِلِ الحُجَّةِ النَّاقِدِ البَارِعِ، جَامِعِ أَشْتَاتِ الفُنُونِ، مُؤَرِّخِ الإِسْلامِ شَمْسِ الدِّيْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ عُثْمَانَ الذَّهَبِيِّ، فَسَّحَ اللهُ فِي مُدَّتِهِ.
وَهِيَ أَوَّلُ نُسْخَةٍ نُسِخَتْ مِنْ خَطِّ المُصَنِّفِ، وَقُوْبِلَتْ عَلَى حَسَبِ الإِمْكَانِ.
وَكَانَ الفَرَاغُ مِنْهُ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَهْرِ صَفَرٍ، سَنَةَ ثَلاثٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَسَبْعِ مائَةٍ، وَالحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَصَلَوَاتُهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ.