المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌«فصل»: يتكلم فيه على الموصولات الحرفية وأحكامها - شرح التسهيل = تعليق الفرائد على تسهيل الفوائد - ق ١ - جـ ٢

[بدر الدين الدماميني]

الفصل: ‌«فصل»: يتكلم فيه على الموصولات الحرفية وأحكامها

«فصل» : يتكلم فيه على الموصولات الحرفية وأحكامها

/ وقد سبق تعريف الموصول الحرفي.

«من الموصولات الحرفية أن» الثنائية الوضع «الناصبة مضارعًا» لا المخففة من الثقيلة، ولا المفسرة، ولا الزائدة، فلكل منها موضع تذكر فيه. «وتوصل بفعل متصرف» لا جامد، نحو: عسى «مطلقًا» أي سواء كان مضارعًا، نحو: أريد أن أقوم أو ماضيًا، نحو: أعجبني أن قمت، أو أمرًا، نحو: كتبت إليه بأن قام.

فأما وصلها بالمضارع فمجمع عليه، ولا إشكال فيه.

وأما وصلها بالماضي فخالف فيه ابن طاهر مدعيًا أن (أن) الموصولة بالماضي ليست الموصولة بالمضارع، لأن (أن) الناصبة تخلص المضارع للاستقبال، فلا تدخل على غير كالسين وسوف؛ ولأنها لو كانت الناصبة لحكم على موضعه بالنصب، كما حكم على موضع الماضي بالجزم بعد (إن) الشرطية، ولا قائل به.

قال ابن هشام: والجواب عن الأول أنه منتقض بنون التوكيد، فإنها

ص: 269

تخلص المضارع للاستقبال، وتدخل على الأمر باطراد، وبأدوات الشرط، فإنها أيضًا تخلصه مع دخولها على الماضي باتفاق، وعن الثاني أنه إنما حكم على موضع الماضي بالجز بعد (إن) الشرطية، لأنها أثرت القلب إلى الاستقبال في معناه فأثرت الجزم في محله. كما أنها - يعني (أن) الناصبة - لما أثرت التخليص الاستقبال في معنى المضارع، أثرت النصب في لفظه. هكذا قال، وفيه نظر.

وأما وصلها بالأمر فخالف فيه أبو حيان، وزعم أنها لا توصل به، وأن كل شيء سمع من ذلك فـ (أن) فيه تفسيرية، واستدل بدليلين:

أحدهما: أنهما إذا قدرا بالمصدر فات معنى الأمر.

الثاني: أنهما لم يقعا فاعلًا ولا مفعولًا، لا يصح أعجبني أن قم، ولا كرهت أن قم، كما يصح ذلك مع الماضي و [مع] المضارع.

قال ابن هشام: والجواب عن الأول، أن فوات معنى الأمرية في الموصولة بالأمر عند التقرير بالمصدر، كفوات معنى المضي والاستقبال في الموصولة بالماضي والموصولة بالمضارع عند التقدير المذكور.

قلت: هذا فيه تسليم لفوات معنى الأمر عند السبك، وهو قابل للمنع، فقد جرت عادة الزمخشري بتجويز صلة (أن) بالأمر والنهي، ومعناه [عند السبك] مصدر طلبي، وقد حققه في سورة نوح في قوله تعالى:{إنا أرسلنا نوحًا إلى قومه أن أنذر قومك} فقال: (أن) الناصبة للفعل، أي إنا أرسلناه بأن أنذر قومك، أي بأن قلنا له أنذر، أي بالأمر بالإنذار. انتهى. فعلى هذا

ص: 270

تقدر بالمصدر الطلبي حيث وقعت موصولة بأمر أو نهي، نحو: كتبت إليه بأن قم ولا تقعد، أي بالأمر بالقيام والنهي عن القعود، ولا يفوت معنى الطلب في الجملة، وعلى تقدير التسليم فلا نسلم أن فوات [معنى] الأمرية كفوات معنى المضي والاستقبال، وذلك لأن السبك مفوت لمعنى الأمر أصلًا، ورأسًا؛ لأن اللفظ - حينئذ - لا يدل عليه بوجه من وجوه الدلالة، وليس السبك بمفوت للدلالة على معنى الزمان الماضي والمستقبل بالكلية؛ لأن المصدر حدث، ويلزم من وجوده وجود الزمان، فله دلالة على الزمن بطريق الالتزام، فلم تفت الدلالة عليه بالكلية، ولا يلزم من تجويز الثاني تجويز الأول.

ثم قال ابن هشام: والجواب عن الثاني، أنه إنما امتنع ما ذكره، لأنه لا معنى لتعلق الإعجاب والكراهية بالإنشاء، لا لما ذكره، ثم ينبغي له أن لا يسلم مصدرية (كي) لأنها [لا] تقع فاعلًا ولا مفعولًا، وإنما تقع مخفوضة بلام التعليل، ثم مما يقطع به على قوله بالبطلان حكاية سيبويه: كتبت

ص: 271

إليه بأن قم، وأجاب: بأنها / محتملة للزيادة مثلها في قوله:

...................................... لا يقرأن بالسور

وهذا وهم فاحش؛ لأن حروف الجر زائدة كانت أو غير زائدة لا تدخل إلا على الاسم أو في تأويله. انتهى كلامه.

قلت: ويتجه أن يقال لم يقم دليل للجماعة على أن الموصولة بالماضي والأمر هي الناصبة [للمضارع، لا سيما وسائر الحروف الناصبة] لا تدخل على غير المضارع، فادعاء خلاف ذلك - في (أن) من بين أدوات النصب - خروج

ص: 272

عن النظائر، ولا دليل لهم أيضًا على أن التي يذكر بعدها فعل الأمر والنهي موصول حرفي، إذ كل موضع تقع [فيه] كذلك محتمل لأن تكون تفسريية أو زائدة:

فالأول: نحو: أرسلت إليه أن قم أولا تقم، ومنه:{إنا أرسلنا نوحًا إلى قومه أن أنذر قومك} .

والثاني: نحو: كتبت إليه بأن قم، أو بأن لا تقم، فـ (أن) - فيه - زائدة [زيدت] لكراهة دخول حرف الجر على الفعل في الظاهر، والمعني: كتبت إليه بقم، أو بلا تقم، أي بهذا اللفظ، فإنما دخلت في التحقيق على ما هو اسم فتأمل.

«ومنها أن» بفتح الهمزة وتشديد النون. «وتوصل بمعموليها» وهما اسمها وخبرها، فتؤول بمصدر خبرها مضافًا إلى اسمها، فمعنى بلغني أن زيدًا قائم: بلغني قيام زيد، وكذا بلغني أنك في الدار، أي استقرارك فيها؛ لأن الخبر بالحقيقة [هو] المحذوف من استقر ومستقر، وكذا إن كان الخبر جامدًا نحو: بلغني أنك زيد.

قال الرضي: أي زيديتك، فإن ياء النسب إذا لحقت آخر الاسم وبعدها التاء، أفادت معنى المصدر نحو: الفروسية والمضروبية والضاربية.

وقال ابن هشام: يقدر بالكون، فتقدير المثال المذكور: بلغني كونك زيدًا؛ لأن كل خبر جامد يصح نسبته إلى المخبر عنه بلفظ الكون، تقول:

ص: 273

هذا زيد، وإن شئت:[هذا] كائن زيدًا، ومعناهما واحد. وزعم السهيلي: أن الذي يؤول بالمصدر إنما هو (أن) الناصبة للفعل؛ لأنها أبدًا مع الفعل. المتصرف، و (أن) المشددة إنما تؤول بالحديث، قال: وهو قول سيبويه، ويؤيده أن خبرها قد يكون اسمًا محضًا، نحو: علمت أن الليث الأسد، وهذا لا يشعر بالمصدر. انتهى. وقد مضى وجه تقديره.

«ومنها «كي» وتوصل بمضارع» نحو: جئت لكي تكرمني [وجئت كي تكرمني] فإذا قرنت باللام تعينت المصدرية، وإن لم تقرن بها احتملت المصدرية والجارة، وسيأتي الكلام على ذلك في نواصب الفعل. «مقرونة بلام التعليل لفظًا» نحو: جئت لكي أستفيد منك. «أو تقديرًا» نحو: جئت كي أستفيد منك، قالوا: وإنما [لزم] ذلك، لأن (كي) لا تخلو من معنى التعليل، وقد يورد عليه نحو:

تريدين كيما تقتليني ومالكا .......................

ص: 274

فإن اللام المقدرة قبلها زائدة، لا تعليلية مثلها في:{يريد الله ليبين لكم} فينبغي أن تجب المصدرية هنا، وأن لا يقدر شيء ألبنة، لا تعليل ولا غيره وفيه بحث.

«ومنها «ما» وتوصل بفعل متصرف» احترازًا من نحو: (عسى)، وشذ وصلها بـ (ليس) في قوله:

أليس أميري في الأمور بأنتما

بما لستما أهل الخيانة والغدر

«غير أمر» احترازًا من نحو: قولك عجبت بما قم، فإنه لا يجوز، وأكثر ما توصل بالماضي نحو:{وضاقت عليكم الأرض بما رحبت} وكقوله: يسر المرء ما ذهب الليالي ...........................

واشترط السهيلي أن يكون الفعل عامًا نحو: أعجبني ما صنعت،

ص: 275

لا خاصًا، نحو: أعجبني ما جلست، [فلا يجوز] ، ويرده الآية والبيت، ووافقه صاحب البسيط، وزاد أن يكون الموضع صالحًا لـ (ما) التي هي موصول اسمي. كذا نقل عنه أبو حيان، وتبعه ابن / قاسم.

قال ابن هشام: وهذا هو الشرط الذي ذكره السهيلي لا غيره وفيه نظر.

«وتختص» (ما) دون غيرها من الحروف المصدرية. «بنيابتها عن ظرف زمان» نحو: أكرم زيدًا ما دام صديقك، أي مدة دوامه صديقك، «موصولة» حينئذ «في الغالب» احترازًا من نحو قوله:

نطوف ما نطوف ثم نأوي

ذوو الأموال منا والعديم

ص: 276

فـ (ما) فيه مصدرية ظرفية، وصلت بمضارع، وكأن الحامل لهم على جعلها كذلك، أنها لو لم تقدر بهذا المعنى لزم أن تكون هي وما بعدها مفعولًا مطلقًا، ولم يثبت ذلك.

«بفعل ماضي اللفظ مثبت» كقوله تعالى: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض} «أو منفي بلم» كقوله:

ولن يلبث الجهال أن يتهضموا

أخا العلم ما لم يستعن بجهول

وذهب الزمخشري إلى (أن)(أن) تشاركها في هذا المعنى وجعل من ذلك قوله تعالى: {أن آتاه الله الملك} ، وقوله:{إلا أن يصدقوا} .

ص: 277

فقدره وقت أن آتاه وحين أن يصدقوا، وهو محتمل للتعليل، ومن أمثلة سيبويه: والله لا أفعل إلا أن تفعل، وفسره بقوله: حتى تفعل.

قال الصفار: تفسير معنى، وأما في الصناعة، فهو بتقدير: إلا وقت أن تفعل. وقال المبرد: إلا بأن تفعل، أي إلا بسبب فلعلك. وما قال يمكن أن يساعده المعنى، وإلا فهذا الكلام إنما يقال في معنى أن الفعل يقترن بالفعل الآخر غير متراخ عنه، ومذهبه لم يتعرض إلى هذا، وإنما أعطي (أن) الفعل بسبب الفعل، فيمكن أن يكون بعده، فإن نقل أنه يقال في هذا المعنى كان حسنًا. «وليست» (ما) المصدرية «اسمًا» وكان حقه أن يصرح بما ذكرناه؛ لئلا يوهم أن الخلاف خاص بالظرفية بخصوصها لا عامٍ في كل مصدرية. «فتفتقر» بالنصب في جواب النفي. «إلى ضمير، خلافًا للأخفش وابن السراج» فإذا قلت: يعجبني ما صنعت، فتقديره: - عند سيبويه والأكثرين - صنعك، ولا ضمير أصلًا، والتقدير - عندهما - الصنع الذي صنعته، فحذف الضمير.

ورد عليهما بقوله:

.......................

بما لستما أهل الخيانة والغدر

لأنه لا يتأتى فيه تقدير رابط.

ص: 278

وأما رد ابن يعيش بنحو: أعجبني ما ضربت زيدًا؛ [من] حيث إنه لا يمكن تقدير ضمير، ضرورة أن الفعل متعد إلى مفعول واحد، وقد استوفاه، فلا يصح تقدير ضمير هو مفعول آخر، فساقط، من جهة أن الضمير الذي يقدر ضمير المصدر لا ضمير المفعول به.

وألزم ابن هشام الزمخشري من قوله: إن (ما) - في قوله تعالى: {واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه} مصدرية، القول بمصدرية (ما) مع عود الضمير عليها.

قلت: ولم يقع في الكشاف تصريح بأن الضمير المجرور بـ (في) عائد على (ما) مع القول بمصدريتها، فيحتمل أن يوجه كلامه بأن الضمير عائد على المصدر المفهوم من (ظلموا) و (في) للمصاحبة، مثل:{فخرج على قومه في زينته} ، أي: واتبع الذين ظلموا إترافهم مع ظلمهم. «وتوصل» (ما) المصدرية مطلقًا، سواء كانت وقتية أو غير وقتية، «بجملة اسمية» على ما ذهب إليه السيرافي والأعلم وابن خروف، مخالفين لسيبويه والجمهور،

ص: 279

واختار المصنف الأول، أي القول [بجواز] وصلها بالجملة الاسمية، واستدل له بقوله:

أحلامكم لقام الجهل شافية

كما دماؤكم تشفي من الكلب

قال: والحكم على (ما) هذه بالمصدرية أولى من جعلها كافة؛ لأنها إذا كانت / مصدرية كانت هي وصلتها في موضع جر، فلم يصرف شيء عما هو له ثابت بخلاف الحكم بأن (ما) كافة.

قال: وأيضًا فـ (ما) المصدرية تنوب عن الظرف الزماني، والظرف الزماني يوصل بالجملتين مضافًا إليهما نحو:{يوم هم بارزون} {يوم ينفع

ص: 280

[الصادقين]} ، فإذا وصلت (ما) الظرفية بالجملتين كان في ذلك إعطاؤها حكم ما هي مناسبة لي حتى أنها نابت عنه، وإذا ثبت ذلك في الوقتية فلا يبعد جوازه في غير الوقتية أيضًا، فهذا قياس يقتضي صحة الجواز، لو لم يرد به السماع، فكيف وقد ورد منه في الوقتية قوله:

واصل خليلك ما التواصل ممكن

فلأنت أو هو عن قريب ترحل

وفي غيرها قوله:

.........................

كما دماؤكم تشفي من الكلب

«ومنها «لو» التالية غالبًا مفهم تمن» نحو: (ود)، ومنه:{ودوا لو تدهن فيدهنون} ، [و (يود)]، ومنه:{يود أحدهم لو يعمر} وعد ابن قاسم من ذلك (أحب) ، و (اختار) ، وفيه نظر؛ إذ لا ترادف بينهما وبين (تمنى) ، ولا تلازم في المعنى، لأن الإنسان قد يحب الشيء ولا يتمنى حصوله:

ص: 281

إما لمعارض له في طلبه، وإما لأنه حاصل عنده، فأنى يكون (أحب) و (اختار) مما يفهم التمني! !

واحترز المصنف بقوله: (غالبًا) من نحو: قول قتيلة:

ما كان ضرك لو مننت وربما

من الفتى وهو المغيظ المحنق

ص: 282

وقول الأعشى:

وربما فات قومًا جل أمرهم

من التأني وكان الحزم لو عجلوا

وأكثرهم لم يثبت ورود (لو) مصدرية، والذي أثبته الفراء وأبو علي الفارسي وأبو البقاء والتبريزي. والمصنف.

ص: 283

ويقول المانعون: - في نحو: {يود أحدهم لو يعمر} - إنها شرطية، وإن مفعول (يود) وجواب (لو) محذوفان، والتقدير: يود أحدهم التعمير، لو يعمر لسره ذلك. ولا يخفى ما فيه من التكلف.

قال ابن هشام: ويشهد للمثبتين قراءة بعضهم:

{ودوا لو تده فيدهنوا} بحذف النون، فعطف (يدهنوا) بالنصب على (تدهن) لما كان معناه: أن تدهن.

قلت: ليس بشيء، وإنما الذي ينبغي أن يقال: إن (يدهنوا) منصوب بـ (أن) مضمرة، والمصدر المسبوك منها ومن صلتها معطوف على المصدر المسبوك من (لو) وصلتها فتأمله. «وصلتها» أي صلة لو المصدرية «كصلة ما» فتوصل بفعل متصرف غير أمر، ومقتضى كلامه جواز وصلها بفعل منفي بـ (لم) نحو: وددت لو لم تقم.

ص: 284

قال ابن هشام: وقد اختار المصنف أن (ما) توصل بجملة اسمية، ولا يحفظ ذلك في (لو) فينبغي أن يقيد.

قلت: قد جاء قوله تعالى: {يودوا لو أنهم بادون في الأعراب} ، و (لو) هذه مصدرية، ووقعت بعدها (أن) وصلتها، كما وقع ذلك بعد (لو) الشرطية، نحو:{ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به} .

ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة ............................

وسيبويه على أن الموضع رفع بالابتداء، ولا يحتاج إلى خبر، لاشتمال صلة (أن) على المسند والمسند إليه، وقيل: بالابتداء، والخبر محذوف، ثم قيل: يقدر مقدمًا، أي ولو ثابت فعلهم، على حد {وآية [لهم] أنا حملنا} .

ص: 285

وقال ابن عصفور: بل يقدر مؤخرًا على الأصل؛ لأن الموجب لتقديم الخبر في نحو: عندي أنك فاضل وهو حذر التباسها بـ (لعل) - منتفٍ هنا، فيقدر: ولو فعلهم ثابت.

والكوفيون والمبرد والزجاج على أن الموضع رفع على الفاعلية، والفعل مقدر بعدها. فمقتضى قول من جعل الواقع من ذلك بعد (لو) الشرطية / مبتدأ وخبرًا، جعله كذلك بعد (لو) المصدرية، فتكون قد وصلت بالجملة الاسمية على هذا الرأي، نعم ينبغي أن تقيد الاسمية بهذا النوع، ولا تؤخذ على الإطلاق، فتأمله. «وتغني» (لو) المصدرية، لا (لو) مطلقًا «عن التمني» أي عن فعل التمني، تقول: وددت لو جاءني زيد فأكرمه، ثم تحذف (وددت) ، وتنوب عنه (لو)، فتقول: لو جاءني زيد فأكرمه.

قال المصنف: - وقد أورد قول الزمخشري: (وقد تجيء (لو) في معنى التمني، نحو: لو تأتيني فتحدثني) - إن أراد الزمخشري أن لأصل: وددت لو تأتيني، فحذف فعل التمني، لدلالة (لو) عليه، فأشبهت (ليت) في

ص: 286

الإشعار بمعنى التمني، وكان لها جواب كجوابها، فصحيح. [وإن أراد] أنها حرف وضع للتمني كـ (ليت) ، فغير صحيح، لأن ذلك يستلزم منع الجمع بينها وبين فعل التمني، كما لا يجمع بينه وبين (ليت). انتهى.

قلت: الظاهر أن الثاني مراد الزمخشري، وما أورده عليه غير متجه، فإن (لو) عند مجامعتها لفعل التمني تكون لمجرد المصدرية مسلوبة الدلالة على التمني، فسقط ما قال. «فينصب بعدها الفعل» المضارع «مقرونًا بالفاء» [وذلك] مثل قوله:

سرينا إليهم في جموع كأنها

جبال شرورى لوتعان فتنهدا

قال المصنف: في (فتنهد) وجهان:

أحدهما - وهو المختار - أنه جواب تمن إنشائي، كجواب (ليت)، لأن الأصل: وددنا لو تعان، فحذف الفعل؛ للدلالة عليه، فأشبهت (ليت) في الإشعار بمعنى التمني، دون لفظه فجووبت جوابها.

ص: 287

والثاني - أنه من باب العطف على المصدر؛ لأن (لو تعان) يقدر بالمصدر، فكأنه قيل: وددنا الإعانة فالنهد، أي النهوض إلى الأعداء.

وقال بعضهم: لو هذه المتكلم فيها، هي لو الشرطية، أشربت معنى التمني بدليل أنهم جمعوا لها بين جوابين: جواب منصوب بعد الفاء، وجواب باللام كقوله:

فلو نبش المقابر عن كليب

فيخبر بالذنائب أي زير

بيوم الشعثمين لقرعينا

وكيف لقاء من تحت القبور

ص: 288

قلت: يمكن أن يقال إن (يخبر) ليس منصوبًا في جواب التمني، وإنما هو منصوب بأن مضمرة، وهي وصلتها مصدر فاعل (حصل) مضمرًا، والجملة من هذا الفعل وفاعله معطوفة على جملة الشرط، أي فلو نبش المقابر عن كليب فحصل إخباره بما تم بعده لقرعينا، وعلى هذا فـ (لو) هي التعليقية على بابها، ولا تمني أصلًا ويمكن أن يقال: - أيضًا - إنه لا تمني أصلًا، والنصب بأن مضمرة بعد الشرط؛ لمشابهته للنفي، والمعنى على هذا التقدير: فلو حصل نبش المقابر فالإخبار لقرعينا، فهو عطف على مصدر متصيد من فعل الشرط، وإذا كانوا قد جوزوا مثل هذا على قلة في الشرط بـ (إن)، نحو: إن تأتني فتكرمني آتك، بنصب (تكرم) ، من جهة أن الشرط مفروض، فهو غير موصوف بالوجود حقيقة، فأشبه النفي فأجري مجراه في نصب ما اقترن بالفاء أو الواو بعده، فتجويز ذلك في (لو) أولى؛ لدلالتها على انتفاء الشرط وضعًا، وهذا الثاني أولى من الأول، لأن في ذلك إضمار (أن) في غير محلها المعروف، فهو مثل: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. بخلاف

ص: 289

الثاني، فإن فيه إضمارا لـ (أن) في محل عهد إضمارها فيه، وإن كان قليلًا. على أن المصنف لما حكى أن النصب بـ (أن) مضمرة نادر في غير المواضع المشهورة جوازًا ووجوبًا، قال:(وفي القياس عليه خلاف). فللباحث أن يرتكب مذهب القائل بقياستيه، ويخرج البيت عليه / ويمكن أن يقال: - أيضًا - إن (لو) - من قوله (فلو نبش) – للتمني أو مغنية عنه على الرأيين، والفعل - من قوله:(فيخبر) - منصوب في جوابه، وقوله:(لقرعينا) جواب لـ (لو) شرطية محذوفة، والتقدير: لو وقع ذلك لقرعينا.

ص: 290