المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌[مُقَدِّمَة] بسم الله الرحمن الرحيم ــ ‌ ‌[حاشية العدوي] {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} - شرح الخرشي على مختصر خليل - ومعه حاشية العدوي - جـ ١

[الخرشي = الخراشي - العدوي]

فهرس الكتاب

- ‌[مُقَدِّمَة]

- ‌بَابِ الطَّهَارَةِ

- ‌[فَصَلِّ بَيَانِ الطَّاهِرِ وَالنَّجَسِ]

- ‌[فَصْلٌ إزَالَة النَّجَاسَة]

- ‌[فَصْلُ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ]

- ‌[فَصْلٌ آدَابَ قَاضِي الْحَاجَةِ]

- ‌[فَصْلٌ نَوَاقِضَ الْوُضُوءِ]

- ‌[فَصَلِّ الْغُسْلُ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي التَّيَمُّمُ]

- ‌[فَصَلِّ فِي الْمَسْح عَلَى الجبيرة]

- ‌[فَصَلِّ فِي الْحَيْض]

- ‌[بَاب الْوَقْت الْمُخْتَار]

- ‌(فَصْلٌ) فِي الْأَذَانِ

- ‌[فَصَلِّ فِي شُرُوط الصَّلَاة]

- ‌(فَصْلٌ) فِي حُكْمِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَصِفَةِ السَّاتِرِ

- ‌[فَصَلِّ فِي الِاسْتِقْبَالِ لِلْقِبْلَةِ فِي الصَّلَاة]

- ‌[فَصَلِّ فِي فَرَائِض الصَّلَاة]

- ‌[فَصْلٌ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاة وَبَدَلِهِ وَمَرَاتِبِهِمَا]

- ‌[فَصْلٌ حُكْمِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ وَتَرْتِيبِهَا]

- ‌[فَصْلٌ حُكْمَ السَّهْوِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]

- ‌[فَصْلٌ سُجُودَ التِّلَاوَةِ]

الفصل: ‌ ‌[مُقَدِّمَة] بسم الله الرحمن الرحيم ــ ‌ ‌[حاشية العدوي] {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}

[مُقَدِّمَة]

بسم الله الرحمن الرحيم

ــ

[حاشية العدوي]

{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَرِيمِ الْوَهَّابِ الْمُلْهِمِ لِلصَّوَابِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْأَحْبَابِ وَعَلَى آلِهِ وَالْأَصْحَابِ.

{وَبَعْدُ} فَيَقُولُ الْفَقِيرُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الصَّعِيدِيُّ الْعَدَوِيُّ الْمَالِكِيُّ لَمَّا - مَنَّ اللَّهُ الْمَوْلَى الْكَرِيمُ بِمُطَالَعَةِ الشَّرْحِ الصَّغِيرِ لِلْعَلَّامَةِ الْإِمَامِ وَالْقُدْوَةِ الْهُمَامِ شَيْخِ الْمَالِكِيَّةِ شَرْقًا وَغَرْبًا قُدْوَةِ السَّالِكِينَ عَجَمًا - وَعَرَبًا مُرَبِّي الْمَرِيدِينَ كَهْفِ السَّالِكِينَ سَيِّدِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ - الْخَرَشِيِّ الشَّهِيرُ نَسَبُهُ وَنَسَبُ عَصَبَتِهِ بِأَوْلَادِ صَبَاحِ الْخَيْرِ انْتَهَتْ إلَيْهِ الرِّيَاسَةُ فِي مِصْرَ حَتَّى أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي مِصْرَ أَوَاخِرَ عُمُرِهِ إلَّا طَلَبَتُهُ وَطَلَبَةُ طَلَبَتِهِ كَانَ إمَامًا فِي الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ مُتَوَاضِعًا عَفِيفًا لَا يَكَادُ جَلِيسُهُ يَمَلُّ مِنْ مُجَالَسَتِهِ انْتَهَتْ إلَيْهِ الرِّيَاسَةُ فِي الْعِلْمِ وَوَقَفَ النَّاسُ عِنْدَ فَتَاوِيهِ وَكَانَ مُتَقَشِّفًا فِي مَأْكَلِهِ وَمَلْبَسِهِ وَمِفْرَشِهِ وَكَانَ لَا يُصَلِّي الصُّبْحَ صَيْفًا وَشِتَاءً إلَّا بِالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ وَكَانَ خُلُقُهُ وَاسِعًا إذَا تَجَادَلَ عِنْدَهُ الطَّلَبَةُ يَشْتَغِلُ هُوَ بِالذِّكْرِ حَتَّى يَفْرُغَ جِدَالُهُمْ وَكَانَ يَقْضِي بَعْضَ مَصَالِحِهِ بِيَدِهِ مِنْ السُّوقِ وَيَحْمِلُهَا وَيَتَعَاطَى مَصَالِحَ بَيْتِهِ فِي مَنْزِلِهِ أَيْضًا وَكَانَ كَثِيرَ الْأَدَبِ وَالْحَيَاءِ كَرِيمَ النَّفْسِ جَمِيلَ الْمُعَاشَرَةِ حُلْوَ الْكَلَامِ وَكَانَ كَثِيرَ الشَّفَاعَاتِ عِنْدَ الْأُمَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ وَكَانُوا يَهَابُونَهُ وَيُجِلُّونَهُ وَيَقْبَلُونَ شَفَاعَتَهُ وَكَانَ مَهِيبَ الْمَنْظَرِ عَلَيْهِ خَفْرُ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَكَانَ دَائِمَ الطَّهَارَةِ كَثِيرَ الصَّمْتِ زَاهِدًا وَرِعًا - كَثِيرَ الصِّيَامِ طَوِيلَ الْقِيَامِ وَكَانَ لَهُ تَهَجُّدٌ عَظِيمٌ فِي اللَّيْلِ

وَكَانَ نَهَارُهُ كُلُّهُ فِي طَاعَةٍ إمَّا فِي عِلْمٍ أَوْ قِرَاءَةِ قُرْآنٍ أَوْ وِرْدٍ يَقُولُ - مَنْ عَاشَرَهُ: مَا ضَبَطْنَا عَلَيْهِ قَطُّ - سَاعَةً هُوَ فِيهَا غَافِلٌ عَنْ مَصَالِحِ دُنْيَاهُ أَوْ آخِرَتِهِ وَكَانَ يَتَعَمَّمُ بِشَمْلَةٍ بَيْضَاءَ صُوفٍ إذَا دَخَلَ مَنْزِلَهُ وَلَهُ سُبْحَةٌ أَلْفُ حَبَّةٍ وَكَانَتْ ثِيَابُهُ قَصِيرَةً عَلَى السُّنَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَكَانَ كَثِيرَ الذِّكْرِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَكَادُ يَغْفُلُ عَنْ قَوْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فِي حَالِ دَرْسِهِ وَفِي حَالِ عَمَلِهِ وَكَانَ لَا يُسْمَعُ مِنْهُ قَطُّ - مُذَاكَرَةُ أَحَدٍ بِسُوءٍ وَكَانَ النُّورُ يَخْفِقُ عَلَى وَجْهِهِ يُدْرِكُهُ كُلُّ الْمُؤْمِنِينَ وَكَانَتْ الْأُمَرَاءُ وَالْأَكَابِرُ يَعْتَقِدُونَهُ اعْتِقَادًا تَامًّا وَكَانَ إذَا رَكِبَ حِمَارَتَهُ وَمَرَّ فِي السُّوقِ يَقْتَتِلُ النَّاسُ عَلَيْهِ لِأَجْلِ التَّبَرُّكِ بِهِ وَتَقْبِيلِ يَدِهِ وَمَنْ لَا يَصِلُ إلَى يَدِهِ يَتَمَسَّحُ بِدَابَّتِهِ أَوْ بِظَهْرِ الشَّيْخِ وَيَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ وَكَانَ قَدْ اشْتَهَرَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ كَالْغَرْبِ وَبِلَادِ التَّكْرُورِ وَالشَّامِ وَالْحِجَازِ وَالرُّومِ وَالْيَمَنِ وَصَارُوا يَضْرِبُونَ بِهِ الْمِثْلَ وَأَذْعَنَ لَهُ عُلَمَاءُ مِصْرَ الْخَاصُّ مِنْهُمْ وَالْعَامُّ وَكَانَ دَائِمَ الطَّهَارَةِ لَا يُحْدِثُ إلَّا وَيَتَوَضَّأُ هَكَذَا قَالَ أَصْحَابُهُ وَكَانَ لَا يَذْكُرُ أَحَدًا بِغِيبَةٍ - وَلَا يَحْسُدُ أَحَدًا مِنْ أَقْرَانِهِ عَلَى مَا آتَاهُ اللَّهُ مِنْ عِلْمٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ إقْبَالٍ مِنْ النَّاسِ بَلْ يَقُولُ لَوْلَا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا كَانَ قَطُّ - يُزَاحِمُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الدُّنْيَا وَلَا يَتَرَدَّدُ إلَى أَحَدٍ مِنْ الْوُلَاةِ إلَّا لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ مِنْ شَفَاعَةٍ لِمَظْلُومٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ

وَكَانَ إذَا حَضَرَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ يَحْسُدُونَهُ يُجِلُّهُمْ وَيُكْرِمُهُمْ فِي غَيْبَتِهِمْ وَحُضُورِهِمْ وَلَا يُؤَاخِذُ أَحَدًا مِنْهُمْ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُ فِي حَقِّهِ بَلْ هُوَ كَثِيرُ احْتِمَالِ الْأَذَى بِطِيبَةِ نَفْسٍ وَكَانَ يُعِيرُ مِنْ كُتُبِهِ وَمِنْ خِزَانَتِهِ الْوَقْفِ الْكُتُبَ الْغَرِيبَةَ الْعَزِيزَةَ لِلطَّالِبِ بِحَيْثُ لَا يُفَتِّشُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْهَا كَائِنًا مَا كَانَ مِنْ جَمِيعِ الْفُنُونِ فَضَاعَ لَهُ بِذَلِكَ جُمْلَةٌ مِنْ الْكُتُبِ وَكَانَ يُعْطِي مِنْ الْكِتَابِ بِالْكَبْشَةِ مِنْ غَيْرِ عَدَدِ أَوْرَاقٍ وَكَانَ يَأْتِيهِ الطَّالِبُ بِبَرَاءَةٍ فِيهَا اسْمُ كِتَابٍ يَطْلُبُهُ فَيُخْرِجُهُ مِنْ الْخِزَانَةِ فَيُعْطِي لَهُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ أَوْ بَلَدِهِ فَيُقَيِّدُ بَعْدَمَا يَتَوَجَّهُ مِنْ عِنْدِهِ أَخَذَ مِنْ الْكِتَابِ الْفُلَانِيِّ الرَّجُلُ الطَّوِيلُ أَوْ الْقَصِيرُ أَوْ لِحْيَتُهُ كَبِيرَةٌ أَوْ صَغِيرَةٌ أَوْ أَبْيَضُ أَوْ أَسْوَدُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَكَانَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الْعَجَبُ الْعُجَابُ إيثَارًا لِوَجْهِهِ تَعَالَى

وَكَانَ لَا يَأْنَفُ فِي دَرْسِهِ وَخَارِجِهِ مِنْ مُبْتَدِئٍ وَلَا بَلِيدٍ - أَفْنَى فِيهِ عُمُرَهُ مَعَ تَثَبُّتِهِ لِحَوَائِجِ الْعَامَّةِ وَالْأَرْمَلَةِ، وَكَانَ إذَا أَتَى إلَيْهِ طِفْلٌ يَشْكُو إلَيْهِ تَوَجَّهَ مَعَهُ إلَى مَطْلُوبِهِ فَيَقْضِي حَاجَتَهُ لَازَمَ الْقِرَاءَةَ سِيَّمَا بَعْدَ شَيْخِهِ الْبُرْهَانِ الْقَانِيِّ وَأَبِي الضِّيَاءِ عَلِيٍّ الْأُجْهُورِيِّ كَانَ يَقْرَأُ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ الْحَنَفِيِّ فِي مَجْلِسِهِ بِمَدْرَسَةِ الِابْتِغَاوِيَّةِ إلَى الضُّحَى الْكَبِيرَةِ قِرَاءَةَ تَحْقِيقٍ وَتَدْقِيقٍ، ثُمَّ يَقُومُ يُصَلِّي الضُّحَى وَيَتَوَجَّهُ إلَى بَيْتِهِ وَرُبَّمَا مَشَى بَعْدُ لِشَفَاعَةٍ فِي أَمْرِ النَّاسِ أَوْ يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى الْمَسْجِدِ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمَجْلِسِهِ بالابتغاوية، ثُمَّ يَأْتِي إلَى الدَّرْسِ بِجِوَارِ الْمِنْبَرِ بِالْمَقْصُورَةِ فَيَقْرَأُ دَرْسَهُ مِنْ مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ، ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إلَى مَجْلِسِهِ الْمَذْكُورِ أَوْ إلَى بَيْتِهِ وَكَانَ يَقْسِمُ مَتْنَ خَلِيلٍ نِصْفَيْنِ يَقْرَؤُهُ فِي مَجْلِسِهِ بالابتغاوية وَنِصْفٍ يَقْرَؤُهُ بَعْدَ الظُّهْرِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَكَانَ يُمَازِحُ الطَّلَبَةَ فِي دَرْسِهِ وَيَقُولُ لَهُمْ أَنْتُمْ جُهَلَاءُ وَلَا يَعْقِلُهَا إلَّا الْعَالِمُونَ، وَيَقُولُ لَهُمْ إنَّمَا أَقُولُ لَكُمْ ذَلِكَ لِأَجْلِ أَنْ تَبْذُلُوا هِمَمَكُمْ لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَمُطَالَعَتِهِ، وَكَانَ فِي دَرْسِهِ إذَا قَرَأَ شَرْحَهُ الصَّغِيرَ بِحَضْرَةِ الطَّلَبَةِ يَقُولُ لَهُمْ هَذَا شَرْحٌ نَفِيسٌ مَا أَحْسَنَهُ،، لَازَمْتَهُ مَا يَنُوفُ عَنْ عِشْرِينَ سَنَةً فِي دَرْسِهِ بِالْمَقْصُورَةِ وَخَارِجَ الدَّرْسِ فَمَا أَظُنُّ أَنَّ كَاتِبَ الشِّمَالِ كَتَبَ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَإِنْ وَقَعَ أَنَّهُ عَرَضَ لِأَحَدٍ عَلَى وَجْهِ التَّنْفِيرِ فَذَلِكَ مِنْ بَابِ النُّصْحِ لِلْأُمَّةِ لَا لِحَظِّ نَفْسِهِ وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ يُجَرِّحُ الرُّوَاةَ كَثِيرًا

وَيَقُولُ أَرْجُو مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أَنْ لَا يُطَالِبَنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِغِيبَةٍ - فِي أَحَدٍ انْتَهَى.

وَذَلِكَ أَنَّهُ قَصَدَ بِالتَّجْرِيحِ نُصْرَةَ الدِّينِ لَا التَّشَفِّي بِذَلِكَ لِلنَّفْسِ كَمَا ذَكَرَهُ الْعَارِفُ بِاَللَّهِ سَيِّدِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الشَّعْرَانِيُّ، وَكَانَ عَالِمًا

ص: 2

يَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ: مُحَمَّدٌ الْخَرَشِيُّ الْمَالِكِيُّ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُحِيطُ بِخَفِيَّاتِ الْغُيُوبِ الْمُطَّلِعِ عَلَى سَرَائِرِ الْقُلُوبِ الْمُخْتَصِّ

ــ

[حاشية العدوي]

بِالنَّحْوِ وَالتَّصْرِيفِ فَرْضِيًّا حِسَابِيًّا مُحَقِّقًا لَهَا، لَهُ الْإِمَامَةُ الْمُطْلَقَةُ فِي ذَلِكَ جَامِعًا لِسَائِرِ الْفُنُونِ وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ آخِرُ الْأَئِمَّةِ الْمُتَصَرِّفِينَ التَّصَرُّفَ التَّامَّ بِمِصْرَ الْمَحْرُوسَةِ وَآخِرُ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ وَكَانَ لَهُ فِي مَنْزِلِهِ خَلْوَةٌ يَتَعَبَّدُ فِيهَا وَكَانَ يَقْرَأُ بَعْدَ الظُّهْرِ عَقِبَ دَرْسِ الْمُخْتَصَرِ إذَا اتَّسَعَ الْوَقْتُ دَرْسًا فِي النَّحْوِ أَوْ التَّوْحِيدِ أَوْ الْفَرَائِضِ أَوْ الْحِسَابِ وَكَانَ يَأْتِيهِ الْهَدَايَا وَالنُّذُورُ مِنْ أَقْصَى الْمَغْرِبِ وَبِلَادِ التَّكْرُورِ وَجَمِيعِ الْبِلَادِ فَلَمْ يُمْسِكْ مِنْهَا شَيْئًا بَلْ كَانَ أَقَارِبُهُ وَمَعَارِفُهُ يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْكَرَامَاتِ إلَّا إقْبَالُ النَّاسِ عَلَيْهِ مِنْ سَائِرِ الْأَقْطَارِ وَعَلَى كِتَابَةِ مُؤَلَّفَاتِهِ وَمُطَالَعَتِهَا لَكَانَ فِي ذَلِكَ كِفَايَةُ.

أَخْذِ الْعُلُومِ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ مِنْهُمْ الْعَلَّامَةُ خَاتِمَةُ الْفُقَهَاءِ أَبُو الْإِرْشَادِ عَلِيٌّ الْأُجْهُورِيُّ وَالْعَلَّامَةُ خَاتِمَةُ الْمُحَدِّثِينَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ اللَّقَانِيِّ وَالْفَقِيهُ الشَّيْخُ يُوسُفُ الْفِيشِيِّ وَالْمُحَقِّقُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْمُعْطِي الْبَصِيرُ وَالْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ حَسَنُ النَّمَاوِيُّ وَالشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ يَاسِينُ الشَّامِيُّ وَوَالِدُهُ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ الْخَرَشِيُّ تَخَرَّجَ بِهِ جَمَاعَةٌ حَتَّى وَصَلَ مُلَازِمُوهُ الْمُجِدُّونَ عَلَيْهِ نَحْوَ مِائَةٍ مِنْهُمْ الْعَارِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى الشَّيْخُ أَحْمَدُ اللَّقَانِيِّ وَالشَّيْخُ الْفَاضِلُ سَيِّدِي مُحَمَّدُ الزَّرْقَانِيُّ وَالشَّيْخُ الْفَقِيهُ عَلِيٌّ اللَّقَانِيِّ وَالشَّيْخُ الْعُمْدَةُ شَمْسُ الدِّينِ اللَّقَانِيِّ وَأَخُوهُ الشَّيْخُ دَاوُد اللَّقَانِيِّ وَالشَّيْخُ الْفَقِيهُ مُحَمَّدُ النَّفْرَاوِيُّ وَأَخُوهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخُ أَحْمَدُ الشَّبْرَاخِيتِيُّ وَالشَّيْخُ أَحْمَدُ الْفَيُّومِيُّ وَالشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْفَيُّومِيُّ وَالشَّيْخُ أَحْمَدُ الشَّرَفِيُّ وَالشَّيْخُ عَبْدُ الْبَاقِي الْقَلِينِيُّ وَالشَّيْخُ عِيدٌ وَالشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ عَلِيٌّ الْمَجْدُولِيُّ. وَغَالِبُ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعِ فِي حَالِ قِرَاءَتِهِ بَعْدَ خَتْمِ الْمُخْتَصَرِ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ لِلْعَلَّامَةِ الْقَسْطَلَّانِيِّ مَاتَ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْأَحَدِ سَابِعِ عَشْرَيْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ خِتَامِ سَنَةِ وَاحِدٍ وَمِائَةٍ وَأَلْفٍ وَدُفِنَ مَعَ وَالِدِهِ بِقُرْبِ مَدْفَنِ الشَّيْخِ الْعَارِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى مُحَمَّدِ الْبَنَوْفَرِيِّ بِوَسَطِ تُرْبَةِ الْمُجَاوِرِينَ وَقَبْرُهُ مَشْهُورٌ وَمَا رَأَيْت فِي عُمُرِي كُلِّهِ أَكْثَرَ خَلْقًا مِنْ جِنَازَتِهِ إلَّا جِنَازَةَ الشَّيْخِ السُّلْطَانِ الْمِزَاحِيِّ وَالشَّيْخِ مُحَمَّدِ الْبَابِلِيِّ هَذَا مَا انْتَهَى جَمْعُهُ مِنْ الْمَنَاقِبِ فِي أَوَاخِرِ شَهْرِ صَفَرِ الْخَيْرِ سَنَةَ مِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَأَلْفٍ مِنْ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ جَمَعَهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ الْجَمَالِيُّ الْمَغْرِبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَظَهَرَ بِبَرَكَتِهِ كَلِمَاتٌ تَتَعَلَّقُ بِفَهْمِ ذَلِكَ الشَّرْحِ أَحْبَبْت أَنْ أَجْمَعَهَا لِنَفْسِي وَلِمَنْ هُوَ قَاصِرٌ مِثْلِي مُعْتَمِدًا عَلَى فَضْلِ مَوْلَانَا الْكَرِيمِ لِقِصَرِ بَاعِي وَقِلَّةِ اطِّلَاعِي فَيَا ذَا الْجُودِ وَالْإِنْعَامِ وَالْفَضْلِ وَالْإِكْرَامِ جُدْ عَلَيْنَا بِرَحَمَاتِك وَمُنَّ عَلَيْنَا بِإِسْعَافَاتِك؛ لِأَنَّ هَذِهِ صِفَاتُك فَأَقُولُ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

اعْلَمْ أَنِّي حَيْثُ قُلْت قَالَ كَ فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى مَا قَالَهُ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ وَحَيْثُ قُلْت عج فَهُوَ إشَارَةٌ لِشَيْخِ الشُّيُوخِ عَلِيٍّ الْأُجْهُورِيِّ وَحَيْثُ قُلْت مُحَشِّي تت فَهُوَ إشَارَةٌ لِلشَّيْخِ مُصْطَفَى الْمَغْرِبِيِّ الْجَزَائِرِيِّ (قَوْلُهُ يَقُولُ مُحَمَّدٌ الْخَرَشِيُّ) كَذَا بِخَطِّهِ بِخَاءٍ وَرَاءٍ وَشِينٍ بِدُونِ أَلِفٍ فَتَكُونُ نِسْبَةً عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ؛ لِأَنَّ بَلَدَهُ يُقَالُ لَهَا أَبُو خَرَاشٍ مِنْ الْبُحَيْرَةِ قَرْيَةٌ مِنْ أَعْمَالِ مِصْرَ وَعَرَّفَ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْإِقْبَالِ عَلَى التَّأْلِيفِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ وَفِي عَدَمِهِ جَهَالَةٌ تُوجِبُ خِلَافَ ذَلِكَ وَمَا وَقَعَ مِنْ بَعْضِ الْمُؤَلِّفِينَ مِنْ عَدَمِ التَّعْرِيفِ فَإِمَّا لِلِاتِّكَالِ عَلَى بَعْضِ تَلَامِذَتِهِمْ أَوْ لِاشْتِهَارِ نِسْبَةِ التَّأْلِيفِ لَهُمْ.

فَإِنْ قُلْت إنَّهُ يُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ الِاسْمِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ قُلْت نَعَمْ إلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ بِذَلِكَ إنَّمَا هُوَ الشَّيْخُ رحمه الله (قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَقُولَ الْقَوْلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ إلَى آخِرِ الشَّرْحِ وَلَا يَضُرُّ كَوْنُ بَعْضِهِ مَقُولًا لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ قَائِلُهُ أَيْضًا أَيْ حَاكِيهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَقُولُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ إلَى آخِرِ الْخُطْبَةِ وَالْخَطْبُ سَهْلٌ (قَوْلُهُ الْمُحِيطِ) يَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ أَلْ تَعْرِيفِيَّةً لَا مَوْصُولَةً إذْ الْخِلَافُ كَمَا فِي الْمُطَوَّلِ فِي أَلْ الدَّاخِلَةِ عَلَى اسْمِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ هَلْ هِيَ مَوْصُولَةٌ أَوْ حَرْفُ تَعْرِيفٍ إنَّمَا هُوَ إذَا أُرِيدَ بِهِ التَّجَدُّدُ وَالْحُدُوثُ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّهُ فِعْلٌ فِي صُورَةِ الِاسْمِ وَلِذَا يَعْمَلُ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْمَاضِي، وَأَمَّا مَا لَيْسَ فِي مَعْنَى الْحُدُوثِ مِنْ نَحْوِ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ فَهُوَ كَالصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ وَاللَّامُ فِيهَا حَرْفُ تَعْرِيفٍ اتِّفَاقًا وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا الْحُدُوثَ.

وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِحَاطَةِ تَعَلُّقُ عِلْمِهِ بِالْغُيُوبِ الْخَفِيَّةِ، وَهُوَ تَنْجِيزِيٌّ قَدِيمٌ فَلَيْسَ بِحَادِثٍ فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَنَقُولُ شَبَّهَ تَعَلُّقَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ بِالْإِحَاطَةِ بِالشَّيْءِ الَّتِي هِيَ الِاسْتِدَارَةُ بِهِ بِجَامِعِ أَنَّ مُتَعَلِّقَ كُلٍّ صَارَ تَحْتَ الْقَبْضَةِ وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ وَاشْتُقَّ مِنْ الْإِحَاطَةِ مُحِيطٌ بِمَعْنَى مُتَعَلِّقٍ عِلْمُهُ فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ وَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الصِّفَةَ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ وَقَرَّبَ ذَلِكَ أَنَّ صِفَةَ الْمَوْلَى لَا يُقَالُ لَهَا غَيْرٌ كَمَا لَا يُقَالُ لَهَا عَيْنٌ وَهَذَا مَا يُفِيدُهُ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى {أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12] وَقِيلَ إنَّ الْإِحَاطَةَ وَالْعِلْمَ مُتَرَادِفَانِ فَعَلَيْهِ يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ الْمُحِيطِ أَيْ الْعَالِمِ فَالصِّفَةُ جَرَتْ عَلَى مَنْ هِيَ لَهُ.

(قَوْلُهُ بِخَفِيَّاتِ الْغُيُوبِ) مِنْ إضَافَةِ مَا كَانَ صِفَةً أَيْ بِالْغُيُوبِ الْخَفِيَّاتِ أَيْ الْمُسْتَتِرَاتِ عَنَّا مَعْشَرَ الْإِنْسِ أَوْ مَعْشَرَ الثَّقَلَيْنِ أَوْ مَعْشَرَ الْمَخْلُوقَاتِ جَمْعُ خَفِيَّةٍ أَوْ خَفِيٍّ أَيْ ذَاتٍ خَفِيَّةٍ أَوْ شَيْءٍ خَفِيٍّ وَالْمُرَادُ ذَاتُ الشَّيْءِ أَيْ نَفْسُهُ كَانَ ذَاتًا أَوْ وَصْفًا وَالْغُيُوبُ جَمْعُ غَيْبٍ بِمَعْنَى مَا غَابَ فَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ أَيْ اسْتَتَرَ فَتَكُونُ الْخَفِيَّاتُ وَصْفًا مُؤَكَّدًا وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ الْخَفِيَّاتِ مَا اشْتَدَّ خَفَاؤُهُ فَيَكُونُ وَصْفًا مُخَصَّصًا (قَوْلُهُ الْمُطَّلِعِ) أَيْ الْمُشْرِفِ هَذَا مَعْنَاهُ الْأَصْلِيُّ وَلَكِنْ الْمُرَادُ لَازِمُهُ؛ لِأَنَّ الْإِشْرَافَ عَلَى الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمَ بِهِ فَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ مِنْ اسْتِعْمَالِ اسْمِ الْمَلْزُومِ فِي اللَّازِمِ أَيْ الْعَالِمِ بِمَا فِي الْقُلُوبِ مِنْ السَّرَائِرِ فَهُوَ وَصْفٌ جَارٍ عَلَى مَنْ هُوَ لَهُ خِلَافَ الْأَوَّلِ كَمَا تَبَيَّنَ.

(قَوْلُهُ عَلَى سَرَائِرِ) جَمْعُ سَرِيرَةٍ أَوْ سِرٍّ مَا كَتَمَهُ الْإِنْسَانُ مِنْ أَمْرٍ مَا وَإِضَافَتُهُ إلَى مَا بَعْدَهُ عَلَى مَعْنَى فِي أَوْ اللَّامِ الِاخْتِصَاصِيَّةِ (قَوْلُهُ الْقُلُوبِ) جَمْعُ قَلْبٍ، وَهُوَ لُغَةً مُشْتَرَكٌ بَيْنَ كَوْكَبٍ مَعْرُوفٍ وَالْخَالِصِ وَاللُّبِّ وَمِنْهُ قَلْبُ النَّخْلَةِ وَمَصْدَرُ قَلَبْت الشَّيْءَ رَدَدْته عَلَى بَدْئِهِ أَوْ قَلَبْته عَلَى وَجْهِهِ وَقَلَبْت الرَّجُلَ عَنْ الشَّيْءِ صَرَفْته عَنْهُ وَيُطْلَقُ عَلَى الْمُضْغَةِ لِسُرْعَةِ الْخَوَاطِرِ إلَيْهَا وَتَرَدُّدِهَا فِيهَا كَمَا قِيلَ

وَمَا سُمِّيَ الْإِنْسَانُ إلَّا لِنَسْيِهِ

وَلَا الْقَلْبُ إلَّا أَنَّهُ يَتَقَلَّبُ

ص: 3

بِإِرَادَتِهِ كُلَّ مَحْبُوبٍ وَمَوْهُوبٍ الْمُتَعَالِي بِجَلَالِ صَمَدِيَّتِهِ عَنْ مُشَابَهَةِ كُلِّ مَرْبُوبٍ بَارِئِ النَّسَمِ وَخَالِقِ الْأُمَمِ وَمُجْرِي الْقَلَمِ فِي الْقِدَمِ بِمَا هُوَ أَعْلَمُ بِقُدْرَتِهِ عَلَى وَفْقِ مَشِيئَتِهِ أَعْطَى وَمَنَعَ وَخَفَضَ وَرَفَعَ وَضَرَّ وَنَفَعَ فَلَا مُشَارِكَ لَهُ فِي إنْعَامِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ وَلَا مُعَانِدَ لَهُ فِي أَحْكَامِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ وَلَا مُنَازِعَ لَهُ فِي إبْرَامَاتِهِ وَأَقْضِيَتِهِ وَأَلْزَمَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ

ــ

[حاشية العدوي]

وَهُوَ مِنْ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ تَنْبِيهًا عَلَى شِدَّةِ الْحِفْظِ مِنْ مَعَاصِي الْقُلُوبِ شَاهِدُهُ «إنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً» إلَخْ (قَوْلُهُ بِإِرَادَتِهِ) الْبَاءُ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَقْصُورِ عَلَيْهِ أَيْ كُلَّ مَحْبُوبٍ وَمَوْهُوبٍ مِنْهُ أَيْ وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّ إرَادَتَهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلِّ مُمْكِنٍ مُخْتَصٍّ بِإِرَادَتِهِ لَا يَخْرُجُ عَنْهَا إلَى إرَادَةِ الْعَبْدِ لَا الْمَقْصُورِ وَإِلَّا جَاءَ مَذْهَبُ الِاعْتِزَالِ مِنْ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يُرِيدُ غَيْرَ الْخُيُورِ مِنْ الشَّرَائِرِ وَالْقَبَائِحِ.

وَأَشَارَ الشَّارِحُ رضي الله عنه وَنَفَعَنَا بِهِ إلَى أَنَّ مَا أَصَابَك مِنْ حَسَنَةٍ فَالْمَطْلُوبُ مِنْك أَنْ تُلَاحِظَ أَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ فَضْلُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا تَنْسُبُهُ إلَى نَفْسِك بِخِلَافِ السَّيِّئَةِ فَلَا تُضِفْهَا لِلْمَوْلَى بَلْ أَضِفْهَا لِنَفْسِك، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ اللَّهِ قَالَ تَعَالَى {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79] وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِإِرَادَتِهِ رَحْمَتَهُ فَيَكُونُ إشَارَةً لِقَوْلِهِ عز وجل يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ أَيْ الْمُخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ أَيْ إنْعَامِهِ الْمَصْحُوبِ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ كُلَّ شَخْصٍ مَحْبُوبٍ وَمَوْهُوبٍ لَهُ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ أَيْ عَلَى اللُّغَةِ الْفُصْحَى، وَأَمَّا عَلَى غَيْرِهَا مِنْ قَوْلِك وَهَبْت زَيْدًا ثَوْبًا فَلَا حَذْفَ فِي مَوْهُوبٍ وَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ فَتَكُونُ دَاخِلَةً عَلَى الْمَقْصُورِ (قَوْلُهُ الْمُتَعَالِي) أَيْ الْمُتَنَزِّهُ (قَوْلُهُ بِجَلَالٍ) أَيْ بِسَبَبِ عَظَمَةِ صَمَدِيَّتِهِ ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ حَقِيقِيَّةً وَأَنْ تَكُونَ مِنْ إضَافَةِ مَا كَانَ صِفَةً وَقَوْلُهُ صَمَدِيَّتِهِ أَيْ رِفْعَتِهِ أَوْ كَوْنِهِ يُقْصَدُ فِي الْحَوَائِجِ وَقَوْلُهُ " عَنْ مُشَابَهَةِ " مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ الْمُتَعَالِي كَانَتْ الْمُشَابَهَةُ فِي الذَّاتِ أَوْ الصِّفَةِ أَوْ الْأَفْعَالِ وَقَوْلُهُ كُلِّ مَرْبُوبٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا لِقَوْلِهِ مُشَابَهَةِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أَيْ الْمُتَنَزِّهَ عَنْ مُشَابَهَةِ كُلِّ مَرْبُوبٍ لَهُ وَأَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا أَيْ الْمُتَنَزِّهَ عَنْ كَوْنِهِ يُشَابِهُ كُلَّ مَرْبُوبٍ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِمُوَافَقَةِ قَوْله تَعَالَى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] وَمَعْنَى مَرْبُوبٍ مَمْلُوكٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ أَيْ مَخْلُوقٍ (قَوْلُهُ بَارِئِ النَّسَمِ) مَعْنَاهُ الْمُنْشِئُ مِنْ الْعَدَمِ قَالَهُ فِي الْجَلَالَيْنِ وَالنَّسَمُ جَمْعُ نَسَمَةٍ وَهِيَ الْإِنْسَانُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَفِي الْمِصْبَاحِ النَّسِيمُ نَفْسُ الرِّيحِ وَالنَّسَمَةُ مِثْلُهُ ثُمَّ سُمِّيَتْ بِهَا النَّفْسُ بِالسُّكُونِ وَالْجَمْعُ نَسَمٌ مِثْلَ قَصَبَةٍ وَقَصَبٍ وَاَللَّهُ الْبَارِئُ أَيْ خَالِقُ النُّفُوسِ انْتَهَى وَعَلَيْهِ فَالنَّسَمُ لَا يَخْتَصُّ بِالْإِنْسَانِ بَلْ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْحَيَوَانِ

(قَوْلُهُ وَخَالِقِ الْأُمَمِ) بَيْنَ خَالِقٍ وَبَارِئٍ التَّرَادُفُ وَتَفَنَّنَ فِي التَّعْبِيرِ دَفْعًا لِلثِّقَلِ الْحَاصِلِ مِنْ تَكْرَارِ اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ أَنْ لَوْ عَبَّرَ بِبَارِئٍ فِيهِمَا أَوْ بِخَالِقٍ وَالْأُمَمُ جَمْعُ أُمَّةٍ تُطْلَقُ عَلَى كُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْحَيَوَانِ وَعَلَى أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ وَكُلٌّ يَصِحُّ وَلَهَا اطِّلَاقَاتٌ أُخَرُ إلَّا أَنَّ الْمُنَاسِبَ لِلْمَقَامِ مَا قُلْنَا (قَوْلُهُ وَمُجْرِي الْقَلَمِ) أَيْ مُصَيِّرِ الْقَلَمِ جَارِيًا فِي اللَّوْحِ مِنْ غَيْرِ مُمْسِكٍ وَقَدْ انْقَطَعَ إنْ قُلْنَا بِأَنَّ مَا فِي اللَّوْحِ لَا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ وَالتَّبْدِيلَ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فَلَمْ يَنْقَطِعْ وَقَوْلُهُ فِي الْقِدَمِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ عَدَمَ الْأَوَّلِيَّةِ وَإِلَّا لَزِمَ أَنَّ الْجَرَيَانَ قَدِيمٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ حَادِثٌ بَلْ الْمُرَادُ بِالْقِدَمِ مَا تَقَدَّمَ فِيمَا لَا يَزَالُ بِغَايَةِ الْبُعْدِ.

(قَوْلُهُ بِمَا هُوَ أَعْلَمُ) أَيْ بِمَا هُوَ عَالِمٌ بِهِ أَزَلًا فَأَفْعَلُ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمُجْرِي وَقَوْلُهُ بِقُدْرَتِهِ مُتَعَلِّقٌ بِمُجْرِي كَالْأُولَى إلَّا أَنَّهَا لِلسَّبَبِيَّةِ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْقَلَمِ لِلْكَاتِبِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَالْأَوْلَى لِلْمُلَابَسَةِ فَلَا يَلْزَمُ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جَرٍّ مُتَّحِدِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى بِعَامِلٍ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ عَلَى مُوَافَقَةٍ) إشَارَةٌ لِمَا قَرَّرَ فِي أُصُولِ الدِّينِ مِنْ أَنَّ تَأْثِيرَ الْقُدْرَةِ فَرْعُ تَأْثِيرِ الْإِرَادَةِ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ بِمَشِيئَتِهِ أَيْ مَشِيئَةِ الْإِجْرَاءِ فَيُعَمَّمُ فِي مُتَعَلِّقِ الْعِلْمِ فَيَشْمَلُ الْوَاجِبَ وَالْمُسْتَحِيلَ وَالْمُمْكِنَ غَيْرَ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى كُنْهِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَكْتُوبًا فِي اللَّوْحِ.

(قَوْلُهُ أَعْطَى إلَخْ) جُمْلَةٌ اسْتِئْنَافِيَّةٌ أَشَارَ بِهَا إلَى اسْتِقْلَالِ اللَّهِ بِالتَّصَرُّفِ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَوْ أَنَّهَا تَفْرِيعٌ فِي الْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِ وَمُجْرِي الْقَلَمِ إلَخْ أَيْ أَجْرَى الْقَلَمَ فَأَعْطَى وَمَنَعَ وَخَفَضَ وَرَفَعَ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الْمُحَسِّنَاتِ الْبَدِيعِيَّةِ، وَهُوَ الطِّبَاقُ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ أَيْ حَصَلَ مِنْهُ الْإِعْطَاءُ وَالْمَنْعُ أَوْ أَعْطَى قَوْمًا وَمَنَعَ آخَرِينَ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدُ، ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِمَا أَعْطَى وَمَا مَنَعَ خُصُوصُ الْإِيمَانِ وَأَنْ يُرَادَ مُطْلَقُ مُعْطٍ (قَوْلُهُ وَخَفَضَ وَرَفَعَ) أَيْ خَفَضَ قَوْمًا وَرَفَعَ آخَرِينَ أَوْ وَقَعَ مِنْهُ الْخَفْضُ وَالرَّفْعُ أَيْ بِالْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ أَوْ مُطْلَقًا، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ فِي ذَلِكَ مَجَازٌ كَمَا أَفَادَهُ الْأَسَاسُ؛ لِأَنَّهُمَا حَقِيقَةٌ فِيمَا كَانَ مَحْسُوسًا (قَوْلُهُ فَلَا مُشَارِكَ لَهُ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ فِي إنْعَامِهِ الْأُولَى فِي الْإِنْعَامِ إذْ عِبَارَتُهُ لَا تَنْفِي إلَّا أَنْ يَكُونَ مُنَعِّمٌ آخَرَ مُشَارِكًا لِمَوْلَانَا عز وجل فِي الْإِنْعَامِ الْمُضَافِ لَهُ وَلَا تَنْفِي أَنْ يَكُونَ مُنَعِّمٌ آخَرُ مُشَارِكًا لِمَوْلَانَا فِي مُطْلَقِ الْإِنْعَامِ مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ نَفْيُ الْمُشَارِكِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْإِنْعَامِ الْمُضَافِ إلَيْهِ أَوْ لَا فَتَدَبَّرْ.

وَكَذَا نَقُولُ فِي قَوْلِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ وَلَا يُقَالُ إنَّ أَلْ نَائِبَةٌ عَنْ الضَّمِيرِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ ذَلِكَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ وَالْإِنْعَامُ مِنْ آثَارِ الْأُلُوهِيَّةِ فَالْمُنَاسِبُ تَأْخِيرُهُ عَنْهَا إلَّا أَنَّهُ قَدَّمَهُ لِلسَّجْعِ (قَوْلُهُ وَأُلُوهِيَّتِهِ) أَيْ كَوْنِهِ إلَهًا أَيْ مَعْبُودًا بِحَقٍّ (قَوْلُهُ وَلَا مُعَانِدَ) أَيْ مُعَارِضَ فِي الْمِصْبَاحِ الْمُعَانِدُ الْمُعَارِضُ بِالْخِلَافِ لَا بِالْوِفَاقِ وَالْمُعَارِضُ غَيْرُ الشَّرِيكِ فَهُوَ عَطْفُ مُغَايِرٍ (قَوْلُهُ فِي أَحْكَامِهِ) الْخَمْسَةِ أَوْ أَقْضِيَتِهِ (قَوْلُهُ وَرُبُوبِيَّتِهِ) أَيْ كَوْنِهِ رَبًّا أَيْ مَالِكًا لِلْعَالَمِ (قَوْلُهُ وَلَا مُنَازِعَ لَهُ) مُرَادِفٌ لِقَوْلِهِ وَلَا مُعَانِدَ.

(قَوْلُهُ فِي إبْرَامَاتِهِ) جَمْعُ إبْرَامٍ أَيْ تَحْتِيمِهِ أَيْ حُكْمِهِ وَقَوْلُهُ وَأَقْضِيَتِهِ جَمْعُ قَضَاءٍ، وَهُوَ إرَادَةُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقَةُ أَزَلًا تَنْجِيزًا، وَهُوَ عَطْفُ تَفْسِيرٍ أَوَيُرَادُ بِالْإِبْرَامَاتِ تَعَلُّقَاتُهَا التَّنْجِيزِيَّةُ أَزَلًا فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْكُلِّيِّ عَلَى الْجُزْئِيِّ (قَوْلُهُ وَأَلْزَمَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَعْطَى أَوْ مُسْتَأْنَفَةٌ أَيْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] وَقَوْلُهُ الْمُؤْمِنِينَ خَصَّهُمْ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ الْمُنْتَفِعِينَ بِذَلِكَ وَإِلَّا فَالْكُفَّارُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ

ص: 4

بِالْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ وَأَمَرَهُمْ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ عليه الصلاة والسلام بِحِفْظِ الْمَوَاثِيقِ وَالْعُهُودِ وَمَدَحَ نَفْسَهُ وَكَثِيرًا مِنْ خَوَاصِّهِ بِالْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ وَوَصَفَ بِضِدِّ ذَلِكَ إبْلِيسَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ ذَوِي الْبُعْدِ وَالطَّرْدِ وَاسْتَخْلَصَ الْعُلَمَاءَ بِعِنَايَتِهِ وَجَمِيلِ لُطْفِهِ مِنْ غَيَاهِبِ الْجَهَالَاتِ وَجَعَلَهُمْ أُمَنَاءَ عَلَى خَلْقِهِ يَقُومُونَ بِحِفْظِ شَرِيعَتِهِ حَتَّى يُؤَدُّوا الْخَلْقَ تِلْكَ الْأَمَانَاتِ فَهُمْ مَصَابِيحُ الْأَرْضِ وَخُلَفَاءُ الْأَنْبِيَاءِ يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ

ــ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ بِالْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ) جَمْعُ عَقْدٍ، وَهُوَ الْعَهْدُ الْمُوَثَّقُ شُبِّهَ بِعَقْدِ الْحَبْلِ وَتِلْكَ الْعُقُودُ مَا عَقَدَهَا عَلَى عِبَادِهِ أَيْ أَلْزَمَهَا إيَّاهُمْ فِعْلًا أَوْ تَرْكًا فَظَهَرَ أَنَّ الْعُقُودَ مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ الْمَفْعُولِ وَقَوْلُهُ وَأَمَرَهُمْ فِي كِتَابِهِ إشَارَةٌ إلَى مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ وَقَوْلُهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ إشَارَةٌ إلَى مَا أَمَرَ بِهِ فِي سُنَّةِ نَبِيِّهِ قَالَ عز وجل {إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4] (قَوْلُهُ الْمَوَاثِيقِ) جَمْعُ مَوْثِقٍ كَمَجْلِسٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَالْمِيثَاقُ الْعَهْدُ ذَكَرَهُ فِيهِ أَيْضًا فَعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ الْعُهُودِ تَفْسِيرًا لَهُ وَقَالَ النَّسَفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَالْمِيثَاقُ الْعَهْدُ الْمُحْكَمُ فَعَلَيْهِ يَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، أَيْ أَمَرَهُمْ بِحِفْظِ مَا عَهِدَهُ إلَيْهِمْ أَيْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ أَيْ الْقِيَامِ بِهِ فَظَهَرَ أَيْضًا أَنَّهُ مِنْ إطْلَاقِ الْمَصْدَرِ وَإِرَادَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ فَتَدَبَّرْ.

(تَنْبِيهٌ) : جُمْلَةُ قَوْلِهِ وَأَمَرَهُمْ إلَخْ مُسَاوِيَةٌ مَعْنًى لِقَوْلِهِ وَأَلْزَمَ عِبَادَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ وَمَدَحَ نَفْسَهُ) قَالَ تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9] أَيْ الْوَعْدَ (قَوْلُهُ وَكَثِيرًا مِنْ خَوَاصِّهِ) قَدْ قَالَ فِي حَقِّ إسْمَاعِيلَ {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ} [مريم: 54](قَوْلُهُ بِالْوَعْدِ) كَذَا فِي نُسْخَةِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ بِضِدِّ ذَلِكَ) أَيْ بِالْمُنَافِي لِذَلِكَ، وَهُوَ عَدَمُ الْوَفَاءِ فَالْمُشَارُ إلَيْهِ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ.

(قَوْلُهُ إبْلِيسَ) مِنْ أَبْلَسَ أَيِسَ وَفِي الْقُرْآنِ {فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44] وَإِبْلِيسُ أَعْجَمِيٌّ وَلِهَذَا لَا يَنْصَرِفُ لِلْعُجْمَةِ وَالْعَلَمِيَّةِ وَقِيلَ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنْ الْإِبْلَاسِ، وَهُوَ الْيَأْسُ وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَرَبِيًّا لَانْصَرَفَ قَالَ عز وجل فِي حَقِّ إبْلِيسَ {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] فَإِنَّ الْفُسُوقَ عَنْ أَمْرِ الرَّبِّ عَدَمُ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ (قَوْلُهُ وَمَنْ وَافَقَهُ) فَقَالَ تَعَالَى {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [البقرة: 27] إلَخْ (قَوْلُهُ مِنْ ذَوِي إلَخْ) مِنْ بَيَانِيَّةٌ أَيْ مِنْ أَصْحَابِ الْبُعْدِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَأَتَى بِذَوِي دُونَ أَصْحَابِ تَهَكُّمًا وَقَوْلُهُ وَالطَّرْدِ لَا يَخْفَى أَنَّ الطَّرْدَ هُوَ الْإِبْعَادُ، وَهُوَ وَصْفُ الْمَوْلَى لَا وَصْفُ إبْلِيسَ إلَخْ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ مَصْدَرُ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ فَيَكُونُ وَصْفًا لَإِبْلِيسَ وَمَنْ وَافَقَهُ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْمُرَادِفِ غَيْرَ أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ الْمُقَابَلَةَ إنَّمَا تَتِمُّ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الْعَهْدِ الْوَعْدَ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْعَهْدَ مُتَضَمِّنٌ لِلْوَعْدِ.

(قَوْلُهُ وَاسْتَخْلَصَ الْعُلَمَاءُ) أَلْ لِلْعَهْدِ أَيْ الْعُلَمَاءِ الْمَعْهُودِينَ الَّذِينَ هُمْ حَمَلَةُ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ وَالسِّينُ وَالتَّاءُ زَائِدَتَانِ لِلتَّأْكِيدِ أَيْ وَخَلَصَ الْعُلَمَاءُ خُلُوصًا تَامًّا (قَوْلُهُ بِعِنَايَتِهِ) أَيْ اهْتِمَامِهِ أَيْ رَحْمَتِهِ أَيْ تَخْلِيصًا مُصَوَّرًا بِرَحْمَتِهِ أَيْ إنْعَامِهِ وَإِرَادَتِهِ (قَوْلُهُ وَجَمِيلِ لُطْفِهِ) أَيْ لُطْفِهِ الْجَمِيلِ أَيْ رِفْقِ اللَّهِ بِهِمْ فَهُوَ صِفَةُ فِعْلٍ (قَوْلُهُ مِنْ غَيَاهِبِ) مُتَعَلِّقٌ بِاسْتَخْلَصَ، وَهُوَ جَمْعُ غَيْهَبٍ، وَهُوَ الظُّلْمَةُ الشَّدِيدَةُ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْحَوَاشِي لِلْعَقَائِدِ وَإِضَافَتُهُ لِمَا بَعْدَهُ مِنْ إضَافَةِ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ بِجَامِعِ التَّحَيُّرِ فِي كُلٍّ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ حَقِيقِيَّةً أَيْ بِالْغَيَاهِبِ مِنْ الْجَهَالَاتِ فَيَكُونُ اسْتَعَارَ الْغَيَاهِبَ لِمَا عَظُمَ مِنْ الْجَهَالَاتِ وَهَذَا إشَارَةٌ لِمَدْحِ الْعِلْمِ وَقَدْ وَرَدَ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَعَاظَمْ بِالْعِلْمِ» أَيْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ عَظَّمَهُ لَا أَنَّهُ يُظْهِرُ الْفَخْرَ وَالْكِبْرَ عَلَى الْعِبَادِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ.

(قَوْلُهُ الْجَهَالَاتِ) جَمْعُ جَهَالَةٍ أَيْ الْجَهْلُ وَأَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْبَسِيطَ وَالْمُرَكَّبَ (قَوْلُهُ وَجَعَلَهُمْ) أَيْ الْعُلَمَاءَ (قَوْلُهُ أُمَنَاءَ عَلَى خَلْقِهِ) أَيْ الْمُكَلَّفِينَ وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الصِّبْيَانَ مُكَلَّفُونَ بِالْمَنْدُوبَاتِ عَلَى الْأَصَحِّ (قَوْلُهُ بِحِفْظِ شَرِيعَتِهِ) أَيْ أَحْكَامِهِ وَحِفْظُهَا الْعَمَلُ بِهَا وَتَبْلِيغُهَا وَقَوْلُهُ حَتَّى إلَخْ غَايَةٌ لِقَوْلِهِ يَقُومُونَ بِحِفْظِ شَرِيعَتِهِ فَإِذَا أَدَّوْهَا سَقَطَ عَنْهُمْ الْقِيَامُ بِهَا تَبْلِيغًا (قَوْلُهُ الْخَلْقُ) أَظْهَرَ فِي مَحَلِّ الْإِضْمَارِ نُكْتَتُهُ شِدَّةُ الِاعْتِنَاءِ بِتِلْكَ التَّأْدِيَةِ حَيْثُ لَمْ يُوقِعْهَا عَلَى ضَمِيرِهِمْ بَلْ عَلَيْهِمْ (قَوْلُهُ تِلْكَ الْأَمَانَاتِ) أَظْهَرَ فِي مَحَلِّ الْإِضْمَارِ أَيْضًا إذْ هِيَ الشَّرِيعَةُ الْمَأْمُورُ بِالْقِيَامِ بِحِفْظِهَا وَنُكْتَتُهُ كَمَالُ الْعِنَايَةِ بِهَا وَأَتَى بِاسْمِ الْإِشَارَةِ الْبَعِيدِ تَنْوِيهًا بِعَظَمِ شَأْنِهَا تَنْزِيلًا لِبُعْدِ دَرَجَتِهَا وَرِفْعَتِهَا مَنْزِلَةَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ وَلَمْ يَقُلْ حَتَّى يُؤَدُّوا الْخَلْقَ تِلْكَ الشَّرِيعَةَ إمَّا لِقَصْدِ التَّفَنُّنِ أَوْ لِأَنَّهُ لَمَّا فَاتَهُ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا أَمَانَةٌ، وَهُوَ مَقْصُودٌ صَرَّحَ بِهِ هُنَا وَلَمْ يَقُلْ تِلْكَ الْأَمَانَةَ كَالْآيَةِ إشَارَةً إلَى حَثِّ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْحِفْظِ لِكَوْنِهَا فِي الْحَقِيقَةِ أَمَانَاتٍ فَكُلُّ حُكْمٍ أَمَانَةٌ.

ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ أُمَنَاءَ عَلَى خَلْقِهِ يُفِيدُ أَنَّ الْخَلْقَ هُمْ نَفْسُ الْأَمَانَةِ وَقَوْلُهُ يَقُومُونَ بِحِفْظِ شَرِيعَتِهِ إلَخْ يُفِيدُ أَنَّ الْأَمَانَةَ نَفْسُ الشَّرِيعَةِ لَا الْخَلْقِ فَفِي الْعِبَارَةِ تَنَافٍ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِجَعْلِ كُلٍّ مِنْ الشَّرِيعَةِ وَالْخَلْقِ أَمَانَةً أَمَّا الشَّرِيعَةُ فَظَاهِرَةٌ، وَأَمَّا الْخَلْقُ فَمِنْ حَيْثُ كَوْنِ الْعُلَمَاءِ مَأْمُورِينَ بِتَعْلِيمِهِمْ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِتَعْلِيمِهِمْ أَمْرٌ بِحِفْظِهِمْ مِمَّا يُرْدِيهِمْ فِي الْعَذَابِ الْأَلِيمِ فَهُمْ أَمَانَةٌ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ فَأَشَارَ أَوَّلًا إلَى إحْدَى الْأَمَانَتَيْنِ وَهُمْ الْخَلْقُ وَأَشَارَ ثَانِيًا إلَى الْأَمَانَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ الشَّرِيعَةُ (قَوْلُهُ فَهُمْ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَجَعَلَهُمْ أُمَنَاءَ إلَخْ.

(قَوْلُهُ مَصَابِيحُ) جَمْعُ مِصْبَاحٍ، وَهُوَ السِّرَاجُ أَيْ فَهُمْ كَالْمَصَابِيحِ فِي الْأَرْضِ بِجَامِعِ الِاهْتِدَاءِ فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ بِحَذْفِ الْأَدَاةِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اسْتِعَارَةً تَصْرِيحِيَّةً لِلْهُدَاةِ وَكَأَنَّهُ قَالَ فَهُمْ الْهُدَاةُ فِي الْأَرْضِ وَلَمْ يَقُلْ فَهُمْ كَالشَّمْعِ مَعَ أَنَّهُ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْجُودًا عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ فَالْمِصْبَاحُ نُورُهُ عَامٌّ لِلْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ وَكَذَا الْعُلَمَاءُ وَلَمْ يَقُلْ كَالشَّمْسِ أَوْ الْقَمَرِ مَعَ عُمُومِ نُورِهِمَا؛ لِأَنَّ نُورَ الْعُلَمَاءِ يَتَيَسَّرُ الِاقْتِبَاسُ مِنْهُ بِسُهُولَةٍ وَكُلُّ وَقْتٍ كَالسِّرَاجِ بِخِلَافِ نُورِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ (قَوْلُهُ وَخُلَفَاءُ الْأَنْبِيَاءِ) الْمُرَادُ الرُّسُلُ أَوْ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى التَّرَادُفِ، ثُمَّ أَلْ لِلِاسْتِغْرَاقِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ نَاسِخٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ أَوْ لِلْجِنْسِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا، وَإِنْ وَرَدَ فِي شَرْعِنَا مَا يُقَرِّرُهُ وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ لَا الْأَصْلِيَّةِ فَالْأُمَمُ مُتَّفِقَةٌ فِيهَا وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُلَمَاءِ عُلَمَاءُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَمَّا لَوْ أُرِيدَ مَا هُوَ أَعَمُّ فَلَا إشْكَالَ (قَوْلُهُ يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ) أَيْ يَطْلُبُ الْمَغْفِرَةَ لَهُمْ أَيْ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ وَلَوْ مِمَّا كَانَ حَسَنَةً لِلْأَبْرَارِ كَمَا قِيلَ حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ (قَوْلُهُ كُلُّ شَيْءٍ) .

ص: 5

حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ وَيُحِبُّهُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ

وأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا ضِدَّ لَهُ شَهَادَةً أَسْتَفْتِحُ بِمَدَدِهَا أَبْوَابَ الْجِنَانِ وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَخَلِيلُهُ قُطْبُ دَائِرَةِ الْأَنْبِيَاءِ

ــ

[حاشية العدوي]

أَيْ مِمَّنْ كَانَ ذَا رُوحٍ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْغَايَةُ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ مَا يَشْمَلُ الْجَمَادَاتِ وَلَا مَانِعَ أَنَّ اللَّهَ عز وجل يَخْلُقُ فِيهَا إدْرَاكًا فَتَسْتَغْفِرُ لَهُمْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ التَّسْبِيحِ الْتِزَامًا وَقَدْ قَالَ {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44] بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ التَّسْبِيحُ بِلِسَانِ الْمَقَالِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ سِرُّ الْحَيَاةِ سَارَ عِنْدَنَا فِي جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ (قَوْلُهُ حَتَّى الْحِيتَانُ) جَمْعُ حُوتٍ وَالْمُرَادُ مُطْلَقُ السَّمَكِ، ثُمَّ إنَّ حَتَّى عَاطِفَةٌ عَلَى قَوْلِهِ كُلُّ شَيْءٍ وَعَطَفَ بِهَا ذَلِكَ مَعَ دُخُولِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنَّهَا خَارِجَةٌ مِنْ الْعُمُومِ لِكَوْنِهَا مُسْتَتِرَةً بِالْمَاءِ فَلَمْ تَكُنْ عَلَى ظَاهِرِ الْأَرْضِ كَبَقِيَّةِ الْحَيَوَانَاتِ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُسْتَغْفِرَ لَهُمْ هُوَ مَا شَارَكَهُمْ فِي الظُّهُورِ فَوْقَ الْأَرْضِ فَأَفَادَ بِذَلِكَ دَفْعُهُ (قَوْلُهُ وَيُحِبُّهُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ) أَيْ وَأَهْلُ الْأَرْضِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ أَيْ أَهْلُ كُلِّ سَمَاءٍ وَأَهْلُ كُلِّ أَرْضٍ وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ اسْتِغْفَارُهُمْ لَهُمْ وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ، فَإِنْ قُلْت إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا الْمُوجِبُ لِاقْتِصَارِ الشَّارِحِ عَلَى مَا ذَكَرَ قُلْت لِشِدَّةِ مَحَبَّتِهِمْ وَعِظَمِهَا إذْ هُمْ مُصَفُّونَ مِنْ الْكُدُورَاتِ الْبَشَرِيَّةِ الْمُوجِبَةِ لِكَرَاهَتِهِمْ سَاعَةً مَا أَوْ؛ لِأَنَّ مَحَبَّةَ أَهْلِ الْأَرْضِ فَرْعٌ عَنْ مَحَبَّةِ أَهْلِ السَّمَاءِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ إذَا أَحَبَّ عَبْدًا أَمَرَ أَهْلَ السَّمَاءِ بِمَحَبَّتِهِ فَإِذَا أَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ أَحَبَّهُ أَهْلُ الْأَرْضِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ أَلْ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بَعْضُ أَهْلِ الْأَرْضِ لَا كُلُّهُمْ لِمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ بُغْضِ أَعْدَاءِ الدِّينِ لِلْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ أَوْ أَنَّ الْمَحَبَّةَ مَرْكُوزَةٌ فِي قُلُوبِهِمْ وَالْبُغْضُ الْحَاصِلُ مِنْهُمْ كَالْمُتَكَلَّفِ لَهُمْ، ثُمَّ مِنْ لَازِمِ الْمَحَبَّةِ الدُّعَاءُ بِالْغُفْرَانِ وَغَيْرِهِ فَهُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ.

(قَوْلُهُ وَأَشْهَدَ) أَيْ أَعْتَرِفُ وَأُذْعِنُ إذْ لَا يُعْتَدُّ بِهَا إلَّا إذَا كَانَتْ عَنْ صَمِيمِ الْقَلْبِ وَأَتَى بِذَلِكَ لِحَدِيثِ كُلِّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ (قَوْلُهُ أَنْ لَا إلَهَ إلَخْ) أَيْ لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ مَوْجُودٌ وَأَنْ مُخَفَّفَةٌ مِنْ الثَّقِيلَةِ لَا مُفَسِّرَةٌ وَاسْمُهَا ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ وَجُمْلَةُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ خَبَرُهَا وَوَحْدَهُ حَالٌ اُخْتُلِفَ فِي صَاحِبِهَا هَلْ هُوَ اللَّهُ وَالضَّمِيرُ فِي الْخَبَرِ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهِيَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ وَعَلَى الثَّانِي فَهِيَ مُؤَسِّسَةٌ (قَوْلُهُ وَحْدَهُ) حَالٌ مِنْ اللَّهِ أَيْ مُتَوَحِّدًا فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَهِيَ حَالٌ مُؤَسِّسَةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ لَا شَرِيكَ لَهُ أَيْ فِي الْأَفْعَالِ وَقَوْلُهُ وَلَا ضِدَّ لَهُ أَيْ لَا مُضَادَّ لَهُ أَيْ لَا مُنَازِعَ لَهُ أَيْ يُرِيدُ أَنْ يَحِلَّ مَحَلَّهُ أَيْ يَقُومَ مَقَامَهُ وَلَا يُرِيدُ الْمُشَارَكَةَ وَقَوْلُهُ شَهَادَةً مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُبَيِّنٌ لِلنَّوْعِ لِقَوْلِهِ أَشْهَدُ وَقَوْلُهُ أَسْتَفْتِحُ أَيْ أَطْلُبُ الْفَتْحَ بِمَدَدِهَا أَيْ بِمَا تَمُدُّهُ مِنْ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ.

(قَوْلُهُ أَبْوَابَ الْجِنَانِ) الثَّمَانِيَةَ هِيَ بَابُ الصَّلَاةِ وَبَابُ الزَّكَاةِ وَبَابُ الصِّيَامِ وَبَابُ الْجِهَادِ وَبَابُ التَّوْبَةِ وَبَابُ الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَبَابُ الرَّاضِينَ أَيْ عَنْ اللَّهِ فِي أَحْكَامِهِ وَالْبَابُ الْأَيْمَنُ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنْ حَاشِيَةِ مُسْلِمٍ لِلسُّيُوطِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ بَابَ الْحَجِّ وَلَعَلَّهُ لِكَوْنِهِ لَا يَكُونُ إلَّا لِمَا كَانَ مَبْرُورًا وَذَلِكَ نَادِرٌ فَتَدَبَّرْ، فَإِنْ قُلْت قَدْ عَلِمْنَا مِنْ ذَلِكَ أَصْحَابَ تِلْكَ الْأَبْوَابِ وَأَنَّهُمْ أُنَاسٌ مَخْصُوصُونَ لَا كُلُّ مَنْ نَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لَاحَظَهُ الشَّارِحُ رحمه الله قُلْت الْمَعْنَى أَنَّهَا تُفْتَحُ لَهُ إكْرَامًا لَهُ وَلَكِنْ لَا يَشَاءُ وَلَا يَدْخُلُ إلَّا مِنْ الْبَابِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَهْلِهِ كَمَا قَالُوا فِي قَوْلِهِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ إذَا قَالَ آخِرَ الْوُضُوءِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ إلَخْ وَبَعْضُهُمْ ذَكَرَ أَنَّ لَهَا أَبْوَابًا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَلَا تَنَافِي؛ لِأَنَّ الثَّمَانِيَةَ هِيَ الْكَبِيرَةُ الْمَشْهُورَةُ وَمِنْ دَاخِلِ كُلِّ بَابٍ صِغَارٌ دُونَهَا كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُهُمْ.

ثُمَّ إنَّ تَعْبِيرَهُ بِالْجِنَانِ يُفِيدُ أَنَّهَا أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَقِيلَ وَاحِدَةٌ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهِيَ سَبْعٌ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَقِيلَ أَرْبَعٌ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهِيَ سَبْعٌ مُتَجَاوِرَةٌ أَوْسَطُهَا وَأَفْضَلُهَا الْفِرْدَوْسُ، وَهُوَ أَعْلَاهَا وَفَوْقَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ أَيْ هُوَ سَقْفُهَا؛ وَلِهَذَا كَانَ مَسْكَنُ الْأَنْبِيَاءِ وَمِنْهَا تَنْفَجِرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَجَنَّةُ الْمَأْوَى وَجَنَّةُ الْخُلْدِ وَجَنَّةُ النَّعِيمِ وَجَنَّةُ عَدْنٍ وَدَارُ السَّلَامِ وَدَارُ الْخُلْدِ وَعِبَارَةٌ أُخْرَى وَالْجِنَانُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما سَبْعٌ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ وَجَنَّةُ عَدْنٍ وَجَنَّةُ النَّعِيمِ وَدَارُ الْخُلْدِ وَجَنَّةُ الْمَأْوَى وَدَارُ السَّلَامِ وَعِلِّيُّونَ وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مَرَاتِبُ وَدَرَجَاتٌ مُتَفَاوِتَةٌ عَلَى حَسَبِ تَفَاوُتِ الْأَعْمَالِ وَالْعَمَلِ، ثُمَّ نَقُولُ إنَّ مُقَابَلَةَ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ تَقْتَضِي الْقِسْمَةَ عَلَى الْآحَادِ لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ لِكُلِّ جَنَّةٍ الْأَبْوَابَ الثَّمَانِيَةَ (قَوْلُهُ سَيِّدَنَا إلَخْ) السَّيِّدُ هُوَ الْكَامِلُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ وَقِيلَ الْعَزِيزُ الشَّرِيفُ (قَوْلُهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) قَدَّمَ الْعَبْدَ لِمَا قِيلَ أَنَّ الْعُبُودِيَّةَ أَشْرَفُ الصِّفَاتِ وَهِيَ الرِّضَا بِفِعْلِ الرَّبِّ وَامْتِثَالًا لِمَا فِي الْحَدِيثِ وَلَكِنْ قُولُوا عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَلِأَنَّهُ أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إلَى اللَّهِ وَمِنْ ثَمَّ وَصَفَهُ بِهِ فِي أَشْرَفِ الْمَقَامَاتِ فَذَكَرَهُ فِي إنْزَالِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا وَفِي مَقَامِ الدَّعْوَةِ إلَيْهِ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ وَفِي مَقَامِ الْإِسْرَاءِ وَالْوَحْيِ أَسْرَى بِعَبْدِهِ فَأَوْحَى إلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى فَلَوْ كَانَ لَهُ وَصْفٌ أَشْرَفُ مِنْهُ لَذَكَرَهُ بِهِ فِي الْمَقَامَاتِ الْعَلِيَّةِ وَقَالَ وَرَسُولُهُ دُونَ نَبِيِّهِ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ أَخَصُّ وَلِأَنَّ رِسَالَةَ النَّبِيِّ أَفْضَلُ مِنْ نُبُوَّتِهِ.

(قَوْلُهُ وَخَلِيلُهُ) مِنْ الْخَلَّةِ بِالْفَتْحِ وَهِيَ الْحَاجَةُ أَيْ أَنَّهُ شَدِيدُ الِافْتِقَارِ إلَى مَوْلَاهُ فَلَمْ يَنْظُرْ إلَى مَنْ سِوَاهُ وَقَصَرَ حَاجَتَهُ عَلَى مَوْلَاهُ أَوْ مِنْ الْخُلَّةِ بِالضَّمِّ وَهِيَ صَفَاءُ الْمَوَدَّةِ فَالْمَعْنَى وَاَلَّذِي يُحِبُّ مَوْلَاهُ مَحَبَّةً خَالِصَةً صَافِيَةً لَا يُخَالِطُهَا شَيْءٌ مِنْ الْأَغْيَارِ مَحَبَّةً لَمْ تُوجَدْ فِيمَنْ سِوَاهُ وَلَمْ تَطْرُقْ سَاحَةَ أَحَدٍ مِمَّنْ عَدَاهُ (قَوْلُهُ قُطْبُ دَائِرَةِ الْأَنْبِيَاءِ إلَخْ) الدَّائِرَةُ هِيَ الْخَطُّ الْمُحِيطُ الَّذِي فِي وَسَطِهِ نُقْطَةٌ تُسَمَّى قُطْبَهَا بِحَيْثُ إنَّ كُلّ خَطٍّ خَرَجَ مِنْ تِلْكَ النُّقْطَةِ وَاتَّصَلَ بِتِلْكَ الدَّائِرَةِ يَكُونُ مُسَاوِيًا لِمَا عَدَاهُ مِنْ الْخُطُوطِ وَلَا خَفَاءَ أَنَّهُ لَا وُجُودَ لِلدَّائِرَةِ وَلَا اسْتِقَامَةَ لَهَا إلَّا بِتِلْكَ النُّقْطَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ تَوَسُّطًا حَقِيقِيًّا كَمَا قُلْنَا فَإِذَنْ تَكُونُ الدَّائِرَةُ مُسْتَعَارَةً لِجَمَاعَةٍ وَلَفْظُ قُطْبٍ مُسْتَعَارٌ لِأَصْلٍ، ثُمَّ وَصَفَ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَى حَدِّ مَا قِيلَ فِي زَيْدٌ أَسَدٌ عَلَى طَرِيقَةِ سَعْدِ الدِّينِ ثُمَّ تَكُونُ إضَافَةُ دَائِرَةٍ لِمَا

ص: 6

وَالْمُرْسَلِينَ وَطِرَازُ عِصَابَةِ أَهْلِ اللَّهِ الْمُقَرَّبِينَ صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَشِيعَتِهِ وَحِزْبِهِ صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إلَى يَوْمِ الدِّينِ

(أَمَّا بَعْدُ) فَإِنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ مِنْ أَفْضَلِ الطَّاعَاتِ وَأَوْلَى مَا أُنْفِقَتْ فِيهِ نَفَائِسُ الْأَوْقَاتِ خُصُوصًا عِلْمَ الْفِقْهِ الْعَذْبِ الزُّلَالِ الْمُتَكَفِّلِ بِبَيَانِ الْحَرَامِ مِنْ الْحَلَالِ وَقَدْ كَانَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكٍ أَهْلًا وَحَقِيقًا بِذَلِكَ وَكَانَ أَعْظَمَ مَا صُنِّفَ فِيهِ مِنْ الْمُخْتَصَرَاتِ وَأَغْنَى عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْمُطَوَّلَاتِ مُخْتَصَرُ مَوْلَانَا أَبِي الضِّيَاءِ خَلِيلِ بْنِ إِسْحَاقَ رحمه الله

ــ

[حاشية العدوي]

بَعْدَهَا لِلْبَيَانِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَصْلُ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ هُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ فَكَمَا لَا وُجُودَ لِلدَّائِرَةِ إلَّا بِتِلْكَ النُّقْطَةِ لَا وُجُودَ لِلْجَمَاعَةِ الْمُبَيَّنِينَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ إلَّا بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَوْلَا وُجُودُهُ مَا وُجِدُوا وَمَا خُلِقَ الْكَوْنُ إلَّا مِنْ أَجْلِهِ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْأَصَالَةِ أَوْ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ أَيْ كَالْقُطْبِ لِلدَّائِرَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَالْمُرْسَلِينَ عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ.

(قَوْلُهُ وَطِرَازُ عِصَابَةِ) الطِّرَازُ عَلَمُ الثَّوْبِ، ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تُجُوِّزَ بِطِرَازٍ عَنْ مُزَيَّنٍ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الطِّرَازِ فِي الثَّوْبِ التَّزَيُّنُ فَيَكُونُ مَجَازًا مُرْسَلًا عَلَاقَتُهُ اللُّزُومُ ثُمَّ أُرِيدَ بِهِ مُزَيِّنٌ تَجَوُّزًا مِنْ إطْلَاقِ الْمَصْدَرِ وَإِرَادَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ فَهُوَ مَجَازٌ عَلَى مَجَازٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَصَفَ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَيَكُونُ شَبَّهَ عِصَابَةَ أَيْ جَمَاعَةَ أَهْلِ اللَّهِ بِثَوْبٍ فَكَمَا أَنَّ زِينَةَ الثَّوْبِ بِطِرَازِهِ كَذَلِكَ زِينَةُ أَهْلِ اللَّهِ الْمُقَرَّبِينَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَإِنْ شِئْت قُلْت أَنَّهُ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ أَيْ إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَالطِّرَازِ بِالنِّسْبَةِ لِعِصَابَةِ أَهْلِ اللَّهِ الْمُقَرَّبِينَ وَإِضَافَةُ عِصَابَةٍ لِمَا بَعْدَهُ لِلْبَيَانِ فَتَدَبَّرْ وَالْمُقَرَّبِينَ إمَّا وَصْفٌ كَاشِفٌ أَوْ مُخَصِّصٌ بِنَاءً عَلَى أَنْ يُرَادَ بِأَهْلِ اللَّهِ مَا يَشْمَلُ الْأَبْرَارَ وَالْمُقَرَّبِينَ (قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ) جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى (قَوْلُهُ وَصَحْبِهِ) جَمْعُ صَاحِبٍ أَوْ اسْمُ جَمْعٍ لَهُ قَوْلَانِ وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ.

(قَوْلُهُ وَشِيعَتِهِ) أَتْبَاعِهِ وَأَنْصَارِهِ وَيَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ وَالْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ (قَوْلُهُ وَحِزْبِهِ) جَمَاعَتِهِ فَيَكُونُ عَيَّنَ شِيعَتَهُ عَلَى مَا قُلْنَا (قَوْلُهُ دَائِمَيْنِ) أَيْ إنَّ اللَّهَ يُصَلِّي عَلَيْهِ صَلَاةً دَائِمَةً وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ أَيْ يُعَظِّمُهُ تَعْظِيمًا دَائِمًا وَيُحَيِّيهِ تَحِيَّةً دَائِمَةً (قَوْلُهُ مُتَلَازِمَيْنِ) أَيْ لَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ وَقَوْلُهُ إلَى يَوْمِ الدِّينِ أَيْ يَوْمِ الْجَزَاءِ؛ لِأَنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي يُجْزَى النَّاسُ فِيهِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، ثُمَّ ذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ الدَّوَامِ لَا حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ تَعْظِيمُهُ وَلَوْ فِي الْقِيَامَةِ أَوْ الْجَنَّةِ

(قَوْلُهُ فَإِنَّ الِاشْتِغَالَ) الْجَوَابُ مَحْذُوفٌ أَيْ فَأَقُولُ إلَخْ؛ لِأَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ لَا يَكُونُ إلَّا مُسْتَقْبَلًا (قَوْلُهُ بِالْعِلْمِ) أَيْ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ وَآلَاتِهِ (قَوْلُهُ مِنْ أَفْضَلِ الطَّاعَاتِ) أَيْ الطَّاعَةِ الْمَنْدُوبَةِ بَلْ هُوَ أَفْضَلُ الطَّاعَاتِ لِتَعَدِّي نَفْعِهِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ النَّفْعِ الْقَاصِرِ خَلَا الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُطْلَبُ فِيهَا الرَّوَاتِبُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ بَعْضِ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ حَيْثُ قَالَ يَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يُدِيمَ عَلَى الرَّوَاتِبِ وَالطَّاعَةُ هِيَ امْتِثَالُ الْأَمْرِ عَرَفَ الْمُطَاعُ أَوْ لَا كَالنَّظَرِ الْمُؤَدِّي لِمَعْرِفَتِهِ وَالْقُرْبَةِ هِيَ مَا تَوَقَّفَ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمُتَقَرَّبِ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى نِيَّةٍ كَالْعِتْقِ وَالْعِبَادَةِ مَا تَوَقَّفَ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمَعْبُودِ وَالنِّيَّةِ (قَوْلُهُ وَأَوْلَى) مَعْطُوفٌ عَلَى أَفْضَلِ (قَوْلُهُ نَفَائِسَ الْأَوْقَاتِ) أَيْ الْأَوْقَاتِ النَّفِيسَةِ أَيْ الْمَرْغُوبِ فِيهَا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا ظَرْفًا لِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مَا يُعِينُ عَلَيْهَا فَإِذَنْ هُوَ وَصْفٌ كَاشِفٌ وَفِي الْكَلَامِ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ شَبَّهَ الْأَوْقَاتِ بِمَا يُنْفَقُ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَاسْتَعَارَ اسْمَ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ فِي النَّفَسِ وَإِثْبَاتُ الْإِنْفَاقِ تَخْيِيلٌ أَوْ أَنَّ إضَافَتَهُ نَفَائِسَ لِلْأَوْقَاتِ مِنْ إضَافَةِ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ وَأَرَادَ بِالنَّفَائِسِ مَا كَانَ مَرْغُوبًا فِيهِ مِنْ الْحِسِّيَّاتِ كَمَا هُوَ الْحَقِيقَةُ وَرُبَّمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ الْإِنْفَاقِ وَالْإِنْفَاقُ تَرْشِيحٌ لِلتَّشْبِيهِ (قَوْلُهُ عِلْمَ الْفِقْهِ) أَيْ أَخُصُّ عِلْمَ الْفِقْهِ خُصُوصًا وَإِضَافَةُ عِلْمٍ إلَى الْفِقْهِ لِلْبَيَانِ لَا بَيَانِيَّةٌ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْبَيَانِيَّةِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ كَخَاتَمِ حَدِيدٍ.

(قَوْلُهُ الْعَذْبِ) الْعَذْبُ وَالزُّلَالُ مُتَرَادِفَانِ عَلَى مَا فِي الْمِصْبَاحِ وَالْمُخْتَارِ وَعَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ فَالزُّلَالُ أَخَصُّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ الْعَذْبُ الْبَارِدُ الصَّافِي السَّهْلُ السَّلِسُ، ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ أَيْ كَالْمَاءِ الْعَذْبِ الزُّلَالِ أَوْ تَجَوَّزَ بِهِ عَنْ الْمُتَشَوِّفَةِ إلَيْهِ النَّفْسُ لِعَلَاقَةِ اللُّزُومِ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْعَذْبُ يَلْزَمُهُ التَّشَوُّفِ فَتَأَمَّلْ إنْ كُنْت ذَا تَأَمُّلٍ (قَوْلُهُ الْمُتَكَفِّلِ) أَيْ الْمُشْتَمِلِ فَشَبَّهَ اشْتِمَالَهُ عَلَى بَيَانِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ بِتَكَفُّلِ إنْسَانٍ لِإِنْسَانٍ فِي مَالٍ وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ إلَى الْمُشَبَّهِ وَاشْتُقَّ مِنْ التَّكَفُّلِ مُتَكَفِّلٌ بِمَعْنَى الْمُشْتَمِلِ أَوْ أَنَّهُ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ (قَوْله بِبَيَانِ) أَيْ تَبْيِينِ الْحَلَالِ وَأَرَادَ بِهِ مَا لَمْ يُنْهَ عَنْهُ نَهْيَ تَحْرِيمٍ فَيَشْمَلُ مَا عَدَا الْحَرَامِ مِنْ الْأَحْكَامِ (قَوْلُهُ وَقَدْ كَانَ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ وَقَدْ لِتَقْرِيبِ الْمَاضِي مِنْ الْحَالِ أَوْ مُسْتَأْنَفَةٌ وَقَدْ لِلتَّحْقِيقِ (قَوْلُهُ وَحَقِيقًا) مُرَادِفٌ لِمَا قَبْلَهُ أَيْ مُسْتَحِقًّا لِلْوَصْفِ بِذَلِكَ فَلَا يَكُونُ قَصْدُهُ إذَنْ تَمْيِيزُ مَذْهَبِهِ بِمَزِيَّةٍ لَمْ تُوجَدْ فِيمَا سِوَاهُ كَمَا تَقُولُ فُلَانٌ أَهْلٌ لِلتَّدْرِيسِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ غَيْرَهُ مِمَّنْ اتَّصَفَ بِصِفَتِهِ كَذَلِكَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ ذَلِكَ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ لَمْ تُضْرَبْ أَكْبَادُ الْإِبِلِ لِأَحَدٍ مِثْلَ مَا ضُرِبَتْ لَهُ فَكَثُرَ عِلْمُهُ فِي الْأَقْطَارِ وَبُثَّ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ، وَهُوَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَكَانَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ أَهْلًا وَحَقِيقًا بِذَلِكَ أَوْ لِمَا عُلِمَ مِنْ كَوْنِ مَذْهَبِهِ سَدُّ الذَّرَائِعِ.

(قَوْلُهُ أَعْظَمَ إلَخْ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَقَوْلُهُ مُخْتَصَرٌ اسْمُهَا مُؤَخَّرٌ هَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ أَوْ أَنَّ أَعْظَمَ اسْمُهَا وَقَوْلُهُ مُخْتَصَرَ خَبَرٌ بِادِّعَاءِ أَنَّ هَذَا الْأَعْظَمَ أَمْرٌ مُقَرَّرٌ فِي النُّفُوسِ مُسْتَحْضَرٌ فِيهَا وَالْمَحْكُومُ بِهِ هَلْ هُوَ هَذَا الْمُخْتَصَرُ أَوْ غَيْرُهُ فَأَفَادَ أَنَّهُ الْمُخْتَصَرُ (قَوْلُهُ وَأَغْنَى) مَعْطُوفٌ عَلَى كَانَ أَيْ وَأَخْبَرَ بِأَنَّ مُخْتَصَرَ مَوْلَانَا أَبِي الضِّيَاءِ أَعْظَمُ مَا صُنِّفَ فِيهِ مِنْ الْمُخْتَصَرَاتِ وَمِنْ لِلْبَيَانِ مَشُوبَةٌ بِتَبْعِيضٍ وَأَخْبَرَ بِأَنَّهُ أَغْنَى عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْمُطَوَّلَاتِ (قَوْلُهُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُطَوَّلَاتِ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَمْ يُغْنِ عَنْ الْكُلِّ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِفَوَاتِ كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا الْمَوْجُودَةِ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْمُطَوَّلَاتِ فَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْمُخْتَصَرُ مُغْنِيًا عَنْهَا وَأَرَادَ بِالْمُطَوَّلِ الْمُطْنَبَ، وَهُوَ مَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِيهِ لِفَائِدَةٍ لَا مَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِيهِ غَيْرَ مَعِيشَةٍ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ كَقَوْلِهِ

وَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا

(قَوْلُهُ مَوْلَانَا) الْمَوْلَى النَّاصِرُ كَذَا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَأَرَادَ بِهِ مَعْنَى السَّيِّدِ أَيْ الْكَامِلِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ أَوْ أَنَّهُ نَاصِرُنَا أَيْ نَاصِرُ مَذْهَبِنَا أَوْ دِينِنَا (قَوْلُهُ رحمه الله) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ قَصَدَ بِهَا الدُّعَاءَ

ص: 7

فَكَمْ كَشَفَ عَنْ مُعْضِلَاتٍ وَأَبْرَدَ الْغَلِيلَ وَقَدْ وَضَعْت عَلَيْهِ شَرْحًا يَحِلُّ أَلْفَاظَهُ يَحْتَوِي عَلَى تَقْيِيدَاتِهِ وَفَوَائِدَ يَصْعُبُ فَهْمُهَا عَلَى الْمُبْتَدَئِينَ وَغَيْرِ الْمُمَارِسِينَ، ثُمَّ أَدْرَكَتْنِي رَحْمَةُ الضِّعَافِ فَثَنَى عِنَانَ الْقَلَمِ إلَيْهِمْ حُبُّ الْإِسْعَافِ حِينَ طَلَبَ مِنِّي جَمَاعَةٌ مِنْ الْإِخْوَانِ وَجُمْلَةٌ مِنْ الْخِلَّانِ شَرْحًا آخَرَ لَا يَكُونُ قَاصِرًا عَنْ إفَادَةِ الْقَاصِرِينَ خَالِيًا عَنْ الْإِطْنَابِ وَعَمَّا يَصْعُبُ فَهْمُهُ مِنْ الْإِيجَازِ عَلَى الْمُبْتَدَئِينَ لِيَعُمَّ نَفْعُهُ الْعِبَادَ وَيَتَعَاطَاهُ الْحَضَرِيُّ وَالْبَادِ فَأَجَبْتهمْ

ــ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ فَكَمْ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ أَعْظَمَ وَهِيَ خَبَرِيَّةٌ لِلتَّكْثِيرِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ كَشَفَ عَنْ مُعْضِلَاتٍ كَشْفًا كَثِيرًا (قَوْلُهُ مُعْضِلَاتٍ) قَالَ يَاسِينُ مُعْضِلَاتٌ بِفَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِهَا مِنْ قَوْلِهِمْ أَمْرٌ مُعْضِلٌ لَا يُهْتَدَى لِوَجْهِهِ اهـ.

وَالْفَتْحُ بِمَعْنَى الْكَسْرِ وَفِي الْقَامُوسِ فِيمَا رَأَيْته مِنْ نُسْخَةٍ يُظَنُّ بِهَا الصِّحَّةُ بِضَبْطِ الْقَلَمِ بِكَسْرَةٍ تَحْتَ الضَّادِ.

(قَوْلُهُ وَأَبْرَدَ الْغَلِيلَ إلَخْ) الْغَلِيلُ الْعَطَشُ أَوْ شِدَّتُهُ أَوْ حَرَارَةُ الْجَوْفِ كَذَا فِي الْقَامُوسِ فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَيَكُونُ فِي الْعِبَارَةِ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ شَبَّهَ التَّحَيُّرَ وَالْقَلَقَ الَّذِي يَقُومُ بِالْإِنْسَانِ حِينَ لَا يُدْرِكُ مَا يُرِيدُهُ مِنْ مَسَائِلِ الْعِلْمِ بِالْغَلِيلِ بِأَيِّ مَعْنًى كَانَ وَالْجَامِعُ ظَاهِرٌ وَاسْتَعَارَ اسْمَ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ وَقَوْلُهُ أَبْرَدَ أَيْ صَيَّرَهُ بَارِدًا، وَهُوَ تَرْشِيحٌ أَوْ مُسْتَعَارٌ لَازَالَ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَقَدْ وَضَعْت) شُرُوعٌ فِي الِاعْتِذَارِ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِهَذَا الشَّرْحِ مَعَ وُجُودِ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ (قَوْلُهُ يَحِلُّ أَلْفَاظَهُ) أَرَادَ بِهِ بَيَانَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِعْرَابِ وَيُفْهَمُ الْمَعْنَى الْمُرَادُ مِنْ اللَّفْظِ لَا خُصُوصِ الْأَوَّلِ وَإِسْنَادُ الْحِلِّ لِلشَّرْحِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي إسْنَادِهِ لِلشَّخْصِ وَإِيقَاعُ الْحِلِّ عَلَى الْأَلْفَاظِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي إيقَاعِهِ عَلَى عَقْدِ الْحَبْلِ أَوْ شَبَّهَ الْأَلْفَاظَ بِحَبْلٍ مُعَقَّدٍ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ بِالْكِنَايَةِ وَيَحِلُّ قَرِينَةٌ (قَوْلُهُ تَقْيِيدَاتِهِ) جَمْعُ تَقْيِيدٍ بِمَعْنَى مُقَيِّدَاتِهِ فَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ مَجَازٌ (قَوْلُهُ وَفَوَائِدَ) جَمْعُ فَائِدَةٍ وَهِيَ لُغَةً مَا حَصَّلْته مِنْ عِلْمٍ أَوْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَعُرْفًا الْمَصْلَحَةُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا ثَمَرَتُهُ وَنَتِيجَتُهُ وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ.

(قَوْلُهُ عَلَى الْمُبْتَدَئِينَ) جَمْعُ مُبْتَدِئٍ، وَهُوَ مَنْ لَمْ يَصِلْ إلَى تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ وَالْمُتَوَسِّطُ مَنْ وَصَلَ إلَيْهِ دُونَ اسْتِنْبَاطِ الْمَسَائِلِ وَالْمُنْتَهِي مَنْ وَصَلَ لِتَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ وَقَدَرَ عَلَى الِاسْتِنْبَاطِ وَقَوْلُهُ وَغَيْرِ الْمُمَارِسِينَ مِنْ عَطْفِ اللَّازِمِ أَيْ وَغَيْرِ الْمُعَالِجِينَ أَيْ الَّذِينَ كَثُرَتْ مُطَالَعَتُهُمْ وَقِرَاءَتُهُمْ فِي الْفَنِّ (قَوْلُهُ أَدْرَكَتْنِي رَحْمَةُ الضِّعَافِ) أَيْ لَحِقَتْنِي وَفِي الْعِبَارَةِ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ حَيْثُ شَبَّهَ رِقَّتَهُ عَلَى الضِّعَافِ فِي الْعِلْمِ بِفَارِسٍ مَثَلًا طَلَبَ إنْسَانًا لِأَمْرٍ مَا فَأَسْرَعَ إلَيْهِ فَلَحِقَهُ إشَارَةً إلَى سُرْعَةِ هَذِهِ الرِّقَّةِ فَإِذَنْ تَكُونُ ثُمَّ لِمُجَرَّدِ التَّرْتِيبِ وَالضِّعَافُ جَمْعُ ضَعِيفٍ أَيْ فِي الْعِلْمِ (قَوْلُهُ فَثَنَى إلَخْ) ثَنَّى الشَّيْءَ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ أَيْ تَرْجِيعَ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ فَأَطْلَقَهُ هُنَا عَلَى مُطْلَقِ التَّرْجِيعِ فَقَدْ ارْتَكَبَ التَّجْرِيدَ (قَوْلُهُ عِنَانَ الْقَلَمِ) الْعِنَانُ هُوَ مَا تُقَادُ بِهِ الدَّابَّةُ فَقَدْ شَبَّهَ الْقَلَمَ بِدَابَّةٍ ذَاتِ عِنَانٍ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ بِالْكِنَايَةِ وَإِثْبَاتُ الْعِنَانِ تَخْيِيلٌ أَوْ أَنَّهُ مِنْ إضَافَةِ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ أَيْ الْقَلَمِ الشَّبِيهِ بِالْعِنَانِ فِي مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ فِي كُلٍّ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ إلَيْهِمْ) أَيْ إلَى مَا يُنَاسِبُ حَالَهُمْ مِثْلَ هَذَا الشَّرْحِ وَقَوْلُهُ حُبُّ الْإِسْعَافِ فَاعِلٌ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ أَوْ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ وَالْإِسْعَافُ تَبْلِيغُ الْمَقْصُودِ أَيْ أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُوَجِّهًا عِنَانَ الْقَلَمِ لِغَيْرِهِمْ أَيْ لِغَيْرِ مُرَادِهِمْ رَجَّعَ حُبَّ الْإِسْعَافِ عِنَانَ الْقَلَمِ إلَيْهِمْ أَيْ إلَى مُرَادِهِمْ وَقَوْلُهُ حِينَ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ أَدْرَكَتْنِي إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ مُفَادَ الْعِبَارَةِ حِينَئِذٍ أَنَّهُ حِينَ الطَّلَبِ شَرَعَ فِي تَأْلِيفِ هَذَا الشَّرْحِ فَيُنَكَّدُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ فَأَجَبْتهمْ إلَخْ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِلْمُتَأَمِّلِ وَيُجَابُ بِأَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ لَمَّا كَانَ كَالْمُحَقَّقِ الْوُقُوعِ حِينَ الطَّلَبِ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يَخِيبُ سَائِلُهُ نُزِّلَ مَنْزِلَ الْوَاقِعِ بِالْفِعْلِ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} [النحل: 1] الْآيَةَ.

(قَوْلُهُ طَلَبَ مِنِّي) لَمْ يَقُلْ الْتَمَسَ تَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ الْمَوْلَى فِي أَنَّهُ صَارَ أَهْلًا لَأَنْ يُطْلَبَ مِنْهُ ذَلِكَ وَالْإِخْوَانُ جَمْعُ أَخٍ غَلَبَ فِي الْأَصْحَابِ دُونَ إخْوَةٍ بِخِلَافِ إخْوَةٍ فَهُوَ غَالِبٌ فِيمَنْ كَانَ مِنْ النَّسَبِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلًّا مِنْ إخْوَانَ وَإِخْوَةٍ جَمْعُ أَخٍ إلَّا أَنَّ إخْوَانَ غَلَبَ فِي الْأَصْحَابِ وَإِخْوَةً غَلَبَ فِي النَّسَبِ (قَوْلُهُ وَجُمْلَةٌ) مُرَادِفٌ لِجَمَاعَةٍ وَغَايَرَ دَفْعًا لِلثِّقَلِ الْحَاصِلِ مِنْ تَكْرَارِ اللَّفْظِ (قَوْلُهُ الْخُلَّانِ) بِضَمِّ الْخَاءِ جَمْعُ خَلِيلٍ وَمَصْدُوقُ الْإِخْوَانِ مَصْدُوقُ الْخُلَّانِ فَهُمْ مَوْصُوفُونَ بِأَنَّهُمْ خُلَّانُ وَإِخْوَانُ أَوْ أَرَادَ بِالْخُلَّانِ مَعْنًى أَخَصَّ مِنْ الْإِخْوَانِ، وَهُوَ مَنْ اشْتَدَّتْ مَحَبَّتُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَصِلُوا إلَى مَرْتَبَةِ الْخُلَّةِ الَّتِي هِيَ صَفَاءُ الْمَوَدَّةِ (قَوْلُهُ لَا يَكُونُ قَاصِرًا) وَصْفٌ ثَانٍ لِشَرْحًا (قَوْلُهُ الْقَاصِرِينَ) أَيْ الَّذِينَ هُمْ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُبْتَدِئِينَ أَيْ بِخُلُوِّهِ عَنْ الْإِطْنَابِ وَعَمَّا يَصْعُبُ فَهْمُهُ مِنْ الْإِيجَازِ فَقَوْلُهُ خَالِيًا وَصْفٌ ثَالِثٌ كَالْعِلَّةِ لِلْوَصْفِ الثَّانِي أَوْ حَالٌ مِنْ اسْمٍ يَكُونُ كَذَلِكَ.

(قَوْلُهُ الْإِطْنَابِ) الْإِتْيَانُ بِالْكَلَامِ الْكَثِيرِ لِفَائِدَةٍ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لِفَائِدَةٍ فَهُوَ تَطْوِيلٌ إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ كَقَوْلِهِ

وَإِلْفِي قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا

وَإِلَّا كَانَ حَشْوًا كَقَوْلِهِ

وَاعْلَمْ عِلْمَ الْيَوْمِ وَالْأَمْسِ قَبْلَهُ

فَقَبْلَهُ حَشْوٌ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ لِلزِّيَادَةِ بِخِلَافِ مَيْنٍ فَإِنَّهُ مَعْطُوفٌ فِي مَنْزِلَةِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ لِلزِّيَادَةِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْإِطْنَابَ مِنْ صِفَةِ الْمُؤَلِّفِ لَا مِنْ صِفَةِ الشَّرْحِ فَلْيُؤَوَّلْ الْإِطْنَابُ بِاسْمِ الْمَفْعُولِ أَيْ الْكَلَامُ الْمُطْنَبُ وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ مِنْ الْإِيجَازِ وَمِنْ فِي قَوْلِهِ مِنْ الْإِيجَازِ لِلتَّبْعِيضِ لَا بَيَانِيَّةٌ وَإِلَّا لَاقْتَضَى أَنَّ الْإِيجَازَ جَمِيعُ أَفْرَادِهِ يَصْعُبُ فَهْمُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَوْ أَنَّ مِنْ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ الْإِيجَازِ الْمُخِلِّ (قَوْلُهُ عَلَى الْمُبْتَدِئِينَ) أَيْ الَّذِينَ هُمْ الْقَاصِرُونَ (قَوْلُهُ لِيَعُمَّ نَفْعُهُ الْعِبَادَ) تَعْلِيلٌ لِطَلَبِ الشَّرْحِ عَلَى الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ عُمُومَ نَفْعِهِ بِالْخُلُوِّ عَنْ الْأَمْرَيْنِ مَعًا (قَوْلُهُ الْعِبَادَ) أَيْ الْمُبْتَدِئَ وَغَيْرَهُ بِخِلَافِ الْكَبِيرِ فَإِنَّهُ قَاصِرٌ عَلَى الْمُنْتَهِي، ثُمَّ نَفْعُهُ الْمُبْتَدِئَ ظَاهِرٌ وَالْمُنْتَهِي وَمِثْلُهُ الْمُتَوَسِّطُ بِالْمُذَاكَرَةِ مَعَ الْإِخْوَانِ وَتَذْكَارُ مَا قَدْ يَغْفُلُ عَنْهُ (قَوْلُهُ الْحَضَرِيُّ) خِلَافُ الْبَادِي وَأَرَادَ بِالْحَضَرِيِّ مَا يَشْمَلُ الْقَرَوِيَّ (فَأَجَبْتهمْ إلَخْ) أَتَى بِالْفَاءِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ أَجَابَهُمْ فَوْرًا

ص: 8

إلَى ذَلِكَ وَاثِقًا بِإِقْدَارِ الْكَرِيمِ الْمَالِكِ

وَهَا أَنَا أَشْرَعُ فِي الْمُرَادِ رَاقِمًا لِلشَّرْحِ (ش) وَلِلْأَصْلِ (ص) فَأَقُولُ وَمِنْ اللَّهِ أَسْتَمِدُّ عَلَى حُصُولِ الْمَأْمُولِ (ص) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (ش) افْتَتَحَ كِتَابَهُ بِالْبَسْمَلَةِ اقْتِدَاءً بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَالْآثَارِ النَّبَوِيَّةِ وَالْإِجْمَاعِ لِافْتِتَاحِ الْكِتَابِ بِهَا وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ فَهُوَ أَبْتَرُ أَوْ أَقْطَعُ أَوْ أَجْذَمُ» أَيْ نَاقِصٌ وَقَلِيلُ الْبَرَكَةِ وَالْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ

ــ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ وَاثِقًا) حَالٌ مِنْ التَّاءِ فِي أَجَبْت وَقَوْلُهُ بِإِقْدَارِ أَيْ بِكَوْنِهِ يُقَدِّرُنِي أَيْ يُعْطِينِي قَدْرَهُ أَيْ لَا وَاثِقًا بِعِلْمِي وَفَهْمِي (قَوْلُهُ الْكَرِيمِ الْمَالِكِ) لَمَّا كَانَ الْإِقْدَارُ الْمَذْكُورُ نِعْمَةً وَهِيَ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ كَرِيمٍ مَالِكٍ لَا مِنْ خِلَافِهِ مِمَّنْ عُدِمَ فِيهِ الْوَصْفَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ

(قَوْلُهُ وَهَا أَنَا أَشْرَعُ إلَخْ) فِيهِ شُذُوذٌ حَيْثُ أَدْخَلَ هَا التَّنْبِيه وَلَيْسَ الْخَبَرُ اسْمَ إشَارَةٍ (قَوْلُهُ رَاقِمًا) حَالٌ، وَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مَعْمُولُهُ ص وش أَيْ رَاقِمًا عَلَامَةَ الشَّرْحِ ش مُخْتَصَرَةً مِنْ لَفْظِ الشَّارِحِ وص مُخْتَصَرَةٌ مِنْ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ وَالظَّاهِرُ قِرَاءَتُهُ بِالْمُسَمَّى لَا بِالِاسْمِ وَفَعَلَ ذَلِكَ شَفَقَةً عَلَى فُقَرَاءِ الْكَتَبَةِ فِي ثَمَنِ الْمِدَادِ الْأَحْمَرِ (قَوْلُهُ فَأَقُولُ) مَقُولُ الْقَوْلِ افْتَتَحَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَعْمُولَهُ ص إلَخْ أَيْ فَأَقُولُ الْمُصَنِّفُ قَالَ بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَالْمُصَنِّفُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وَقَوْلُهُ وَمِنْ اللَّهِ أَيْ وَالْحَالُ أَنِّي أَسْتَمِدُّ مِنْ اللَّهِ أَيْ لَا أَطْلُبُ الْمَدَدَ إلَّا مِنْ اللَّهِ، وَهُوَ الْفَهْمُ الصَّائِبُ (قَوْلُهُ عَلَى حُصُولِ الْمَأْمُولِ) أَيْ لِأَجْلِ حُصُولِ الْمَأْمُولِ أَوْ أَنَّهُ ضَمَّنَ اسْتَمَدَّ مَعْنَى التَّقَوِّي (قَوْلُهُ بِالْبَسْمَلَةِ) هِيَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ بَسْمَلَ إذَا قَالَ بِسْمِ اللَّهِ إلَّا أَنَّهَا صَارَتْ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (قَوْلِهِ اقْتِدَاءً) أَيْ لِأَجْلِ الِاقْتِدَاءِ بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ اُبْتُدِئَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْهُ عَلَى مَذْهَبِنَا وَالْكِتَابُ هُوَ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ فِي الْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ كَتَبَ (قَوْلُهُ الْعَزِيزِ) أَيْ الْعَدِيمِ الْمِثَالِ فَيَكُونُ مِنْ أَسْمَاءِ التَّنْزِيهِ أَوْ الْقَوِيِّ الْغَالِبِ؛ لِأَنَّهُ يَغْلِبُ كُلَّ مَنْ يُرِيدُ مُعَارَضَتَهُ فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْجَلَالِ (قَوْلُهُ وَالْآثَارِ النَّبَوِيَّةِ) جَمْعُ أَثَرٍ وَالْأَثَرُ يُطْلَقُ عَلَى الْمَرْوِيِّ سَوَاءٌ كَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَوْ عَنْ الصَّحَابِيِّ كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمُخْتَارُ كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فَقَوْلُهُ النَّبَوِيَّةِ نِسْبَةٌ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُخَصَّصَةً.

(تَنْبِيهٌ) : قَوْلُهُ وَالْآثَارِ النَّبَوِيَّةِ أَيْ وَعَمَلًا بِالْآثَارِ النَّبَوِيَّةِ عَلَى حَدِّ

عَلَفْتهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا

أَيْ وَسَقَيْتهَا إذْ الْآثَارُ النَّبَوِيَّةُ يُنَاسِبُهَا الْعَمَلُ لَا الِاقْتِدَاءُ وَقَوْلُهُ وَالْإِجْمَاعُ أَيْ وَعَمَلًا بِمُقْتَضَى إجْمَاعِهِمْ الْفِعْلِيِّ (قَوْلُهُ لِافْتِتَاحِ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ اقْتِدَاءً إلَخْ.

وَقَوْلُهُ وَلِقَوْلِهِ إلَخْ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَالْآثَارِ وَالْجَمْعُ بِاعْتِبَارِ أَبْتَرُ وَأَقْطَعُ وَأَجْذَمُ أَوْ أَرَادَ جِنْسَ الْآثَارِ الْمُتَحَقِّقِ فِي وَاحِدٍ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ مَا يَرْجِعُ لِلْإِجْمَاعِ فَيَقُولُ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهَا (قَوْلُهُ ذِي بَالٍ إلَخْ) أَيْ حَالٍ يَهْتَمُّ بِهِ شَرْعًا أَوْ قَلْبٍ تَشْبِيهًا بِذِي قَلْبٍ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ الْمَكْنِيَّةِ أَعْنِي ذِكْرَ الْمُشَبَّهِ، وَهُوَ هُنَا الْأَمْرُ وَشَيْءٍ مِنْ لَوَازِمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ، وَهُوَ هُنَا الْقَلْبُ أَوْ عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لِشَرَفِهِ كَأَنَّهُ مَلَكَ قَلْبَ صَاحِبِهِ لِاشْتِغَالِهِ بِهِ فَنُسِبَ إلَيْهِ وَقَالَ ذِي وَلَمْ يَقُلْ كُلُّ أَمْرٍ صَاحِبُ بَالٍ إلَخْ مَعَ أَنَّهُ بِمَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ بِذِي أَبْلَغَ مِنْ الْوَصْفِ بِصَاحِبٍ فَإِنَّ ذِي تُضَافُ لِلتَّابِعِ فَتَكُونُ هِيَ الْمَتْبُوعَةُ وَصَاحِبُ يُضَافُ إلَى الْمَتْبُوعِ فَيَكُونُ تَابِعًا تَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا تَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَاحِبُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَمَّا ذُو فَتَقُولُ ذُو الْمَالِ وَذُو الْفَرَسِ فَتَجِدُ الْأَوَّلَ مَتْبُوعًا (قَوْلُهُ لَا يُبْدَأُ فِيهِ) أَيْ لَا يُبْدَأُ بِبِسْمِ اللَّهِ فِيهِ فَالْبَاءُ صِلَةُ يُبْدَأُ وَفِيهِ نَائِبُ الْفَاعِلِ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ فَيَكُونُ كَرِوَايَةِ ذِكْرِ اللَّهِ وَأُورِدُ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ أَنَّ النَّكِرَةَ إذَا أُضِيفَتْ إلَى مَعْرِفَةٍ تَعُمُّ فَيَكُونُ الْمَعْنَى كُلُّ أَمْرٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِجَمِيعِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَهَذَا عَسِرٌ جِدًّا وَأُجِيبُ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ النَّكِرَةُ إذَا أُضِيفَتْ إلَى مَعْرِفَةٍ تَعُمُّ أَنَّهَا تَصْلُحُ لِلْعُمُومِ إذَا دَلَّ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ.

وَالْقَرِينَةُ هَاهُنَا قَائِمَةٌ عَلَى عَدَمِ ذَلِكَ إذْ الْعُسْرُ مُنْتَفٍ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّهَا ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ فِي بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بِزِيَادَةِ الْبَاءِ وَالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالْفَاءُ وَالضَّمِيرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَمَّا الرِّوَايَةُ الْأُولَى الَّتِي هِيَ رِوَايَةُ أَبْتَرُ فَهِيَ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» فَهِيَ بِبَاءَيْنِ عَلَى الْحِكَايَةِ وَكَذَا رِوَايَةُ بَعْضِهِمْ وَنَسَبَهُ لِلْخَطِيبِ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ فَهِيَ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَقْطَعُ» بِدُونِ الْفَاءِ وَالضَّمِيرِ هَكَذَا فِي رِوَايَةِ الرَّهَاوِيِّ بِضَمِّ الرَّاءِ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ فَهِيَ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبَسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَجْذَمُ» وَالْأَبْتَرُ لُغَةً مَا كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الذَّنْبِ وَلَا ذَنْبَ لَهُ وَالْأَقْطَعُ مَنْ قُطِعَتْ يَدَاهُ أَوْ إحْدَاهُمَا وَالْأَجْذَمُ لُغَةً مَنْ بِهِ الدَّاءُ الْمَعْرُوفُ وَقِيلَ مَنْ قُطِعَتْ أَصَابِعُ كَفَّيْهِ وَجَعَلَهُ صَاحِبُ الْمِصْبَاحِ مُسَاوِيًا لِأَقْطَعَ. وَأَمَّا الْقَامُوسُ فَقَدْ فَسَّرَهُ بِمَنْ بِهِ الدَّاءُ الْمَعْرُوفُ وَبِمَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ أَطْلَقَ كُلٌّ مِنْهَا فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَا قَلَّتْ بَرَكَتُهُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ أَوْ فُقِدَتْ كَمَا قَالَ آخَرُ تَشْبِيهًا لَهُ بِمَا فَقَدَ ذَنَبَهُ الَّذِي تَكْمُلُ بِهِ خِلْقَتُهُ أَوْ بِمَنْ فَقَدَ يَدَيْهِ اللَّتَيْنِ يَعْتَمِدُ بِهِمَا فِي الْبَطْشِ وَمُحَاوَلَةُ التَّحْصِيلِ أَوْ بِمَنْ فَقَدْ أَصَابِعَهُ الَّتِي يَتَوَصَّلُ بِهَا إلَى مَا يَرُومُ تَحْصِيلَهُ وَحِينَئِذٍ فَهُوَ إمَّا مِنْ قَبِيلِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ أَوْ الِاسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ لِنَاقِصٍ وَقَلِيلِ الْبَرَكَةِ عَلَى حَدِّ مَا قِيلَ فِي زَيْدٌ أَسَدٌ فَقَوْلُ الشَّارِحِ أَيْ نَاقِصٌ وَقَلِيلُ الْبَرَكَةِ إمَّا أَنَّهُ الْمُسْتَعَارُ لَهُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي وَإِمَّا حَاصِلُ الْمَعْنَى عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَبَعْضُهُمْ جَعَلَهُ اسْتِعَارَةً بِالْكِنَايَةِ فَنَقُولُ شَبَّهَ الَّذِي لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْبَسْمَلَةِ بِالنَّاقِصِ الْخِلْقَةِ تَشْبِيهًا مُضْمَرًا فِي النَّفْسِ وَأَطْلَقَ اسْمَ الْمُشَبَّهِ بِهِ عَلَى الْمُشَبَّهِ فَتَكُونُ اسْتِعَارَةً بِالْكِنَايَةِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ إلَّا أَنْ يُلَاحَظَ خُصُوصُ الصِّفَةِ الَّتِي هِيَ الْبَتْرُ أَوْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَدْلُولَ الْوَصْفِ الصِّفَةُ لَا الذَّاتُ مَعَ الصِّفَةِ.

(قَوْلُهُ وَقَلِيلُ الْبَرَكَةِ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى قَوْلِهِ نَاقِصٌ أَيْ الْمُرَادُ بِنُقْصَانِهِ قِلَّةُ بَرَكَتِهِ، وَإِنْ كَمُلَ حِسًّا (قَوْلُهُ وَالْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ) أَيْ فَلَيْسَتْ الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ وَلَا لِلْمُصَاحَبَةِ أَيْ الْبَاءُ

ص: 9

مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أُؤَلِّفُ وَنَحْوُهُ، وَهُوَ يَعُمُّ جَمِيعَ أَجْزَاءِ التَّأْلِيفِ فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ افْتَتَحَ وَنَحْوِهِ لِإِيهَامِ قَصْرِ التَّبَرُّكِ عَلَى الِافْتِتَاحِ فَقَطْ وَاَللَّهُ عَلَمٌ عَلَى الذَّاتِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ فَيَعُمُّ الصِّفَاتِ أَيْضًا وَالرَّحْمَنُ الْمُنْعِمُ بِجَلَائِلِ النِّعَمِ كَمِّيَّةً أَوْ كَيْفِيَّةً وَالرَّحِيمُ الْمُنْعِمُ بِدَقَائِقِهَا كَذَلِكَ وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ، وَهُوَ اللَّهُ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الذَّاتِ، ثُمَّ الثَّانِي لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ الثَّالِثِ فَقَدَّمَ عَلَيْهِ لِيَكُونَ لَهُ كَالتَّتِمَّةِ

ــ

[حاشية العدوي]

فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، ثُمَّ نَقُولُ إنَّ الْأَفْضَلَ جَعْلُهَا لِلْمُصَاحَبَةِ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّكِ؛ لِأَنَّ بَاءَ الِاسْتِعَانَةِ هِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى آلَةِ الْفِعْلِ نَحْوَ كَتَبْت بِالْقَلَمِ فَجَعْلُهَا لِلِاسْتِعَانَةِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ يُشْعِرُ بِأَنَّ اسْمَ اللَّهِ آلَةٌ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَدَبِ عَلَى أَنَّ مَرْجِعَهَا لِلْأُولَى.

(قَوْلُهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ) اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا جُعِلَتْ الْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ وَمِثْلُهَا الْمُصَاحَبَةُ تَكُونُ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أُؤَلِّفُ مُسْتَعِينًا بِبِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَلْ الْحَالُ هُوَ الْمَحْذُوفُ، وَهُوَ التَّحْقِيقُ أَوْ الْمَجْرُورُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فَعَلَى الْأَوَّلِ مَحَلُّ الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ نَصْبٌ بِالْحَالِ الْمَحْذُوفِ لَا بِالْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ وَعَلَى الثَّانِي مَحَلُّهُ نَصْبٌ مِنْ حَيْثُ الْمَفْعُولِيَّةُ بِالْحَالِ الْمَحْذُوفِ وَمِنْ حَيْثُ الْحَالِيَّةُ بِالْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أُؤَلِّفُ لَا يَظْهَرُ إلَّا بِاعْتِبَارِ التَّعَلُّقِ بِاعْتِبَارِ الْحَالِيَّةِ لَا الْمَفْعُولِيَّةِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ (قَوْلُهُ وَنَحْوِهِ) أَيْ كَأُصَنِّفُ (قَوْلُهُ مِنْ أَفْتَتِحُ وَنَحْوِهِ) أَيْ كَأَبْتَدِئُ (قَوْلُهُ لِإِيهَامِ قَصْرِ التَّبَرُّكِ) أَيْ إنَّ التَّعْبِيرَ بِأَفْتَتِحُ وَنَحْوِهِ يُوهِمُ أَيْ يُوقِعُ فِي الْوَهْمِ أَيْ الذِّهْنِ عَلَى سَبِيلِ الرُّجْحَانِ قَصْرَ التَّبَرُّكِ لَا الطَّرْفِ الْمَرْجُوحِ فَلَا يَرِدُ مَا يُقَالُ إنَّهُ رَاجِحٌ مِنْ التَّعْبِيرِ بِأَفْتَتِحُ لَا مَرْجُوحٌ.

(قَوْلُهُ وَاَللَّهُ عَلَمٌ عَلَى الذَّاتِ) أَيْ عَلَمُ شَخْصٍ لَا جِنْسٍ وَضَعَهُ مُسَمَّاهُ تَعَالَى عَلَى ذَاتِهِ أَوْ الْغَلَبَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ لَا التَّحْقِيقِيَّةِ أَوْ اعْلَمْ أَنَّهُ قَبْلَ دُخُولِ أَلْ يُطْلَقُ عَلَى الْمَعْبُودِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا بَعْدَ دُخُولِهَا عَلَيْهِ فَهُوَ عَلَمٌ بِالْغَلَبَةِ عَلَى الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ لَكِنَّهُ قَبْلَ الْحَذْفِ وَالْإِدْغَامِ غَلَبَتُهُ تَحْقِيقِيَّةٌ وَبَعْدَهُمَا غَلَبَتُهُ تَقْدِيرِيَّةٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْغَلَبَةَ التَّحْقِيقِيَّةَ اللَّفْظُ فِيهَا أُطْلِقَ بِالْفِعْلِ عَلَى غَيْرِ مَا غَلَبَ فِيهِ مِنْ أَفْرَادِهِ وَالتَّقْدِيرِيَّة اللَّفْظُ فِيهَا يَصْلُحُ إطْلَاقُهُ عَلَى غَيْرِ مَا غَلَبَ فِيهِ مِنْ أَفْرَادِهِ

(قَوْلُهُ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ) أَيْ الَّذِي اقْتَضَتْ ذَاتُهُ وُجُودَهُ، فَإِنْ قُلْت هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الذَّاتَ غَيْرُ الْوُجُودِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْأَشْعَرِيُّ مِنْ أَنَّ وُجُودَ الشَّيْءِ عَيْنِهِ.

أَجَابَ ابْنُ السُّبْكِيّ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِذَاتِهِ الْمُتَصَوَّرَةِ فِي الذِّهْنِ أَيْ بِالْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا وَبِوُجُودِهِ ذَاتُهُ الْخَارِجِيَّةُ أَيْ الَّتِي فِي الْوَاقِعِ أَيْ إنَّ ذَاتَهُ الْحَاضِرَةَ فِي الذِّهْنِ يَكْفِي تَصَوُّرُهَا فِي الْحُكْمِ بِكَوْنِهَا خَارِجِيَّةً وَهَذَا أَيْضًا رَدٌّ لِمَا يُقَالُ إذَا كَانَتْ الذَّاتُ سَبَبًا لِلْوُجُودِ لَزِمَ تَقَدُّمُهَا عَلَيْهِ وَالْفَرْضُ أَنَّهَا عَيْنُهُ هَذَا مَا كَتَبَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى النَّاصِرِ (وَأَقُولُ) الْأَقْرَبُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ وُجُودُهُ الِانْتِفَاءَ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ فَيَعُمُّ الصِّفَاتِ أَيْضًا) أَيْ كَمَا عَمَّ الذَّاتَ، ثُمَّ أَقُولُ قَضِيَّتُهُ أَنَّ قَوْلَهُ " الْوَاجِبِ الْوُجُودِ " مِنْ تَمَامِ الْمَوْضُوعِ لَهُ، وَهُوَ رَأْيُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ بَلْ الْحَقُّ أَنَّهُ تَعْيِينٌ لِلْمَوْضُوعِ لَهُ وَإِلَّا وَرَدَ أَنَّ الذَّاتَ الْوَاجِبَ الْوُجُودِ كُلِّيٌّ فَلَا يَكُونُ الْمَوْضُوعُ لَهُ مُعَيَّنًا فَلَا يُفِيدُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ التَّوْحِيدَ، وَهُوَ خِلَافُ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ عُمُومَهُ لِلصِّفَاتِ بِاعْتِبَارِ أَخْذِهَا تَعْيِينًا لِمَدْلُولِهِ لَا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا جُزْءًا مِنْهُ وَأَلْ فِي الصِّفَاتِ لِلْجِنْسِ فَيَصْدُقُ بِالْوَاحِدَةِ إذْ الْمَأْخُوذُ تَعَيُّنًا لَيْسَ جَمِيعَ الصِّفَاتِ بَلْ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ وُجُوبُ الْوُجُودِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ وَلَوْ بِالِاسْتِلْزَامِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ فَيَصْدُقُ بِهَا كُلُّهَا إذْ وُجُوبُ الْوُجُودِ لَهُ فِي الْوَاقِعِ يَسْتَلْزِمُ جَمِيعَ الصِّفَاتِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْوُجُودِ لَا يَكُونُ إلَّا لِلْإِلَهِ وَالْإِلَهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِصِفَاتِهِ الْمُقَرَّرَةِ فِي الْأُصُولِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ مَنْ يَقُولُ مَدْلُولُهُ الذَّاتُ وَالصِّفَاتُ جَمِيعُ الصِّفَاتِ مَعَانٍ وَمَعْنَوِيَّةٌ وَسُلُوبٌ وَأَفْعَالٌ (قَوْلُهُ فَيَعُمُّ) مِنْ عُمُومِ اللَّفْظِ لِمَدْلُولِهِ.

(قَوْلُهُ الْمُنْعِمُ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الرَّحْمَنَ صِفَةُ فِعْلٍ، وَإِنْ فُسِّرَ بِمُرِيدِ الْإِنْعَامِ يَكُونُ صِفَةَ ذَاتٍ (قَوْلُهُ كَمِّيَّةً) أَيْ كَثْرَةَ أَفْرَادِ مَدْلُولِهِ التَّضَمُّنِيِّ وَعَظَمَتَهُ فِي نَفْسِهِ وَلِذَلِكَ وَرَدَ كَمَا فِي ابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ «رَحْمَنُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمُهُمَا» فَرَحْمَنُ مَدْلُولُهُ التَّضَمُّنِيُّ الرَّحْمَةُ الْعَظِيمَةُ كَمْيَّةً وَكَيْفِيَّةً كَالْإِنْعَامِ بِأَلْفِ دِينَارٍ وَبِاعْتِبَارِ الْكَمْيَّةِ بِاعْتِبَارِ الْإِنْعَامِ بِأَلْفِ جَدِيدٍ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا أَلْفًا، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ جَدِيدًا لَا دِينَارًا يَكُونُ حَقِيرًا كَيْفِيَّةً فَيَكُونُ الْإِنْعَامُ بِهِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَدْلُولَ الرَّحِيمِ التَّضَمُّنِيِّ فَلَوْ أَنْعَمَ بِدِينَارٍ وَاحِدٍ فَالْإِنْعَامُ بِهِ مِنْ حَيْثُ الْكَيْفِيَّةُ وَهِيَ الدِّينَارِيَّةُ مَدْلُولُ الرَّحْمَنِ التَّضَمُّنِيُّ وَمِنْ حَيْثُ الْكَمْيَّةُ وَهِيَ كَوْنُهُ وَاحِدًا فَقَطْ مَدْلُولُ الرَّحِيمِ التَّضَمُّنِيُّ فَلَوْ أَنْعَمَ بِجَدِيدٍ وَاحِدٍ فَلَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْجَدِيدَ الْوَاحِدَ حَقِيرٌ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً فَالْإِنْعَامُ بِهِ مَدْلُولُ الرَّحِيمِ التَّضَمُّنِيُّ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْعِظَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا ضِدُّهُ مِنْ الْحَقَارَةِ فَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَظْهَرُ فِي الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهَا كُلَّهَا جِسَامٌ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَقَارَةَ تَكُونُ وَلَوْ نِسْبِيَّةً فَمَا أَعْطَى فِي الْجَنَّةِ لِوَاحِدٍ مِنْ آحَادِ النَّاسِ وَلَوْ عَظُمَ هُوَ حَقِيرٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَا أَعْطَى لِلْأَوْلِيَاءِ (قَوْلُهُ أَوْ كَيْفِيَّةً) أَوْ مَانِعَةُ خُلُوٍّ تُجَوِّزُ الْجَمْعَ كَالْإِنْعَامِ بِأَلْفِ دِينَارٍ (قَوْلُهُ بِدَقَائِقِهَا) الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَهُوَ الْمُنْعِمُ بِدُونِ قَيْدِهَا.

(قَوْلُهُ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الذَّاتِ) الَّتِي هِيَ الْمَوْصُوفَةُ بِالرَّحْمَةِ وَالذَّاتُ مُقَدَّمَةٌ تَعَقُّلًا عَلَى الصِّفَاتِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْمَدْلُولَ لِلَفْظِ الْجَلَالَةِ الذَّاتُ فَقَطْ الَّذِي هُوَ الْقَوْلُ الْمُعْتَمَدُ فَيُنَافِي ظَاهِرَ مَا تَقَدَّمَ لَهُ (قَوْلُهُ: ثُمَّ الثَّانِي) ، ثُمَّ لِمُجَرَّدِ التَّرْتِيبِ وَقِسْ عَلَيْهِ نَظَائِرَهُ (قَوْلُهُ لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ) الْبَاءُ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَقْصُورِ عَلَيْهِ أَيْ إنَّ رَحْمَنَ مُخْتَصٌّ بِاَللَّهِ عز وجل لَا يَتَجَاوَزُهُ إلَى غَيْرِهِ وَلَا يَرِدُ قَوْلُ جَمَاعَةِ مُسَيْلِمَةَ لَهُ رَحْمَنُ الْيَمَامَةِ وَقَوْلُهُمْ

سَمَوْت بِالْمَجْدِ يَا ابْنَ الْأَكْرَمَيْنِ أَبًا

وَأَنْتَ غَيْثُ الْوَرَى لَا زِلْت رَحْمَانَا

؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَعَنُّتِهِمْ فِي كُفْرِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمُخْتَصَّ بِاَللَّهِ عَلَى التَّحْقِيقِ إنَّمَا هُوَ الْمُعَرَّفُ دُونَ الْمُنَكَّرِ الْوَاقِعِ فِي كَلَامِهِمْ.

(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ الثَّالِثِ) أَيْ إنَّ الثَّانِيَ لِكَوْنِهِ أَبْلَغَ مِنْ الثَّالِثِ مِنْ الْمُبَالَغَةِ قَدَّمَ عَلَى الثَّالِثِ وَإِنَّمَا كَانَ الرَّحْمَنُ أَبْلَغَ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْبِنَاءِ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى

ص: 10

وَالرَّدِيفِ.

(ص) يَقُولُ الْفَقِيرُ الْمُضْطَرُّ لِرَحْمَةِ رَبِّهِ (ش) أَتْبَعَ الْبَسْمَلَةَ بِالتَّعْرِيفِ لِنَفْسِهِ لِيَعْلَمَ ذَلِكَ مَنْ يَقِفُ عَلَى كِتَابِهِ فَإِنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ الَّتِي يَنْبَغِي تَقْدِيمُهَا وَجُمْلَةُ يَقُولُ مُسْتَأْنَفَةٌ وَأَصْلُهُ يَقُولُ نُقِلَتْ ضَمَّةُ عَيْنِهِ إلَى فَائِهِ وَالْفَقِيرُ فَعِيلٌ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ أَوْ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ كَرَفِيعِ مِنْ فَقُرَ كَكَرُمَ بِالضَّمِّ مِنْ الْفَقْرِ أَيْ الْحَاجَةِ أَيْ الْمُحْتَاجُ كَثِيرًا أَوْ الدَّائِمُ الْحَاجَةِ لِرَحْمَةِ رَبِّهِ أَوْ الْمُضْطَرُّ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ اُضْطُرَّ بِضَمِّ الطَّاءِ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَهَذَا اللَّفْظُ مِمَّا يَتَّحِدُ فِيهِ اسْمُ الْفَاعِلِ وَاسْمُ الْمَفْعُولِ فِي

ــ

[حاشية العدوي]

غَالِبًا كَمَا فِي قَطَعَ وَقَطَّعَ بِتَشْدِيدِ أَحَدِهِمَا وَتَخْفِيفِ الْآخَرِ فَإِنَّ الْقَطْعَ الْمَدْلُولَ عَلَيْهِ بِالْمُشَدَّدِ أَزْيَدُ مِنْ الْقَطْعِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالْمُخَفَّفِ لِزِيَادَةِ حُرُوفِ الْمُشَدَّدِ بِتَشْدِيدِهِ عَلَى حُرُوفِ الْمُخَفَّفِ وَقُلْنَا غَالِبًا لِئَلَّا يُنْتَقَضَ بِحَذِرَ وَحَاذَرَ إلَى آخَرِ مَا قَالُوا لَكِنَّ قَوْلَهُ بَعْدُ فَقَدَّمَ الثَّانِيَ عَلَى الثَّالِثِ لِيَكُونَ الثَّالِثُ كَالتَّتِمَّةِ وَالرَّدِيفُ يُفِيدُ أَنَّ الْعِلَّةَ غَيْرُ الْأَبْلَغِيَّةِ فَإِذَنْ يَكُونُ فِي الْعِبَارَةِ مُضَارَبَةٌ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ وَأَتَى بِالرَّحِيمِ لِيَكُونَ كَالتَّتِمَّةِ وَالرَّدِيفِ أَيْ التَّابِعِ كَعَطْشَانَ نَطْشَانَ فَهُوَ أَيْ الرَّحِيمُ لَيْسَ بِتَتِمَّةٍ وَلَا تَابِعٍ بَلْ كَالتَّتِمَّةِ كَالتَّابِعِ وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ تَتِمَّةً وَرَدِيفًا؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ مُفِيدٌ مَعْنًى آخَرَ وَمَا كَانَ تَتِمَّةً أَوْ رَدِيفًا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَتَى بِهَذِهِ الْعِلَّةِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْكُلَّ مِنْهُ وَأَنَّ عِنَايَتَهُ شَمَلَتْ الْخَلَائِقَ كُلَّهُمْ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَكُنْ تَتِمَّةً وَرَدِيفًا لِلْمُغَايَرَةِ وَالِاسْتِقْلَالِيَّة وَكَانَ كَالتَّتِمَّةِ وَالتَّابِعِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ أَنَّ الْكُلَّ مِنْهُ وَلَا يَأْتِي ذَلِكَ إلَّا بِذِكْرِهِ لَا خُصُوصِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ كَمَا يُتَوَهَّمُ وَلَمْ يَعْكِسْهُ بِأَنْ يُقَدِّمَ الرَّحِيمَ عَلَى الرَّحْمَنِ؛ لِأَنَّ الْجَلِيلَ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مَتْبُوعًا وَغَيْرُهُ تَابِعًا.

(قَوْلُهُ لِرَحْمَةِ رَبِّهِ) تَنَازَعَهُ الْفَقِيرُ وَالْمُضْطَرُّ وَأُعْمِلَ الثَّانِي إذْ لَوْ أُعْمِلَ الْأَوَّلُ وَأُضْمِرَ فِي الثَّانِي لَكَانَ يَقُولُ الْمُضْطَرُّ لَهَا لِرَحْمَةِ رَبِّهِ وَاللَّامُ بِمَعْنَى إلَى وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ لِفَسَادِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ عِلَّةٌ لِلْغَنِيِّ لَا لِلْفَقِيرِ؛ لِأَنَّ رَحْمَتَهُ صِفَةُ جَمَالٍ لَا يَصْدُرُ عَنْهَا الْفَقْرُ وَآثَرَ اللَّامَ عَلَى إلَى لِلِاخْتِصَارِ؛ لِأَنَّ الِاضْطِرَارَ وَالْفَقْرَ يَتَعَدَّيَانِ بِإِلَى أَيْ غَايَةَ فَقْرِهِ وَاضْطِرَارِهِ إلَى أَنْ يَلُوذَ بِرَحْمَةِ رَبِّهِ أَيْ إرَادَةِ إنْعَامِهِ أَوْ إنْعَامِهِ أَوْ نِعْمَةِ رَبِّهِ وَالرَّبُّ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّرْبِيَةِ، وَهِيَ تَبْلِيغُ الشَّيْءِ شَيْئًا فَشَيْئًا إلَى الْحَدِّ الَّذِي أَرَادَهُ الْمُرَبِّي ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْمَالِكِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي هُوَ اللَّهُ عز وجل فَأَفْهَمْ (قَوْلُهُ أَتْبَعَ الْبَسْمَلَةَ) ، فَإِنْ قُلْت مِنْ الظَّاهِرِ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ قَصَدَ ابْتِدَاءَ كِتَابِهِ بِكُلٍّ مِنْ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ فَلِمَ وَسَّطَ الْحِكَايَةَ بَيْنَهُمَا وَهَلَّا قَدَّمَهَا عَلَى الْبَسْمَلَةِ أَيْضًا قُلْت لَعَلَّهُ قَصَدَ التَّبَرُّكَ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الْحِكَايَةِ أَيْضًا قَالَهُ فِي كَ (قَوْلِهِ بِالتَّعْرِيفِ لِنَفْسِهِ) أَيْ بِالْإِعْلَامِ بِنَفْسِهِ فَاللَّامُ بِمَعْنَى الْبَاءِ (قَوْلُهُ لِيَعْلَمَ ذَلِكَ) أَيْ نَفْسَهُ

(قَوْلُهُ فَإِنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ أَتْبَعَ مَعَ عِلَّتِهِ الَّتِي هِيَ قَوْلُهُ لِيَعْلَمَ إلَخْ وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ اسْمَ صَاحِبِ الْكِتَابِ صَارَ مَجْهُولًا لَا يُوثَقُ بِمَا فِيهِ، وَأَمَّا إذَا عَلِمَ اسْمَ صَاحِبِ الْكِتَابِ فَيَثِقُ مَنْ يَطَّلِعُ بِمَا فِيهِ لِعِلْمِهِ صَاحِبَهُ وَدِيَانَتَهُ وَعِلْمَهُ وَمَرْتَبَتَهُ وَالْإِتْيَانِ بِمَنْ يُشِيرُ إلَى أَنَّ هُنَاكَ أُمُورًا مُهِمَّةٌ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّ ثَلَاثَةً وَاجِبَةٌ وَأَرْبَعَةً جَائِزَةٌ فَإِنَّهَا، وَإِنْ كَانَتْ جَائِزَةً لَكِنَّهَا رَاجِحَةٌ.

(قَوْلُهُ وَجُمْلَةُ يَقُولُ مُسْتَأْنَفَةٌ) لَا حَالٌ مِنْ فَاعِلِ أُؤَلِّفُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَلَا يُفِيدُ كَوْنُ الْبَسْمَلَةِ بُدًّا لِذَلِكَ الْقَوْلِ فَلَا تَلْحَقُهُ الْبَرَكَةُ وَقَدْ يُقَالُ الْمُقَارَنَةُ الْحَاصِلَةُ بِالْحَالِيَّةِ تَحْصُلُ الْبَرَكَةُ فَتَدَبَّرْ قَالَ فِي كَ وَمَقُولُ يَقُولُ إمَّا جُمْلَةُ الْحَمْدِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا أَوْ جُمْلَةُ الْحَمْدِ مَعَ بَقِيَّةِ الْخُطْبَةِ أَوْ بَعْضِهَا أَوْ جَمِيعِ الْكِتَابِ وَلَا يَضُرُّ عَلَى هَذَا كَوْنُ بَعْضِ الْحُكْمِ مَاضِيًا وَبَعْضُهُ آتِيًا؛ لِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِالْمُضَارَعِ بِالنَّظَرِ لِلْمَاضِي لِاسْتِحْضَارِ الصُّورَةِ الْعَجِيبَةِ انْتَهَى.

(قَوْلُهُ نُقِلَتْ إلَخْ) أَيْ فَسَكَنَتْ الْعَيْنُ كَمَا سَكَنَتْ فِي الْمَاضِي بِأَنْ صَارَتْ أَلِفًا وَحِينَئِذٍ فَعِلَّةُ النَّقْلِ الْمُشَارِكَةُ بَيْنَ الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا سَكَنَتْ فِي الْمَاضِي سَكَنَتْ فِي الْمُضَارِعِ لَكِنْ فِي الْمَاضِي بَعْدَ قَلْبِهَا أَلِفًا وَفِي الْمُضَارِعِ مَعَ بَقَائِهَا مِنْ غَيْرِ قَلْبٍ وَقِيلَ اُسْتُثْقِلَتْ الضَّمَّةُ عَلَى الْوَاوِ فَنُقِلَتْ إلَى السَّاكِنِ قَبْلَهَا، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ الضَّمَّةَ عَلَى الْوَاوِ وَكَذَا عَلَى الْيَاءِ إنَّمَا تَكُونُ ثَقِيلَةً إذَا تَحَرَّكَ مَا قَبْلَهَا، وَأَمَّا عِنْدَ التَّسْكِينِ فَلَا اسْتِثْقَالَ وَلِذَلِكَ أُعْرِبَ دَلْوٌ وَظَبْيٌ بِالْحَرَكَاتِ الظَّاهِرَةِ كَذَا قِيلَ وَقَدْ يُقَالُ إنَّمَا ظَهَرَتْ فِي الِاسْمِ لِخِفَّتِهِ، وَأَمَّا الْفِعْلُ فَثَقِيلٌ وَالثَّقِيلُ لَا يَحْتَمِلُ مَا فِيهِ ثِقَلٌ فَلِذَلِكَ نُقِلَتْ الضَّمَّةُ لِأَجْلِ الثِّقَلِ كَ وَإِنَّمَا كَانَ الْفِعْلُ ثَقِيلًا لِتَرَكُّبِ مَدْلُولِهِ مِنْ الْحَدَثِ وَالزَّمَانِ وَالنِّسْبَةِ (قَوْلُهُ كَرَفِيعٍ) نَاظِرٌ لِلثَّانِي، وَهُوَ جَعْلُهُ صِفَةً مُشَبَّهَةً فَالْأَوْلَى حِينَئِذٍ أَنْ يَأْتِيَ بِنَظِيرٍ لِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ حِينَئِذٍ (قَوْلُهُ مِنْ فَقُرَ) أَيْ مَأْخُوذُ مِنْ فَقُرَ.

(قَوْلُهُ بِالضَّمِّ) مُتَعَلِّقٌ بِفَقُرَ وَكَوْنُ كَرُمَ بِالضَّمِّ ظَاهِرٌ وَاحْتَاجَ لِذَلِكَ إشَارَةً إلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ مَالِكٍ مِنْ قَوْلِهِ وَأَخْذُهَا مِنْ لَازِمٍ وَانْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِ صَاحِبِ الْمِصْبَاحِ الْفَقِيرُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ يُقَالُ فَقِرَ فَقْرًا مِنْ بَابِ تَعِبَ إذَا قَلَّ مَالُهُ قَالَ ابْنُ السِّرَاجِ وَلَمْ يَقُولُوا فَقُرَ بِالضَّمِّ اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِافْتَقَرَ انْتَهَى (قَوْلُهُ أَيْ الْحَاجَةِ) تَفْسِيرٌ لِلْفَقْرِ وَالْحَاجَةُ بِمَعْنَى الِاحْتِيَاجِ؛ لِأَنَّهُ الْمَصْدَرُ لَا مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ أَمْتِعَةِ الدُّنْيَا أَيْ لَا مِنْ الْفَقْرِ بِمَعْنَى اشْتَكَى فَقَارَةَ ظَهْرِهِ وَفَقَارَةُ الظَّهْرِ الْخَرَزَةُ الْجَمْعُ فَقَارٌ بِحَذْفِ الْهَاءِ مِثْلَ سَحَابَةٌ وَسَحَابٌ (قَوْلُهُ أَيْ الْمُحْتَاجِ كَثِيرًا) أَيْ احْتِيَاجًا كَثِيرًا فَكَثِيرًا صِفَةٌ لِمَفْعُولٍ مُطْلَقٍ وَقَوْلُهُ أَوْ الدَّائِمِ الْحَاجَةِ أَيْ الدَّائِمِ الِاحْتِيَاجِ فِي كُلِّ زَمَنٍ وَكُلِّ مَكَان وَلَا يَخْفَى أَنَّ دَائِمَ الْحَاجَةِ أَبْلَغُ مِنْ الْمُحْتَاجِ كَثِيرًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الِاحْتِيَاجِ كَثِيرًا دَوَامُ الِاحْتِيَاجِ وَيَلْزَمُ مِنْ دَوَامِ الِاحْتِيَاجِ الِاحْتِيَاجُ الْكَثِيرُ؛ لِأَنَّ الْكَثْرَةَ مَقُولَةٌ بِالتَّشْكِيكِ إلَّا أَنَّ التَّأَلُّمَ أَكْثَرُ فِي كَثْرَةِ الِاحْتِيَاجِ؛ لِأَنَّ دَائِمَ الِاحْتِيَاجِ تَمَرَّنَ عَلَيْهِ فَيَقِلُّ تَأَلُّمُهُ (قَوْلُهُ مِنْ اُضْطُرَّ) أَيْ مَأْخُوذٌ مِنْهُ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ بِضَمِّ الطَّاءِ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فِي مَحَلِّهِ وَدَائِرَةُ الْأَخْذِ أَوْسَعُ وَكَذَا إنْ قُدِّرَ مُشْتَقٌّ وَأُجْرِيَ كَلَامُهُ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ مِنْ أَنَّ أَصْلَ الْمُشْتَقَّاتِ الْفِعْلُ، وَأَمَّا إنْ أُجْرِيَ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ أَنَّ أَصْلَهَا الْمَصْدَرُ وَقُدِّرَ فِي الْكَلَامِ مُضَافٌ أَيْ مِنْ مَصْدَرِ اُضْطُرَّ فَلَا يُحْتَاجُ لِقَوْلِهِ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ مُشْتَقٌّ مِنْهُ الْمَبْنِيُّ لِلْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ مَعًا وَإِنَّمَا كَانَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمُضْطَرَّ اسْمُ مَفْعُولٍ لَا يُبْنَى غَالِبًا إلَّا مِنْ.

ص: 11

اللَّفْظِ دُونَ التَّقْدِيرِ لِزَوَالِ الْحَرَكَةِ الْفَارِقَةِ بَيْنَهُمَا بِسَبَبِ الْإِدْغَامِ وَوَزْنُهُ مُفْتَعَلٌ مِنْ الضَّرُورَةِ فَأَصْلُهُ مُضْتَرَرٌ وَتَاءُ الِافْتِعَالِ تُبْدَلُ طَاءً بَعْدَ أَحَدِ حُرُوفِ الْإِطْبَاقِ وَهِيَ الصَّادُ وَالضَّادُ وَالطَّاءُ وَالظَّاءُ وَلَا يَجُوزُ إدْغَامُ الضَّادِ فِي الطَّاءِ لِزَوَالِ اسْتِطَالَةِ الضَّادِ بِالْإِدْغَامِ وَمَعْنَاهُ الْمَلْجَأُ اسْمُ مَفْعُولٍ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الْفَقِيرِ فَيَكُونُ نَعْتًا لَهُ وَيُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِقَوْلِ الْعَبْدِ الْفَقِيرِ وَالْعَبْدُ يُقَالُ عَلَى أَضْرُبٍ أَرْبَعَةٍ الْأَوَّلُ عَبْدٌ بِحُكْمِ الشَّرْعِ، وَهُوَ الْإِنْسَانُ الَّذِي يَصِحُّ بَيْعُهُ الثَّانِي عَبْدٌ بِالْإِيجَادِ وَذَلِكَ لَيْسَ إلَّا لِلَّهِ وَإِيَّاهُ قَصَدَ بِقَوْلِهِ {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93] الثَّالِثُ عَبْدٌ بِالْعُبُودِيَّةِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ} [ص: 41] وَمِنْهُ {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا} [الإسراء: 1] .

الرَّابِعُ عَبْدُ الدُّنْيَا وَأَعْرَاضِهَا، وَهُوَ الْمُعْتَكِفُ عَلَى خِدْمَتِهَا وَإِيَّاهُ قَصَدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ «تَعِسَ

ــ

[حاشية العدوي]

فِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ وَيَجُوزُ بِنَاؤُهُ لِلْفَاعِلِ ذَكَرَهُ التِّلِمْسَانِيُّ كَمَا ذَكَرَهُ شَرْحُ النَّاصِرِ

(قَوْلُهُ مِنْ الضَّرُورَةِ) أَيْ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمَصْدَرِ الْمُجَرَّدِ لَا مِنْ الْمَصْدَرِ الْمَزِيدِ الَّذِي هُوَ الِاضْطِرَارُ وَظَهَرَ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ مُضْطَرَّ بِالطَّاءِ مَأْخُوذٌ مِنْ اُضْطُرَّ بِالطَّاءِ وَمُضْتَرَّ بِالتَّاءِ مَأْخُوذٌ مِنْ الضَّرُورَةِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ فَأَصْلُهُ مُضْتَرَرٌ) مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِهِ وَوَزْنُهُ مُفْتَعَلٌ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ فِيهِ مِيمًا وَتَاءً مِنْ حُرُوفِ الزِّيَادَةِ الَّتِي يَجْمَعُهَا قَوْلُك سَأَلْتُمُونِيهَا (قَوْلُهُ وَتَاءُ الِافْتِعَالِ) أَيْ الْمَزِيدِ (قَوْلُهُ تُبْدَلُ طَاءً) إنَّمَا قُلِبَتْ طَاءً لِتَعَسُّرِ النُّطْقِ بِالتَّاءِ بَعْدَ هَذِهِ الْحُرُوفِ وَاخْتِيرَ الطَّاءُ لِقُرْبِهَا مِنْ التَّاءِ مَخْرَجًا (قَوْلُهُ حُرُوفِ الْإِطْبَاقِ) إنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِانْطِبَاقِ طَائِفَةٍ مِنْ اللِّسَانِ بِهَا عَلَى الْحَنَكِ إلَّا عَلَى عِنْدَ النُّطْقِ بِهَا وَالْمُنَاسِبُ التَّعْبِيرُ بِأَحْرُفِ أَيْ جَمْعِ قِلَّةٍ؛ لِأَنَّهَا أَرْبَعَةٌ، وَهُوَ مِنْ ثَلَاثَةٍ لِعَشْرَةٍ وَجَمْعُ الْكَثْرَةِ لِمَا فَوْقَهَا إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ مَجَازًا وَبِأَنَّ السَّعْدَ صَرَّحَ بِمَا يُفِيدُ اشْتَرَاكَ الْجَمْعَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةٍ إلَى عَشَرَةٍ وَاخْتِصَاصُ جَمْعِ الْكَثْرَةِ بِمَا لَا نِهَايَةَ لَهُ (قَوْلُهُ وَهِيَ الضَّادُ) نَحْوُ مُضْطَرٌّ.

(قَوْلُهُ وَالصَّادُ) نَحْوِ مُصْطَبِرٌ وَيَجُوزُ فِيهِ الْبَيَانُ وَالْإِدْغَامُ بِقَلْبِ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ دُونَ عَكْسِهِ؛ لِأَنَّ بِهِ يَزُولُ صَفِيرُ الصَّادِ (قَوْلُهُ وَالطَّاءُ) الْمُهْمَلَةُ نَحْوُ اطْتَلَبَ فَقُلِبَتْ التَّاءُ طَاءً وَيَجِبُ الْإِدْغَامُ حِينَئِذٍ لِاجْتِمَاعِ الْمِثْلَيْنِ نَحْوَ الْمُطَّلَبِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ (قَوْلُهُ وَالظَّاءُ) نَحْوَ اظْطَلَمَ فَيَجُوزُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ الْبَيَانُ أَوْ عَدَمُ إدْغَامِ الصَّادِ فِي الطَّاءِ وَالْإِدْغَامُ إمَّا لِلْأَوَّلِ فِي الثَّانِي أَوْ عَكْسُهُ وَقَدْ رُوِيَ بِالْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ قَوْلُ الشَّاعِرِ

هُوَ الْجَوَادُ الَّذِي يُعْطِيك نَائِلَهُ

عَفْوًا وَيَظْلِمُ أَحْيَانًا فَيُظْطَلَمُ

(قَوْلُهُ لِزَوَالِ اسْتِطَالَةِ الضَّادِ) أَيْ اسْتِطَالَتِهَا فِي الْفَمِ لِرَخَاوَتِهَا حَتَّى اتَّصَلَتْ بِمَخْرَجِ اللَّامِ وَلِذَا أُدْغِمَتْ اللَّامُ فِيهَا نَحْوَ وَلَا الضَّالِّينَ وَاسْتِطَالَتُهَا عِبَارَةٌ عَنْ امْتِدَادِ هَذَا الْحَرْفِ فِي مَخْرَجِهِ عِنْدَ النُّطْقِ بِهِ، وَهُوَ اللِّسَانُ قِيلَ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ وَقِيلَ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى مَا قَبْلَ آخِرِهِ عَلَى خِلَافٍ عِنْدَهُمْ (قَوْلُهُ وَمَعْنَاهُ الْمُلْجَأُ) أَيْ الشَّدِيدُ الْحَاجَةِ الْمَجْهُودِ الَّذِي لَا يَرَى لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ وَلَا يَرَى شَيْئًا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ كَالْغَرِيقِ فِي الْبَحْرِ وَالضَّالِّ فِي الْقَفْرِ لَا يَرَى لِإِغَاثَتِهِ إلَّا مَوْلَاهُ.

(قَوْلُهُ اسْمُ مَفْعُولٍ) فَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْجِيمِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الْفَقِيرِ) أَيْ أَقَلُّ أَفْرَادًا كَتَبَ بَعْضُهُمْ مَا نَصُّهُ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ أَحَدٌ أَنَّ النَّعْتَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَخَصَّ مِنْ الْمَنْعُوتِ أَيْ يَكُونَ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ النَّعْتِ أَقَلَّ أَفْرَادًا مِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ الْمَنْعُوتِ نَعَمْ إذَا كَانَا مَعْرِفَتَيْنِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ فِي التَّعْرِيفِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ فِيهِ وَلِذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ وَالْمَوْصُوفُ أَخَصُّ أَوْ مُسَاوٍ وَالْمَعْنَى بِقَوْلِهِ النَّعْتُ دُونَ الْمَنْعُوتِ أَوْ مُسَاوٍ لَهُ أَيْ كَقَوْلِك جَاءَنِي الرَّجُلُ الْعَاقِلُ وَهَذَا مِثَالٌ لِلْمُسَاوِي وَمِثَالُ الدُّونِ أَكْرَمْت هَذَا الرَّجُلَ وَمِثَالُ الْأَخَصِّ الْغَيْرُ الْجَائِرُ جَاءَنِي الرَّجُلُ هَذَا، هَذَا حَاصِلُ مَا قِيلَ (وَأَقُولُ) مَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّ مَفْهُومَ الْمُضْطَرِّ أَخَصُّ مِنْ مَفْهُومِ الْفَقِيرِ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَفْهُومَ النَّعْتِ أَخَصُّ مِنْ مَفْهُومِ الْمَنْعُوتِ وَلَوْ خُصُوصًا وَجْهِيًّا فَصَحَّ قَوْلُهُ فَيَكُونُ نَعْتًا لَهُ فَتَدَبَّرْ.

(قَوْلُهُ وَيُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ) عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ يَجُوزُ لَنَا وَجْهَانِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُضْطَرُّ نَعْتًا لِعَبْدٍ وَأَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْفَقِيرِ كَمَا قَالَهُ السَّمِينُ مِنْ أَنَّ الشَّيْءَ إذَا نُعِتَ بِنَعْتٍ وَأُتِيَ بَعْدَهُ بِنَعْتٍ أَخَصَّ جَازَ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي وَعَلَى النُّسْخَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْفَقِيرِ وَفِي وَالتَّعْبِيرُ بِيُوجَدُ إلَخْ إشَارَةٌ إلَى قِلَّةِ هَذِهِ النُّسْخَةِ (قَوْلُهُ وَالْعَبْدُ يُقَالُ عَلَى أَضْرُبٍ أَرْبَعَةٍ) أَيْ يُحْمَلُ عَلَى أَنْوَاعٍ أَرْبَعَةٍ أَوْ عَلَى جُزْئِيَّاتِهَا زَادَ فِي الْقَامُوسِ خَامِسًا، وَهُوَ الْإِنْسَانُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (قَوْلُهُ عَبْدٌ بِحُكْمِ الشَّرْعِ) أَيْ رِقِّيَّتُهُ سَبَبُهَا حُكْمُ الشَّرْعِ بِهَا أَيْ حُكْمُ الشَّارِعِ (قَوْلُهُ عَبْدٌ بِالْإِيجَادِ) أَيْ رِقِّيَّتُهُ وَمَمْلُوكِيَّتُهُ ثَبَتَتْ لَهُ بِسَبَبِ إيجَادِهِ أَيْ إخْرَاجِهِ مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ.

(قَوْلُهُ عَبْدٌ بِالْعُبُودِيَّةِ) أَيْ رِقِّيَّتُهُ لِلْمَوْلَى أَوْ مَمْلُوكِيَّتُهُ لَهُ لَيْسَ سَبَبُهَا الْإِيجَادُ بَلْ سَبَبُهَا إظْهَارُ تَذَلُّلِهِ لَهُ وَذَلِكَ يَكُونُ فِي اللَّهِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ} [ص: 41] أَيْ وَاذْكُرْ مَمْلُوكَنَا بِسَبَبِ عُبُودِيَّتِهِ لَنَا؛ لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ مَدْحٍ لَا بِسَبَبِ إيجَادِنَا لَهُ لِوُجُودِهَا فِي الْكَافِرِ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدُ (قَوْلُهُ عَبْدُ الدُّنْيَا) لَمْ يُضِفْ فِيمَا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ هَذَا فَأَضَافَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا جُعِلَ سَبَبًا فِي الْعَبْدِيَّةِ لَا يُوصَفُ بِالْمَالِكِيَّةِ إذْ الْمَالِكُ فِي الْإِيجَادِ وَالْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَالْمَالِكُ فِي الرِّقِّ السَّيِّدُ بِخِلَافِ الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْ اشْتَغَلَ بِهَا عَنْ طَاعَةِ مَوْلَاهُ تَتَّصِفُ الدُّنْيَا بِأَنَّهَا مَالِكَةٌ لَهُ فَلِذَلِكَ أَضَافَهُ لَهَا وَفِيهِ أَنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ فِي عَبْدِ الْعُبُودِيَّةِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِقَصْدِ التَّنْفِيرِ عَنْ الدُّنْيَا وَأَعْرَاضِهَا وَالدُّنْيَا الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَإِنْ كَانَ لَهَا اطِّلَاقٌ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقِيلَ إنَّهَا كُلُّ الْمَخْلُوقَاتِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

(قَوْلُهُ وَأَعْرَاضِهَا) أَيْ مَا يَعْرِضُ بِهَا مِنْ التَّلَاهِي بِسَبَبِهَا (قَوْلُهُ الْمُعْتَكِفُ) أَيْ الْمُوَاظِبُ عَلَى خِدْمَتِهَا، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ خِدْمَتَهَا تَرْجِعُ إلَى التَّلَاهِي فَإِذَنْ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقْتَصِرَ الشَّارِحُ عَلَى الدُّنْيَا فَيَقُولَ: الرَّابِعُ عَبْدُ الدُّنْيَا وَلَا يَزِيدُ وَأَعْرَاضِهَا (قَوْلُهُ «تَعِسَ» )

ص: 12

عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ» فَالْعُبُودِيَّةُ إظْهَارُ التَّذَلُّلِ وَالْعِبَادَةُ أَبْلَغُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا غَايَةُ التَّذَلُّلِ وَلَا يَسْتَحِقُّهَا إلَّا مَنْ لَهُ غَايَةُ الْأَفْضَالِ، وَهُوَ اللَّهُ سبحانه وتعالى وَلَعَلَّ الْمُؤَلِّفَ أَرَادَ بِالْعَبْدِ الْمَعْنَى الثَّانِيَ أَوْ الثَّالِثَ (ص) الْمُنْكَسِرُ خَاطِرُهُ (ش) أَيْ الْمُتَأَلِّمُ قَلْبُهُ فَكُلٌّ مِنْهُمَا مَجَازٌ مُرْسَلٌ فَإِنَّهُ أَطْلَقَ الِانْكِسَارَ، وَهُوَ التَّفَرُّقُ عَلَى التَّأَلُّمِ الْمُتَسَبَّبِ عَنْهُ وَالْخَاطِرُ، وَهُوَ الْهَاجِسُ عَلَى الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّهُ فَالْعَلَاقَةُ السَّبَبِيَّةُ وَالْمُسَبَّبِيَّةُ وَالْحَالِيَّةُ وَالْمَحَلِّيَّةُ أَيْ فَالْعَلَاقَةُ غَيْرُ الْمُشَابَهَةِ فَلِذَلِكَ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ، ثُمَّ

ــ

[حاشية العدوي]

بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا مَعْنَاهُ هَلَكَ وَسَقَطَ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْبِرْمَاوِيِّ (قَوْلُهُ إظْهَارُ التَّذَلُّلِ) أَيْ إظْهَارُ أَيِّ جُزْئِيٍّ مِنْ جُزْئِيَّاتِ التَّذَلُّلِ أَوْ إظْهَارُ الْحَقِيقَةِ فِي أَيِّ جُزْئِيٍّ مِنْ جُزْئِيَّاتِهَا فَيَسْتَحِقُّهَا إذَنْ الشَّيْخُ وَالْوَالِدُ وَنَحْوُهُمَا وَفِي التَّعْبِيرِ بِإِظْهَارِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّذَلُّلَ قَلْبِيٌّ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ تَحْصِيلُ التَّذَلُّلِ.

(قَوْلُهُ أَبْلَغُ مِنْهَا) أَيْ أَبْلَغُ مِنْ جَمِيعِ أَفْرَادِهَا مَا عَدَاهَا فَالْعِبَادَةُ أَخَصُّ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْعِبَادَةَ الْفَرْدُ الْأَعْلَى مِنْ الْعُبُودِيَّةِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا غَايَةُ التَّذَلُّلِ) أَيْ أَعْلَى أَفْرَادِ التَّذَلُّلِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْأَعْلَى يُلَاحَظُ وَاحِدًا نَوْعِيًّا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ الْإِفْضَالِ) أَيْ غَايَةِ الْإِحْسَانِ أَيْ النَّوْعِ الْأَعْلَى مِنْ أَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ لَيْسَ إلَّا لِلْمَوْلَى تبارك وتعالى وَالظَّاهِرُ أَنْ يُرَادَ بِالنَّوْعِ الْأَعْلَى مِنْهُ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ قُدْرَةُ الْعَبْدِ (قَوْلُهُ وَلَعَلَّ إلَخْ) التَّرَجِّي بِالنِّسْبَةِ لِأَحَدِهِمَا مُعَيَّنًا، وَأَمَّا أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ فَهُوَ مُتَعَيِّنٌ، ثُمَّ أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّ إرَادَةَ عَبْدِ الْعُبُودِيَّةِ تَنَكَّدَ عَلَى قَوْلِهِ الْمُنْكَسِرُ خَاطِرُهُ لِقِلَّةِ الْعَمَلِ وَالتَّقْوَى فَلَا تَظْهَرُ إرَادَتُهُ تَأَمَّلْ وَالظَّاهِرُ صِحَّةُ إرَادَةِ عَبْدِ الدُّنْيَا تَوَاضُعًا بِجَعْلِ نَفْسِهِ غَيْرَ قَائِمَةٍ بِشُكْرِ مَوْلَاهَا بِتَلَاهِيهَا بِالدُّنْيَا وَحُظُوظِهَا كَمَا هُوَ شَأْنُ الْأَكَابِرِ؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ مُقَصِّرَةً مُسْتَحِقَّةً لَأَنْ يُفْعَلَ بِهَا كُلُّ مَكْرُوهٍ.

(قَوْلُهُ خَاطِرُهُ) فَاعِلٌ بِالْمُنْكَسِرِ وَسَوَّغَ ذَلِكَ وُقُوعُهُ صِلَةً لِأَلْ فَلَمْ يَحْتَجْ لِمُسَوِّغٍ فَتَدَبَّرْ وَقَوْلُهُ أَيْ الْمُتَأَلِّمُ قَلْبُهُ إسْنَادُ التَّأَلُّمِ لِلْقَلْبِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ أَطْلَقَ الِانْكِسَارَ إلَخْ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَمَا تَجْرِي الِاسْتِعَارَةُ فِي الْمَصْدَرِ قَبْلَ جَرَيَانِهَا فِي الْمُشْتَقَّاتِ كَذَلِكَ الْمَجَازُ الْمُرْسَلُ الْجَارِي فِي الْمُشْتَقَّاتِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ عُلَمَاءُ الْمَعَانِي فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ الْمُنْكَسِرِ الْوَاقِعِ فِي الْمَتْنِ إلَى الْمَصْدَرِ أَيْ الِانْكِسَارِ إشَارَةً لِذَلِكَ (قَوْلُهُ عَلَى التَّأَلُّمِ الْمُتَسَبَّبِ عَنْهُ) أَيْ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا التَّأَلُّمَ الْقَائِمَ بِهِ لَيْسَ سَبَبُهُ الِانْكِسَارَ الَّذِي هُوَ تَفَرُّقُ أَجْزَاءِ مَا كَانَ صُلْبًا كَالْحَجَرِ وَالتَّأَلُّمُ هُوَ الْوَجَعُ النَّاشِئُ عَنْ الضَّرْبِ أَوْ الْجُرْحِ مَثَلًا.

(قَوْلُهُ: وَهُوَ الْهَاجِسُ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ فَوْقَ الْهَاجِسِ وَلَعَلَّهُ أَطْلَقَهُ عَلَيْهِ مَجَازًا لِلْمُجَاوَرَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ مَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ مَرَاتِبُ الْأَوَّلُ الْهَاجِسُ، وَهُوَ مَا يُلْقَى فِي الْقَلْبِ وَلَا يَدُومُ تَرَدُّدُهُ عَلَيْهِ وَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الْعَبْدِ وَإِنَّمَا هُوَ وَارِدٌ لَا يَسْتَطِيعُ دَفْعُهُ الثَّانِي الْخَاطِرُ، وَهُوَ جَرَيَانُهُ فِي الْقَلْبِ وَدَوَامُ تَرَدُّدِهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَرْفُوعٌ أَيْضًا وَالثَّالِثُ حَدِيثُ النَّفْسِ، وَهُوَ تَرَدُّدُهُ هَلْ يَفْعَلُ أَوْ لَا، وَهُوَ مَرْفُوعٌ أَيْضًا لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ» الرَّابِعُ الْهَمُّ، وَهُوَ تَرْجِيحُ الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ وَهَذَا يَفْتَرِقُ فِيهِ الْحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ فَيُؤَاخَذُ بِهِ فِي الْحَسَنَاتِ دُونَ السَّيِّئَاتِ.

الْخَامِسَةُ الْعَزْمُ، وَهُوَ قُوَّةِ الْقَصْدِ وَالْجَزْمِ بِهِ بِحَيْثُ يُصَمِّمُ الْقَلْبُ فِيهِ عَلَى الْفِعْلِ وَيُؤَاخَذُ بِهِ فِي الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ وَهَلْ إذَا عَمِلَ يَكُونُ عَلَيْهِ وِزْرَانِ وِزْرُ الْعَمَلِ وَوِزْرُ الْعَزْمِ قَطْعًا أَوْ يَجْرِي الْقَوْلَانِ الْآتِيَانِ فِي حَدِيثِ النَّفْسِ وَالْهَمِّ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا وَحُرِّرَ.

(فَوَائِدُ) الْأُولَى: هَلْ يَتَنَزَّلُ الْعَزْمُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ مَنْزِلَةَ الْمَعْصِيَةِ فِي الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ وَالْحَقَارَةِ وَالْعِظَمِ فَالْعَازِمُ عَلَى الزِّنَا مَثَلًا يَأْثَمُ إثْمَ الزَّانِي أَوْ لَا يَتَنَزَّلُ بَلْ الْعَزْمُ عَلَيْهَا مُطْلَقُ ذَنْبٍ وَسَيِّئَةٍ أُخْرَى وَلَيْسَ هَذَا الذَّنْبُ كَفِعْلِهَا الْمَعْزُومِ عَلَيْهِ هَكَذَا تَرَدَّدَ الْبَاقِلَّانِيُّ وَجَزَمَ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ فِعْلِ الْمَعْزُومِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا هُوَ مُطْلَقُ سَيِّئَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ (أَقُولُ) وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ صَغِيرَةٌ (الثَّانِيَةُ) قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ أَيْ، فَإِنْ تَكَلَّمْت بِهِ أَوْ عَمِلْت بِمَا حَدَّثَتْ بِهِ النَّفْسُ فِي الْمَعْصِيَةِ لَمْ يَتَجَاوَزْ عَنْهُ وَهَلْ يُكْتَبُ عَلَيْهِ وِزْرَانِ وِزْرُ حَدِيثِ النَّفْسِ وَوِزْرُ التَّكَلُّمِ أَوْ الْعَمَلِ وَرُبَّمَا يَشْهَدُ لَهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَوْ إنَّمَا يُكْتَبُ عَلَيْهِ وِزْرٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ وِزْرُ الْكَلَامِ أَوْ الْعَمَلِ فَقَطْ قَوْلَانِ وَالثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ.

(الثَّالِثَةُ) قَوْلُنَا إنَّ الْهَمَّ بِالسَّيِّئَةِ لَا يُكْتَبُ عَلَيْهِ أَيْ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِتِلْكَ السَّيِّئَةِ أَوْ يَعْمَلْ، فَإِنْ تَكَلَّمَ بِهَا أَوْ عَمِلَ تُكْتَبُ عَلَيْهِ بِالْأَوْلَى مِنْ الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ وَيَجْرِي فِي ذَلِكَ الْقَوْلَانِ.

(الرَّابِعَةُ) قَوْلُنَا فِي الْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ أَيْضًا إنَّ الْهَمَّ لَا يُكْتَبُ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ أَيْ ثُمَّ يَظْهَرُ إنْ تَرَكَهَا خَوْفَ النَّاسِ أَوْ عَدَمَ شَهْوَةٍ لَمْ تُكْتَبْ لَهُ حَسَنَةٌ، وَإِنْ تَرَكَهَا خَوْفًا مِنْ اللَّهِ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ وَمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْهَمَّ لَا يُكْتَبُ عَلَيْهِ ظَاهِرُهُ وَلَوْ فِي الْحَرَمِ وقَوْله تَعَالَى {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ} [الحج: 25] يُرَادُ بِالْإِرَادَةِ الْعَزْمُ الْمُصَمِّمُ أَوَّلًا وَيُحْمَلُ عَلَى فِعْلِ الظُّلْمِ بِالْفِعْلِ وَمَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ هَلْ يَتَنَزَّلُ الْعَزْمُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ إلَخْ، وَأَمَّا الْعَزْمُ عَلَى الْحَسَنَةِ فَهُوَ كَفِعْلِهَا لَكِنْ هَلْ يُسَاوِي حِينَئِذٍ الْعَزْمُ عَلَيْهَا الْهَمَّ بِهَا الْوَارِدَ فِي خَبَرِ «وَمَنْ هَمَّ بِهَا فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ كَامِلَةٌ» وَفِي الْوَاعِظِ الْفَتْحِ إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ كَامِلَةٌ غَيْرُ نَاقِصَةٍ أَيْ فِي عِظَمِ الْقَدْرِ لَا التَّضْعِيفِ إلَى الْعَشْرِ فَلَمْ يَظْهَرْ مِنْ ذَلِكَ فَرْقٌ بَيْنَ الْعَزْمِ عَلَى الْحَسَنَةِ وَالْهَمِّ بِهَا نَعَمْ إنْ ثَبَتَ أَنَّ الْعَزْمَ عَلَيْهَا يُكْتَبُ عَشْرًا افْتَرَقَ مَعَ الْهَمِّ وَيُسْأَلُ حِينَئِذٍ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَزْمِ عَلَيْهَا وَبَيْنَ فِعْلِهَا الَّذِي فِيهِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَزْمَ عَلَى الْحَسَنَةِ، وَإِنْ كُتِبَ حَسَنَةً وَاحِدَةً سَاوَى الْهَمَّ عَلَى الْحَسَنَةِ، وَإِنْ كُتِبَ عَشْرًا سَاوَى فِعْلَهَا وَانْظُرْ مَا هُوَ الصَّرِيحُ فِي ذَلِكَ نَقْلًا (قَوْلُهُ فَالْعَلَاقَةُ إلَخْ) اُخْتُلِفَ فَقِيلَ الْعَلَاقَةُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَقِيلَ السَّبَبِيَّةُ وَقِيلَ الْمُسَبَّبِيَّةُ وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْعَلَاقَةَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ السَّبَبِيَّةُ وَصْفُ الْمَنْقُولِ عَنْهُ (قَوْلُهُ وَالْحَالِيَّةُ وَالْمَحَلِّيَّةُ) فِيهِ مَا تَقَدَّمَ وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْعَلَاقَةَ فِي ذَلِكَ الْحَالِيَّةُ

ص: 13

عَلَّلَ الِانْكِسَارَ بِقَوْلِهِ

(ص) لِقِلَّةِ الْعَمَلِ وَالتَّقْوَى (ش) وَهِيَ لُغَةً قِلَّةُ الْكَلَامِ وَالْحَجْزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَاصْطِلَاحًا امْتِثَالُ أَمْرِ اللَّهِ وَاجْتِنَابُ نَوَاهِيهِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَوَاضُعًا مِنْهُ وَإِلَّا فَعَمَلُهُ وَتَقْوَاهُ وَدِينُهُ مَشْهُورٌ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْكَشْفِ كَشَيْخِهِ وَهَضْمُ النَّفْسِ شَأْنُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ قَالَ تَعَالَى {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32] وَيُقَالُ مَنْ رَضِيَ بِدُونِ قَدْرِهِ رَفَعَهُ اللَّهُ فَوْقَ قَدْرِهِ (ص) خَلِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ (ش) خَلِيلُ فَعِيلٌ مِنْ الْخُلَّةِ وَهِيَ صَفَاءُ الْمَوَدَّةِ، ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ رحمه الله ثُمَّ يَجُوزُ هُنَا أَنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَاهُ الْعِلْمِيِّ، وَهُوَ الظَّاهِرُ

ــ

[حاشية العدوي]

(قَوْلُهُ قِلَّةِ الْعَمَلِ) أَيْ الصَّالِحِ وَالْقَرِينَةُ عَلَيْهِ الْمُنْكَسِرُ خَاطِرُهُ؛ لِأَنَّ انْكِسَارَ الْخَاطِرِ لَا يَكُونُ إلَّا لِفَوَاتِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ لَا لِفَوَاتِ مُطْلَقِ الْعَمَلِ أَوْ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِيهِ لِلْكَمَالِ وَالْعَمَلُ الْكَامِلُ هُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَالْعَمَلُ أَخَصُّ مِنْ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ يُنْسَبُ لِلْبَهَائِمِ كَمَا يُنْسَبُ لِذَوِي الْعُقُولِ، وَأَمَّا الْعَمَلُ فَلَا يُقَالُ إلَّا فِيمَا كَانَ عَنْ فِكْرٍ وَرَوِيَّةٍ (قَوْلُهُ وَالتَّقْوَى) مِنْ تَقَيْتُ وَالْأَصْلُ وَقْيًا قُلِبَتْ الْوَاوُ تَاءً كَمَا فِي تُرَاثٍ، ثُمَّ الْيَاءُ وَاوًا فَصَارَ تَقْوَى، وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ؛ لِأَنَّ أَلِفَه لِلتَّأْنِيثِ

(قَوْلُهُ قِلَّةُ الْكَلَامِ إلَخْ) مُنَاسِبٌ لِلْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ؛ لِأَنَّ قِلَّةَ الْكَلَامِ قَدْ تَكُونُ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْأَمْرِ وَأَيْضًا يَلْزَمُ مِنْ قِلَّةِ الْكَلَامِ فِي الْجُمْلَةِ امْتِثَالُ الْأَمْرِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ وَعِنْدَ أَهْلِ الْمَعَارِفِ مَفْهُومٌ (قَوْلُهُ وَالْحَجْزُ) كَذَا فِي نُسْخَةِ شَيْخِنَا عَبْدِ اللَّهِ الْمَغْرِبِيِّ وَفِي تت وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْحَاجِزُ إلَخْ وَالْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ ظَاهِرَةٌ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ فِي كَ فَكَأَنَّ الْمُتَّقِيَ جَعَلَ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ وَالِاجْتِنَابَ عَمَّا نَهَاهُ اللَّهُ حَاجِزًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَذَابِ (قَوْلُهُ امْتِثَالُ أَمْرِ اللَّهِ وَاجْتِنَابُ نَوَاهِيهِ) أَيْ امْتِثَالُ أَوَامِرِ اللَّهِ قَالَ تت وَمِنْ الْأَوَامِرِ الْإِخْلَاصُ وَالصَّبْرُ وَالرِّضَا وَالزُّهْدُ وَالْقَنَاعَةُ وَالتَّوَكُّلُ وَشُكْرُ الْمُنْعِمِ وَالنَّصِيحَةُ وَمَحَبَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَمِنْ النَّوَاهِي الْحِقْدُ وَالْحَسَدُ وَالْبَغْيُ وَالْغَضَبُ لِغَيْرِ اللَّهِ وَالْغِشُّ وَالْخَدِيعَةُ وَالْمَكْرُ وَالْكِبْرُ وَالْعُجْبُ.

اعْلَمْ أَنَّ لِلْمُتَّقِي كَمَا قَالَ نَاصِرُ الدِّينِ اللَّقَانِيِّ ثَلَاثَ مَرَاتِبَ الْأُولَى التَّوَقِّي عَنْ الْعَذَابِ الْمُخَلَّدِ بِالتَّبَرِّي عَنْ الشِّرْكِ وَعَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} [الفتح: 26] وَالثَّانِيَةُ التَّجَنُّبُ عَنْ كُلِّ مَا يُؤْثِمُ مِنْ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ حَتَّى الصَّغَائِرِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَهُوَ الْمُتَعَارَفُ بِاسْمِ التَّقْوَى فِي الشَّرْعِ، وَهُوَ الْمُعْنَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا} [الأعراف: 96] وَالثَّالِثَةُ أَنْ يَتَنَزَّه عَمَّا يَشْغَلُ سِرَّهُ عَنْ الْحَقِّ وَيَتَبَتَّلُ إلَيْهِ بِشَرَّيْ شَرِّهِ أَيْ نَفْسِهِ وَجِسْمِهِ، وَهُوَ التَّقَوِّي الْحَقِيقِيُّ الْمَطْلُوبُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ} [آل عمران: 102] إلَخْ فَالتَّقْوَى فِي الْمَتْنِ إنْ أُرِيدَ بِهَا الْمَعْنَى الثَّانِي فَالْعَمَلُ مُغَايِرُهَا مَفْهُومًا وَيَلْزَمُهَا وُجُودًا إنْ أُرِيدَ بِهَا الْمَعْنَى الثَّالِثُ فَهُوَ يُغَايِرُهَا مَفْهُومًا وَيَنْفَكُّ عَنْهَا وُجُودًا أَيْ يُوجَدُ بِدُونِهَا انْتَهَى فَإِذَا عَلِمْت هَذَا كُلَّهُ فَنَقُولُ قَدْ أَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِالتَّقْوَى الْمَعْنَى الثَّانِيَ أَوْ الثَّالِثَ وَلَا تَصِحُّ إرَادَةُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ.

وَقَوْلُ الشَّارِحِ امْتِثَالُ الْأَمْرِ إنْ قَصُرَ عَلَى أَمْرِ الْوُجُوبِ وَالنَّهْيِ عَلَى نَهْيِ التَّحْرِيمِ فَهُوَ إشَارَةٌ لِلْمَعْنَى الثَّانِي، وَإِنْ عُمِّمَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ حَتَّى يَشْمَلَ نَهْيَ التَّحْرِيمِ وَنَهْيَ الْكَرَاهَةِ وَنَهْيَ خِلَافِ الْأَوْلَى فَيَكُونُ إشَارَةً لَهَا بِالْمَعْنَى الثَّالِثِ (قَوْلُهُ نَوَاهِيهِ) جَمْعُ نَهْيٍ بِمَعْنَى مَنْهِيَّاتِهِ (قَوْلُهُ تَوَاضُعًا إلَخْ) أَيْ فَسَلَكَ مَسْلَكَ هَضْمِ النَّفْسِ وَكَسْرِهَا لَا مَسْلَكَ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ وَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ طَرِيقَانِ فَمِنْهُمْ مَنْ سَلَكَ الْمَسْلَكَ الْأَوَّلَ وَمِنْهُمْ مَنْ سَلَكَ الْمَسْلَكَ الثَّانِيَ وَكِلَا الْمَسْلَكَيْنِ حَسَنٌ وَالْأَوَّلُ مَسْلَكُ الصُّوفِيَّةِ وَالثَّانِي مَسْلَكُ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ وَالْمُحَدِّثِينَ قَالَهُ يُوسُفُ الْفِيشِيُّ (قَوْلُهُ وَإِلَّا فَعَمَلُهُ) أَيْ، وَإِنْ لَمْ نَقُلْ إلَخْ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ وَتَقْوَاهُ وَقَوْلُهُ دِينُهُ أَيْ عِبَادَتُهُ.

(قَوْلُهُ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْكَشْفِ إلَخْ) فَقَدْ مَرَّ بِشَوَّاءٍ بَيْنَ يَدَيْهِ خَرُوفٌ شَوَاهُ فَنَادَاهُ وَأَمَرَهُ بِطَرْحِهِ لِلْكِلَابِ وَدَفَعَ لَهُ مَبْلَغًا فَكَانَ قَدْرَ ثَمَنِهِ وَقَالَ لَا تَعُدْ فَسُئِلَ الشَّوَّاءُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ اشْتَرَيْته بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ فَمَاتَ مِنْ اللَّيْلِ وَلَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ فَشَوَيْته مَيِّتًا لِأَبِيعَهُ فَكَاشَفَنِي وَقَدْ تُبْت عَلَى يَدَيْهِ وَكَانَ جُنْدِيًّا يَلْبَسُ زِيَّ الْغُزَاةِ الْمُتَقَشِّفِينَ وَلَمَّا أَرَادَ الْكُفَّارُ أَخْذَ إسْكَنْدَرِيَّةَ فَبَعَثَ السُّلْطَانُ إلَيْهَا جُنْدًا لِدَفْعِهِمْ فَكَانَ رحمه الله مِنْ جُمْلَتِهِمْ (قَوْلُهُ كَشَيْخِهِ) أَيْ الَّذِي هُوَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ الْمَنُوفِيُّ وَمُكَاشِفَاتُهُ ظَاهِرَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مُكَاشَفَتُهُ عَلَيْهِ حِينَ اشْتَغَلَ فِي صِغَرِهِ بِسِيرَةِ الْبَطَّالِ وَنَحْوِهَا فَكَاشَفَهُ فَقَالَ لَهُ مِنْ أَعْظَمِ الْآفَاتِ السَّهَرُ فِي الْخُرَافَاتِ (قَوْلُهُ {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} [النجم: 32] أَيْ تَزْكِيَةَ فَخْرٍ أَوْ تَزْكِيَةَ تَحَدُّثٍ بِالنِّعْمَةِ فَيَكُونُ إشَارَةً لِلطَّرِيقِ الْأُولَى طَرِيقِ الصُّوفِيَّةِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ تَزْكِيَةَ فَخْرٍ لَا تَزْكِيَةَ تَحَدُّثٍ بِالنِّعْمَةِ فَيَكُونُ إشَارَةً لِلطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ.

(قَوْلُهُ وَيُقَالُ مَنْ رَضِيَ بِدُونِ قَدْرِهِ) أَيْ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا فَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ الْقَوْلِ، وَأَمَّا فِعْلًا فَكَانَ لَا يَجْلِسُ فِي الصَّدْرِ وَالْحَالُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ أَيْ رَضِيَ بِمَرْتَبَةٍ دُونَ الْمَرْتَبَةِ الَّتِي يَقْتَضِيهَا قَدْرُهُ وَقَوْلُهُ رَفَعَهُ اللَّهُ فَوْقَ قَدْرِهِ أَيْ رَفَعَهُ اللَّهُ مَرْتَبَةً فَوْقَ الْمَرْتَبَةِ الَّتِي يَقْتَضِيهَا قَدْرُهُ وَحَاصِلُ مَا أَشَارَ لَهُ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ التَّوَاضُعَ إنْ كَانَ لِلَّهِ أَوْ لِرَسُولِهِ أَوْ الشَّيْخِ أَوْ الْوَالِدِ أَوْ السُّلْطَانِ أَوْ الْحَاكِمِ فَوَاجِبٌ وَلِسَائِرِ النَّاسِ مَنْدُوبٌ مَا لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ دُنْيَاهُمْ أَوْ ظُلْمِهِمْ فَحَرَامٌ إلَّا لِخَوْفٍ (قَوْلُهُ خَلِيلُ) بَدَلٌ مِنْ الْفَقِيرِ أَوْ الْمُضْطَرِّ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ نَعْتَ الْمَعْرِفَةِ إذَا تَقَدَّمَ عَلَيْهَا أُعْرِبَ بِحَسَبِ الْعَوَامِلِ وَأُعْرِبَتْ هِيَ بَدَلًا أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ وَصَارَ الْمَتْبُوعُ تَابِعًا وَنَعْتُ النَّكِرَةِ إذَا تَقَدَّمَ عَلَيْهَا نُصِبَ عَلَى الْحَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] (قَوْلُهُ خَلِيلُ فَعِيلٌ) أَيْ عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ.

(قَوْلُهُ مِنْ الْخُلَّةِ) أَيْ بِضَمِّ الْخَاءِ، وَأَمَّا بِفَتْحِهَا فَبِمَعْنَى الْحَاجَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ (قَوْلُهُ الْمَوَدَّةِ) أَيْ الْمَحَبَّةِ الصَّافِيَةِ أَيْ الْخَالِصَةِ مِنْ مُشَارَكَةِ الْأَغْيَارِ (قَوْلُهُ ثُمَّ سَمَّى بِهِ الْمُؤَلِّفُ) أَيْ أَنَّهُ فِي الْأَصْلِ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، ثُمَّ سُمِّيَ الْمُؤَلِّفُ بِهِ هَذَا بِحَسَبِ الْوَاقِعِ وَبَعْدُ فَيَجُوزُ فِي الْمَقَامِ أَمْرَانِ إلَخْ (قَوْلُهُ: ثُمَّ يَجُوزُ) خُلَاصَتُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ إبْقَاؤُهُ عَلَى عَلَمِيَّتِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يُقْصَدَ تَنْكِيرُهُ (قَوْلُهُ فِي مَعْنَاهُ الْعَلَمِيِّ)

ص: 14

وَالْقَصْدُ بِمَا بَعْدَهُ إزَالَةُ مَا عَرَضَ لَهُ مِنْ الْإِبْهَامِ بِالِاشْتِرَاكِ. وَقَوْلُهُ ابْنُ إمَّا نَعْتٌ لِخَلِيلٍ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ أَوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُوَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَالْجُمْلَةُ إمَّا اسْتِئْنَافٌ جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ كَأَنَّهُ قِيلَ وَمَنْ خَلِيلٌ أَوْ حَالٌ لَازِمَةٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُنَكَّرًا أَيْ شَخْصٌ مَا سُمِّيَ بِخَلِيلٍ وَعَلَيْهِ فَابْنٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُوَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَالْجُمْلَةُ نَعْتٌ لِخَلِيلٍ وَالْقَصْدُ بِهَا تَخْصِيصُهُ وَتَعْيِينُهُ (ص) ابْنِ يَعْقُوبَ الْمَالِكِيِّ (ش) ابْنِ بِالْجَرِّ نَعْتٌ لِإِسْحَاقَ وَيُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُوسَى، فَإِنْ قُلْت وَعَلَى كُلٍّ فَإِنَّ هَذِهِ الْكُنْيَةَ لَا تُمَيِّزُهُ لِاشْتِرَاكِهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَعْضِ النَّاسِ قُلْت هَذَا الْإِلْبَاسُ مِمَّا لَا يَضُرُّ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ نِسْبَتَهُ إلَى أَبِيهِ بَلْ مُجَرَّدُ تَمْيِيزِهِ بِهَذِهِ الْكُنْيَةِ وَقَدْ غَلَبَتْ هَذِهِ الْكُنْيَةُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ وَدُونَ نِسْبَتِهِ إلَى غَيْرِ جَدِّهِ كَأَبِيهِ وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الدُّرَّةِ الْكَامِنَةِ أَنَّهُ يُكَنَّى بِأَبِي مُحَمَّدٍ وَيُلَقَّبُ بِضِيَاءِ الدِّينِ انْتَهَى وَكَانَ وَالِدُهُ حَنَفِيًّا يُلَازِمُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَاجِّ وَالشَّيْخَ عَبْدَ اللَّهِ الْمَنُوفِيَّ فَشَغَلَ وَلَدُهُ مَالِكِيًّا فَقَوْلُهُ الْمَالِكِيِّ لَيْسَ نَعْتًا لِلْمُضَافِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ إِسْحَاقَ وَالِدُهُ كَانَ حَنَفِيَّ الْمَذْهَبِ

ــ

[حاشية العدوي]

أَيْ فِي مَعْنَاهُ الْمَنْسُوبِ لِلْعَلَمِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَدْلُولًا لَهُ فَهُوَ مِنْ نِسْبَةِ الْمَدْلُولِ لِلدَّالِّ (قَوْلُهُ بِالِاشْتِرَاكِ) اللَّفْظِيِّ؛ لِأَنَّ خَلِيلًا مُشْتَرَكٌ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا (قَوْلُهُ إمَّا نَعْتٌ لِخَلِيلٍ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ النَّعْتَ يَكُونُ بِالْمُشْتَقِّ وَشَبَهِهِ كَمَا أَشَارَ لَهُ ابْنُ مَالِكٍ بِقَوْلِهِ

وَانْعَتْ بِمُشْتَقٍّ كَصَعْبٍ وَذَرَبٍ

إلَخْ.

وَلَا يَخْفَى أَنَّ ابْنُ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْ الْمُشْتَقِّ وَلَا مِنْ شَبَهِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ شَرْحِ الْأُشْمُونِيِّ وَأَيْضًا أَنَّ كَوْنَهُ بَيَانًا يَقْتَضِي الْجُمُودَ وَالنَّعْتِيَّةُ تَقْتَضِي الِاشْتِقَاقَ وَبَيْنَهُمَا تَنَافٍ فَجَعَلَهُ نَعْتًا بِنَاءً عَلَى مُلَاحَظَةِ تَأْوِيلِهِ بِمَنْسُوبٍ، وَإِنْ خَالَفَ مَا تَقَدَّمَ وَجَعَلَهُ بَيَانًا بِنَاءً عَلَى عَدَمِ تَأْوِيلِهِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فَلَا يُعْتَرَضُ وَيُقَالُ الْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ أَوْ بَدَلٌ (قَوْلُهُ وَمَنْ خَلِيلٌ) لَا يُقَالُ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَابْنُ مَنْ خَلِيلٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا يَلْزَمُ هَذَا إلَّا لَوْ أُرِيدَ تَعْيِينُهُ بِكَوْنِهِ ابْنَ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْقَصْدُ تَمْيِيزُهُ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ وَالتَّمْيِيزُ بِجُزْئِيٍّ لَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ عَنْ ذَلِكَ الْجُزْئِيِّ (قَوْلُهُ أَوْ حَالٌ لَازِمَةٌ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ حَالًا لَازِمَةً؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ كَانَ لَفْظُ خَلِيلٍ مُشْتَرَكًا اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا فَلَا يَكُونُ بُنُوَّةُ إِسْحَاقَ لَازِمَةً لَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.

(قَوْلُهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُنَكَّرًا) أَيْ عَلَمٌ قُصِدَ تَنْكِيرُهُ بِحَيْثُ صَارَ الْمُرَادُ بِهِ بَعْدَ التَّنْكِيرِ ذَاتًا مَا مُسَمَّاةً بِخَلِيلٍ أَيْ مُسَمَّى مَصْدُوقِهَا أَيْ مُسَمَّى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَصْدُوقَاتِهَا بِخَلِيلٍ فَهُوَ تَنْكِيرٌ طَارِئٌ لَا أَصْلِيٌّ؛ لِأَنَّ الْأَصَالَةَ إنَّمَا هِيَ لِلصِّفَةِ لَا الْعَلَمِيَّةِ وَلَا التَّنْكِيرُ (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ فَابْنُ خَبَرٌ) أَيْ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا وَلَا عَطْفَ بَيَانٍ لِكَوْنِهِ يُشْتَرَطُ مُوَافَقَةُ الْمَنْعُوتِ لِلنَّعْتِ وَالْمُبَيِّنُ لِلْبَيَانِ فِي التَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ وَخَلِيلُ حِينَئِذٍ نَكِرَةٌ وَابْنُ إِسْحَاقَ مَعْرِفَةٌ، ثُمَّ نَقُولُ إنَّهُ اُعْتُرِضَ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَصَدَ بِهِ تَعْرِيفَ نَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ يُنَافِي التَّنْكِيرَ، ثُمَّ قَالَ وَلَا يُقَالُ الْوَصْفُ يَحْصُلُ بِهِ التَّعْيِينُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ مَا لَا يَحُوجُ تَقَدَّمَ مُرَاعَاتُهُ عَلَى مَا يَحُوجُ انْتَهَى.

وَالظَّاهِرُ صِحَّةُ كُلٍّ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي التَّمْيِيزِ سَوَاءُ جُعِلَ عَلَمًا أَوْ اسْمًا مُنَكَّرًا أَيْ قَصَدَ تَنْكِيرَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا جُعِلَ عَلَمًا حَصَلَ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ (قَوْلُهُ تَخْصِيصُهُ وَتَعْيِينُهُ) اعْلَمْ أَنَّ التَّعْيِينَ وَالتَّخْصِيصَ مُتَرَادِفَانِ لُغَةً فَقَدْ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ تَعْيِينُ الشَّيْءِ تَخْصِيصُهُ (قَوْلُهُ نَعْتٌ لِإِسْحَاقَ) فِيهِ مَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ يُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ) قَالَ تت ابْنُ مُوسَى وَوَهَمَ مَنْ قَالَ ابْنُ يَعْقُوبَ وَالْقَائِلُ بِهِ هُوَ ابْنُ غَازِيٍّ وَمَا قَالَهُ تت هُوَ الَّذِي قَالَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الدُّرَّةِ الْكَامِنَةِ فِي أَبْنَاءِ الْمِائَةِ الثَّامِنَةِ وَقَدْ وُجِدَ بِخَطِّ الْمُؤَلِّفِ نَحْوُ ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ مُحَشِّي تت (قَوْلُهُ فَإِنَّ هَذِهِ الْكُنْيَةَ) الَّتِي هِيَ ابْنُ يَعْقُوبَ عَلَى النُّسْخَةِ الْأُولَى أَوْ ابْنُ مُوسَى عَلَى الثَّانِيَةِ.

(تَنْبِيهٌ) : لَيْسَتْ هَذِهِ كُنْيَةً وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ مَا صُدِّرَ بِابْنٍ أَوْ بِنْتٍ فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِأَعْلَامِ الْأَجْنَاسِ كَابْنِ عِرْسٍ أَوْ بِنْتِ عِرْسٍ (قَوْلُهُ لَا تُمَيِّزُهُ) أَيْ أَنَّ تِلْكَ الْكُنْيَةَ الَّتِي هِيَ ابْنُ يَعْقُوبَ أَوْ ابْنُ مُوسَى (قَوْلُهُ هَذَا الْإِلْبَاسُ) الْمُنَاسِبُ هَذَا الِاشْتِرَاكَ، وَإِنْ صَحَّ أَنْ يُرَادَ بِالْإِلْبَاسِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الِاشْتِرَاكِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودَ إلَخْ) أَيْ لَيْسَ الْمَقْصُودَ نِسْبَتُهُ إلَى أَبِيهِ فِي تَحْصِيلِ التَّمْيِيزِ أَيْ لَيْسَ الْعِلَّةُ فِي التَّمْيِيزِ نِسْبَتَهُ إلَى أَبِيهِ أَيْ أَبِيهِ الْأَعْلَى وَالْأَوْلَى إلَى جَدِّهِ وَقَوْلُهُ بَلْ مُجَرَّدٌ أَيْ بَلْ الْمَقْصُودُ تَمْيِيزُهُ مُجَرَّدًا عَنْ كَوْنِهِ الْعِلَّةُ فِيهِ النِّسْبَةُ إلَى جَدِّهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ غَلَبَتْ أَيْ الْقَصْدُ التَّمْيِيزُ وَالْعِلَّةُ فِيهِ الْغَلَبِيَّةُ لَا النِّسْبَةُ الْمَذْكُورَةُ، ثُمَّ إنَّ هَذَا كُلَّهُ لَا يَأْتِي إلَّا لَوْ قَالَ خَلِيلُ بْنُ يَعْقُوبَ (قَوْلُهُ وَقَدْ غَلَبَتْ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ غَلَبَتْ، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا اشْتِرَاكٌ (قَوْلُهُ دُونَ غَيْرِهِ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ وَدُونَ نِسْبَتِهِ مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ هَذِهِ الْكُنْيَةُ أَيْ إنَّ الَّذِي غَلَبَ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ ابْنُ يَعْقُوبَ دُونَ ابْنِ إِسْحَاقَ (قَوْلُهُ كَأَبِيهِ) تَمْثِيلٌ لِقَوْلِهِ غَيْرِ جَدِّهِ وَلَعَلَّ الْأَحْسَنَ فِي الْجَوَابِ إنْ قُلْت وَعَلَى كُلٍّ فَإِنَّ تِلْكَ النِّسْبَةَ الَّتِي هِيَ ابْنُ إِسْحَاقَ بْنَ يَعْقُوبَ أَوْ ابْنُ مُوسَى لَا تُمَيِّزُ لِوُجُودِ الِاشْتِرَاكِ قُلْت هَذَا الِاشْتِرَاكُ لَا يَضُرُّ هُنَا؛ لِأَنَّ تِلْكَ النِّسْبَةَ قَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ بِحَيْثُ إذَا أُطْلِقَ خَلِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَعْقُوبَ لَا يَنْصَرِفُ إلَّا لِهَذَا الْإِمَامِ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ.

(قَوْلُهُ ابْنُ حَجَرٍ) أَيْ الْحَافِظُ الَّذِي هُوَ الْعَسْقَلَانِيُّ لَا الْهَيْتَمِيُّ (قَوْلُهُ فِي الدُّرَّةِ الْكَامِنَةِ) أَيْ فِي أَبْنَاءِ الْمِائَةِ الثَّامِنَةِ أَنَّهُ يُسَمَّى مُحَمَّدًا وَيُلَقَّبُ بِضِيَاءِ الدِّينِ كَذَا فِي خَطِّ الْمُصَنِّفِ أَنَّ اسْمَهُ مُحَمَّدٌ وَتَلْقِيبُهُ بِضِيَاءِ الدِّينِ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَفِي نُسْخَةٍ يُكْنَى بِأَبِي مُحَمَّدٍ وَيُلَقَّبُ بِضِيَاءِ الدِّينِ وَلَكِنْ بَعْدَ أَنْ عَرَفْت نُسْخَتَهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى بِخَلِيلٍ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ الْمَنْقُولُ عَنْ أَهْلِ مَذْهَبِهِ وَهُمْ أَعْلَمُ بِاسْمِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ (قَوْلُهُ فَشَغَلَ وَلَدُهُ مَالِكِيًّا) أَيْ بِمُلَازَمَتِهِ مَحَبَّةَ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ (قَوْلُهُ كَانَ حَنَفِيَّ الْمَذْهَبِ) وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ وَالِدَهُ كَانَ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الْأَخْيَارِ وَذَكَرَ لَهُ مُكَاشِفَاتٍ وَذَكَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ فِي صِغَرِهِ قَرَأَ سِيرَةَ الْبَطَّالِ، ثُمَّ شَرَعَ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْحِكَايَاتِ وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الطَّلَبَةِ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ يَا خَلِيلُ مِنْ أَعْظَمِ الْآفَاتِ السَّهَرُ فِي

ص: 15

ص) رحمه الله (ش) هِيَ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ قَصَدَ بِهَا الدُّعَاءَ لَهُ عَمَلًا بِمَا يَلْزَمُ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ مِنْ الثَّنَاءِ وَالدُّعَاءِ لَلْمُؤَلِّفِ لِاعْتِرَافِهِ لَهُ بِالْفَضْلِ وَأَتَى بِهَا فِعْلِيَّةً لِحُدُوثِ الْمَسْئُولِ بِهَا وَأَتَى بِهَا خَبَرِيَّةً تَفَاؤُلًا بِالْإِجَابَةِ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الدُّعَاءِ بِلَفْظِ الْأَمْرِ كَاغْفِرْ لَنَا وَخَصَّ الرَّحْمَةَ لِأَنَّهَا تَجْمَعُ كُلَّ خَيْرٍ، مَاتَ رحمه الله فِي ثَالِثَ عَشَرَ رَبِيعَ الْأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَذَكَرَ بَعْضٌ أَنَّ بَعْضَ الطَّلَبَةِ رَأَى الْمُؤَلِّفَ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ وَلِمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ.

(ص) الْحَمْدُ لِلَّهِ (ش) لَمَّا افْتَتَحَ بِالْبَسْمَلَةِ افْتِتَاحًا حَقِيقِيًّا افْتَتَحَ بِالْحَمْدَلَةِ افْتِتَاحًا إضَافِيًّا، وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ عَلَى الشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ بِالذَّاتِ جَمْعًا بَيْنَ حَدِيثَيْ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ وَالْحَمْدُ لُغَةً هُوَ الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ

ــ

[حاشية العدوي]

الْخُرَافَاتِ.

قَالَ فَعَلِمْت أَنَّ الشَّيْخَ عَلِمَ بِحَالِي وَانْتَهَيْت مِنْ ذَلِكَ الْحِينِ وَذَكَرَ ابْنُ غَازِيٍّ أَنَّهُ كَانَ مُشْتَغِلًا بِمَا يَعْنِيهِ حَتَّى أَنَّهُ أَقَامَ بِمِصْرَ عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يَرَ النِّيلَ وَأَنَّهُ جَاءَ لِمَنْزِلِ بَعْضِ شُيُوخِهِ فَوَجَدَ الْكَنِيفَ مَفْتُوحًا وَلَمْ يَجِدْ الشَّيْخَ فَقِيلَ لَهُ إنَّهُ شَوَّشَهُ هَذَا الْكَنِيفُ فَذَهَبَ لِيَأْتِيَ بِمَنْ يُنْقِيهِ فَقَالَ الشَّيْخُ خَلِيلُ أَنَا أَوْلَى بِتَنْقِيَتِهِ فَشَمَّرَ وَنَزَلَ فَجَاءَ الشَّيْخُ فَوَجَدَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ وَالنَّاسُ قَدْ حَلَّقُوا عَلَيْهِ تَعَجُّبًا مِنْ فِعْلِهِ فَقَالَ مَنْ هَذَا قَالُوا خَلِيلٌ فَاسْتَعْظَمَ ذَلِكَ وَدَعَا لَهُ عَنْ قَرِيحَةٍ صَادِقَةٍ فَنَالَ بَرَكَةَ ذَلِكَ وَوَضَعَ اللَّهُ الْبَرَكَةَ فِي عُمُرِهِ (قَوْلُهُ رحمه الله) لَمْ يَقُلْ رَحِمَنِي اللَّهُ؛ لِأَنَّ خَلِيلَ اسْمٌ ظَاهِرٌ مِنْ قَبِيلِ الْغَيْبَةِ فَنَاسَبَ ضَمِيرَ الْغَائِبِ (قَوْلُهُ لَهُ) أَيْ لِنَفْسِهِ (قَوْلُهُ فِي مَكَارِمِ) فِي بِمَعْنَى مِنْ مُقَدَّمَةٌ مِنْ تَأْخِيرٍ وَالتَّقْدِيرُ عَمَلًا بِاَلَّذِي يَلْزَمُ أَوْ بِشَيْءٍ يَلْزَمُ أَيْ يَتَأَكَّدُ مِنْ الدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ لَلْمُؤَلِّفِ حَالَةَ كَوْنِ ذَلِكَ مَعْدُودًا مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ أَيْ مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ، وَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ أَيْ الْأَخْلَاقِ الْمَحَاسِنِ أَيْ الْحَسَنَةِ (قَوْلُهُ مِنْ الثَّنَاءِ وَالدُّعَاءِ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ دُعَاءٌ فَقَطْ لَا ثَنَاءٌ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ دُعَاءً صَرِيحًا فَهُوَ ثَنَاءٌ ضِمْنًا (قَوْلُهُ لَلْمُؤَلِّفِ) الْمُقَامُ لِلْإِضْمَارِ وَنُكْتَةُ الْإِظْهَارِ التَّحَدُّثُ بِالنِّعْمَةِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِالتَّأْلِيفِ (قَوْلُهُ لِاعْتِرَافِهِ) أَيْ الدَّاعِي لَهُ أَيْ لَلْمُؤَلِّفِ بِالْفَضْلِ أَيْ بِالْإِحْسَانِ مِنْ تَأْلِيفِهِ ذَلِكَ الْمُخْتَصَرَ الَّذِي هُوَ نِعْمَةٌ وَمِنَّةٌ لَمْ تُسَاوِهَا مِنَّةٌ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يُفِيدُ أَنَّ جُمْلَةَ رحمه الله مِنْ وَضْعِ بَعْضِ الطَّلَبَةِ لَا أَنَّهَا مِنْ كَلَامِهِ رحمه الله، وَهُوَ بَعِيدٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَنَّهَا مِنْ كَلَامِهِ رحمه الله وَقَصَدَ بِذَلِكَ الْإِشَارَةَ إلَى أَنَّ الْقَارِئَ إذَا جَاءَ لِتِلْكَ الْجُمْلَةِ يُلَاحِظُ إنْشَاءَ الدُّعَاءِ لَهُ (قَوْلُهُ لِحُدُوثِ الْمَسْئُولِ بِهَا) أَيْ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْفِعْلِيَّةُ لَا ثُبُوتُهُ وَدَوَامُهُ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْمِيَّةُ وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ ظَاهِرٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِطَالَةِ بِالْبَيَانِ وَالْمَسْئُولُ هُوَ الرَّحْمَةُ (قَوْلُهُ تَفَاؤُلًا بِالْإِجَابَةِ) أَيْ تَرَقُّبًا لِلْإِجَابَةِ أَيْ فَكَأَنَّ الرَّحْمَةَ حَصَلَتْ بِالْفِعْلِ وَصَارَ يُخْبَرُ بِهَا.

(قَوْلُهُ وَخَصَّ الرَّحْمَةَ؛ لِأَنَّهَا تَجْمَعُ كُلَّ خَيْرٍ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ هَلَّا قَالَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ مَثَلًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ لَكَانَ قَاصِرًا عَلَى سُؤَالِ مَحْوِ الذَّنْبِ فَلَا يَشْمَلُ طَلَبَ نِعَمٍ أُخْرَى مِنْ نِعَمِ الْآخِرَةِ أَيْ وَالرَّحْمَةُ بِمَعْنَى الْإِنْعَامِ تَشْمَلُ مَحْوَ الذَّنْبِ وَغَيْرَهُ، فَإِنْ قُلْت إنَّ الْإِنْعَامَ حَقِيقَةٌ فِي تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ بِشَيْءٍ مُنْعَمٍ بِهِ يَثْبُتُ لَهُ وُجُودٌ فِي الْخَارِجِ فَلَا يَشْمَلُ سُؤَالَ الْعَفْوِ فَلَا يَظْهَرُ قَوْلُهُ تَجْمَعُ قُلْت نَعَمْ إلَّا أَنَّ الرَّحْمَةَ تُعُورِفَتْ فِيمَا يَشْمَلُ مَحْوَ الذَّنْبِ فَالشُّمُولُ بِاعْتِبَارِ الْعُرْفِ (قَوْلُهُ سَبْعٍ وَسِتِّينَ) بِسِينٍ وَبَاءٍ كَمَا هُوَ بِخَطِّهِ رحمه الله خِلَافًا لِمَا يُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ أَنَّهُ بِالتَّاءِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَوْجُودًا فِي خَطِّ الشَّارِحِ وَكَذَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي تت فِي صَغِيرِهِ وَكَبِيرِهِ بِتَقْدِيمِ السِّينِ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الدُّرَّةِ الْكَامِنَةِ سَنَةَ تِسْعٍ بِتَقْدِيمِ التَّاءِ عَلَى السِّينِ وَنَحْوِهِ لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ الْفَاسِيِّ وَالشَّيْخِ أَحْمَدَ زَرُّوقٍ وَبَعْضُهُمْ عَزَا ذَلِكَ لتت وَلَعَلَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَتِهِ كَذَلِكَ وَفِي ابْنِ غَازِيٍّ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَنَحْوُهُ لِابْنِ مَرْزُوقٍ قَائِلًا حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْقَاضِي الْفَقِيهُ نَاصِرُ الدِّينِ الْإِسْحَاقِيُّ الْمِصْرِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْمُصَنِّفِ وَمِنْ حُفَّاظِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ مُحَشِّي تت (قَوْلُهُ وَلِمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ غُفِرَ لِمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ الذُّنُوبُ الْمَاضِيَةُ فَقَطْ وَبَعْدَهَا مُعَرَّضُونَ لِإِصَابَتِهَا أَوْ وَالْمُسْتَقْبِلَة عَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِهَا وَفَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ أَوْ الْمَاضِيَةُ فَقَطْ وَيُحْفَظُونَ بَعْدَ وُقُوعِهَا وَالْمُرَادُ صَلَّى عَلَيْهِ جِنَازَتَهُ.

(قَوْلُهُ حَقِيقِيًّا) نِسْبَةً لِلْحَقِيقَةِ أَيْ حَقِيقَةِ الِافْتِتَاحِ فَهُوَ مِنْ نِسْبَةِ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ مُبَالَغَةً أَوْ أَنَّ تِلْكَ النِّسْبَةَ لَيْسَتْ مُرَادَهُ وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الِابْتِدَاءُ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْهُ شَيْءٌ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الِابْتِدَاءَ الْإِضَافِيَّ أَعَمُّ أَيْ إنَّ الِافْتِتَاحَ الْإِضَافِيَّ هُوَ الِافْتِتَاحُ الْمُتَقَدِّمُ عَلَى الِافْتِتَاحِ فِي الْمَقْصُودِ فَبَانَ بِذَلِكَ ظُهُورُ كَلَامِ الشَّارِحِ مِنْ أَنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ افْتِتَاحٍ عَلَى افْتِتَاحٍ (قَوْلُهُ بِالذَّاتِ) أَيْ قَصَدَهُ جَاءَ لَهُ مِنْ ذَاتِهِ لَا مِنْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ فَإِنَّهُمَا، وَإِنْ كَانَتَا مَقْصُودَتَيْنِ إلَّا أَنَّ الْقَصْدِيَّةَ لَمْ تَحْصُلْ لَهُمَا مِنْ نَفْسِهِمَا بَلْ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ (قَوْلُهُ جَمْعًا إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ لَمَّا افْتَتَحَ بِالْبَسْمَلَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ بَيْنَ حَدِيثَيْ) أَيْ بَيْنَ الْعَمَلِ بِحَدِيثَيْ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الشَّارِحِ حَدِيثُ الْبَسْمَلَةِ وَوَرَدَ فِي الْحَمْدَلَةِ «كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَحَسَّنَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ كَ وَحَاصِلُ مَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ الْمُتَعَلِّقُ بِالِابْتِدَاءِ بِالْبَسْمَلَةِ وَوَرَدَ فِي الْحَمْدَلَةِ «كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَجَاءَ التَّعَارُضُ فَدَفَعَ الشَّارِحُ التَّعَارُضَ بِأَنَّ حَمْلَ حَدِيثِ الْبَسْمَلَةِ عَلَى الِابْتِدَاءِ الْحَقِيقِيِّ وَالْحَمْدَلَةِ عَلَى الِابْتِدَاءِ الْإِضَافِيِّ وَلَمْ يَعْكِسْ لِمُوَافَقَةِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ وَلِقُوَّةِ حَدِيثِ الْبَسْمَلَةِ عَلَى حَدِيثِ الْحَمْدَلَةِ وَهُنَاكَ أَجْوِبَةٌ لَا حَاجَةَ لِلْإِطَالَةِ بِذِكْرِهَا.

(قَوْلُهُ لُغَةً) أَيْ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ أَيْ حَالَ كَوْنِهِ مَعْدُودًا فِي الْأَلْفَاظِ الْمَوْضُوعَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ لِلْعَرَبِ، وَهُوَ حَالٌ مِنْ الْحَمْدِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ مُضَافٌ إلَيْهِ وَالتَّقْدِيرُ وَتَفْسِيرُ الْحَمْدِ حَالَةَ كَوْنِ الْحَمْدِ لُغَةً فَلَا يَرِدُ مَا يُقَالُ إنَّهُ حَالٌ مِنْ الْمُبْتَدَأِ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ بِاللِّسَانِ) بِمَعْنَى آلَةِ النُّطْقِ وَلَوْ غَيْرَ الْمَعْهُودَةِ فَيَشْمَلُ

ص: 16

عَلَى الْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِيِّ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ سَوَاءٌ كَانَ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ أَمْ لَا وَاصْطِلَاحًا فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُنْعِمًا سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ اعْتِقَادًا بِالْجَنَانِ أَوْ قَوْلًا

ــ

[حاشية العدوي]

الثَّنَاءَ الْمَنْطُوقَ بِهِ بِغَيْرِهَا خَرْقًا لِلْعَادَةِ وَخَرَجَ بِهِ الثَّنَاءُ بِغَيْرِهِ كَالْحَمْدِ النَّفْسِيِّ وَحَمْدِ الْجَمَادِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَفْظِيًّا خَرْقًا لِلْعَادَةِ فَلَيْسَ حَمْدًا لُغَةً حَقِيقَةً بَلْ مَجَازًا، وَإِنْ كَانَ ثَنَاءً حَقِيقَةً بِنَاءً عَلَى أَنَّ الثَّنَاءَ الْإِتْيَانُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى اتِّصَافِ الْمَحْمُودِ بِالصِّفَةِ الْجَمِيلَةِ وَلَوْ بِغَيْرِ اللِّسَانِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْجَوْهَرِيِّ وَغَيْرِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ فَلَا يَكُونُ قَيْدُ اللِّسَانِ مُسْتَدْرَكًا.

(قَوْلُهُ عَلَى الْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِيِّ) أَيْ لِأَجْلِ الْفِعْلِ الْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِيِّ تَعْلِيلٌ لِلثَّنَاءِ وَهَذَا الْفِعْلُ الْمَوْصُوفُ بِمَا ذَكَرَ هُوَ الْمَحْمُودُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمَحْمُودُ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الِاخْتِيَارُ وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ فِي التَّعْرِيفِ بِلَفْظِ الثَّنَاءِ فَإِنَّهُ كَمَا تَقَدَّمَ الْإِتْيَانُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى اتِّصَافِ الْمَحْمُودِ بِالصِّفَةِ الْجَمِيلَةِ الَّتِي مَصْدُوقُهَا الْمَحْمُودُ بِهِ وَإِذَا كَانَ الْمَحْمُودُ عَلَيْهِ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارِيًّا يَكُونُ الْحَمْدُ مُخْتَصًّا بِالْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ بِخِلَافِ الْمَدْحِ فَإِنَّهُ يَعُمُّ الِاخْتِيَارِيَّ وَغَيْرَهُ قَالَهُ فِي كَ وَالْمُرَادُ بِالْجَمِيلِ الْأَمْرُ الْحَسَنُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا فِي حَدِّ ذَاتِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ بِحَسَبِ اعْتِقَادِ الْمَحْمُودِ كَقَوْلِك لِلَّذِي تَصِفُهُ بِصِفَةٍ دَنِيئَةٍ لَكِنَّهَا حَسَنَةٌ فِي اعْتِقَادِك أَوْ اعْتِقَادِ مُخَاطِبِك أَنْتَ كَنَاسٍ وَأُورِدَ عَلَى قَيْدِ الِاخْتِيَارِيِّ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ عَدَمُ صِحَّةِ حَمْدًا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الصِّفَاتِ الْمُقَدَّسَةِ لَيْسَتْ بِأَفْعَالٍ وَلَا يُوصَفُ ثُبُوتُهَا بِالِاخْتِيَارِ وَأُجِيبُ بِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مَبْدَأً لِأَفْعَالٍ اخْتِيَارِيَّةٍ كَانَ الْحَمْدُ عَلَيْهَا بِاعْتِبَارِ تِلْكَ الْأَفْعَالِ فَالْمَحْمُودُ عَلَيْهِ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ فِي الْمَآلِ انْتَهَى فَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْمُرَادَ مَا كَانَ اخْتِيَارِيًّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِأَثَرِهِ.

(تَنْبِيهٌ) : الْحَمْدُ يَتَوَقَّفُ عَلَى أُمُورٍ خَمْسَةٍ فَهِيَ أَرْكَانٌ لَهُ مَحْمُودٌ بِهِ وَمَحْمُودٌ عَلَيْهِ وَحَامِدٌ وَمَحْمُودٌ وَصِيغَةٌ فَالْمَحْمُودُ بِهِ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الصِّيغَةُ كَقَوْلِك زَيْدٌ عَالِمٌ فَالصِّيغَةُ هِيَ هَذَا اللَّفْظُ وَمَدْلُولُهَا، وَهُوَ ثُبُوتُ الْعِلْمِ لِزَيْدٍ هُوَ الْمَحْمُودُ بِهِ، وَأَمَّا الْمَحْمُودُ عَلَيْهِ فَهُوَ مَا كَانَ الْوَصْفُ بِالْجَمِيلِ فِي مُقَابَلَتِهِ، ثُمَّ أَنَّهُمَا قَدْ يَخْتَلِفَانِ بِالذَّاتِ كَمَنْ أَعْطَاك شَيْئًا فَكَانَ بَاعِثًا لَك عَلَى وَصْفِك لَهُ بِالْعِلْمِ أَوْ الْحِلْمِ وَقَدْ يَخْتَلِفَانِ بِالِاعْتِبَارِ بِأَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ مَحْمُودًا بِهِ وَمَحْمُودًا عَلَيْهِ لَكِنْ بِاعْتِبَارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْبَاعِثُ عَلَى الْوَصْفِ بِصِفَةٍ اتِّصَافُهُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ كَمَنْ رَأَيْته يَفْعَلُ فِعْلًا جَمِيلًا وَصَارَ ذَلِكَ بَاعِثًا لَأَنْ تُظْهِرَهُ فَتَقُولَ هُوَ صَلَّى أَوْ أَنْعَمَ فَهَذِهِ الصِّفَةُ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا بَاعِثَةٌ عَلَى إظْهَارِكَ اتِّصَافَهُ بِهَا مَحْمُودٌ عَلَيْهَا وَمِنْ حَيْثُ إنَّكَ وَصَفْته بِهَا وَأَظْهَرْت أَنَّهَا مِنْ صِفَاتِهِ مَحْمُودٌ بِهَا، وَأَمَّا الْحَامِدُ فَهُوَ الْوَاصِفُ الَّذِي يَتَحَقَّقُ مِنْهُ الْوَصْفُ، وَأَمَّا الْمَحْمُودُ فَهُوَ الْفَاعِلُ الْمُخْتَارُ إمَّا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا لِيَدْخُلَ حَمْدًا لِلَّهِ عَلَى صِفَاتِهِ، وَأَمَّا الصِّيغَةُ فَهِيَ اللَّفْظُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْمَحْمُودِ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.

(قَوْلُهُ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ) أَيْ حَالَةَ كَوْنِهِ مُصَاحِبًا لِجِهَةِ التَّعْظِيمِ لَا لِلتَّعْظِيمِ فَلَا يُشْتَرَطُ بَلْ الْمُشْتَرَطُ جِهَتُهُ وَهِيَ عَدَمُ مُنَافَاةِ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ لِلِّسَانِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُوَافَقَةَ لَا تُشْتَرَطُ بَلْ الْمُشْتَرَطُ عَدَمُ الْمُنَافَاةِ لَهُمَا، ثُمَّ نَقُولُ أَخْرَجَ بِهِ الْوَصْفَ بِالْجَمِيلِ تَهَكُّمًا نَحْوَ {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدخان: 49] ، وَهُوَ مُسْتَدْرَكٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ ثَنَاءً بِالْجَمِيلِ بَلْ وَصْفٌ لِلْمُتَهَكَّمِ بِهِ بِمَا لَيْسَ مُتَّصِفًا بِهِ حَقِيقَةً بَلْ مَجَازًا إمَّا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا أَوْ بِاعْتِبَارِ ضِدِّ حَالِ الْمُتَهَكَّمِ بِهِ فِيهَا؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ فِي النَّارِ يَنْفِي عَنْهُ الْعِزَّةَ وَالْكَرَمَ وَلَمْ يَقُلْ مَعَ التَّعْظِيمِ بَلْ قَالَ عَلَى جِهَةٍ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مُوَافَقَةُ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ لِلِّسَانِ بَلْ الْمُشْتَرَطُ عَدَمُ مُنَافَاتِهَا لِلِّسَانِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَمَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ مِنْ كَوْنِهِ يَحْتَاجُ إلَى قَوْلِهِ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ فَقَدْ رَدَدْنَاهُ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِيمَا كَتَبْنَاهُ عَلَى ابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ سَوَاءٌ كَانَ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ) أَيْ إنْعَامٍ أَمْ لَا هُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِمْ سَوَاءٌ تَعَلَّقَ بِالْفَضَائِلِ أَوْ بِالْفَوَاضِلِ الْأُولَى: جَمْعُ فَضِيلَةٍ، وَهِيَ الْمَزِيَّةُ الْقَاصِرَةُ عَلَى مَنْ صَدَرَتْ عَنْهُ، وَالثَّانِيَةُ جَمْعُ فَاضِلَةٍ وَهِيَ الْمَزِيَّةُ الْمُتَعَدِّيَةُ كَالْإِنْعَامِ وَفِي الْعِبَارَةِ حَذَفَ هَمْزَةَ التَّسْوِيَةِ وَهِيَ بِمَعْنَى إنْ الشَّرْطِيَّةِ وَقَوْلُهُ سَوَاءٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَهُوَ الْأَمْرَانِ وَالْجُمْلَةُ جَوَابُ الشَّرْطِ وَالتَّقْدِيرُ إنْ كَانَ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ أَوْ لَا فَالْأَمْرَانِ سَوَاءٌ قَالَ فِي كَ وَتَخْصِيصُ الْفَضَائِلِ بِاَلَّتِي لَا تَتَعَدَّى وَالْفَوَاضِلُ بِاَلَّتِي تَتَعَدَّى لَيْسَ بِحَسَبِ أَصْلِ اللُّغَةِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ اللُّغَةِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فَلَعَلَّ التَّخْصِيصَ اصْطِلَاحٌ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَوْ لُغَوِيٌّ لَكِنْ لَا بِحَسَبِ أَصْلِ اللُّغَةِ انْتَهَى. وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ هَذَا التَّعْمِيمَ تَنْوِيعٌ فِي الْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِيِّ وَلَوْ قَالَ وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْجَمِيلُ نِعْمَةً أَمْ لَا لَكَانَ أَوْضَحَ.

(تَنْبِيهٌ) : قَدْ اسْتَشْكَلَ مَا ذَكَرَ بِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ تَعَدِّي ذَوَاتِ الْمَلَكَاتِ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْمَلَكَاتِ تَتَعَدَّى ذَاتُهُ، وَإِنْ أُرِيدَ تَعَدِّي أَثَرِهَا فَالْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ يَتَعَدَّى أَثَرُهُمَا لِلْغَيْرِ وَالتَّحْقِيقُ فِي الْجَوَابِ أَنَّ الْمُرَادَ تَعَدِّي الْأَثَرِ وَلَكِنَّ الْمَزِيَّةَ الْمُتَعَدِّيَةَ مَا يَتَوَقَّفُ تَحَقُّقُهَا عَلَى تَعَدِّي الْأَثَرِ مِثَالُ كَوْنِهِ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ أَنْ تَحْمَدَهُ عَلَى إكْرَامِهِ لِلْغَيْرِ الْحَامِدِ أَوْ غَيْرِهِ وَمِثَالُ الثَّانِي أَنْ تَحْمَدَهُ عَلَى حُسْنِ خَطِّهِ مَثَلًا (قَوْلُهُ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ) أَيْ يُشْعِرُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ بِحَيْثُ لَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ عَلِمَ تَعْظِيمَهُ وَلَا رَيْبَ فِي تَحَقُّقِ هَذَا الْمَعْنَى فِي الشُّكْرِ الْجَنَانِيِّ وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ الْجَهْلُ بِالْمُنْبِئِ كَمَا لَا يَقْدَحُ فِي دَلَالَةِ اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لِمَعْنَى الْجَهْلِ بِالْوَضْعِ وَعَدَمِ الِاسْتِعْمَالِ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادُ الْجَنَانِ مِنْ أَقْسَامِ الشُّكْرِ لِعَدَمِ الْإِنْبَاءِ فِيهِ إذْ لَا مَعْنَى لِإِنْبَائِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُعْتَقَدِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يَطَّلِعُ وَلَوْ اطَّلَعَ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فَذَلِكَ الْمُطَلَّعُ بِهِ هُوَ الشُّكْرُ؛ لِأَنَّهُ الْمُنْبِئُ لَا الِاعْتِقَادُ كَذَا قِيلَ وَفِي ك.

وَقَوْلُهُ فَذَلِكَ الْمُطَّلَعُ إلَخْ مَمْنُوعٌ بَلْ هُنَاكَ شُكْرَانِ أَحَدُهُمَا مُنْبِئٌ عَنْ الْآخَرِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ التَّعْظِيمِ (قَوْلُهُ بِسَبَبٍ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فَعَلَ أَيْ هَذَا الْفِعْلَ الْمَوْصُوفَ بِمَا ذَكَرَ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُنْعِمًا وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ الَّذِي قَرَّرْنَا سَابِقًا مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِيُنْبِئُ وَتَعَلُّقُهُ بِ " تَعْظِيمِ " مُرَاعًى فِيهِ غَيْرُهُ (قَوْلُهُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ اعْتِقَادًا بِالْجَنَانِ) بِأَنْ يَعْتَقِدَ اتِّصَافَهُ بِصِفَةِ الْكَمَالِ وَالْمُرَادُ مِنْ الِاعْتِقَادِ التَّصْدِيقُ جَازَ مَا أَوْ رَاجِحًا ثَابِتًا أَوْ لَا وَقِيلَ

ص: 17

بِاللِّسَانِ أَوْ عَمَلًا وَخِدْمَةً بِالْأَرْكَانِ أَيْ الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْمَدْحُ وَالشُّكْرُ مَذْكُورَانِ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ مَعَ فَوَائِدَ نَفِيسَةٍ وَكَذَلِكَ هَلْ الْأَدَاةُ فِي الْحَمْدِ لِلِاسْتِغْرَاقِ أَوْ لِلْجِنْسِ أَوْ لِلْعَهْدِ أَقْوَالٌ مَبْسُوطَةٌ فِي الْأَصْلِ أَيْضًا وَذَكَرَ مَعَ الْحَمْدِ الِاسْمَ الْكَرِيمَ الْجَامِعَ لِمَعَانِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ إذْ يُضَافُ إلَيْهِ غَيْرُهُ وَلَا يُضَافُ إلَى غَيْرِهِ فَيُقَالُ الرَّحْمَنُ مَثَلًا اسْمُ اللَّهِ وَلَا يُقَالُ اللَّهُ اسْمُ الرَّحْمَنِ إشَارَةً لِاسْتِحْقَاقِهِ تَعَالَى الْحَمْدَ لِذَاتِهِ وَلِصِفَاتِهِ (ص) حَمْدًا يُوَافِي مَا تَزَايَدَ مِنْ النِّعَمِ (ش) حَمْدًا

ــ

[حاشية العدوي]

الْمُرَادُ الْجَزْمُ وَقَوْلُهُ بِالْجِنَانِ تَأْكِيدٌ؛ لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ لَا يَكُونُ إلَّا بِهِ كَقَوْلِهِ نَظَرْت بِبَصَرِي وَقَوْلُهُ أَوْ قَوْلًا بِاللِّسَانِ أَمَّا أَنْ يُجْعَلَ كَالْأَوَّلِ لِكَوْنِ الْمُتَبَادِرِ الْقَوْلَ اللِّسَانِيَّ أَوْ مُخَصَّصَ بِنَاءً عَلَى عُمُومِهِ لِلْقَوْلِ اللِّسَانِيِّ وَالنَّفْسَانِيِّ وَأَرَادَ بِالْفِعْلِ مَا قَابَلَ الِانْفِعَالَ فَيَصْدُقُ بِالْكَيْفِ الَّذِي التَّصْدِيقُ مِنْ أَفْرَادِهِ (قَوْلُهُ أَوْ عَمَلًا وَخِدْمَةً بِالْأَرْكَانِ) أَيْ بِهَذَا الْجِنْسِ الْمُتَحَقِّقِ فِي وَاحِدٍ وَمَعْنَاهُ أَنْ يُتْعِبَ نَفْسَهُ فِي طَاعَتِهِ وَانْقِيَادِهِ قَالَ فِي ك وَعَطْفُ الْخِدْمَةِ عَلَى الْعَمَلِ فِي التَّعْرِيفِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْعَمَلَ إنَّمَا يَكُونُ شُكْرًا إذَا كَانَ عَلَى جِهَةِ الْخِدْمَةِ دُونَ الْأُجْرَةِ كَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ فِي التَّعْرِيفِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُنْعِمًا انْتَهَى (وَأَقُولُ) إنَّمَا قَالَ وَخِدْمَةً إشَارَةً إلَى أَنَّ ذَلِكَ الْعَمَلَ إنَّمَا يَكُونُ حَمْدًا حَقِيقَةً إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الذُّلِّ وَالْمَسْكَنَةِ الَّتِي هِيَ صِفَةُ الْخَدِيمِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَلَا يُقَالُ لَهُ حَمْدٌ حَقِيقَةً.

(قَوْلُهُ أَيْ الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ) لَا يَسْتَقِيمُ إلَّا بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ آلَاتِ الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ فَبَيْنَ الْحَمْدِ اللُّغَوِيِّ وَالْحَمْدِ الِاصْطِلَاحِيِّ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْوَجْهِيِّ يَجْتَمِعَانِ فِي ثَنَاءٍ بِلِسَانٍ فِي مُقَابَلَةِ إنْعَامٍ وَيَنْفَرِدُ الْحَمْدُ اللُّغَوِيُّ فِي ثَنَاءٍ بِلِسَانٍ لَا فِي مُقَابَلَةِ إنْعَامٍ كَأَنْ يَقَعَ فِي مُقَابَلَةِ قِرَاءَتِهِ قِرَاءَةً جَيِّدَةً (قَوْلُهُ وَالْمَدْحُ) أَيْ الْمَدْحُ لُغَةً الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى الْجَمِيلِ سَوَاءٌ كَانَ اخْتِيَارِيًّا أَمْ لَا عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ وَعُرْفًا فِعْلٌ مِنْ الْمَادِحِ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمَمْدُوحِ يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ الْمَمْدُوحِ عِنْدَهُ عَنْ غَيْرِهِ وَلَوْ كَانَ اخْتِصَاصًا نِسْبِيًّا بِنَوْعٍ مِنْ الْفَضَائِلِ أَوْ الْفَوَاضِلِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ الدَّالُّ عَلَى مَا ذَكَرَ بِاللِّسَانِ أَمْ بِالْجَنَانِ أَمْ بِالْأَرْكَانِ

(قَوْلُهُ وَالشُّكْرُ) الشُّكْرُ لُغَةً هُوَ الْحَمْدُ اصْطِلَاحًا فَهُمَا مُتَرَادِفَانِ إذَا لَمْ تُقَيَّدْ النِّعْمَةُ فِي الشُّكْرِ بِإِيصَالِهَا إلَى الشَّاكِرِ وَإِلَّا فَبَيْنَهُمَا الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْمُطْلَقُ وَعُرْفًا صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ إلَى مَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ (قَوْلُهُ وَكَذَلِكَ) حَاصِلُهُ أَنَّ أَلْ تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلِاسْتِغْرَاقِ كَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ فَيَكُونُ مُفَادُهَا بِالْمُطَابَقَةِ أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ مُخْتَصٌّ فِي الْحَقِيقَةِ بِهِ أَيْ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ لَا فَرْدٌ مِنْهُ فِي الْحَقِيقَةِ لِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي الظَّاهِرِ إذْ مَا مِنْ مَحْمُودٍ عَلَيْهِ إلَّا، وَهُوَ مِنْهُ بِوَسَطٍ أَوْ بِغَيْرِهِ وَأَنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ كَمَا عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فَيَكُونُ مُفَادُهَا ذَلِكَ بِالِالْتِزَامِ؛ لِأَنَّ مُفَادَهَا بِالْمُطَابَقَةِ جِنْسَ الْحَمْدِ مُخْتَصٌّ بِاَللَّهِ وَمَا ذُكِرَ لَازِمٌ لَهُ إذْ يَلْزَمُ مِنْ اخْتِصَاصِ جِنْسِ الْحَمْدِ بِاَللَّهِ اخْتِصَاصُ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ بِهِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ الْجِنْسُ مُخْتَصًّا بِهِ لِتَحَقُّقِهِ فِي الْفَرْدِ الْمَفْرُوضِ ثُبُوتُهُ لَهُ هَذَا خَلْفٌ وَحُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمُرْسِيِّ رحمه الله أَنَّهُ قَالَ قُلْت لِابْنِ النَّحَّاسِ النَّحْوِيِّ مَا تَقُولُ فِي الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي الْحَمْدُ لِلَّهِ أَجِنْسِيَّةٌ هِيَ أَمْ عَهْدِيَّةٌ فَقَالَ يَا سَيِّدِي قَالُوا إنَّهَا جِنْسِيَّةٌ فَقُلْت لَهُ الَّذِي أَقُولُ إنَّهَا عَهْدِيَّةٌ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا عَلِمَ عَجْزَ خَلْقِهِ عَنْ كُنْهِ حَمِدَهُ حَمِدَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ فِي الْأَزَلِ نِيَابَةً عَنْ خَلْقِهِ قَبْلَ أَنْ يَحْمَدُوهُ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحْمَدُوهُ بِذَلِكَ الْحَمْدِ فَقَالَ يَا سَيِّدِي أُشْهِدُك أَنَّهَا عَهْدِيَّةٌ وَهَذَا مَعْنًى حَسَنٌ. (قَوْلُهُ الِاسْمَ الْكَرِيمَ) أَيْ النَّفِيسَ الْعَزِيزَ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ (قَوْلُهُ الْجَامِعَ لِمَعَانِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ) لَا يَخْفَى أَنَّ مَا عَدَا الِاسْمَ الْكَرِيمَ كُلَّهُ صِفَاتٌ أَيْ أَلْفَاظٍ دَالَّةٍ عَلَى ذَاتٍ وَصِفَةٍ كَالْوَهَّابِ الْفَتَّاحِ الْعَلِيمِ فَلَيْسَ فِيهَا اسْمٌ دَالٌّ عَلَى الذَّاتِ فَقَطْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ لَفْظِهِ فَلَا مُخَلِّصَ إلَّا بِأَنْ يُجْعَلَ الْعَطْفُ لِلتَّفْسِيرِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادَ بِالْأَسْمَاءِ مَا دَلَّ عَلَى مُجَرَّدِ الذَّاتِ بَلْ الْمُرَادُ بِهَا مَا دَلَّ عَلَى الذَّاتِ وَالصِّفَةِ وَتِلْكَ الْجَمْعِيَّةُ مِنْ جَمْعِيَّةِ الدَّالِّ لِلْمَدْلُولِ أَيْ دَلَالَتِهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ إذَنْ يَكُونُ ظَاهِرًا فِي الْمُرُورِ عَلَى طَرِيقَةِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْمَدْلُولَ لِلَفْظِ الْجَلَالَةِ الذَّاتُ مَعَ الصِّفَةِ (قَوْلُهُ إذْ يُضَافُ إلَيْهِ غَيْرُهُ) أَيْ إذْ يُنْسَبُ إلَى مَعْنَاهُ غَيْرُهُ، وَهُوَ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ الْجَامِعَ إلَخْ وَلَا يُضَافُ إلَى غَيْرِهِ أَيْ وَلَا يُنْسَبُ إلَى مَعْنَى غَيْرِهِ (قَوْلُهُ فَيُقَالُ الرَّحْمَنُ مَثَلًا اسْمُ اللَّهِ) أَيْ اسْمُ مَدْلُولِ اللَّهِ، فَإِنْ قُلْت مَدْلُولُ اللَّهِ الذَّاتُ وَجَمِيعُ الصِّفَاتِ وَالرَّحْمَنُ إنَّمَا مَدْلُولُهُ الذَّاتُ وَالرَّحْمَةُ فَلَا يَظْهَرُ إذَنْ كَوْنُ الرَّحْمَنِ اسْمَ الذَّاتِ وَجَمِيعِ الصِّفَاتِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مَعْنَى الِاسْمِيَّةِ لَهُ أَنَّهُ مِمَّا يُطْلَقُ عَلَى ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ تَحَقُّقِ مَدْلُولِهِ فِيهِ مِنْ تَحَقُّقِ الْجُزْءِ فِي الْكُلِّ (قَوْلُهُ وَلَا يُقَالُ اللَّهُ اسْمُ الرَّحْمَنِ) أَيْ وَلَا يُقَالُ اللَّهُ اسْمُ الذَّاتِ مَعَ الرَّحْمَةِ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَهُ أَيْ اللَّهِ، وَهُوَ الذَّاتُ مَعَ كُلِّ الصِّفَاتِ لَيْسَ مُتَحَقِّقًا فِي مَدْلُولِ الرَّحْمَنِ بِخِلَافِ مَدْلُولِ الرَّحْمَنِ فَهُوَ مُتَحَقِّقٌ فِي مَدْلُولِ اللَّهِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِلْفَقِيرِ وَلَمْ يَرَهُ، ثُمَّ أَقُولُ وَيُمْكِنُ جَرَيَانُ هَذَا عَلَى التَّحْقِيقِ الْمُتَقَدِّمِ بِتَكَلُّفٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ إشَارَةٌ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَذَكَرَ إلَخْ (قَوْلُهُ لِذَاتِهِ وَلِصِفَاتِهِ) أَيْ لِذَاتِهِ وَكُلِّ صِفَاتِهِ ذَاتِيَّةً وَفِعْلِيَّةً وَلَوْ قَالَ الْحَمْدُ لِلْعَلِيمِ أَوْ الْخَالِقِ مَثَلًا لَكَانَ حَمْدًا لِذَاتِهِ وَبَعْضِ صِفَاتِهِ لَا ذَاتِهِ وَكُلِّ صِفَاتِهِ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ حَيْثُ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَهُوَ حَمْدٌ عَلَى الذَّاتِ وَجَمِيعِ الصِّفَاتِ لِكَوْنِ لَفْظَةِ الْجَلَالَةِ دَالَّةٌ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ بِخِلَافِ نَحْوِ الْعَالِمِ وَالْقَادِرِ مَثَلًا وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَيَكُونُ فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ الْحَمْدُ لِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ كَمَا يَسْتَحِقُّهُ لِصِفَاتِهِ الْفِعْلِيَّةِ، ثُمَّ قَوْلُهُ إشَارَةٌ إلَخْ ظَاهِرٌ فِي كَوْنِ الذَّاتِ وَجَمِيعِ الصِّفَاتِ مَحْمُودًا عَلَيْهِ وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَتْ اللَّامُ فِي لِلَّهِ لِلتَّعْلِيلِ وَتَقْدِيرُهُمْ مُخْتَصٌّ أَوْ مَمْلُوكٌ أَوْ مُسْتَحِقٌّ يُنَافِيهِ؛ لِأَنَّ مُفَادَهُ أَنَّ الذَّاتَ وَكُلَّ الصِّفَاتِ مَحْمُودَةٌ إذَا كَانَتْ لِلِاخْتِصَاصِ أَوْ الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ الْمِلْكِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَحْمُودًا أَوْ حَامِدَةً إذَا كَانَتْ لِلِاخْتِصَاصِ مَثَلًا مِنْ حَيْثِيَّةِ كَوْنِهِ حَامِدًا (قَوْلُهُ مِنْ النِّعَمِ)

ص: 18

مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أَيْ أَحْمَدُهُ حَمْدًا لَا بِالْحَمْدِ الْمَذْكُورِ لِفَصْلِهِ عَنْهُ بِالْخَبَرِ، وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ مِنْهُ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ.

وَالْمَعْنَى أَحْمَدُ اللَّهَ حَمْدًا يَفِي بِمَا تَزَايَدَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ وَيَأْتِي عَلَيْهَا وَلَمَّا كَانَتْ النِّعَمُ لَا تُحْصَى لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ آحَادَ هَذَا الْحَمْدِ لَا تُحْصَى إذْ مَا لَا يَتَنَاهَى لَا يَفِي بِهِ إلَّا مِثْلُهُ وَفِي قَوْلِنَا يَفِي بِهِ مُسَامَحَةً لِإِيهَامِهِ الِانْقِضَاءَ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ عَدَمُهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ حَمْدًا لَا نِهَايَةَ لَهُ وَجَاءَ بِيُوَافِي بِصِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ لِإِفَادَةِ الْمُبَالَغَةِ بِمَا فِي الصِّيغَةِ مِنْ الْمُغَالَبَةِ وَمَا يُغَالَبُ بِهِ يُؤْتَى بِهِ عَلَى أَقْوَى مَا يُمْكِنُ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي بَعْضِ الِاحْتِمَالَاتِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} [البقرة: 9] فَالنِّعَمُ لِتَزَايُدِهَا كَأَنَّهَا أَبَدًا تُغَالِبُ الْحَمْدَ وَالْحَمْدُ الَّذِي يُغَالِبُهَا كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ لَا يَفُوتَهُ شَيْئًا مِنْهَا اهـ.

وَلَمَّا كَانَتْ النِّعَمُ جَمْعَ نِعْمَةٍ وَالنِّعْمَةُ تُطْلَقُ عَلَى الْإِنْعَامِ الَّذِي هُوَ إيصَالُ الْمُنْعَمِ بِهِ إلَى الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ، وَهُوَ هُنَا فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ اللَّهِ وَعَلَى الشَّيْءِ الْمُنْعَمِ بِهِ نَبَّهَ الْحَطَّابُ بِقَوْلِهِ بِمَعْنَى إنْعَامٍ أَوْ بِمَعْنَى مُنَعَّمٍ بِهِ عَلَى جَوَازِ إرَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَهِيَ

ــ

[حاشية العدوي]

بَيَانٌ لِمَا أَيْ يُوَافِي النِّعَمَ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا الزِّيَادَةُ وَعَدَمُ الْوُقُوفِ عَلَى حَدٍّ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِطَالَةِ بِمَا قِيلَ هُنَا (قَوْلُهُ لِفَصْلِهِ عَنْهُ بِأَجْنَبِيٍّ) أَيْ، وَإِنْ كَانَ مَرْفُوعًا بِالْمُبْتَدَأِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ لِلْحَمْدِ جِهَتَيْنِ جِهَةً ابْتِدَائِيَّةً وَبِهَا يُعْمَلُ فِي الْخَبَرِ وَجِهَةً مَصْدَرِيَّةً وَبِهَا يُعْمَلُ فِي الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ فَلَوْ عَمِلَ النَّصْبُ فِيمَا بَعْدَ الْخَبَرِ لَكَانَ عَامِلًا بِهَا وَلَزِمَ فَصْلُ مَعْمُولِهِ أَيْ، وَهُوَ حَمْدًا بِاعْتِبَارِ جِهَةٍ وَهِيَ جِهَةُ الْمَصْدَرِيَّةِ بِمَعْمُولِهِ أَيْ، وَهُوَ الْخَبَرُ بِاعْتِبَارِ جِهَةِ الْخَبَرِ وَهِيَ الِابْتِدَائِيَّةُ تَنْزِيلًا لِتَغَايُرِ الْجِهَتَيْنِ مَنْزِلَةَ تَغَايُرِ الذَّاتَيْنِ فَتَأَمَّلْ كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ النَّاصِرُ اللَّقَانِيِّ لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ أَنَّ الَّذِي يَضُرُّ الْفَصْلُ بِالْأَجْنَبِيِّ الْمَحْضِ الَّذِي لَا يَكُونُ مَعْمُولًا لِلْمَصْدَرِ أَصْلًا وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْفَصْلَ بِمَا أُضِيفَ إلَيْهِ الْمَصْدَرُ لَا يَضُرُّ مَعَ أَنَّهُ مَعْمُولُهُ مِنْ حَيْثُ عَمَلُ الْجَرِّ فِيهِ بِاعْتِبَارِ جِهَةِ إضَافَتِهِ لَا بِاعْتِبَارِ جِهَةِ مَصْدَرِيَّتِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ وَقَدْ يُقَالُ لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ اخْتِلَافَ جِهَةِ الْعَمَلِ بِمَنْزِلَةِ اخْتِلَافِ الذَّاتِ فَالْقَائِلُ بِأَنَّهُ مَنْصُوبٌ بِالْحَمْدِ الْمَذْكُورِ لَمْ يُبَالِ بِذَلِكَ الْفَصْلِ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْخَبَرُ ظَرْفًا ضَعُفَ الْفَصْلُ بِهِ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمُبْتَدَأَ طَالِبٌ هُنَا لِلْخَبَرِ مِنْ الْجِهَةِ الَّتِي طُلِبَ بِهَا حَمْدًا بِحَسَبِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى مَفْعُولُ الْحَمْدِ انْتَهَى ك.

(تَنْبِيهٌ) : مُرَادُهُ بِالْخَبَرِ، وَهُوَ لَفْظَةُ لِلَّهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْجَارَ وَالْمَجْرُورَ هُوَ الْخَبَرُ (قَوْلُهُ وَيَأْتِي عَلَيْهَا) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ يَفِي وَمَعْنَى الْإِتْيَانِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ فَرْدٌ مِنْ النِّعَمِ إلَّا وَفِي مُقَابَلَتِهِ حَمْدٌ فَلَا تَخْرُجُ نِعْمَةٌ عَنْ كَوْنِهَا فِي مُقَابَلَتِهَا حَمْدٌ (قَوْلُهُ لَا تُحْصَى) أَيْ لَا تَتَنَاهَى يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدُ (قَوْلُهُ آحَادَ هَذَا الْحَمْدِ) فِيهِ أَنَّهُ حَمْدٌ جُزْئِيٌّ صَادِرٌ مِنْ الْمُصَنِّفِ فَكَيْفَ تَكُونُ لَهُ أَفْرَادٌ وَيُجَابُ بِأَنَّ هَذَا عَلَى الْمُبَالَغَةِ وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتَنَاهَى أَيْ مَا لَا يَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ لَا يَفِي بِهِ إلَّا مِثْلُهُ أَيْ حَمْدٌ لَا يَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ النِّعَمَ الْمَحْمُودَ عَلَيْهَا الْمَوْجُودَةَ فِي الْخَارِجِ لَا نِهَايَةَ لَهَا فِي نَفْسِهَا؛ لِأَنَّ مَا دَخَلَ فِي الْوُجُودِ مِنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ مُتَنَاهٍ إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ الْحَمْدَ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى مَا دَخَلَ فِي الْوُجُودِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنَايَةً عَنْ كَثْرَةِ النِّعَمِ الْمَوْجُودَةِ جِدًّا حَتَّى صَارَتْ كَأَنَّهَا لَا نِهَايَةَ لَهَا أَوْ أَنَّهُ لَاحَظَ أَنَّ هَذِهِ النِّعَمَ غَيْرُ الْمَوْجُودَةِ لَمَّا كَانَتْ فِي قُوَّةِ الْمَوْجُودِ لِقُوَّةِ الرَّجَاءِ فِي اللَّهِ لَاحَظَ أَنَّ الْحَمْدَ وَاقِعٌ فِي مُقَابَلَتِهَا أَيْضًا (قَوْلُهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ حَمْدًا لَا نِهَايَةَ لَهُ) قَدْ يُقَالُ إنَّ الْمَعْنَى وَأَصِفُك بِالْجَمِيلِ وَصْفًا لَا نِهَايَةَ لَهُ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ؛ لِأَنَّ وَصْفَهُ مُنْقَضٍ وَمُنْعَدِمٌ فَأَيْنَ عَدَمُ النِّهَايَةِ وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ عَدَمُ النِّهَايَةِ تَخْيِيلٌ لَا تَحْقِيقٌ (قَوْلُهُ وَجَاءَ يُوَافِي) كَذَا فِي نُسْخَةِ الشَّارِحِ فَإِذَنْ يَكُونُ قَوْلُهُ يُوَافِي فَاعِلُ جَاءَ (قَوْلُهُ بِصِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ) ؛ لِأَنَّ يُوَافِي مَأْخُوذٌ مِنْ الْمُوَافَاةِ أَيْ جَاءَ يُوَافِي حَالَ كَوْنِهِ مُرْتَبِطًا بِصِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ وَهِيَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ، فَإِنْ قُلْت يَلْزَمُ عَلَيْهِ ارْتِبَاطُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ قُلْت يُلَاحَظُ أَنَّ الْمُرْتَبِطَ الْمَادَّةُ وَالْمُرْتَبِطَ بِهِ الْهَيْئَةُ (قَوْلُهُ لِإِفَادَةِ الْمُبَالَغَةِ) أَيْ الْمُبَالَغَةِ فِي الْوَفَاءِ وَقَوْلُهُ بِمَا فِي الصِّيغَةِ أَيْ بِسَبَبِ مَا فِي الصِّيغَةِ أَيْ صِيغَةِ يُوَافِي مِنْ الْمُبَالَغَةِ وَقَوْلُهُ وَمَا يُغَالَبُ بِهِ أَيْ فِيهِ أَيْ وَمَا يَقَعُ الْمُغَالَبَةُ فِيهِ يُؤْتَى بِهِ عَلَى أَقْوَى مَا يُمْكِنُ مَثَلًا تَقْصِدُ أَنْ تُغَالِبَ إنْسَانًا فِي الْكَرَمِ فَإِنَّكَ تُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَ بِكَرَمٍ عَلَى أَقْوَى مَا يُمْكِنُك وَقَوْلُهُ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي بَعْضِ الِاحْتِمَالَاتِ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي وَاحِدٍ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمَعْنَى ذَكَرَهُ فِي عَقِبِ بَعْضِ الِاحْتِمَالَاتِ (قَوْلُهُ لِتَزَايُدِهَا) أَيْ لِأَجْلِ تَزَايُدِهَا (قَوْلُهُ تُغَالِبُ الْحَمْدَ) أَيْ تُرِيدُ أَنْ تُغَالِبَ الْحَمْدَ أَيْ تَفُوقَ عَلَيْهِ بِأَنْ يُوجَدَ مِنْ النِّعَمِ مَا يَزِيدُ عَلَى الْحَمْدِ (قَوْلُهُ وَالْحَمْدُ الَّذِي يُغَالِبُهَا) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَالْحَمْدُ لِقُوَّتِهِ وَمُغَالَبَتِهِ لَهَا هُوَ أَنْ لَا يُوجَدَ نِعْمَةٌ إلَّا وَيَكُونُ مُقَابِلُهَا الْحَمْدَ لَا أَنَّ الْمُرَادَ وَأَنَّ الْحَمْدَ يَزِيدُ عَلَى النِّعَمِ (قَوْلُهُ كَأَنَّهُ يُرِيدُ إلَخْ) هُوَ مَعْنَى مُغَالَبَتِهِ لَهَا (قَوْلُهُ تُطْلَقُ عَلَى الْإِنْعَامِ) رَأَيْت لِبَعْضٍ أَنَّ إطْلَاقَهُ عَلَى الْإِنْعَامِ اصْطِلَاحٌ فَإِذَنْ فَهِيَ حَقِيقَةٌ فِي الْمُنْعَمِ بِهِ وَمَجَازٌ فِي الْإِنْعَامِ، وَإِنْ صَارَ اصْطِلَاحًا فِيهِ (قَوْلُهُ إيصَالُ الْمُنْعَمِ بِهِ) الْإِيصَالُ يَرْجِعُ لِتَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ بِالْمُنْعَمِ بِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ هُنَا) ، وَأَمَّا غَيْرُ مَا هُنَا فَهُوَ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ الْعَبْدِ أَيْ صُورَةٌ وَإِلَّا فَالْأَفْعَالُ كُلُّهَا لِلَّهِ (قَوْلُهُ وَهِيَ إلَخْ) هِيَ مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ كُلُّ خَبَرٍ وَقَوْلُهُ حَقِيقَةً حَالٌ مِنْ هِيَ وَقَوْلُهُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي الْبَاءُ بِمَعْنَى فِي وَالتَّقْدِيرُ، وَهِيَ فِي حَالِ كَوْنِهَا حَقِيقَةً فِي الْمَعْنَى الثَّانِي كُلُّ مُلَائِمٍ، وَأَمَّا فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَهُوَ مَجَازٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَعْنَى وَهِيَ فِي حَالَةِ كَوْنِهَا بِالْمَعْنَى الثَّانِي حَالَةَ كَوْنِ الْمَعْنَى الثَّانِي مَعْنًى حَقِيقِيًّا أَيْ مَا حَقُّهُ أَنْ يَكُونَ نِعْمَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كُلُّ مُلَائِمٍ تُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مَجَازِيًّا فَهُوَ مُطْلَقٌ مُلَائِمٌ، وَإِنْ لَمْ تُحْمَدْ عَاقِبَتُهُ وَالْمَجَازِيُّ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ

ص: 19

بِالْمَعْنَى الثَّانِي حَقِيقَةُ كُلِّ مَا لَمْ تُحْمَدْ عَاقِبَتُهُ وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا لَا نِعْمَةَ لِلَّهِ عَلَى كَافِرٍ وَإِنَّمَا مَلَاذُهُ اسْتِدْرَاجٌ أَيْ مَا أَلَذَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا اسْتِدْرَاجٌ لَهُ مِنْ اللَّهِ حَيْثُ يَلَذُّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِإِصْرَارِهِ عَلَى الْكُفْرِ إلَى الْمَوْتِ فَهِيَ نِعْمَةٌ يَزْدَادُ بِهَا عَذَابُهُ وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إنَّهَا نِعْمَةٌ حَقِيقَةً يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الشُّكْرُ وَالنِّعَمُ الْوَاصِلَةُ إلَيْهِ نِقَمٌ فِي صُورَةِ نِعَمٍ فَسَمَّاهَا الْأَشَاعِرَةُ نِقَمًا نَظَرًا إلَى حَقِيقَتِهَا وَالْمُعْتَزِلَةُ سَمَّتْهَا نِعَمًا نَظَرًا إلَى صُورَتِهَا وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَوْلَى كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ التَّفْتَازَانِيُّ بِقَوْلِهِ فِي الْمُطَوَّلِ إنَّ الْحَمْدَ عَلَى الْإِنْعَامِ أَمَكْنُ مِنْ الْحَمْدِ عَلَى النِّعْمَةِ انْتَهَى وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ عَلَى الْإِنْعَامِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَعَلَى النِّعْمَةِ بِمَعْنَى الْمُنْعَمِ بِهِ بِوَاسِطَةٍ أَنَّهُ أَثَرُ الْإِنْعَامِ وَالنَّعْمَةُ بِالْفَتْحِ التَّنَعُّمُ وَبِالضَّمِّ السُّرُورُ وَبِالْكَسْرِ الْمِنَّةُ.

(ص) وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى مَا أَوْلَانَا مِنْ الْفَضْلِ وَالْكَرَمِ (ش) أَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا خَلَعَهُ عَلَيْهِ مِنْ

ــ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ مُلَائِمٍ) كَتَبَ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَيُّ شَيْءٍ تَمِيلُ إلَيْهِ النَّفْسُ وَقَضِيَّتُهُ قِرَاءَتُهُ بِفَتْحِ الْيَاءِ إلَّا أَنْ يُقَالَ هَذَا تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُلَائِمًا لِلنَّفْسِ أَيْ مُنَاسِبًا لَهَا يَلْزَمُهُ أَنْ تَمِيلَ إلَيْهِ فَلَا يُنَافِي قِرَاءَتَهُ بِكَسْرِ الْيَاءِ.

(تَنْبِيهٌ) : هَذَا ضَابِطٌ لَا تَعْرِيفٌ أَوْ أَنَّهُ تَعْرِيفٌ وَيُقَدَّرُ مُضَافٌ أَيْ حَقِيقَةُ كُلٍّ (قَوْلُهُ تُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ) أَيْ تُحَبُّ نِهَايَتُهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْحَمْدِ لَا بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَلَا بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ وَالْمُرَادُ مَا يَعْقُبُهُ أَيْ مَا يَأْتِي وَرَاءَهُ مِنْ السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ وَالنِّعَمِ السَّرْمَدِيَّةِ الَّتِي هِيَ عَاقِبَةُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ سَبَقَهَا عَذَابٌ فَإِذَنْ كُلُّ مَا وَصَلَ لِلْمُؤْمِنِ فَهُوَ نِعْمَةٌ لِوُجُودِ ذَلِكَ فِيهِ، وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ عَذَابٌ فِي جَهَنَّمَ وَلَا يُقَالُ لَهَا اسْتِدْرَاجٌ وَقَوْلُهُ وَمِنْ، ثُمَّ أَيْ وَمِنْ أَجْلِ أَنَّهَا كُلُّ مُلَائِمٍ إلَخْ قَالُوا لَيْسَ الْقَصْدُ التَّبَرِّي وَإِنَّمَا كَانَ لَا نِعْمَةَ لِلَّهِ عَلَى كَافِرٍ؛ لِأَنَّ مَا يَعْقُبُهُ نِقْمَةٌ أَيْ مَا يَأْتِي بَعْدَ إنَّمَا هُوَ الْعَذَابُ الْمُخَلَّدُ (فَإِنْ قُلْت) هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الزِّنَا نِعْمَةٌ بِمُقْتَضَى هَذَا التَّفْسِيرِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَصْلًا (قُلْت) يُرَادُ بِالْمُلَائِمِ مُلَائِمٌ لَمْ يَقَعْ النَّهْيُ عَنْ ذَاتِهِ شَرْعًا فَخَرَجَ الزِّنَا وَاللِّوَاطُ مَثَلًا (قَوْلُهُ لَا نِعْمَةَ لِلَّهِ) أَيْ لَا إنْعَامَ لِلَّهِ (قَوْلُهُ عَلَى كَافِرٍ) أَيْ أَيِّ كَافِرٍ كَانَ وَالْقَصْدُ الْعُمُومُ وَهَذَا ظَاهِرُ اللَّفْظِ أَيْ مِنْ حَيْثُ اقْتِصَارُهُ عَلَى الْكَافِرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا وَصَلَ مِنْ النِّعَمِ إنْ كَانَ سَبَبًا فِي الْمَعْصِيَةِ فَهُوَ اسْتِدْرَاجٌ، وَإِنْ مِنْ مُسْلِمٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا فِيهَا فَهُوَ إنْ كَانَ مِنْ مُسْلِمٍ فَلَيْسَ اسْتِدْرَاجًا، وَأَمَّا مِنْ كَافِرٍ فَهُوَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا فِي الْمَعْصِيَةِ ظَاهِرًا فَهُوَ سَبَبٌ فِيهَا بَاطِنًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ سَبَبٌ فِي بَقَائِهِ الْمُوجِبِ لِاسْتِمْرَارِ كُفْرِهِ (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا مَلَاذُهُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَخِفَّةِ اللَّامِ وَشَدِّ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ مَلَذَّةٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَهِيَ مَوْضِعُ اللَّذَّةِ ذَكَرَهُ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ (قَوْلُهُ اسْتِدْرَاجٌ) أَيْ ذُو اسْتِدْرَاجٍ وَالِاسْتِدْرَاجُ تَجْدِيدُ اللَّهِ النِّعَمَ عَلَى الْعَبْدِ مَعَ اسْتِرْسَالِهِ عَلَى الْمَعَاصِي (قَوْلُهُ حَيْثُ إلَخْ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ يُلِذُّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِإِصْرَارِهِ عَلَى الْكُفْرِ أَيْ اسْتِمْرَارِهِ ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ يُلِذُّهُ مَعَ إصْرَارِهِ عَلَى الْإِيمَانِ أَنَّهُ يُقَالُ لِذَلِكَ نِعْمَةٌ بِالْعَيْنِ، وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ عَذَابٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَهُوَ بَعِيدٌ وَهَذَا الظَّاهِرُ هُوَ الْمُوجِبُ لِتَفْسِيرِنَا الْعَاقِبَةَ بِمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا إنْ فُسِّرَتْ الْعَاقِبَةُ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَيَقْتَضِي أَنَّ مَا وَصَلَ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ النِّعَمِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهَا الْعِقَابُ لَا يُقَالُ لَهُ نِعْمَةٌ بِالْعَيْنِ بَلْ يُقَالُ لَهُ نِقْمَةٌ بِالْقَافِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُفَادَ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ آخِرًا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَاقِبَةِ مَا يَأْتِي بَعْدُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسَبَّبًا عَنْهُ وَقَدْ عَلِمْت مَا يَرِدُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ فَهِيَ نِعْمَةٌ) بِالْعَيْنِ أَيْ صُورَةٌ يَزْدَادُ بِهَا عَذَابُهُ أَيْ مِنْ حَيْثُ تَجَدُّدُهَا وَقْتًا فَوَقْتًا إلَى انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْحَيَاةِ، ثُمَّ إنَّ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَذَابَ الْكَافِرِ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْكُفْرِ وَتَرْكِهِ الْوَاجِبَاتِ وَفِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ لَا عَلَى تَنَاوُلِهِ الْمُبَاحَاتِ (قَوْلُهُ وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إنَّهَا نِعْمَةٌ حَقِيقَةً إلَخْ) إذَنْ تَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ لَا يَقُولُونَ بِطَلَبِ الشُّكْرِ عَلَيْهَا، وَهُوَ بَعِيدٌ غَايَةَ الْبُعْدِ، ثُمَّ بَعْدَ كَتْبِي هَذَا رَأَيْت أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ مُوَافِقٌ لِلْمُعْتَزِلَةِ وَصَوَّبَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ} [البقرة: 40] إلَخْ (قَوْلُهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الشُّكْرُ) قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ وَشُكْرُ الْمُنْعِمِ وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ (قَوْلُهُ وَالنِّعَمُ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي جَعْلِ الْخِلَافِ لَفْظِيًّا كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ وَالْخُلْفُ لَفْظِيٌّ إذْ لَا خِلَافَ فِي وُصُولِ نِعَمٍ إلَيْهِ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّهَا إذَا حَصَلَ عَقِبَهَا ذَلِكَ الضَّرَرُ الْأَبَدِيُّ هَلْ تُسَمَّى فِي الْعُرْفِ نِعْمَةً أَمْ لَا فَهُوَ نِزَاعٌ فِي مُجَرَّدِ التَّسْمِيَةِ، وَهُوَ بَعِيدٌ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَلَعَلَّ وَجْهَ الْبُعْدِ أَنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهَا نِعْمَةٌ حَقِيقَةً لَا صُورَةً فَقَطْ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهَا لَيْسَتْ نِعْمَةً حَقِيقَةً فَلَا يَكُونُ الْخُلْفُ لَفْظِيًّا وَاخْتُلِفَ أَيْضًا هَلْ هُوَ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ أَوْ لَا فَذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ الْمُعْتَزِلَةُ إذْ مَا مِنْ عَذَابٍ إلَّا وَفِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ لَكِنْ لَا يُقَالُ أَنَّهُ فِي نِعْمَةٍ وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إلَى الثَّانِي (قَوْلُهُ نِقَمٌ) أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا سَبَبٌ فِي بَقَائِهِ، وَهُوَ كَافِرٌ (قَوْلُهُ نَظَرًا إلَى حَقِيقَتِهَا) أَيْ حَالَتِهَا الثَّابِتَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مِنْ كَوْنِهَا تُؤَدِّي إلَى الْحَيَاةِ مَعَ الْكُفْرِ (قَوْلُهُ وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَوْلَى) ، وَهُوَ كَوْنُ نِعْمَةٌ بِمَعْنَى إنْعَامٍ (قَوْلُهُ أَمْكَنَ) أَيْ أَثْبَتَ (قَوْلُهُ أَنَّهُ أَثَرٌ) أَيْ بِوَاسِطَةٍ هِيَ أَنَّهُ أَثَرُ الْإِنْعَامِ (قَوْلُهُ التَّنَعُّمُ) أَيْ التَّرَفُّهُ تَقُولُ تَنَعَّمَ زَيْدٌ إذَا صَارَ ذَا رَفَاهِيَةٍ كَأَنْ يَأْكُلَ الْمَآكِلَ النَّفِيسَةَ وَيَشْرَبَ الْمَشَارِبَ النَّفِيسَةَ وَيَلْبَسَ الْمُلَابِسَ النَّفِيسَةَ الرَّقِيقَةَ اللَّيِّنَةَ (قَوْلُهُ وَبِالضَّمِّ السُّرُورُ) هُوَ الْفَرَحُ الَّذِي يَقُومُ بِالْقَلْبِ عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ يَظْهَرُ أَثَرُهُ عَلَى الْوَجْهِ وَمِثْلُهُ الْحُزْنُ وَالْغَمُّ يَكُونُ فِي الْقَلْبِ وَيَظْهَرُ أَثَرُهُمَا عَلَى الْوَجْهِ (قَوْلُهُ الْمِنَّةُ) أَيْ النِّعْمَةُ بِمَعْنَى الْمُنْعَمِ بِهِ لَا بِمَعْنَى الْمَنِّ عَلَى الْغَيْرِ فَإِنَّهُ مَذْمُومٌ إلَّا مِنْ اللَّهِ وَالرَّسُولِ وَالشَّيْخِ وَالْوَالِدِ

(قَوْلُهُ عَلَى مَا أَوْلَانَا) أَيْ أَعْطَانَا (قَوْلُهُ أَثْنَى عَلَى اللَّهِ) أَيْ فَالْمُرَادُ بِالشُّكْرِ هُنَا الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ بِمَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ فَإِذَنْ يَكُونُ قَوْلُهُ وَالشُّكْرُ لَهُ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشَائِيَّةً مَعْنًى أَيْ وَأَشْكُرُهُ أَيْ وَأُنْشِئُ الشُّكْرَ لَهُ أَيْ الثَّنَاءَ بِمَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ عَلِيِّ الصِّفَاتِ (قَوْلُهُ بِمَا خَلَعَهُ) أَيْ بِسَبَبِ مَا خَلَعَهُ عَلَيْهِ

قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْخِلْعَةُ مَا يُعْطِيهَا الْإِنْسَانُ غَيْرَهُ مِنْ ثِيَابٍ مِنْحَةً انْتَهَى.

ص: 20

الْكَمَالِ الْبَشَرِيِّ وَأَعْطَاهُ مِنْهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ ذُكُورَةٍ وَسَلَامَةِ أَعْضَاءٍ وَصِحَّةِ بَدَنٍ وَنَحْوِهِ وَعَلَى مَا أَعْطَاهُ مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي يُحْمَدُ عَلَيْهَا وَجَنَّبَهُ ضِدَّهَا الَّتِي يُلَامُ عَلَيْهَا مِنْ الْإِيمَانِ وَتَوَابِعِهِ إلَى أَنْ وَصَّلَهُ دَرَجَاتِ الْعُلَمَاءِ وَنَاهِيَك بِذَلِكَ كَمَالُ إحْسَانٍ وَإِلَى الْأَوَّلِ أَشَارَ بِالْفَضْلِ وَإِلَى الثَّانِي أَشَارَ بِالْكَرَمِ فَالْفَضْلُ كَمَالُ الذَّاتِ وَالْكَرَمُ كَمَالُ الصِّفَاتِ وَيَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهِ قَصْدَ مَا لَا يَتَنَاهَى مِنْ الْحَمْدِ إرْدَافُهُ بِجُمْلَتِي (ص) لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ (ش) فَكَأَنَّهُ يَقُولُ وَأَنْ أَشَرْت فِي حَمْدِي إلَى أَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْجُمْلَةِ وَلَيْسَ فِي قُدْرَتِي أَنْ أَعُدَّ آحَادَ مَا يَسْتَحِقُّهُ عز وجل مِنْ الثَّنَاءِ عَلَى التَّفْصِيلِ بَلْ وَلَا أَنْوَاعَهُ وَكَيْفَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْجُمْلَةِ يُمْكِنُ عَدُّ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ

ــ

[حاشية العدوي]

فَإِذَنْ شَبَّهَ الْكَمَالَ الْبَشَرِيَّ بِخِلْعَةٍ بِجَامِعِ الرَّغْبَةِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ بِالْكِنَايَةِ وَإِثْبَاتُ الْخَلْعِ تَخْيِيلٌ (قَوْلُهُ الْبَشَرِيِّ) أَيْ الْمَنْسُوبِ لِلْبَشَرِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ لَائِقًا بِهِمْ وَقَوْلُهُ مِنْ الْكَمَالِ بَيَانٌ لِمَا مَشُوبٌ بِتَبْعِيضٍ أَيْ مِنْ أَفْرَادِ الْكَمَالِ الْبَشَرِيِّ (قَوْلُهُ وَأَعْطَاهُ) عَطْفٌ عَلَى خَلَعَهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَضَمِيرُ مِنْهُ لِلْكَمَالِ الْبَشَرِيِّ (قَوْلُهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ) كَذَا فِي نُسْخَةِ الشَّارِحِ أَيْ حَالَةَ كَوْنِ مَا أَعْطَاهُ آتِيًا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ، وَهُوَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ (قَوْلُهُ مِنْ ذُكُورَةٍ) أَيْ أَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِسَبَبِ جَعْلِهِ ذَكَرًا وَلَمْ يَجْعَلْهُ أُنْثَى وَحِينَئِذٍ فَيُلَاحَظُ الْمَخْلُوعُ عَلَيْهِ ذَاتًا مُجَرَّدَةً عَنْ وَصْفِ الذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ.

(قَوْلُهُ وَنَحْوِهِ) كَصِحَّةِ السَّمْعِ (قَوْلُهُ وَعَلَى مَا أَعْطَاهُ) مَعْطُوفٌ عَلَى بِمَا خَلَعَهُ وَعَلَى بِمَعْنَى الْبَاءِ أَيْ وَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِسَبَبِ مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ الصِّفَاتِ (قَوْلُهُ الَّتِي يُلَامُ عَلَيْهَا) الْأَفْضَلُ الَّذِي يُلَامُ عَلَيْهِ وَالشَّارِحُ لَاحَظَ الْمَعْنَى، وَهُوَ كَوْنُ الضِّدِّ صِفَاتٌ (قَوْلُهُ وَتَوَابِعِهِ) أَيْ مِنْ الْمَعَارِفِ وَالْعُلُومِ وَالطَّاعَاتِ، وَإِنْ كَانَتْ الْغَايَةُ تُفِيدُ تَقْدِيرَ الْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الْعُلَمَاءَ الْعَامِلِينَ فَتُفِيدُ تَقْدِيرَهُمَا مَعًا (قَوْلُهُ وَنَاهِيَك إلَخْ) الْبَاءُ زَائِدَةٌ أَيْ وَيَكْفِيك ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ كَمَالَ إحْسَانٍ وَالْمُشَارُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْفَضْلِ وَالْكَرْمِ أَيْ إحْسَانًا كَامِلًا (قَوْلُهُ وَإِلَى الْأَوَّلِ أَشَارَ بِالْفَضْلِ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَضْلِ مَا تَفَضَّلَ بِهِ مِنْ الصِّفَاتِ الْجُسْمَانِيَّةِ وَالْكَرَمِ مَا تَفَضَّلَ بِهِ مِنْ الصِّفَاتِ الرُّوحَانِيَّةِ وَيَصِحُّ الْعَكْسُ كَمَا فِي ك وَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْمُصَنِّفِ وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى الَّذِي أَوْلَانَا إيَّاهُ وَمِنْ بَيَانٍ لِمَا وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ وَيَصِحُّ جَعْلُ مَا مَصْدَرِيَّةً وَالْفَضْلُ وَالْكَرَمُ بَاقِيَانِ عَلَى مَصْدَرِيَّتِهِمَا وَالتَّقْدِيرُ وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى مَا أَوْلَانَا مِنْ كَذَا وَكَذَا وَتَكُونُ الْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ وَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ.

(قَوْلُهُ فَالْفَضْلُ كَمَالُ الذَّاتِ) أَرَادَ بِهَا مَا يَشْمَلُ الْأَوْصَافَ الذَّاتِيَّةَ أَيْ الَّتِي شَأْنُهَا أَنْ تَقُومَ بِكُلِّ ذَاتٍ وَلَا يُقَالُ إنَّ صِحَّةَ الْبَدَنِ وَصِحَّةَ السَّمْعِ مَثَلًا مِنْ الصِّفَاتِ الْكَامِلَةِ (قَوْلُهُ قَصْدَ) الْأَوْلَى إسْقَاطُ قَصْدٍ؛ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ نَفْسُ الْقَصْدِ وَالْجَوَابُ أَنْ يُؤَوَّلَ قَصْدٌ بِمَعْنَى مَقْصُودٍ وَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ (قَوْلُهُ مِنْ الْحَمْدِ) أَيْ مِنْ أَفْرَادِ الْحَمْدِ أَيْ قَصَدَهَا عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ وَلِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ إلَخْ (قَوْلُهُ هُوَ كَمَا أَثْنَى إلَخْ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ فِي عَلَيْهِ فَهُوَ رَاجِعٌ لِلَّهِ تَعَالَى كَضَمِيرِ عَلَيْهِ فَقَوْلُهُ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ صِفَةٌ لِثَنَاءً أَيْ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ مِثْلَ ثَنَائِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَحِينَئِذٍ يَصِحُّ رُجُوعُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى الثَّنَاءِ، فَإِنْ رَجَعَ إلَى اللَّهِ فَقَوْلُهُ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ خَبَرُهُ وَالْكَافُ فِيهِ إمَّا زَائِدَةٌ وَمَا فِيهَا إمَّا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ وَالْمَصْدَرُ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ وَالتَّقْدِيرُ اللَّهُ الَّذِي أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ أَوْ اللَّهُ مُثْنٍ عَلَى نَفْسِهِ وَيَصِحُّ رُجُوعُهُ لِلثَّنَاءِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ كَمَا أَيْضًا أَيْ الثَّنَاءُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ مِثْلُ الثَّنَاءِ الَّذِي أَثْنَاهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مِثْلُ ثَنَائِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي كَوْنِهِ قَطْعِيًّا تَفْصِيلِيًّا غَيْرَ مُتَنَاهٍ وَمَعْنَى النَّفْسِ ذَاتُ الشَّيْءِ مُطْلَقًا عَلَى مَا فِي الْكَشَّافِ وَالصِّحَاحِ فَلَا يَكُونُ إطْلَاقُهَا عَلَيْهِ تَعَالَى مِنْ قَوْلِهِ {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة: 116] مُحْتَاجًا إلَى اعْتِبَارِ الْمُشَاكَلَةِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54] وَاعْتِبَارُ الْمُشَاكَلَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ فِي تِلْكَ الْآيَةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَلَا مُحْتَاجٍ إلَيْهِ أَفَادَهُ الشَّنَوَانِيُّ عَلَى عَمِيرَةَ.

(قَوْلُهُ إلَى أَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لَهُ) أَيْ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ حَمْدًا يُوَافِي مَا تَزَايَدَ مِنْ النِّعَمِ (قَوْلُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ) أَيْ فَإِنَّ الْحَمْدَ كَائِنٌ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ فَقَدْ أَظْهَرَ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ وَالْأَصْلُ، وَإِنْ أَشَرْت فِي حَمْدِي إلَى أَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لَهُ فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي فِي طَاقَتِي، وَأَمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ فَلَا وَنُكْتَةُ الْإِظْهَارِ كَمَالُ الْعِنَايَةِ بِذَلِكَ الْحَمْدِ وَقَوْلُهُ وَلَيْسَ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ إلَخْ (قَوْلُهُ أَنْ أَعُدَّ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْإِحْصَاءَ مَعْنَاهُ الْعَدُّ أَنَّ الْمَعْنَى عَلَى سَلْبِ الْعُمُومِ مَعَ أَنَّ اللَّفْظَ مِنْ قَبِيلِ عُمُومِ السَّلْبِ فَاللَّفْظُ لَا يُطَابِقُ الْمُرَادَ بَلْ يُضَادُّهُ وَإِنَّمَا كَانَتْ آحَادُ مَا يَسْتَحِقُّهُ عز وجل مِنْ الثَّنَاءِ عَلَى التَّفْصِيلِ لَا يُمْكِنُ عَدُّهَا لِكَوْنِهَا وَاقِعَةً فِي مُقَابَلَةِ النِّعَمِ وَهِيَ لَا تُعَدُّ أَيْ لَا يُمْكِنُ عَدُّهَا بِتَمَامِهَا بِشَهَادَةِ قَوْلِهِ عز وجل {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} [النحل: 18] (قَوْلُهُ بَلْ وَلَا أَنْوَاعِهِ) أَيْ وَلَيْسَ فِي قُدْرَتِي أَنْ أَعُدَّ مَا يَسْتَحِقُّهُ جَلَّ وَعَزَّ مِنْ أَنْوَاعِ الثَّنَاءِ لِكَوْنِ أَنْوَاعِ النِّعَمِ لَا تُحْصَى فَأَنْوَاعُ الثَّنَاءِ الْوَاقِعَةِ فِي مُقَابَلَتِهَا لَا تُحْصَى وَخُلَاصَتُهُ أَنْ يُرَادَ بِأَنْوَاعِ النِّعَمِ النِّعَمُ الْكُلِّيَّةُ كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَكُلِّيَّةُ نِعْمَةِ الْبَصَرِ وَالسَّمْعِ وَالشَّمِّ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ الْمُتَعَلِّقَاتِ وَكُلِّيَّةُ نِعْمَةِ الْكَلَامِ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ جُزْئِيَّاتِهِ وَعَلَى ذَلِكَ فَقِسْ وَالْحَاصِلُ أَنَّ نَوْعِيَّةَ الْحَمْدِ بِنَوْعِيَّةِ النِّعْمَةِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا الْحَمْدُ فَالْحَمْدُ الْوَاقِعُ عَلَى نِعْمَةِ الْبَصَرِ عَلَى الْإِجْمَالِ نَوْعٌ مِنْ الْحَمْدِ وَالْوَاقِعُ فِي مُقَابَلَةِ إدْرَاكِ زَيْدٍ مَثَلًا فَرْدٌ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ.

(قَوْلُهُ وَكَيْفَ) دَاخِلٌ عَلَى يُمْكِنُ وَهِيَ مُقَدَّمَةٌ مِنْ تَأْخِيرٍ وَالتَّقْدِيرُ وَذَلِكَ الْحَمْدُ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الْجُمْلَةِ كَيْفَ يُمْكِنُ عَدُّ مَا لَا نِهَايَةَ لِأَنْوَاعِهِ فَقَوْلُهُ أَنْوَاعًا تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَالِاسْتِفْهَامُ لِلْإِنْكَارِ وَلَكِنَّ الْمَعْنَى كَيْفَ يُمْكِنُ عَدُّ أَنْوَاعِهِ لَا هُوَ كَمَا هُوَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ أَوْ أَنَّهُ تَمْيِيزٌ عَمَّا أُضِيفَ إلَيْهِ عَدُّ أَيْ كَيْفَ يُمْكِنُ عَدُّ

ص: 21

أَنْوَاعًا فَضْلًا عَنْ آحَادِ بَلْ وَلَا فِي قُدْرَةِ جَمِيعِ الْخَلْقِ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالْحَقِيقَةِ عَلَى التَّفْصِيلِ وَلَا يَعْلَمُ آلَاءَهُ إلَّا هُوَ فَهُوَ الَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يُثْنِيَ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْمَحَامِدِ وَحَمْدُ الْمُؤَلِّفِ الْعَامُّ وَشُكْرُهُ الْخَاصُّ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِ الْبَرَاذِعِيِّ عَلَى مَا خَصَّ وَعَمَّ مِنْ نِعْمَةٍ وَهَذَا تَرَفٌ وَمَا لَلْمُؤَلِّفِ مُحْتَمَلٌ لَهُ وَلِلتَّدَلِّي.

(ص) وَنَسْأَلُهُ اللُّطْفَ وَالْإِعَانَةَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ (ش) إنَّمَا أَسْنَدَ الْمُؤَلِّفُ الْفِعْلَ مَنْ لَا أُحْصِي إلَى ضَمِيرِ الْوَاحِدِ وَمَنْ وَنَسْأَلُهُ بِوَاوِ الِاسْتِئْنَافِ إلَى ضَمِيرِ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ فِيهِ الِاعْتِرَافُ بِالْعَجْزِ وَإِنَّمَا يُثْبِتُهُ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ وَأَيْضًا هُوَ مَقَامُ اسْتِغْرَاقٍ وَنَفْيٍ لِلْكَثْرَةِ وَالثَّانِي دُعَاءٌ وَالْمَطْلُوبُ فِي الدُّعَاءِ مُشَارَكَةُ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ مَظِنَّةُ الْإِجَابَةِ كَمَا قَالَ الرَّازِيّ أَنَّ الدُّعَاءَ مَهْمَا كَانَ أَعَمَّ كَانَ إلَى الْإِجَابَةِ أَقْرَبَ أَيْ نَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُعِينَنَا وَالْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَاللُّطْفَ

ــ

[حاشية العدوي]

أَنْوَاعِ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ أَيْ كَيْفَ يُمْكِنُ عَدُّ أَنْوَاعِهِ فَقَدْ أَظْهَرَ فِي مَحَلِّ الْإِضْمَارِ وَمَعْنَى لَا نِهَايَةَ لَهُ أَيْ لِأَنْوَاعِهِ وَالْمَعْنَى كَيْفَ يُمْكِنُ عَدُّ أَنْوَاعِ ذَلِكَ الْحَمْدِ الَّذِي لَا نِهَايَةَ لَهُ أَيْ لِأَنْوَاعِهِ (قَوْلُهُ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالْحَقِيقَةِ) أَيْ بِأَنْوَاعِ حَقِيقَةِ الْحَمْدِ فَضْلًا عَنْ آحَادِهِ وَقَوْلُهُ " وَلَا يَعْلَمُ " الْوَاوُ لِلتَّعْلِيلِ إذْ لَا يَعْلَمُ أَنْوَاعَ نِعَمِهِ إلَّا هُوَ فَضْلًا عَنْ الْآحَادِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَعْلَمُ أَنْوَاعَ الْحَمْدِ الْمُقَابِلَةَ لِأَنْوَاعِ النِّعْمَةِ إلَّا هُوَ فَضْلًا عَنْ الْآحَادِ وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ يَنْدَفِعُ مَا يُورَدُ مِنْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْحَمْدِ لَا فِي الْآلَاءِ.

(قَوْلُهُ فَهُوَ الَّذِي إلَخْ) فِيهِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْعَدِّ لَا فِي الْإِتْيَانِ فَالتَّفْرِيعُ لَا يُنَاسِبُ فَحِينَئِذٍ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُفَسَّرَ الْإِحْصَاءُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِحَمْدٍ عَلَى وَجْهٍ يَلِيقُ بِجَنَابِهِ الْأَقْدَسِ مُمَاثِلٍ لِحَمْدِهِ الَّذِي حَمِدَ بِهِ نَفْسَهُ وَحِينَئِذٍ صَحَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ عُمُومِ السَّلْبِ فَيُطَابِقُ الْمُرَادُ اللَّفْظَ (قَوْلُهُ مِنْ الْمَحَامِدِ) بَيَانٌ لِمَا وَالْمَعْنَى فَهُوَ الَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يُثْنِيَ عَلَى نَفْسِهِ بِأَيِّ حَمْدٍ مِنْ الْمَحَامِدِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ وَحَمْدُ الْمُؤَلِّفِ إلَخْ) انْدَفَعَ بِذَلِكَ مَا قَدْ يُورَدُ عَلَى الْمَتْنِ مِنْ أَنَّ الْحَمْدَ عَلَى النِّعَمِ شُكْرٌ فَقَوْلُهُ وَالشُّكْرُ لَهُ مِنْ عَطْفِ الشَّيْءِ عَلَى مِثْلِهِ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَأَنَّهُمَا نَوْعَانِ مِنْ الشُّكْرِ أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالْحَمْدِ أَعَمُّ مِنْ الثَّانِي الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالشُّكْرِ؛ لِأَنَّ حَمْدَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا تَزَايَدَ مِنْ نِعَمِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ بِخِلَافِ الشُّكْرِ فَإِنَّهُ وَاقِعٌ فِي مُقَابَلَةِ مَا وَصَلَ لَهُ مِنْ النِّعَمِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الضَّمِيرِ فِي أَوْلَانَا لِلْمُعَظِّمِ نَفْسَهُ.

(قَوْلُهُ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِ الْبَرَاذِعِيِّ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ فَهُوَ نَظِيرُهُ مِنْ حَيْثُ حَمْدُهُ عَلَى الْعَامِّ وَالْخَاصِّ مِنْ النِّعَمِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا مِنْ حَيْثُ إنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ تَدَلٍّ وَمَا ذَكَرَهُ الْبَرَاذِعِيُّ تَرَقٍّ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ وَمَا لَلْمُؤَلِّفِ إلَخْ يُنَافِي ذَلِكَ وَقَدْ يُقَالُ لَا مُنَافَاةَ بِأَنْ يُقَالَ وَحَمْدُ الْمُؤَلِّفِ الْعَامُّ أَيْ ظَاهِرًا فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُخَصَّصَ فِي الْأَوَّلِ وَيُعَمَّمَ فِي الثَّانِي بِأَنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرُ لِلْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى التَّعْمِيمِ فِي الْأَوَّلِ هُوَ أَنْ يُقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا تَزَايَدَ مِنْ النِّعَمِ الْوَاصِلَةِ لِي وَلِغَيْرِي وَالتَّخْصِيصُ فِي الثَّانِي بِأَنْ يُقَالَ وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى مَا وَصَلَ لِي وَحْدِي مِنْ الْفَضْلِ وَالْكَرَمِ، وَإِنْ كَانَ ثَابِتًا لِغَيْرِي كَمَا هُوَ ثَابِتٌ لِنَفْسِي إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ شُكْرِي إلَّا عَلَى النِّعْمَةِ الْوَاصِلَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلتَّعْمِيمِ وَالتَّخْصِيصِ فِي كَلَامِ الْبَرَاذِعِيِّ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ فِي كَلَامِهِ مَعْنَاهُ النِّعَمُ الْوَاصِلَةُ لِي بِالْخُصُوصِ لَمْ يُشَارِكْنِي أَحَدٌ فِيهَا وَلَوْ نِسْبِيَّةً وَالتَّعْمِيمُ فِيهِ مَعْنَاهُ النِّعَمُ الَّتِي لَمْ تَخْتَصَّ بِي بَلْ يُشَارِكُنِي الْغَيْرُ فِيهَا فَهُوَ نَظِيرُهُ فِي مُطْلَقِ الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.

(قَوْلُهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ) تَنَازَعَهُ اللُّطْفُ وَالْإِعَانَةُ وَأُعْمِلَ الثَّانِي وَحُذِفَ مَعْمُولُ الْأَوَّلِ أَيْ فِيهِ، وَهُوَ ضَمِيرُ الْأَحْوَالِ وَجَارُّهُ جَمِيعًا إلَّا أَنَّ الْإِعَانَةَ تَتَعَدَّى بِعَلَى مِثْلُ {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} [الفرقان: 4] وَقَدْ يُقَالُ إنَّ فِي بِمَعْنَى عَلَى، وَهُوَ مِنْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ وَالْحَقُّ أَنَّ تَعَدِّيَ الْإِعَانَةِ بِعَلَى إنَّمَا هُوَ الْمُسْتَعَانُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَحْذُوفٌ هُنَا تَقْدِيرُهُ عَلَى الْأَحْوَالِ الْوَاقِعَةِ فِيهَا إمَّا إلَى الْمُسْتَعَانِ فِيهِ مِنْ زَمَانٍ أَوْ مَكَان فَالتَّعَدِّي لَهَا بَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ تَأَمَّلْ مِنْ خَطِّ الشَّيْخِ رحمه الله (قَوْلُهُ بِوَاوِ الِاسْتِئْنَافِ) هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ جُمْلَةَ الْحَمْدِ خَبَرِيَّةٌ فَلَا يَصِحُّ الْعَطْفُ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ عَطْفِ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْخَبَرِ، وَأَمَّا لَوْ جُعِلَ جُمْلَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ إنْشَائِيَّةً فَتَكُونُ الْوَاوُ عَاطِفَةً جُمْلَةً إنْشَائِيَّةً عَلَى جُمْلَةٍ كَذَلِكَ.

(فَإِنْ قُلْت) هَلَّا عَبَّرَ بِالْمَاضِي الْأَبْلَغِ فِي وُقُوعِ السُّؤَالِ (قُلْت) خَشْيَةَ إظْهَارِ صُورَةِ الْيَأْسِ وَقَصْدًا إلَى تَشْدِيدِ الْإِلْحَاحِ فِي الْمَسْأَلَةِ كَمَا هُوَ الْمَطْلُوبُ فِيهَا (قَوْلُهُ إنَّمَا يُثْبِتُهُ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ) أَيْ، وَإِنْ كَانَ ثَابِتًا لِلْغَيْرِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَيْ وَإِنَّمَا يَلِيقُ أَنْ يُثْبِتَهُ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ أَيْ، وَأَمَّا قَوْلُهُ وَنَسْأَلُهُ إلَخْ لَيْسَ فِيهِ اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ فَلِذَا أَتَى بِالنُّونِ (قَوْلُهُ مَقَامُ اسْتِغْرَاقٍ) أَيْ لِفَرْدِ الثَّنَاءِ أَيْ أَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الثَّنَاءَاتِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا لَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ إنْ نُظِرَ لَهُ مِنْ حَيْثُ الْعَجْزُ رَجَعَ لِلْأَوَّلِ، وَإِنْ نُظِرَ لَهُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا مَعْنَى لَهُ قَوْلُهُ وَنَفْيٌ لِلْكَثْرَةِ أَيْ وَنَفْيٌ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ الْأَفْرَادِ الْكَثِيرَةِ أَيْ نَفْيٌ لِلْإِطَاقَةِ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْحَمْدِ الْكَثِيرَةِ أَيِّ فَرْدٍ يَلِيقُ بِجَلَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا هُوَ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْمُرَادِفِ خِلَافًا لِمَا يُفْهَمُ مِنْ ظَاهِرِ الْعِبَارَةِ مِنْ التَّنَافِي حَيْثُ إنَّ قَوْلَهُ مَقَامُ اسْتِغْرَاقٍ يُفِيدُ أَنَّهُ مِنْ عُمُومِ السَّلْبِ وَقَوْلُهُ وَنَفْيٌ لِلْكَثْرَةِ يُفِيدُ أَنَّهُ مِنْ سَلْبِ الْعُمُومِ.

(قَوْلُهُ وَالثَّانِي دُعَاءٌ) فِيهِ أَنَّ كَوْنَ الدُّعَاءِ مَهْمَا كَانَ أَعَمَّ كَانَ إلَى الْإِجَابَةِ أَقْرَبَ مَعْنَاهُ بِحَسَبِ عُمُومِ الْمَدْعُوَّةِ لَهُ لَا بِحَسَبِ الدَّاعِي وَمُفَادُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّهُ بِحَسَبِ الدَّاعِي بِأَنْ يَكُونَ الدَّاعِي جَمَاعَةً اجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ (قَوْلُهُ أَنْ يُعِينَنَا وَالْمُسْلِمِينَ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا عُمُومٌ فِي الْمُدَّعُو لَهُ لَا فِي الدَّاعِي الَّذِي أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ وَنَسْأَلُهُ إلَخْ أَيْ يُعِينَنَا وَالْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ عَلَى مُهِمَّاتِنَا وَعَلَى ذَلِكَ فَلَيْسَتْ النُّونُ فِي يُعِينَنَا لِلْجَمَاعَةِ بَلْ لِلْمُعَظِّمِ نَفْسَهُ غَيْرَ أَنَّهُ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِمَقَامِ الدُّعَاءِ (قَوْلُهُ وَاللُّطْفُ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ) أَيْ وَالرِّفْقُ فِي الْأُمُورِ دُنْيَوِيَّةً أَوْ أُخْرَوِيَّةً أَيْ غَيْرِ التَّوْفِيقِ وَالْعِصْمَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا الصِّحَّةُ قَوْلُهُ قُلْت اللُّطْفُ أَعَمُّ وَإِلَّا فَلَا صِحَّةَ؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ هِيَ عَيْنُ التَّوْفِيقِ فَالْعِصْمَةُ مِنْ صِفَاتِ

ص: 22

التَّوْفِيقَ وَالْعِصْمَةَ، فَإِنْ قُلْت هَلَّا سَأَلَ التَّوْفِيقَ قُلْت اللُّطْفُ أَعَمُّ وَقَصَدَ بِالتَّصْرِيحِ بِهِ الرَّدَّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ أَوْجَبُوهُ عَلَيْهِ تَعَالَى إذْ لَوْ كَانَ وَاجِبًا عَقْلِيًّا لَمْ يُسْأَلْ كَمَا لَا يُسْأَلُ الْمَوْتَ وَالْإِعَانَةُ وَالْمَعُونَةُ وَالْعَوْنُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَالْمُرَادُ الْإِشْرَافُ وَالظُّهُورُ عَلَى الْأَمْرِ وَالْإِقْدَارُ عَلَيْهِ أَيْ نَسْأَلُهُ الْإِقْدَارَ عَلَى الَّذِي نَطْلُبُهُ وَالْأَحْوَالُ جَمْعُ حَالٍ وَيُقَالُ حَالَةٍ وَهِيَ صِفَاتُ الشَّيْءِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا مِنْ الْمُتَّصِلَاتِ وَالْإِضَافِيَّاتِ كَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَغَيْرِهِمَا وَأَلْ فِي اللُّطْفِ وَالْإِعَانَةِ لِلْحَقِيقَةِ وَفِي الْأَحْوَالِ لِلْعُمُومِ الْمُضَافِ وَفِي الْإِنْسَانِ لِلْعَهْدِ أَوْ الْجِنْسِ وَالْإِعَانَةِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ؛ لِأَنَّهَا مِنْ اللُّطْفِ.

(ص) وَحَالِ

ــ

[حاشية العدوي]

الرَّبِّ قَالَ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ

وَعِصْمَةُ الْبَارِي لِكُلٍّ حَتْمَا

(فَإِنْ قُلْت) الْعِصْمَةُ خَاصَّةٌ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ (قُلْت) تِلْكَ الْعِصْمَةُ الْوَاجِبَةُ لَا الْجَائِزَةُ وَالْمَقْصُودُ بِالدُّعَاءِ هَذَا الثَّانِي (فَإِنْ قُلْت) قَضِيَّةُ تَفْسِيرِ اللُّطْفِ بِمَا ذَكَرَ أَنْ يَكُونَ طَالِبًا لِلتَّوْفِيقِ وَالْعِصْمَةِ فِي حَالِ حُلُولِهِ فِي قَبْرِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَحَالِ إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ (قُلْت) لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُلَاحَظُ التَّوْزِيعُ فِي الْأَحْوَالِ بِحَسَبِ الْحَالِ الْمُنَاسِبِ فَالتَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ بِاعْتِبَارِ حَالَةِ الدُّنْيَا وَالرِّفْقِ فِيمَا يَهُمُّ غَيْرَ التَّوْفِيقِ وَالْعِصْمَةِ فِي الْحَالَتَيْنِ الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ اللُّطْفَ الَّذِي ظَرْفُهُ الدُّنْيَا التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ وَالرِّفْقُ فِيمَا يَهُمُّ وَاللُّطْفُ الَّذِي ظَرْفُهُ حَالُ حُلُولِ الْإِنْسَانِ الرِّفْقُ فِيمَا يَهُمُّ كَسُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ وَنَحْوِهِ (قَوْلُهُ وَقَصَدَ بِالتَّصْرِيحِ بِهِ) أَيْ بِاللُّطْفِ أَيْ بِسُؤَالِهِ بِقَوْلِهِ وَنَسْأَلُهُ.

(قَوْلُهُ الَّذِينَ أَوْجَبُوهُ) أَيْ أَوْجَبُوا اللُّطْفَ (قَوْلُهُ وَاجِبًا عَقْلِيًّا) أَيْ أَدْرَكَ وُجُوبَهُ الْعَقْلُ لَا الشَّرْعُ لَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْعَقْلَ هُوَ الْمُوجِبُ (قَوْلُهُ كَمَا لَا يُسْأَلُ الْمَوْتُ) التَّشْبِيهُ فِي مُطْلَقِ عَدَمِ السُّؤَالِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ وَاجِبٌ عَادِيًا وَشَرْعِيًّا لَا عَقْلِيًّا (قَوْلُهُ بِمَعْنَى) أَيْ وَالْأَلْفَاظُ الثَّلَاثَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ مِنْ ارْتِبَاطِ الدَّالِّ بِالْمَدْلُولِ أَوْ تِلْكَ الْحَقَائِقُ الثَّلَاثَةُ الْمُجْمَلَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ مِنْ ارْتِبَاطِ الْمُجْمَلِ بِالْمُفَصَّلِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ الْإِشْرَافُ) أَيْ الِاطِّلَاعُ لَا يَخْفَى أَنَّ الْإِشْرَافَ مِنْ صِفَاتِ الْعَبْدِ فَيُقَدَّرُ مُضَافٌ أَيْ وَالْإِقْدَارُ عَلَى الْإِشْرَافِ الَّذِي هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْمَوْلَى فَإِذَنْ يَكُونُ قَوْلُهُ وَالْإِقْدَارُ بِمَعْنَى خَلْقِ الْقُدْرَةِ تَفْسِيرًا وَقَوْلُهُ وَالظُّهُورُ أَيْ الْإِقْدَارُ عَلَى الظُّهُورِ أَيْ الْإِظْهَارِ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ قَوْلَهُ وَالْإِقْدَارُ إلَخْ مُفَسِّرٌ لِكُلٍّ مِنْ اللَّفْظَيْنِ وَلِذَلِكَ قَالَ أَيْ نَسْأَلُهُ الْإِقْدَارَ.

(قَوْلُهُ وَالْأَحْوَالُ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يُنَافِي قَوْلَهُ أَوَّلًا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ إذْ قَضِيَّتُهُ أَنْ يُرَادَ بِالْأَحْوَالِ الْأَوْقَاتُ لَا مَا عَلَيْهِ الشَّخْصُ مِنْ الْمُتَّصِلَاتِ وَالْإِضَافِيَّاتِ إلَخْ وَهُمَا حَلَّانِ الْأَوَّلُ لِلنَّاصِرِ وَالثَّانِي يُفِيدُهُ حَلُّ الْحَطَّابِ؛ لِأَنَّهُ عَرَّفَ الْحَالَ بِمَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ عَلَيْهِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي هُوَ فِيهِ انْتَهَى فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَنَقُولُ إنَّ مَا أَشَارَ إلَيْهِ النَّاصِرُ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ لَازِمٌ لِلْحَالِ إذْ لَا يَصْدُرُ حَالٌ إلَّا فِي وَقْتٍ وَمَا ذَكَرَهُ الْحَطَّابُ تَفْسِيرٌ بِالْحَقِيقَةِ وَالْبَاعِثُ لِلنَّاصِرِ عَلَى مَا قَالَ إنَّ مَدْخُولَ فِي يَكُونُ ظَرْفًا (فَإِنْ قُلْت) وَهَلْ يَصِحُّ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْحَطَّابُ هُنَا مِنْ إبْقَاءِ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ (قُلْت) يَصِحُّ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ فِي وَقْتِ كُلِّ حَالَةٍ أَوْ بِتَنْزِيلِ الْأَحْوَالِ مَنْزِلَةَ الْأَوْقَاتِ (قَوْلُهُ وَهِيَ صِفَاتُ الشَّيْءِ) تَفْسِيرٌ لِلْأَحْوَالِ أَوْ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِحَالَةٍ بِاعْتِبَارِ إرَادَةِ الْجِنْسِ أَيْ جِنْسِ صِفَةِ الشَّيْءِ.

(قَوْلُهُ مِنْ الْمُتَّصِلَاتِ) أَيْ مِنْ الْأَوْصَافِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْإِنْسَانِ أَيْ الصِّفَاتِ الَّتِي لَهَا قِيَامٌ بِهِ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهَا لَا بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ آخَرَ كَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ وَقَوْلُهُ وَالْإِضَافِيَّاتِ أَيْ الْأَوْصَافِ النِّسْبِيَّةِ أَيْ الَّتِي لَا اسْتِقْرَارَ لَهَا فِي الشَّخْصِ بِذَاتِهَا بَلْ بِاعْتِبَارِ شَيْءٍ آخَرَ (قَوْلُهُ كَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ) أَيْ كَالِاسْتِقْرَارِ فِي الزَّمَانِ إلَخْ؛ لِأَنَّ وَصْفَ الشَّخْصِ هُوَ الِاسْتِقْرَارُ فِي ذَلِكَ لَا نَفْسِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ الْجِهَةُ (قَوْلُهُ لِلْحَقِيقَةِ) أَيْ فِي ضِمْنِ جَمِيعِ أَفْرَادِهَا إذْ السُّؤَالُ وَاقِعٌ عَلَيْهَا أَوْ يُقَدَّرُ مُضَافٌ أَيْ لِأَفْرَادِ الْحَقِيقَةِ فَهِيَ لِاسْتِغْرَاقِ تِلْكَ الْأَفْرَادِ (قَوْلُهُ وَفِي الْأَحْوَالِ لِلْعُمُومِ الْمُضَافِ) أَيْ لِلْعُمُومِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْمُضَافِ فَإِذَنْ يَكُونُ قَوْلُهُ جَمِيعُ تَأْكِيدًا فِي الْمَعْنَى أَتَى بِهَا دَفْعًا لِمَا يَقَعُ فِي الْوَهْمِ أَنَّ أَلْ لِلْجِنْسِ الَّذِي قَدْ يَتَحَقَّقُ وَلَوْ فِي وَاحِدٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ لَاحَظَ أَنَّ أَلْ لِلْجِنْسِ فَالْإِتْيَانُ بِجَمِيعٍ يُحْتَاجُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ لَا يُسْتَفَادُ إلَّا مِنْهُ وَظَهَرَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ جَعْلَ أَلْ فِي اللُّطْفِ لِلْحَقِيقَةِ وَفِي الْأَحْوَالِ لِلْعُمُومِ تَفَنُّنٌ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ الْمُضَافِ أَيْ الْمَنْسُوبِ لِلْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ وَصْفُ الْأَحْوَالِ.

(قَوْلُهُ وَفِي الْإِنْسَانِ لِلْعَهْدِ أَوْ الْجِنْسِ) وَالْمَعْهُودُ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ بِهَذَا نَوْعِيٌّ لَا شَخْصِيٌّ الَّذِي هُوَ خُصُوصُ ذَاتِ الْمُؤَلِّفِ فَلَا يَظْهَرُ الْقَوْلُ بِأَنَّهَا لِلْعَهْدِ أَوْ الْجِنْسِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ جَعَلَ الضَّمِيرَ فِي وَنَسْأَلُهُ لِلْمُتَكَلِّمِ وَحْدَهُ كَانَتْ أَلْ فِي الْإِنْسَانِ لِلْعَهْدِ وَالْمَعْهُودُ وَاحِدٌ مُشَخَّصٌ، وَهُوَ نَفْسُهُ، وَإِنْ جُعِلَ النُّونُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ مِنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ تَكُونُ أَلْ أَيْضًا لِلْعَهْدِ وَالْمَعْهُودُ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ عَهْدًا نَوْعِيًّا فَلَمْ يَظْهَرْ جَعْلُهَا لِلْجِنْسِ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ وَعَلَى كُلٍّ فَقَوْلُهُ وَحَالُ حُلُولِ الْإِنْسَانِ مِنْ الْإِظْهَارِ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ أَوْ يُقَالُ إنَّهُ يُرَادُ بِالْعَهْدِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْعَهْدِ النَّوْعِيِّ وَالشَّخْصِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النُّونَ لِلْمُتَكَلِّمِ وَمَعَهُ غَيْرُهُ عِنْدَ جَعْلِ الْعَهْدِ نَوْعِيًّا أَوْ الْمُتَكَلِّمِ وَحْدَهُ عِنْدَ جَعْلِهَا لِلْعَهْدِ، وَهُوَ شَخْصِيٌّ وَيَكُونُ إظْهَارًا فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ كَمَا قُلْنَا وَقَوْلُهُ أَوْ لِلْجِنْسِ عَلَى تَقْدِيرِ جَعْلِ النُّونِ لِلْمُتَكَلِّمِ وَحْدَهُ وَالدُّعَاءُ عَامٌّ لِلدَّاعِي وَغَيْرِهِ مِنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ:" الْإِنْسَانِ " مِنْ الْإِظْهَارِ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ وَيَكُونُ هُوَ الدَّاعِي وَحْدَهُ لِكُلِّ إنْسَانٍ بِأَنْ يَلْطُفَ بِهِ الرَّبُّ فِي حَالِ حُلُولِهِ فِي قَبْرِهِ.

(قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا مِنْ اللُّطْفِ) ظَاهِرٌ إنْ خَصَّصَتْ الْإِعَانَةَ بِمَا عَدَا التَّوْفِيقِ وَالْعِصْمَةِ مِنْ الرِّفْقِ فِيمَا يَهُمُّ أَمَّا عَلَى تَفْسِيرِهِ السَّابِقِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الظُّهُورُ عَلَى الْأَمْرِ وَالْإِقْدَارُ عَلَيْهِ وَظَاهِرُهُ دُنْيَوِيًّا أَوْ أُخْرَوِيًّا فَلَا يَظْهَرُ الْعُمُومُ بَلْ بَيْنَهُمَا تَسَاوٍ (قَوْلُهُ وَحَالِ) يَصِحُّ جَرُّهُ عَطْفًا عَلَى جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَنَصْبُهُ عَطْفًا عَلَى مَحَلِّ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ أَيْ فِي مَحَلِّ

ص: 23

حُلُولِ الْإِنْسَانِ فِي رَمْسِهِ (ش) أَيْ وَنَسْأَلُهُ اللُّطْفَ وَالْإِعَانَةَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَفِي حَالِ حُلُولِ الْإِنْسَانِ فِي قَبْرِهِ فَسَأَلَ مِنْ اللَّهِ اللُّطْفَ اللَّائِقَ بِهِ جل جلاله مِنْ التَّوْفِيقِ لِلطَّاعَةِ وَالْعِصْمَةِ مِنْ الْمَعْصِيَةِ وَالْإِتْحَافِ بِالنِّعَمِ وَالرِّفْقِ بِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ فِي الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ وَحَالِ إلَخْ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى اللُّطْفِ فِي تِلْكَ الْحَالِ أَشَدُّ مِنْهَا إلَيْهِ فِي غَيْرِهَا أَوْ يُرِيدُ بِجَمِيعِ الْأَحْوَالِ الْخُصُوصَ أَيْ الْكَائِنَةُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ خَاصٍّ عَلَى خَاصٍّ إشَارَةً إلَى حَاجَةِ الْإِنْسَانِ إلَى لُطْفِ مَوْلَاهُ وَافْتِقَارِهِ إلَيْهِ فِي الْحَيَاةِ وَالْمَمَاتِ وَلِذَا عَبَّرَ بِالْإِنْسَانِ الْمَخْلُوقِ ضَعِيفًا وَمِنْ ضَعْفٍ (ص) وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مُحَمَّدٍ (ش) لَمَّا أَثْنَى عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَشَكَرَهُ عَلَى نِعَمِهِ أَدَاءً لِبَعْضِ مَا يَجِبُ لَهُ تَعَالَى إجْمَالًا وَكَانَ صلى الله عليه وسلم هُوَ الْوَاسِطَةُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الْعِبَادِ وَجَمِيعُ النِّعَمِ الْوَاصِلَةِ إلَيْهِمْ الَّتِي أَعْظَمُهَا الْهِدَايَةُ لِلْإِسْلَامِ إنَّمَا هِيَ بِبَرَكَتِهِ وَعَلَى يَدَيْهِ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَدَاءً لِبَعْضِ مَا يَجِبُ لَهُ صلى الله عليه وسلم وَامْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] وَعَمَلًا

ــ

[حاشية العدوي]

نَصْبٍ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ لِإِعَانَةٍ (قَوْلُهُ حُلُولِ) ، فَإِنْ قُلْت الْأَفْضَلُ وَحَالِ مُكْثِ الْإِنْسَانِ فِي رَمْسِهِ لِلْقُصُورِ وَالْجَوَابُ أَنَّ اللُّطْفَ فِي حَالَةِ الْحُلُولِ لُطْفٌ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا أَوْ أَرَادَ بِالْحُلُولِ الْمُكْثَ (قَوْلُهُ فِي رَمْسِهِ) الرَّمْسُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ رَمَسَتْ الرِّيحُ الْأَرْضَ بِالتُّرَابِ إذَا سَتَرَتْهَا بِالتُّرَابِ، ثُمَّ نُقِلَ إلَى تُرَابِ الْقَبْرِ، ثُمَّ إلَى الْقَبْرِ نَفْسِهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا انْتَهَى وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْقَبْرُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُرْمَسُ فِيهِ الْمَيِّتُ أَيْ يَغِيبُ فِيهِ كَذَا فِي (ك) وَتَأَمَّلْ.

(قَوْلُهُ وَفِي حَالِ إلَخْ) يَأْتِي عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمُتَعَلِّقَيْنِ بِ " حَالِ "(قَوْلُهُ اللَّائِقِ بِهِ جل جلاله وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّوْفِيقَ لِلطَّاعَةِ هُوَ الَّذِي يَلِيقُ بِاَللَّهِ لَا بِغَيْرِهِ (قَوْلُهُ مِنْ التَّوْفِيقِ إلَخْ) هَذَا يُفِيدُ أَنَّ قَوْلَهُ نَسْأَلُ اللَّهَ أَيْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُ مُتَعَلِّقِ السُّؤَالِ قَوْلُهُ جَمِيعِ الْأَحْوَالِ إلَخْ لَا خُصُوصُ قَوْلِهِ وَحَالِ (قَوْلُهُ وَالْعِصْمَةَ إلَخْ) لَازِمٌ لِلَّذِي قَبْلَهُ (قَوْلُهُ وَالْإِتْحَافِ بِالنِّعَمِ) مَعْطُوفٌ عَلَى التَّوْفِيقِ فَالتَّوْفِيقُ لِلطَّاعَةِ وَالْعِصْمَةِ فِي خُصُوصِ الدُّنْيَا وَقَوْلُهُ وَالْإِتْحَافِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ الرِّفْقِ وَقَوْلُهُ وَالرِّفْقُ بِهِ إلَخْ شَامِلٌ لِمَا قَبْلَهُ وَزِيَادَةً وَقَوْلُهُ فِي جَمِيعِ إلَخْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَالرِّفْقُ إلَخْ (قَوْلُهُ فِي الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ) بَدَلٌ مِنْ جَمِيعِ أَحْوَالِهِ وَكَأَنَّهُ يَقُولُ وَالرِّفْقُ بِهِ فِي وَقْتِ حَيَاتِهِ وَوَقْتِ مَوْتِهِ اللَّذَيْنِ هُمَا جَمِيعُ الْأَحْوَالِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْوَالِ الْأَوْقَاتُ أَوْ أَنَّ الْمَعْنَى فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ الْكَائِنَةِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ (قَوْلُهُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ) أَيْ الَّذِي هُوَ حَالُ الْحُلُولِ أَيْ وَقْتِ الْحُلُولِ (قَوْلُهُ إشَارَةً إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ ذِكْرُ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نُكْتَةٍ (قَوْلُهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَيْ وَقْتِ الْحُلُولِ (قَوْلُهُ أَشَدُّ مِنْهَا) أَيْ الْحَاجَةِ أَيْ أَشَدُّ مِنْ نَفْسِهَا إلَيْهِ أَيْ لِلُّطْفِ فِي غَيْرِهَا أَيْ غَيْرِ تِلْكَ الْحَالِ وَلَوْ حَذَفَ إلَيْهِ كَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ قَدْ أُضِيفَتْ فَالضَّمِيرُ إذَا رَجَعَ إلَيْهَا يَعُودُ عَلَى الْحَاجَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِكَوْنِهَا مُضَافَةً فَلَا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ ذِكْرُ إلَيْهِ فَتَدَبَّرْ.

(قَوْلُهُ أَيْ الْكَائِنَةَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْوَالِ الْأَوْصَافُ الْقَائِمَةُ بِالشَّخْصِ لَا نَفْسُ الْوَقْتِ، وَهُوَ الْحَلُّ الثَّانِي مَعَ أَنَّ الْمُنَاسِبَ لِقَوْلِهِ وَحَالِ حُلُولِ الْإِنْسَانِ إلَخْ الْحَلُّ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْوَالِ الْأَوْقَاتُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِحَالِ الْحُلُولِ وَقْتُ الْحُلُولِ (قَوْلُهُ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ خَاصٍّ عَلَى خَاصٍّ) الْقَصْدُ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْمُغَايِرِ وَلَا يُطْلَبُ فِيهِ نُكْتَةٌ وَلَوْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ مِنْ عَطْفِ الْمُغَايِرِ لَكَانَ أَحْسَنَ (قَوْلُهُ إشَارَةً) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ خَاصٍّ عَلَى خَاصٍّ أَيْ فَأَتَى بِالْمُتَعَاطِفِينَ إشَارَةً (قَوْلُهُ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ) أَيْ احْتِيَاجِ الْإِنْسَانِ (قَوْلُهُ وَافْتِقَارِهِ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ وَالْمَمَاتِ) أَيْ فِي وَقْتِ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ (قَوْلُهُ وَلِذَا إلَخْ) أَيْ وَلِاحْتِيَاجِهِ وَافْتِقَارِهِ (قَوْلُهُ الْمَخْلُوقِ ضَعِيفًا) أَيْ لَا يَصْبِرُ عَنْ النِّسَاءِ وَالشَّهَوَاتِ (قَوْلُهُ مِنْ ضَعْفٍ) أَيْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (قَوْلُهُ وَالصَّلَاةُ إلَخْ) إمَّا بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى اللُّطْفِ أَوْ بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ أَوْ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ إنْ كَانَتَا إنْشَائِيَّتَيْنِ أَيْ لِإِنْشَاءِ الثَّنَاءِ، وَأَمَّا إنْ كَانَتَا خَبَرِيَّتَيْنِ أَيْ الْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الثَّنَاءَ وَذَلِكَ الْإِخْبَارُ ثَنَاءٌ فَلَا؛ لِأَنَّ جُمْلَةَ الصِّلَةِ إنْشَاءٌ لَا خَبَرٌ؛ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ بِالدُّعَاءِ لَيْسَ بِدُعَاءٍ وَلَا يَصِحُّ عَطْفُ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْخَبَرِ (قَوْلُهُ لَمَّا أَثْنَى) أَيْ لَمَّا حَمِدَ اللَّهَ وَشَكَرَهُ (قَوْلُهُ أَدَاءً لِبَعْضِ مَا يَجِبُ) أَيْ لِأَجْلِ قَصْدِهِ أَدَاءَ مَا يَجِبُ لَهُ كَلَامُهُ يُفِيدُ أَنَّ الْحَمْدَ وَالشُّكْرَ وَاجِبَانِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ السَّنُوسِيُّ حُكْمُ الْحَمْدِ الْوُجُوبُ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ كَالْحَجِّ وَكَلِمَتَيْ الشَّهَادَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَقَلَهُ الْحَطَّابُ وَالظَّاهِرُ مُسَاوَاةُ الشُّكْرِ لِلْحَمْدِ فِي الْوُجُوبِ أَيْ كَقَوْلِ الْقَائِلِ الشُّكْرُ لِلَّهِ فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَيَبْعُدُ كُلُّ الْبُعْدِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَأْتِ بِالْحَمْدِ وَالشُّكْرِ الْوَاجِبِ حَتَّى أَلَّفَ هَذَا التَّأْلِيفَ.

وَالْجَوَابُ أَنَّ مُرَدَاه بِقَوْلِهِ يَجِبُ أَيْ يَتَأَكَّدُ (قَوْلُهُ إجْمَالًا) أَيْ حَالَةَ كَوْنِ ذَلِكَ الْبَعْضِ إجْمَالًا، وَهُوَ الْحَمْدُ عَلَى كُلِّ نِعْمَةٍ لَا تَفْصِيلًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْوُسْعِ (قَوْلُهُ وَكَانَ) أَيْ وَالْحَالُ (قَوْلُهُ هُوَ) ضَمِيرُ فَصْلٍ (قَوْلُهُ وَجَمِيعُ) النِّعَمِ الْوَاوُ لِلتَّعْلِيلِ (قَوْلُهُ الْهِدَايَةُ) أَيْ الِاهْتِدَاءُ لَا خَلْقُ الِاهْتِدَاءِ (قَوْلُهُ الْوَاصِلَةُ إلَيْهِمْ) أَيْ إلَى الْعِبَادِ أَيْ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا ظَاهِرُهُ وَلَكِنْ فِي الْوَاقِعِ أَنَّ النِّعْمَةَ الْوَاصِلَةَ لِلْكُفَّارِ بِوَاسِطَتِهِ صلى الله عليه وسلم (قَوْلُهُ وَعَلَى يَدَيْهِ) عَطْفٌ مُغَايِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا بِبَرَكَتِهِ أَنْ تَكُونَ عَلَى يَدَيْهِ وَلِأَجْلِ كَوْنِهَا عَلَى يَدَيْهِ قَالُوا إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم هُوَ الْقَاسِمُ عَلَى الْعِبَادِ تُحَفَ مَوْلَاهُ (قَوْلُهُ أَدَاءً لِبَعْضِ مَا يَجِبُ لَهُ صلى الله عليه وسلم إلَخْ) الْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ التَّأَكُّدُ لَا الْوُجُوبُ الْحَقِيقِيُّ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً وَيَبْعُدُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَخَّرَهَا لِزَمَنِ التَّأْلِيفِ قَالَهُ فِي ك (قَوْلُهُ {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا} [الأحزاب: 56] إلَخْ) إنَّمَا أَكَّدَ السَّلَامَ دُونَ الصَّلَاةِ إمَّا؛ لِأَنَّ مَصْدَرَ صَلَّى، وَهُوَ التَّصْلِيَةُ مَهْجُورٌ لِاسْتِعْمَالِهِ فِي الْإِحْرَاقِ وَإِمَّا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَمَّا أُضِيفَتْ لِلَّهِ وَلِمَلَائِكَتِهِ اسْتَغْنَتْ عَنْ التَّأْكِيدِ بِخِلَافِ السَّلَامِ

ص: 24

بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «كُلُّ كَلَامٍ لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ فَيُبْدَأُ بِهِ وَبِالصَّلَاةِ عَلَيَّ فَهُوَ أَقْطَعُ مَمْحُوقٌ مِنْ كُلِّ بَرَكَةٍ» وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَإِنْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ لَكِنْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ يُرِيدُ وَصَلَاةُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ أَيْ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ اللَّهِ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَهُوَ مِنْ الْخَبَرِ الْمُرَادُ بِهِ الْإِنْشَاءُ أَيْ أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ أَيْ يَرْحَمَ وَيُسَلِّمَ أَيْ يُؤَمِّنُ أَوْ يُحْيِي أَوْ يَبْقَى خَالِدَ الذِّكْرِ الْجَمِيلِ فِي الْجِنَانِ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ فَيَكُونُ طَلَبَ لَهُ صَلَاةَ اللَّهِ وَسَلَامَهُ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ صَلَاتَهُ هُوَ وَسَلَامَهُ أَيْ أُنْشِئُ الدُّعَاءُ لِمُحَمَّدٍ بِالرَّحْمَةِ وَالْبَقَاءِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ مَعَانِي السَّلَامِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاحْتِمَالَيْنِ أَنَّهُ طَالِبٌ فِي الْأَوَّلِ صَلَاةً وَسَلَامًا وَفِي الثَّانِي دَعَا بِهِمَا وَعَلَى كُلٍّ فَهُوَ دُعَاءٌ مِنْ الْمُؤَلِّفِ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلَّا أَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ طَلَبَ أَنْ يَتَوَلَّى اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ وَفِي الثَّانِي صَلَّى هُوَ بِنَفْسِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا كَالْفَرْقِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي قَوْلِهِ عليه السلام «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» ، وَإِنْ جَعَلَ السَّلَامَ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ وَالرَّحْمَةَ وَحِفْظَ اللَّهِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدٌ اسْمُ عَلَمٍ مَنْقُولٌ مِنْ اسْمِ مَفْعُولِ الْمُضَعَّفِ سَمَّى بِهِ نَبِيَّنَا عليه الصلاة والسلام سَمَّاهُ بِهِ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِسَابِعِ وِلَادَتِهِ لِمَوْتِ أَبِيهِ بِإِلْهَامٍ مِنْ اللَّهِ فَقِيلَ لَهُ لِمَ سَمَّيْت ابْنَك أَيْ ابْنَ ابْنِك مُحَمَّدًا وَلَيْسَ مِنْ أَسْمَاءِ آبَائِك

ــ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ) أَيْ انْتَفَى فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ الْمُبَيَّنُ بِشَيْئَيْنِ (قَوْلُهُ فَيُبْدَأُ) عَطْفٌ عَلَى يُذْكَرُ مِنْ عَطْفِ مُفَصَّلٍ عَلَى مُجْمَلٍ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ مُجْمَلٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَصْدُقُ بِالْبُدَاءَةِ وَبِغَيْرِهَا وَمِنْ حَيْثُ شُمُولُهُ لِلضِّمْنِيِّ وَغَيْرِهِ وَقَوْلُهُ بِهِ أَيْ بِذِكْرِ اللَّهِ لَا بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ بَلْ بِمَعْنَى الصَّرِيحِ بِدَلِيلِ الْعَطْفِ فَفِي الْعِبَارَةِ اسْتِخْدَامٌ.

(قَوْلُهُ مَمْحُوقٌ مِنْ كُلِّ بَرَكَةٍ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ أَقْطَعُ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ انْتَفَى ذِكْرُ اللَّهِ الْمُبَيَّنُ بِالذِّكْرِ الصَّرِيحِ وَالضِّمْنِيِّ فَهُوَ لَا بَرَكَةَ فِيهِ، وَإِنْ وُجِدَ فِيهِ أَحَدُهُمَا فَفِيهِ الْبَرَكَةُ لَكِنَّهَا لَيْسَتْ كَامِلَةً وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَعْنَى مَمْحُوقُ الْبَرَكَةِ الْكَامِلَةِ (قَوْلُهُ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ) أَيْ إذَا لَمْ يَشْتَدَّ ضَعْفُهُ (قَوْلُهُ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ) أَيْ لَا فِي الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي الْأَحْكَامِ إمَّا بِالصَّحِيحِ أَوْ بِالْحَسَنِ (قَوْلُهُ مِنْ الْخَبَرِ) أَيْ مِنْ أَفْرَادِ الْخَبَرِ (قَوْلُهُ أَيْ أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُصَلِّيَ إلَخْ) أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُرَادُ صَلَاةَ اللَّهِ وَسَلَامَهُ يَكُونُ الْمَعْنَى عِنْدَ جَعْلِهَا إنْشَائِيَّةً أُنْشِئُ صَلَاةَ اللَّهِ وَسَلَامَهُ وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُدْرَةِ قُلْت الْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِنْشَاءِ الطَّلَبُ أَيْ أَطْلُبُ صَلَاةَ اللَّهِ لَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَسْتَحْدِثُ (قَوْلُهُ أَيْ يَرْحَمَ) أَيْ يُنْعِمَ وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَيْ يُنْعِمُ إنْعَامًا مَقْرُونًا بِتَعْظِيمٍ أَوْ بِقَوْلٍ أَيْ يُعَظِّمُهُ (قَوْلُهُ أَيْ يُؤْمِنُ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ السَّلَامَ إمَّا أَنْ يُفَسَّرَ بِالْأَمَانِ أَوْ التَّحِيَّةِ أَوْ إبْقَاءِ الذِّكْرِ وَقَوْلُهُ أَوْ يَبْقَى مِنْ الْإِبْقَاءِ (قَوْلُهُ خَالِدَ الذِّكْرِ) لَفْظَةُ خَالِدَ فِي الْمَعْنَى حَالٌ مُؤَسِّسَةٌ وَالتَّقْدِيرُ أَوْ يَبْقَى الذِّكْرُ الْجَمِيلُ فِي حَالَةِ كَوْنِهِ خَالِدًا (قَوْلُهُ فِي الْجِنَانِ) مُتَعَلِّقٌ بِالذِّكْرِ، ثُمَّ أَقُولُ اعْلَمْ أَنَّ ظَرْفَ الْإِنْعَامِ الْآخِرَةُ بِجَمِيعِ أَزْمَانِهَا فِي الْبَرْزَخِ وَالْقِيَامَةِ وَالْجَنَّةِ وَظَرْفُ الْأَمَانِ فِيمَا عَدَا الْجَنَّةِ فَيَشْمَلُ الْمَوْقِفَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يَلْحَقُهُمْ الْخَوْفُ كَمَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِيمَا كَانَ مِنْ حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ وَذَلِكَ لِوُجُودِ أَهْوَالٍ تُنْسِي الْمَغْفِرَةَ.

فَلَا يُقَالُ يَرِدُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ} [الفتح: 2] وَظَرْفُ التَّحِيَّةِ الْآخِرَةِ بِجَمِيعِ أَزْمَانِهَا وَقَدْ ذَكَرَ ظَرْفَ الذِّكْرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجِنَانِ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَةَ ظَرْفٌ ذَكَرَهُ أَيْضًا (قَوْله بِنَبِيِّهِ) أَيْ لِنَبِيِّهِ أَوْ حَالَةَ كَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا بِنَبِيِّهِ (قَوْلُهُ الدُّعَاءُ) أَيْ الَّذِي هُوَ صَلَاتُهُ (قَوْلُهُ أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْبَقَاءِ مِنْ مَعَانِي السَّلَامِ أَيْ الْمُتَقَدِّمَةِ (قَوْلُهُ وَفِي الثَّانِي دَعَا بِهِمَا) لَا يَخْفَى أَنَّ الدُّعَاءَ بِهِمَا أَيْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ هُوَ عَيْنُ الطَّلَبِ الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ فَهُوَ دُعَاءُ) مُسَلَّمٌ وَقَوْلُهُ إلَّا أَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ طَلَبٌ إلَخْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ فِي كُلٍّ طَلَبُ أَنْ يَتَوَلَّى اللَّهُ الصَّلَاةَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْعَبْدِ دُعَاؤُهُ لَا غَيْرَ وَصَلَاةُ اللَّهِ رَحْمَتُهُ لَا غَيْرَ فَهَذَا كَلَامٌ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّسَمُّحِ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ (قَوْلُهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا كَالْفَرْقِ إلَخْ) أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّ قَوْلَهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً إشَارَةٌ لِصَلَاةِ الْعَبْدِ كَالِاحْتِمَالِ الثَّانِي وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ إشَارَةٌ لِصَلَاةِ الرَّبِّ كَالِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ، وَإِنْ جُعِلَ السَّلَامُ) أَيْ هُنَا (قَوْلُهُ وَحِفْظُ اللَّهِ) يَرْجِعُ لِلْأَمَانِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ الْمَعَانِي الْمُتَقَدِّمَةِ (قَوْلُهُ اسْمٌ) لَا كُنْيَةٌ وَلَا لَقَبٌ وَقَوْلُهُ عَلَمٌ أَيْ لَا نَكِرَةٌ وَلَا اسْمُ جِنْسٍ.

(قَوْلُهُ مَنْقُولٌ) أَيْ لَا مُرْتَجَلٌ.

(قَوْلُهُ الْمُضَعَّفِ) أَيْ الْمُضَعَّفِ الْعَيْنِ بِأَنْ نُقِلَ الْمُجَرَّدُ إلَى بَابِ التَّفْعِيلِ لَا الْمُضَعَّفِ الَّذِي لَمْ تَسْلَمْ حُرُوفُهُ الْأُصُولُ مِنْ التَّضْعِيفِ كَمَسَّ وَظَلَّ فَالتَّضْعِيفُ هُنَا بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ دُونَ الِاصْطِلَاحِيِّ وَفِي عِبَارَةٍ أُخْرَى مَنْقُولٌ لَا مُرْتَجَلٌ وَالْعَلَمُ الْمَنْقُولُ هُوَ الَّذِي سَبَقَ لَهُ اسْتِعْمَالٌ قَبْلَ الْعَلَمِيَّةِ فِي غَيْرِهَا وَالْمُرْتَجَلُ هُوَ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ لَهُ اسْتِعْمَالٌ قَبْلَ الْعَلَمِيَّةِ فِي غَيْرِهَا وَقَوْلُهُ الْمُضَعَّفِ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أَيْ الْفِعْلِ الْمُضَعَّفِ وَالْمُرَادُ التَّضْعِيفُ اللُّغَوِيُّ، وَهُوَ التَّكْرِيرُ أَيْ الْمُكَرَّرُ عَيْنُهُ، وَهُوَ حَمَّدَ بِالتَّشْدِيدِ (قَوْلُهُ سُمِّيَ بِهِ نَبِيُّنَا) أَبْهَمَ الْمُسَمَّى لِمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ وَلَمَّا كَانَ الرَّاجِحُ أَنَّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَفْصَحَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ سَمَّاهُ بِهِ جَدُّهُ وَقَوْلُهُ لِسَابِعٍ أَيْ فِي سَابِعِ وِلَادَتِهِ وَلَعَلَّهُ أَخَّرَ التَّسْمِيَةَ لِلسَّابِعِ لِكَوْنِهِ أَرَادَ الْعَقَّ عَنْهُ فَالْعَقِيقَةُ شَرِيعَةٌ قَدِيمَةٌ (قَوْلُهُ لِمَوْتِ أَبِيهِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ التَّسْمِيَةُ مِنْ حَقِّ الْأَبِ دُونَ الْجَدِّ (قَوْلُهُ بِإِلْهَامٍ) هُوَ إلْقَاءُ مَعْنًى فِي الرَّوْعِ بِطَرِيقِ الْفَيْضِ بِحَيْثُ يَطْمَئِنُّ لَهُ الْقَلْبُ (قَوْلُهُ أَيْ ابْنَ ابْنِك) كَذَا فِي نُسْخَةِ الشَّارِحِ رحمه الله وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ اسْتِعْمَالَ ابْنٍ فِي ابْنِ الِابْنِ مَجَازٌ أَيْ لُغَوِيٌّ أَوْ أَنَّ فِي الْعِبَارَةِ حَذْفُ مُضَافٍ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الِابْنَ حَقِيقَةٌ فِي وَلَدِ الصُّلْبِ (قَوْلُهُ وَلَيْسَ مِنْ أَسْمَاءِ آبَائِك) وَلَيْسَ فِي نُسْخَةِ الشَّارِحِ كَغَيْرِهَا مِنْ النُّسَخِ زِيَادَةُ قَوْمِك مَعَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي غَيْرِهِ مِنْ الشُّرَّاحِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْمِهِ قُرَيْشًا وَلَعَلَّ الْأَغْلَبَ التَّسْمِيَةُ بِأَسْمَاءِ الْآبَاءِ دُونَ الْقَوْمِ، وَإِنْ كَانَتْ التَّسْمِيَةُ بِكُلٍّ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْآبَاءِ إلَى إبْرَاهِيمَ فَقَطْ

ص: 25

فَقَالَ رَجَوْت أَنْ يُحْمَدَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ رَجَاءَهُ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ مَحْمُودٍ لِلْمُضَاعَفَةِ فَهُوَ أَجَلُّ مِنْ حَمَدٍ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَأَفْضَلُ مِنْ حُمَدٍ بِضَمِّهَا، وَهُوَ أَحْمَدُ الْحَامِدِينَ وَالْمَحْمُودِينَ وَمَعَهُ لِوَاءُ الْحَمْدِ وَيَبْعَثُهُ رَبُّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا يَحْمَدُهُ فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ وَيَفْتَحُ عَلَيْهِ بِمَحَامِدَ لَمْ يَفْتَحْ بِهَا عَلَى أَحَدٍ وَأُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ.

(ص) سَيِّدِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ الْمَبْعُوثِ لِسَائِرِ الْأُمَمِ (ش) لَمَّا اشْتَمَلَ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمَحَامِدِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي لَمْ يَنَلْهَا غَيْرُهُ وُصِفَ بِسِيَادَةِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَالسَّيِّدُ قِيلَ الْحَلِيمُ وَقِيلَ التَّقِيُّ وَقِيلَ الْفَقِيهُ الْعَالِمُ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِقَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ مَنْ فَسَّرَ الْحِلْمَ بِالسُّؤْدُدِ أَحْرَزَ أَكْثَرَ مَعْنَاهُ وَالْعَرَبُ بِفَتْحَتَيْنِ أَوْ ضَمٍّ وَسُكُونٍ جِيلٌ مِنْ النَّاسِ

ــ

[حاشية العدوي]

(قَوْلُهُ فَقَالَ رَجَوْت) وَحَصَلَ لَهُ ذَلِكَ الرَّجَاءُ مِنْ رُؤْيَا رَآهَا، وَهُوَ أَنَّ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ خَرَجَتْ مِنْ ظَهْرِهِ لَهَا طَرَفٌ بِالْمَشْرِقِ وَطَرَفٌ بِالْمَغْرِبِ ثُمَّ عَادَتْ كَأَنَّهَا شَجَرَةٌ عَلَى كُلِّ وَرَقَةٍ مِنْهَا نُورٌ وَأَهْلُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ يَتَعَلَّقُونَ بِهَا فَعُبِرَتْ بِمَوْلُودٍ يَتْبَعُهُ أَهْلُهُمَا وَيَحْمَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَإِذَا عَلِمْت هَذَا كُلَّهُ فَنَقُولُ قَوْلُهُ بِإِلْهَامٍ لَا يَخْفَى أَنَّ الْبَاءَ لِلسَّبَبِيَّةِ فَيُفْهَمُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي التَّسْمِيَةِ الْإِلْهَامُ وَقَوْلُهُ بَعْدُ فَقَالَ رَجَوْت يُفِيدُ أَنَّ الْعِلَّةَ الرَّجَاءُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ عِلَّةَ التَّسْمِيَةِ ابْتِدَاءُ الرَّجَاءِ وَعِلَّةَ الْمَجْمُوعِ مِنْ التَّسْمِيَةِ وَعِلَّتُهَا الْإِلْهَامُ فَالْمُنَاسِبُ تَقْدِيمُ الرَّجَاءِ عَلَى الْإِلْهَامِ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ رَجَاءَهُ) أَيْ مَرْجُوَّهُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَبْلَغُ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ هَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي مَحْمُودٍ فَمَا وَجْهُ التَّرْجِيحِ.

(قَوْلُهُ لِلْمُضَاعَفَةِ) أَيْ لِتَكْرِيرِ عَيْنِ الْفِعْلِ، وَإِنْ كَانَ الْإِسْمَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي عَدَدِ الْحُرُوفِ (قَوْلُهُ فَهُوَ أَجَلُّ مِنْ حَمَدٍ إلَخْ) أَيْ إذَا عَلِمْت مَا قُلْنَاهُ فَنُفِيدُك فَائِدَةً، وَهُوَ أَنَّهُ أَجَلُّ مَنْ حَمِدَ وَأَفْضَلُ مَنْ حُمِدَ وَأَفْضَلُ وَأَجَلُّ بِمَعْنًى فَقَدْ تَفَنَّنَ إلَّا أَنَّ التَّفْرِيعَ الْأَوَّلَ إنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ لِلَّازِمِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَثْرَةِ مَحْمُودِيَّتِهِ أَنْ يَقَعَ مِنْهُ كَثْرَةُ الْحَمْدِ فَيَكُونَ أَجَلَّ الْحَامِدِينَ (قَوْلُهُ، وَهُوَ أَحْمَدُ إلَخْ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ أَحْمَدُ إلَخْ، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ تَصْرِيحٌ بِعِلَّةِ الْمُفَرَّعِ أَوَّلًا وَإِذْ عَلِمْت ذَلِكَ كُلَّهُ فَأَحْمَدُ مِنْ حَيْثُ إضَافَتُهُ إلَى الْحَامِدِينَ بِمَعْنَى أَكْثَرَ حَامِدِيَّةً وَبِاعْتِبَارِ إضَافَتِهِ إلَى الْمَحْمُودِينَ بِمَعْنَى أَكْثَرَ مَحْمُودِيَّةً وَكَأَنَّهُ يَقُولُ، وَهُوَ أَكْثَرُ النَّاسِ حَامِدِيَّةً وَأَكْثَرُهُمْ مَحْمُودِيَّةً وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ الَّذِي هُوَ مَجْمَعُ الْخَلَائِقِ بِدَلِيلِ تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ وَمَعَهُ لِوَاءُ الْحَمْدِ فَيَحْمَدُهُ الْأُمَمُ كُلُّهَا، ثُمَّ إنَّ الْأَوَّلَ، وَهُوَ أَحْمَدُ الْحَامِدِينَ حَقِيقَةٌ وَالْمَعْطُوفُ مَجَازٌ.

(قَوْلُهُ وَمَعَهُ لِوَاءُ الْحَمْدِ) أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ الْحَمْدِ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَكِنْ ذُكِرَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ صِفَةِ لِوَاءِ الْحَمْدِ فَقَالَ طُولُهُ أَلْفُ سَنَةٍ وَسِتُّمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ وَقَضِيبُهُ مِنْ فِضَّةٍ بَيْضَاءَ وَزُجُّهُ مِنْ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ لَهُ ثَلَاثُ ذَوَائِبَ ذُؤَابَةٌ بِالْمَشْرِقِ وَذُؤَابَةٌ بِالْمَغْرِبِ وَذُؤَابَةٌ وَسَطَ الدُّنْيَا مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَسْطُرٍ الْأَوَّلُ بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالثَّانِي الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَالثَّالِثُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ طُولُ كُلِّ سَطْرٍ مَسِيرَةُ أَلْفِ عَامٍّ قَالَ صَدَقْت يَا مُحَمَّدُ» ذَكَرَهُ الشِّهَابُ فِي شَرْحِ الشِّفَاءِ (قَوْلُهُ وَيَبْعَثُهُ رَبُّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا) أَيْ يَبْعَثُهُ فَيُقِيمُهُ مَقَامًا مَحْمُودًا أَوْ ضَمَّنَ يَبْعَثُهُ يُقِيمُهُ وَالْمَقَامُ الْمَحْمُودُ هُوَ مَقَامُ الشَّفَاعَةِ (قَوْلُهُ يَحْمَدُهُ فِيهِ) أَيْ بِسَبَبِهِ (قَوْلُهُ الْأَوَّلُونَ) أَيْ مَنْ مَضَى مِنْ الْأُمَمِ وَقَوْلُهُ وَالْآخِرُونَ وَهُمْ أُمَّتُهُ مِنْ قَرْنِ الصَّحَابَةِ إلَى آخِرِ الْقُرُونِ (قَوْلُهُ وَيَفْتَحُ عَلَيْهِ) أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (قَوْلُهُ بِمَحَامِدَ) جَمْعٌ حَمْدٍ أَيْ بِثَنَاءَاتٍ (قَوْلُهُ لَمْ يَفْتَحْ بِهَا عَلَى أَحَدٍ) لَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ وَلَا فِي حَالَةِ الدُّنْيَا وَدَخَلَتْ نَفْسُهُ بِاعْتِبَارِ حَالَةِ الدُّنْيَا (قَوْلُهُ وَأُمَّتُهُ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي بَيَانِ فَضْلِ أُمَّتِهِ بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ فَضْلَهُ (قَوْلُهُ الْحَمَّادُونَ) أَيْ: كَثِيرُو الْحَمْدِ (قَوْلُهُ عَلَى السَّرَّاءِ) أَيْ مَا يَسُرُّ وَمَا يَضُرُّ أَيْ فِي حَالَتِهِمَا أَوْ بِاعْتِبَارِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الضَّرَّاءِ مِنْ الْأَجْرِ أَوْ؛ لِأَنَّ فِيهِ رِضًا بِمَا يَفْعَلُ الرَّحْمَنُ أَوْ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ وُقُوعِ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ الضُّرِّ.

(قَوْلُهُ سَيِّدُ الْعَرَبِ) يَجُوزُ فِي قَوْلِهِ سَيِّدُ النَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ أَمْدَحُ وَالرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَالْجَرُّ عَلَى التَّبَعِيَّةِ لِمَا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ) فِي تَقْدِيمِ الْمُصَنِّفِ الْعَرَبَ فِي الذِّكْرِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْ الْعَجَمِ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِحَدِيثٍ وَرَدَ فِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ لِمَا اشْتَمَلَ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمَحَامِدِ الْكَثِيرَةِ) أَيْ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا اسْمُهُ الشَّرِيفُ، وَهُوَ مُحَمَّدٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بِاعْتِبَارِ أَنْ يُرَادَ مِنْ مَحَامِدَ جَمْعُ حَمْدٍ إمَّا بِمَعْنَى أَكْثَرَ حَامِدِيَّةً أَوْ مَحْمُودِيَّةً وَأَرَادَ بِالِاشْتِمَالِ التَّعَلُّقَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ حَمْدِ النَّاسِ لَهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ (قَوْلُهُ وُصِفَ بِسِيَادَةِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ) أَيْ لِكَوْنِهِ أَكْمَلَهُمْ وَاحْتِيَاجِهِمْ إلَيْهِ لِمَا قِيلَ إنَّ السَّيِّدَ مَعْنَاهُ الْكَامِلُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ (قَوْلُهُ وَقِيلَ التَّقِيُّ) أَيْ بِالْمَعْنَى الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ مِنْ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ مِنْ التَّقْوَى وَقِيلَ هُمَا أَيْ الْحَلِيمُ التَّقِيُّ (قَوْلُهُ وَقِيلَ الْفَقِيهُ الْعَالِمُ) كَذَا فِي نُسْخَتِهِ مِنْ الْعِلْمِ أَيْ إنَّ السَّيِّدَ مَعْنَاهُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ وَأَرَادَ هُنَا بِالْعَالِمِ مَنْ امْتَدَّ بَاعُهُ فِي الْعُلُومِ مِنْ الْفِقْهِ وَغَيْرِهِ فَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ الْوَصْفِ بِالْفَقِيهِ فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّرَقِّي (قَوْلُهُ بِالسُّوْدُدِ) بِضَمِّ السِّينِ هُوَ الْعِزُّ وَالشَّرَفُ أَيْ وَيَلْزَمُ مِنْ تَفْسِيرِ الْحِلْمِ بِالسُّوْدُدِ أَنَّ السُّوْدُدَ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ سَيِّدٌ مَعْنَاهُ الْحِلْمُ، فَيَكُونُ مَعْنَى السَّيِّدِ الْحَلِيمُ فَهُوَ دَلِيلٌ بِاعْتِبَارِ اللَّازِمِ.

(أَقُولُ) حَاصِلُهُ أَنَّ لِلْحِلْمِ مَعْنًى وَالسُّوْدُدُ أَحْرَزَ أَكْثَرَ ذَلِكَ الْمَعْنَى أَيْ أَكْثَرَ مَعَانِيهِ أَوْ أَكْثَرَ جُزْئِيَّاتِ مَعْنَاهُ أَوْ أَجْزَاءَ مَعْنَاهُ وَلَمْ يَظْهَرْ لَا الْكُلُّ وَلَا الْأَكْثَرُ وَلَا الْأَقَلُّ وَلَعَلَّ الْعِبَارَةَ مَقْلُوبَةٌ وَالْأَصْلُ مَنْ فَسَّرَ السُّوْدُدَ بِالْحِلْمِ فَقَدْ أَحْرَزَ أَكْثَرَ مَعْنَاهُ أَيْ أَعْظَمَ أَسْبَابِ مَعْنَاهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّفْحَ وَالسَّتْرَ اللَّذَيْنِ هُمَا مَعْنَى الْحِلْمِ أَعْظَمُ أَسْبَابِ السُّوْدُدِ الَّذِي هُوَ الْعِزُّ وَالشَّرَفُ بِخِلَافِ التَّقْوَى إذَا لَمْ يُصَاحِبْهَا حِلْمٌ أَوْ الْفِقْهُ وَالْعِلْمُ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ جِيلٌ) أَيْ طَائِفَةٌ

ص: 26

وَهُمْ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِاللُّغَةِ الْمَعْرُوفَةِ سَجِيَّةً سُكَّانُ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْرَابُ وَاحِدُهَا أَعْرَابِيٌّ سَاكِنُ الْبَادِيَةِ عَرَبِيًّا أَوْ أَعْجَمِيًّا وَالْعَجَمُ فِي أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ مِنْ الضَّبْطِ مَا فِي الْعَرَبِ وَالْأَفْصَحُ فَتْحُهُمَا أَوْ ضَمُّهُمَا مَعًا وَهُمْ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِغَيْرِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ انْتَهَى وَضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ فِي فَتْحِهِمَا إلَخْ عَائِدٌ إلَى الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَسَائِرِ الْأُمَمِ مَعْنَاهُ جَمِيعُهَا كَمَا عَلَيْهِ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ الثَّقَلَيْنِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ؛ لِأَنَّ مَنْ عَدَا الْجِنَّ مِنْ الْإِنْسِ دَاخِلٌ فِي الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَالْأُمَمُ جَمْعُ أُمَّةٍ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ وَاحِدٌ فِي اللَّفْظِ جَمْعٌ فِي الْمَعْنَى وَكُلُّ جِنْسٍ مِنْ الْحَيَوَانِ أُمَّةٌ وَلَا يُعْتَبَرُ إنْكَارُ الْحَرِيرِيِّ وَغَيْرِهِ عَلَى الْجَوْهَرِيِّ وَلَا دَعْوَى انْفِرَادِهِ بِأَنَّ سَائِرَ بِمَعْنَى جَمِيعٍ وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى الْبَاقِي لَا غَيْرَ وَحَكَى الْقَامُوسُ الْقَوْلَيْنِ فَقَالَ السَّائِرُ الْبَاقِي لَا الْجَمِيعُ كَمَا تَوَهَّمَهُ جَمَاعَاتٌ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ لَهُ انْتَهَى وَيَصِحُّ حَمْلُ كَلَامِ

ــ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ الْمَعْرُوفَةِ) عَدَلَ إلَيْهِ عَنْ الْعَرَبِيَّةِ لِدَفْعِ الدَّوْرِ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ الْعَرَبِيَّةَ فِي تَعْرِيفِ الْعَرَبِ إذْ لَا تُعْرَفُ الْعَرَبِيَّةُ حَتَّى تُعْرَفَ الْعَرَبُ وَلَا تُعْرَفُ الْعَرَبُ حَتَّى تُعْرَفَ الْعَرَبِيَّةُ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ (قَوْلُهُ سَجِيَّةً) أَيْ سَلِيقَةً وَطَبِيعَةً فَلَا يَضُرُّهُ تَكَلُّمُهُ بِغَيْرِهَا إذَا تَعَلَّمَهَا وَمِثْلُهُ فِي الْعَجَمِ فَالْعَرَبُ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ بِطَبْعِهِ وَلَا عِبْرَةَ بِتَطَبُّعِهِ.

(قَوْلُهُ سُكَّانُ الْأَمْصَارِ) بِالْمُقَابِلِ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْصَارِ مَا يَشْمَلُ الْقُرَى فَفِي شَرْحِ الْكَشَّافِ لِلْقُطْبِ أَنَّ الْعَرَبَ سُكَّانُ الْمُدُنِ وَالْقُرَى وَالْأَعْرَابُ سُكَّانُ الْبَادِيَةِ (قَوْلُهُ وَأَحَدُهَا أَعْرَابِيٌّ) قَالَ صَاحِبُ الْمِصْبَاحِ الْوَاحِدُ أَعْرَابِيٌّ بِالْفَتْحِ، وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ صَاحِبَ نُجْعَةٍ وَارْتِيَادٍ لِلْكَلَأِ وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ وَالنِّسْبَةُ إلَى الْأَعْرَابِ أَعْرَابِيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَا وَاحِدَ لَهُ انْتَهَى أَيْ فَيَكُونُ اسْمَ جَمْعٍ وَقَوْلُهُ لَا وَاحِدَ لَهُ أَيْ لَا مُفْرَدَ لَهُ يُنْسَبُ إلَيْهِ فَلَا يُنَافِي قَوْلَ الشَّارِحِ وَاحِدُهَا أَعْرَابِيٌّ أَيْ الَّذِي هُوَ مَنْسُوبٌ إلَى الْأَعْرَابِ فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَيَكُونُ بَيْنَ الْعَرَبِ وَالْأَعْرَابِ التَّبَايُنُ وَكَذَا نُقِلَ عَنْ الْقَاضِي وَيَكُونُ بَيْنَ الْعَجَمِ وَالْأَعْرَابِ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْوَجْهِيُّ يَجْتَمِعَانِ فِي أَعْرَابِيٍّ عَجَمِيٍّ وَيَنْفَرِدُ الْأَعْرَابِيُّ إذَا كَانَ يَتَكَلَّمُ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَيَنْفَرِدُ الْأَعْجَمِيُّ فِي سَاكِنِ الْأَمْصَارِ وَاَلَّذِي فِي النِّهَايَةِ وَالْقَامُوسِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ الْأَعْرَابَ سُكَّانُ الْبَوَادِي بِقَيْدِ كَوْنِهِمْ مِنْ الْعَرَبِ فَإِذَنْ الْأَعْرَابُ أَخَصُّ مِنْ الْعَرَبِ فَهُوَ الرَّاجِحُ وَوَقَعَ فِي حَوَاشِي شَرْحِ تَصْرِيفِ الْعِزِّيِّ لِبَعْضِهِمْ مَا نَصُّهُ الْعَرَبُ خِلَافُ الْعَجَمِ سَكَنُوا الْبَوَادِيَ أَوْ الْقُرَى وَالْأَعْرَابُ سُكَّانُ الْبَوَادِي تَكَلَّمُوا بِالْعَرَبِيَّةِ أَوَّلًا فَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

(قَوْلُهُ وَالْأَفْصَحُ فَتْحُهُمَا) أَيْ إذَا اقْتَرَنَ لَفْظُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ فَالْأَصَحُّ ضَمُّهُمَا مَعًا أَوْ فَتْحُهُمَا مَعًا لِلْمُشَاكَلَةِ وَمُقَابِلُ الْأَفْصَحِ فَتْحُ أَحَدِهِمَا وَضَمُّ الْآخَرِ فِي حَالَةِ الِاقْتِرَانِ كَمَا أَفَادَهُ الْحَطَّابُ (فَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا قَبْلَ إسْمَاعِيلَ وَيُقَالُ لَهُمْ الْعَرَبُ الْعَارِبَةُ وَهُمْ قَبَائِلُ مِنْهُمْ عَادٌ وَثَمُودُ وَقَحْطَانُ وَجُرْهُمُ وَغَيْرُهُمْ، وَأَمَّا الْعَرَبُ الْمُسْتَعْرِبَةُ فَهُمْ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ، وَهُوَ أَخَذَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْ جُرْهُمَ وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ فِي الْبَحْرِ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ إسْمَاعِيلُ عليه السلام أَرَادَ بِهَا عَرَبِيَّةَ قُرَيْشٍ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ، وَأَمَّا عَرَبِيَّةُ قَحْطَانَ وَيَعْرُبَ فَكَانَتْ قَبْلَ إسْمَاعِيلَ.

(قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ الثَّقَلَيْنِ) أَيْ فَلَمْ يَكُنْ مَبْعُوثًا لِلْمَلَائِكَةِ وَلَكِنَّ الَّذِي اعْتَمَدَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ إلَيْهِمْ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «وَأُرْسِلْت إلَى الْخَلْقِ كَافَّةً» وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19]{لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1] فَإِنَّ مَنْ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ وَالْعَالَمُ مَا سِوَى اللَّهِ وَعَلَى هَذَا فَفَائِدَةُ الرِّسَالَةِ لَهُمْ وَهُمْ مَعْصُومُونَ أَنَّهُمْ كُلِّفُوا بِتَعْظِيمِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ وَدُخُولُهُمْ تَحْتَ دَعَوْته تَشْرِيفًا لَهُ عَلَى جَمِيعِ الْمُرْسَلَيْنِ إلَّا أَنَّنَا لَمْ نَعْلَمْ عَيْنَ مَا كُلِّفُوا بِهِ بَلْ ذَهَبَ بَعْضُ مُحَقِّقِي الْمُتَأَخِّرِينَ إلَى بَعْثَتِهِ لِلْجَمَادَاتِ فَرَكَّبَ فِيهَا إدْرَاكًا لِتُؤْمِنَ بِهِ وَتَخْضَعَ لَهُ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ بِلِسَانِ الْمَقَالِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَصَارَتْ بِإِيمَانِهَا بِهِ آمِنَةً مِنْ الْمَسْخِ وَالْخَسْفِ فَقَدْ كَانَ يُخْسَفُ بِهَا فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ بَلْ أُرْسِلَ بِاعْتِبَارِ رُوحِهِ الشَّرِيفَةِ لِجَمِيعِ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالْأَنْبِيَاءُ نُوَّابُهُ فِي تَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ.

(قَوْلُهُ الْمُكَلَّفِينَ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الصِّبْيَانَ مُكَلَّفُونَ أَيْ مُطَالَبُونَ بِالْمَنْدُوبَاتِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا ثَوَابُهُمْ وَرِفْعَةُ دَرَجَاتِهِمْ فَيَكُونُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلًا لِلصِّبْيَانِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَنْ عَدَا الْجِنَّ مِنْ الْإِنْسِ) تَعْلِيلٌ لِمَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِيرُ وَإِنَّمَا أَتَى بِقَوْلِهِ الْمَبْعُوثُ لِسَائِرِ إلَخْ لِدُخُولِ الْجِنِّ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَ دَاخِلُونَ فِي الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ الَّذِي هُوَ سَيِّدُهُمْ فَيَعْلَمُ بَعْثَتَهُ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهَا مَنْشَأُ السِّيَادَةِ، فَإِنْ قُلْت لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ سَيِّدَهُمْ وَأَشْرَفَ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إلَيْهِمْ أَلَا تَرَى أَنَّ عِيسَى أَشْرَفُ مِنْ الْعَرَبِ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِهِ وَلَمْ يَكُنْ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ قُلْت لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ سَيِّدُهُمْ بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ؛ لِأَنَّهُ الْكَامِلُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُرْسَلًا إلَى الْعَرَبِ لَا يَكُونُونَ مُحْتَاجِينَ لَهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَكُونُونَ مُحْتَاجِينَ إلَّا لِمَنْ يُرْسَلُ إلَيْهِمْ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ فَقَوْلُهُ مِنْ الْإِنْسِ بَيَانٌ لِمَنْ عَدَا الْجِنَّ وَقَوْلُهُ دَاخِلٌ التَّعْبِيرُ بِالدُّخُولِ يَقْتَضِي أَنَّ الْإِنْسَ بَعْضُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَأَنَّ هُنَاكَ مِنْ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ مَنْ لَيْسَ مِنْ الْإِنْسِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَوْ قَالَ هُمْ الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ لَكَانَ أَفْضَلَ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَرَادَ بِالْإِنْسِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْهُمْ وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّهُمْ بَعْضُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ (قَوْلُهُ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ) حَتَّى مِنْ غَيْرِ النَّاطِقِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ «لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ لَأَمَرْت بِقَتْلِهَا» (قَوْلُهُ وَكُلُّ جِنْسٍ) أَيْ وَكُلُّ نَوْعٍ أَوْ أَرَادَ الْجِنْسَ اللُّغَوِيَّ.

(قَوْلُهُ عَلَى الْجَوْهَرِيِّ) أَيْ فِي دَعْوَاهُ أَنَّ سَائِرَ بِمَعْنَى جَمِيعِ (قَوْلُهُ انْفِرَادِهِ) أَيْ الْجَوْهَرِيِّ عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا هِيَ) أَيْ سَائِرَ بِمَعْنَى الْبَاقِي (تَتِمَّةٌ) سَائِرَ إذَا كَانَ بِمَعْنَى جَمِيعٍ يَكُونُ مَأْخُوذًا مِنْ سُورِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ حَائِطٌ مُحِيطٌ بِهَا وَبِمَعْنَى بَاقِي يَكُونُ مَأْخُوذًا مِنْ السُّؤْرِ بِمَعْنَى الْبَقِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ الْبَاقِي مُطْلَقًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ أَوْ الْبَاقِي الْأَقَلُّ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ (قَوْلُهُ وَحَكَى الْقَامُوسُ الْقَوْلَيْنِ) لَا يَظْهَرُ بَلْ الْقَامُوسُ مُعْتَرِضٌ عَلَى الْجَوْهَرِيِّ فَلَمْ يَذْكُرْ إلَّا قَوْلًا وَقَوْلُهُ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ لَهُ فَمَعْنَاهُ مَجَازٌ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ السَّائِرُ الْبَاقِي لَا الْجَمِيعُ فَانْظُرْ هَذَا الْحَصْرَ كَيْفَ يُقَالُ مَعَ هَذَا أَنَّهُ حَاكٍ لِلْقَوْلَيْنِ (قَوْلُهُ جَمَاعَاتٌ)

ص: 27

الْمُؤَلِّفِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أُمَّتَهُ بَقِيَّةُ الْأُمَمِ أَيْ الطَّوَائِفِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ مَضَى قَبْلَهَا.

(ص) وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَأُمَّتِهِ أَفْضَلِ الْأُمَمِ (ش) هَذَا عَطْفٌ عَلَى مُحَمَّدٍ جَرْيًا عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا، وَأَمَّا اسْتِقْلَالًا فَقِيلَ خِلَافُ الْأُولَى وَقِيلَ يُمْنَعُ وَثَالِثُهَا تُكْرَهُ قَالَ النَّوَوِيُّ عَلَى الْمَعْرُوفِ وَآلُ الرَّجُلِ أَهْلُهُ وَعِيَالُهُ وَآلُهُ أَيْضًا أَتْبَاعُهُ وَأَصْلُهُ أَوَّلٌ تَحَرَّكَتْ الْوَاوُ بَعْدَ فَتْحَةٍ فَقُلِبَتْ أَلِفًا وَقِيلَ أَهَلٌ قُلِبَتْ الْهَاءُ هَمْزَةً، ثُمَّ الْهَمْزَةُ أَلِفًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ مُفْرَدٌ فِي اللَّفْظِ جَمْعٌ فِي الْمَعْنَى وَأَتَى الْمُؤَلِّفُ بِعَلَى مِنْ قَوْلِهِ وَعَلَى آلِهِ جَرْيًا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَرَدًّا عَلَى مَنْ يَقُولُ بِكَرَاهَةِ الْفَصْلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آلِهِ بِعَلَى، وَهُوَ مَذْهَبُ الرَّافِضَةِ وَالْأَصْحَابُ جَمْعُ صَاحِبٍ بِمَعْنَى الصَّحَابِيِّ كَمَا عِنْدَ الْأَخْفَشِ وَبِهِ جَزَمَ الْجَوْهَرِيُّ وَقَالَ سِيبَوَيْهِ اسْمُ جَمْعٍ لِصَاحِبٍ، وَهُوَ مَنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ مُوَاصَلَةٌ، وَإِنْ قُلْت بِمَعْنَى الصَّحَابِيِّ الَّذِي هُوَ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الصَّاحِبِ وَإِنَّمَا لَمْ يُجْعَلْ

ــ

[حاشية العدوي]

جَمْعُ جَمَاعَةٍ فَأَفَادَ بِذَلِكَ كَثْرَةَ الْقَائِلِينَ وَلَوْ عَبَّرَ بِجَمَاعَةٍ لَمَا اقْتَضَى ذَلِكَ لِتَحَقُّقِهَا فِي ثَلَاثَةٍ (قَوْلُهُ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ مَضَى) أَيْ بَقِيَّةٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ مَضَى فَإِذَنْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالْأُمَمِ جَمِيعَ الطَّوَائِفِ أَيْ الْأُمَمَ الْمُتَقَدِّمَةَ وَأُمَّةُ هَذَا النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَبَقِيَّةُ هَذِهِ الطَّوَائِفِ أُمَّةُ نَبِيِّنَا وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَصْدُوقَ الطَّائِفَةِ الَّتِي هِيَ مُفْرَدُ الطَّوَائِفِ أُمَّةُ النَّبِيِّ أَيْ أَيِّ نَبِيٍّ فَالطَّوَائِفُ أُمَمُ الْأَنْبِيَاءِ الشَّامِلِينَ لَهُ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ نَقُولُ يَرِدُ أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ أُرْسِلَ لِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ السَّابِقَةِ وَالْأَنْبِيَاءُ نُوَّابُهُ فِي تَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ الشَّارِحِ.

وَيُجَابُ بِأَنَّ الْأَوَّلَ بِاعْتِبَارِ عَالَمِ الْأَرْوَاحِ وَهَذَا بِاعْتِبَارِ عَالَمِ الْأَجْسَادِ (فَائِدَةٌ) الْأُمَمُ الْمَاضِيَةُ قَبْلَ أُمَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَبْعُونَ أُمَّةً بِأُمَّةِ النَّبِيِّ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ إلَخْ) كَرَّرَ الصَّلَاةَ جَمْعًا بَيْنَ الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الْمُفِيدَةِ لِلثَّبَاتِ وَبَيْنَ الْفِعْلِيَّةِ الْمُفِيدَةِ لِلتَّجَدُّدِ وَالْحُدُوثِ.

(قَوْلُهُ وَأَصْحَابِهِ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّهُ جَمْعُ قِلَّةٍ وَصَحَابَتُهُ صلى الله عليه وسلم كَثِيرٌ وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ جَمْعَ الْقِلَّةِ فِي جَمْعِ الْكَثْرَةِ مَجَازًا وَرُدَّ بِأَنَّ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ جَمْعُ كَثْرَةٍ وَصَاحِبُ لَهُ جَمْعُ كَثْرَةٍ صِحَابٌ وَصَحْبٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَيَأْتِي الِاعْتِرَاضُ أَيْضًا عَلَى قَوْلِهِ وَأَزْوَاجِهِ بِأَنَّهُنَّ أَكْثَرُ مِنْ عَشْرَةٍ، وَإِنْ تُوُفِّيَ عَنْ تِسْعٍ (قَوْلُهُ أَفْضَلُ الْأُمَمِ) أَيْ الِاتِّبَاعُ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لِسَائِرِ الْأُمَمِ الْجَمَاعَاتُ أَيْ الطَّوَائِفُ مِنْ إنْسٍ وَجِنٍّ أَيْ وَغَيْرِهِمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ فَسَقَطَ مَا قِيلَ إنَّ فِي كَلَامِهِ تَوَافُقُ الْفَاصِلَتَيْنِ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَهُوَ مَعِيبٌ فِي السَّجْعِ كَالْإِيطَاءِ فِي النَّظْمِ، وَهُوَ تَكْرَارُ الْقَافِيَّةِ بَلْ فِي كَلَامِهِ مِنْ الْمُحَسِّنَاتِ الْبَدِيعِيَّةِ الْجِنَاسُ التَّامُّ كَمَا أَفَادَهُ الْحَطَّابُ (قَوْلُهُ جَرْيًا عَلَى جَوَازِ) أَيْ جَرْيًا عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الصَّلَاةِ مُقَابِلَ ذَلِكَ كَمَا يُفِيدُهُ أَصْلُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ قَوْلَانِ قَوْلٌ بِالْمَنْعِ وَقَوْلٌ بِالْكَرَاهَةِ وَهِيَ عِبَارَةُ الشَّيْخِ سَالِمٍ فَنَقَلَهَا الشَّارِحُ بِالْحَرْفِ، ثُمَّ بَانَ لَهُ عَدَمُ صِحَّتِهَا فَزَادَ عَلَى هَامِشِ النُّسْخَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ تَبَعًا، وَأَمَّا اسْتِقْلَالًا إلَخْ وَأَبْقَى قَوْلَهُ عَلَى جَوَازِ فَلَمْ يُغَيِّرْهَا مَعَ أَنَّهَا مُؤْذِنَةٌ بِالْخِلَافِ وَمَعَ أَنَّ الصَّوَابَ كَمَا يُفِيدُهُ مُحَشِّي تت أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ اسْتِقْلَالًا (قَوْلُهُ وَآلُ الرَّجُلِ إلَخْ) نَقَلَهُ الْحَطَّابُ عَنْ الصِّحَاحِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ لَهُ اطِّلَاقَيْنِ فَقَطْ وَأَنَّهُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ يَشْمَلُ الزَّوْجَةَ وَالسُّرِّيَّةَ وَأُمَّ الْوَلَدِ فَعَلَيْهِ لَيْسَ هُوَ الْآلُ فِي مَقَامِ الزَّكَاةِ وَفِي الْمِصْبَاحِ مَا يُفِيدُ أَنَّ لَهُ اطِّلَاقَاتٍ ثَلَاثَةٍ فَقَدْ قَالَ وَالْآلُ أَهْلُ الشَّخْصِ وَهُمْ ذُو قَرَابَتِهِ وَقَدْ أُطْلِقَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَعَلَى الْأَتْبَاعِ.

(تَنْبِيهٌ) : أَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِالْآلِ هُنَا الْمَعْنَى الْأَوَّلَ الَّذِي هُوَ أَهْلُهُ وَعِيَالُهُ لِقَوْلِهِ بَعْدُ وَأُمَّتِهِ (قَوْلُهُ وَأَصْلُهُ أَوَّلٌ) أَيْ مَا حَقُّهُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ يُنْطَقُ بِهِ أَوَّلًا كَذَا، ثُمَّ غُيِّرَ مِنْ آلَ يَئُولُ إلَى كَذَا رَجَعَ بِقَرَابَةٍ أَوْ نَحْوِهَا (قَوْلُهُ قُلِبَتْ الْهَاءُ هَمْزَةً) لَا يُقَالُ هَلَّا قُلِبَتْ الْهَاءُ ابْتِدَاءً أَلِفًا؛ لِأَنَّ قَلْبَهَا أَلِفًا يَجِيءُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ حَتَّى يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهَا هَمْزَةً فَشَائِعٌ وَقُلِبَتْ الْهَاءُ هَمْزَةً لِلتَّوَصُّلِ إلَى إبْدَالِهَا أَلِفًا وَهِيَ أَخَفُّ.

(تَنْبِيهٌ) : تَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي التَّصْغِيرِ عَلَى أُهَيْلٌ أَوْ أُوَيْلٌ وَكِلَاهُمَا مَسْمُوعٌ (قَوْلُهُ اسْمُ جِنْسٍ) عِبَارَةُ غَيْرِهِ اسْمُ جَمْعٍ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ انْتَهَى.

قَلْت، وَهُوَ الظَّاهِرُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الرَّافِضَةِ) هُمْ فِرْقَةٌ مِنْ الشِّيعَةِ تَابَعُوا زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ، ثُمَّ قَالُوا تَبَرَّأْ مِنْ الشَّيْخَيْنِ فَأَبَى وَقَالَ كَانَا وَزِيرَيْ جَدِّي فَتَرَكُوهُ وَرَفَضُوهُ فَلِذَلِكَ سُمُّوا رَافِضَةً، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ هَذَا اللَّقَبُ فِي كُلٍّ مَنْ غَلَا فِي هَذَا الْمَذْهَبِ وَأَجَازَ الطَّعْنَ فِي الصَّحَابَةِ كَمَا أَفَادَهُ صَاحِبُ الْمِصْبَاحِ (قَوْلُهُ بِمَعْنَى الصَّحَابِيِّ) أَيْ فَلَيْسَ الْمُرَادُ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ؛ لِأَنَّ الصَّاحِبَ فِي اللُّغَةِ مَنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ صُحْبَةٌ، وَإِنْ قُلْت (قَوْلُهُ كَمَا عِنْدَ الْأَخْفَشِ) الَّذِي فِي ابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ أَنَّ الْأَخْفَشَ يَقُولُ إنَّ صَحْبَ جَمْعُ صَاحِبٍ (فَائِدَةٌ) رَوَى أَبُو زُرْعَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قُبِضَ عَنْ مِائَةِ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا كُلٌّ مِنْهُمْ صَحِبَهُ وَرَوَى عَنْهُ وَسَمِعَ مِنْهُ وَعَنْهُ فِي مِرْآةِ الزَّمَانِ أَيْضًا أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قُبِضَ عَنْ مِائَةِ أَلْفٍ وَسِتَّةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ وَسَمِعَ مِنْهُ وَرَآهُ فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْهُ انْتَهَى.

(قَوْلُهُ وَبِهِ جَزَمَ الْجَوْهَرِيُّ) فِيهِ تَسَاهُلٌ لَمْ يَقُلْ الْجَوْهَرِيُّ ذَلِكَ بَلْ إنَّمَا قَالَ أَصْحَابُ جَمْعُ صَحْبٍ كَفَرْخٍ وَأَفْرَاخٍ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقُولَ وَبِهِ جَزَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَالْجَوْهَرِيُّ هُوَ الْإِمَامُ أَبُو نَصْرٍ إسْمَاعِيلُ بْنُ حَمَّادٍ الْجَوْهَرِيُّ رضي الله عنه (قَوْلُهُ وَقَالَ سِيبَوَيْهِ اسْمُ جَمْعٍ لِصَاحِبٍ) أَيْ إنَّ أَصْحَابَ اسْمُ جَمْعٍ لِصَاحِبِ الْمَنْقُولِ عَنْ سِيبَوَيْهِ أَنَّ أَصْحَابَ جَمْعُ صَاحِبٍ فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ فَاعِلَ يُجْمَعُ عَلَى أَفْعَالٍ وَمَثَّلَ بِصَاحِبٍ وَأَصْحَابٍ وَارْتَضَاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَالرَّضِيُّ

ص: 28

جَمْعًا لِصَاحِبٍ؛ لِأَنَّ فَاعِلَ لَا يُجْمَعُ عَلَى أَفْعَالٍ كَمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَالصَّحَابِيُّ عُرْفًا مَنْ اجْتَمَعَ مُؤْمِنًا بِمُحَمَّدٍ فِي حَيَاتِهِ عليه الصلاة والسلام قَالَ بَعْضُهُمْ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ لِيَخْرُجَ مَنْ اجْتَمَعَ بِهِ مُؤْمِنًا، ثُمَّ ارْتَدَّ وَمَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ وَرُدَّ بِأَنَّ زِيَادَةَ ذَلِكَ تَقْتَضِي أَنْ لَا تَتَحَقَّقَ الصُّحْبَةُ لِأَحَدٍ فِي حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ حِينَئِذٍ قَيْدٌ فَتَنْتِفِي الْحَقِيقَةُ بِانْتِفَائِهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَعَدَمُ وَصْفِ الْمُرْتَدِّ بِهَا بَعْدَ الرِّدَّةِ لِأَنَّ الرِّدَّةَ أَحْبَطَتْهَا بَعْدَ وُجُودِهَا كَالْإِيمَانِ سَوَاءٌ وَفِي التَّعْرِيفِ أُمُورٌ مَذْكُورَةٌ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ.

وَالْأَزْوَاجُ جَمْعُ زَوْجٍ أَيْ نِسَاؤُهُ وَتَنْدَرِجُ فِي ذَلِكَ سَرَارِيُّهُ وَالذُّرِّيَّةُ النَّسْلُ يَقَعُ عَلَى الذُّكُورِ

ــ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ: لِأَنَّ فَاعِلَ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلْ الَّذِي هُوَ النَّفْيُ لَا الْمَنْفِيُّ وَقَوْلُهُ فَاعِلَ بِدُونِ أَلِفٍ كَذَا بِخَطِّهِ كَعَادَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي الْخَطِّ مِنْ تَرْكِهِمْ الْأَلِفَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَنْصُوبِ وَقَوْلُهُ كَمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ رَاجِعٌ لِلْمَنْفِيِّ، ثُمَّ نَقُولُ قَدْ عَلِمْت مَا قَالَهُ سِيبَوَيْهِ وَالزَّمَخْشَرِيُّ وَوَافَقَهُ الرَّضِيُّ فَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ أَيْ أَصْحَابَ جَمْعُ صَحْبٍ بِالسُّكُونِ اسْمُ جَمْعٍ أَيْ لِصَاحِبٍ أَوْ بِالْكَسْرِ مُخَفَّفُ صَاحِبٍ إنَّمَا نَشَأَ مِنْ عَدَمِ تَصَفُّحِ كِتَابِ سِيبَوَيْهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ أَصْحَابَ جَمْعُ صَاحِبٍ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَالصَّحَابِيُّ عُرْفًا) أَيْ لَا الصَّحَابِيُّ لُغَةً فِيهِ أَنَّ الصَّحَابِيَّ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى لُغَوِيٌّ وَمَعْنًى عُرْفِيٌّ بَلْ مَا لَهُ إلَّا مَعْنًى عُرْفِيٌّ.

(قَوْلُهُ مَنْ اجْتَمَعَ مُؤْمِنًا) أَيْ بَعْدَ الْبَعْثَةِ فَيَخْرُجُ مَنْ لَقِيَهُ مُؤْمِنًا بِأَنَّهُ سَيُبْعَثُ وَلَمْ يُدْرِكْ الْبَعْثَةَ كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَعَدَّهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي الصَّحَابَةِ وَيَخْرُجُ مَنْ لَقِيَهُ كَافِرًا، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ مَوْتِهِ كَرَسُولِ قَيْصَرَ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ وَفَاتِهِ فَيَخْرُجُ مَنْ لَقِيَهُ بَعْدُ كَأَبِي ذُؤَيْبٍ خُوَيْلِدِ بْنِ خَالِدٍ الْهُذَلِيِّ؛ لِأَنَّهُ أُخْبِرَ بِمَرَضِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَسَافَرَ نَحْوَهُ فَقُبِضَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ وُصُولِهِ الْمَدِينَةَ بِيَسِيرٍ وَحَضَرَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ وَرَآهُ مُسَجًّى وَشَهِدَ دَفْنَهُ ثُمَّ نَقُولُ يَدْخُلُ فِيهِ الْبَصِيرُ وَالْأَعْمَى، وَهُوَ كَذَلِكَ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُمَيِّزُ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ اجْتَمَعَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَيَدْخُلُ مَنْ حَنَّكَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَالْمُرَادُ الِاجْتِمَاعُ الْعَادِيُّ، وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ بِالْأَبْدَانِ فِي ظَاهِرِ الْمِلْكِ كَمَا ذَكَرَهُ الْفِيشِيُّ فَيَخْرُجُ الْأَنْبِيَاءُ الْمُجْتَمِعُونَ بِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَالْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا بِهِ فِي السَّمَاءِ لَكِنْ يُسْتَثْنَى الْخِضْرُ عليه الصلاة والسلام فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِهِ فِي الْأَرْضِ كَذَا فِي ك بَلْ رَأَيْت فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ التَّصْرِيحَ بِاجْتِمَاعِهِ بِهِ لَكِنْ لَا أَعْرِفُ مَرْتَبَتَهُ وَجَزَمَ الْجَلَالُ بِعَدِّ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عليه الصلاة والسلام فِي الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ بِهِ فِي الْمَطَافِ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَمَّا طَافَ وَقَفَ هُنَيْهَةً فَمَرَّ بِهِ شَخْصٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ هَذَا أَخِي عِيسَى انْتَظَرْته حَتَّى سَلَّمْت عَلَيْهِ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ عَدُّ الْخَضِرِ وَإِلْيَاسَ مِنْهُمْ وَيَدْخُلُ أَيْضًا الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا بِهِ فِي الْأَرْضِ وَخُلَاصَةُ مَا ذَكَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَادِيِّ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُهُمْ.

وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ كَالِاجْتِمَاعِ بِعِيسَى وَالْخَضِرِ وَإِلْيَاسَ وَفِي كَلَامِ آخَرِينَ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُتَعَارَفًا بِمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُطْلَقًا بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ أَيْضًا فَيَخْرُجُ مَنْ ذَكَرَ مِنْ عِيسَى وَغَيْرِهِ مِمَّا كَانَ الِاجْتِمَاعُ بِهِ غَيْرَ مُعْتَادٍ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَرْضِ وَشَمَلَ التَّعْرِيفُ مَنْ اجْتَمَعَ بِهِ عليه الصلاة والسلام وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ هُوَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَمَنْ اجْتَمَعَ لَهُ بِحَيْثُ لَمْ يَشْعُرْ وَاحِدٌ بِالْآخَرِ أَوْ لَمْ يَرَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْآخَرَ وَمَنْ اجْتَمَعَ بِهِ مِنْ وَرَاءِ سَتْرٍ رَقِيقٍ كَثَوْبٍ وَعَلِمَ بِهِ وَخَاطَبَهُ أَوَّلًا وَمَنْ لَقِيَهُ مَارًّا مَعَ مُرُورِهِ أَيْضًا إلَى غَيْرِ جِهَتِهِ مِنْ غَيْرِ مُكْثِهِ عِنْدَ الْوُصُولِ إلَيْهِ وَعَلِمَ بِهِ وَخَاطَبَهُ أَوَّلًا وَلَوْ رَآهُ مِنْ كَوَّةٍ فِي جِدَارٍ بَيْنَهُمَا فَهَلْ يُعَدُّ اجْتِمَاعًا فِيهِ نَظَرٌ نَعَمْ إنْ خَاطَبَهُ مَعَ رُؤْيَتِهِ مِنْ الْكَوَّةِ فَيَنْبَغِي أَنَّهُ اجْتِمَاعٌ أَوْ فِي حُكْمِهِ فَلْيُرَاجَعْ ذَلِكَ وَيَخْرُجُ مَنْ رَآهُ عليه الصلاة والسلام مِنْ بَعْدُ وَكَلَامُهُمْ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهُ صَحَابِيٌّ وَقَدْ تَرَدَّدَ فِيهِ ابْنُ السُّبْكِيّ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ وَذَكَرَ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ صَحَابِيٌّ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ ثَبَتَ الْتَزَمَ صِدْقَ الِاجْتِمَاعِ مَعَ الرُّؤْيَةِ مِنْ بَعْدُ فَلْيُتَأَمَّلْ وَشَمَلَ مَنْ اجْتَمَعَ بِهِ مُؤْمِنًا مِنْ الْجِنِّ ذَكَرَهُ الشَّنَوَانِيُّ بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ هَلْ يَدْخُلُ فِي الصَّحَابِيِّ مَنْ اجْتَمَعَ بِهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَوْلَادِ الْكُفَّارِ وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُعْتَبَرَ الْكُفْرُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِكُفْرِهِ تَبَعًا لِكُفْرِ أَبِيهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ ذَكَرَهُ بَعْضُ مَنْ كَتَبَ عَلَى النَّاصِرِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ ارْتَدَّ إلَخْ) كَابْنِ خَطَلٍ فَإِنَّهُ مَاتَ مُرْتَدًّا قَالَ تت وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ رِدَّتِهِ وَلَمْ يَجْتَمِعْ بِهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ الْإِسْلَامِ غَيْرُ صَحَابِيٍّ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ الرِّدَّةَ مُحْبِطَةٌ لِلْعَمَلِ بِمُجَرَّدِهَا انْتَهَى.

(قَوْلُهُ: وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ) وَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ لِمَنْ يُسَمَّى بَعْدَ مَوْتِهِ صَحَابِيًّا لَا تَعْرِيفٌ لِمُطْلَقِ الصَّحَابِيِّ مَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ أَوْ لَا فَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا الْبَعْضَ عَرَّفَ نَوْعًا خَاصًّا مِنْ الصَّحَابِيِّ وَالْجَوَابُ يَكْفِي فِيهِ أَدْنَى احْتِمَالٍ قَالَهُ الشَّيْخُ يُوسُفُ (قَوْلُهُ وَعَدَمُ وَصْفِ الْمُرْتَدِّ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَوْ كَانَ يُسَمَّى صَحَابِيًّا لَوُصِفَ الْمُرْتَدُّ بِهَا بَعْدَ الرِّدَّةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُوصَفُ (قَوْلُهُ وَفِي التَّعْرِيفِ أُمُورٌ) قَدْ عَلِمْتهَا (قَوْلُهُ جَمْعُ زَوْجٍ) أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] وَيُقَالُ أَيْضًا زَوْجَةٌ وَذِكْرُهُنَّ بَعْدَ الْأَصْحَابِ الشَّامِلِ لَهُنَّ لِمَزِيدِ الِاعْتِنَاءِ بِشَأْنِهِنَّ لِشِدَّةِ اتِّصَالِهِنَّ بِهِ صلى الله عليه وسلم (قَوْلُهُ وَتَنْدَرِجُ فِي ذَلِكَ سَرَارِيُّهُ) أَيْ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ جَمْعُ سُرِّيَّةٍ (قَوْلُهُ وَالذُّرِّيَّةُ النَّسْلُ) وَضَمُّ الذَّالِ أَشْهَرُ مِنْ كَسْرِهَا قِيلَ مِنْ الذَّرِّ وَهِيَ صِغَارُ النَّمْلِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْرَجَهُمْ مِنْ ظَهْرِ أَبِيهِمْ كَالذَّرِّ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَقِيلَ مِنْ الذَّرِّ، وَهُوَ التَّفْرِيقُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ ذَرَّهُمْ فِي الْأَرْضِ أَيْ فَرَّقَهُمْ وَنَشَرَهُمْ وَقِيلَ مِنْ ذَرَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ لَكِنْ تُرِكَتْ الْهَمْزَةُ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ

ص: 29

وَالْإِنَاثِ وَأُمَّتُهُ كُلُّ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنْ حِينِ بُعِثَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ وَعَطَفَ أَصْحَابَهُ عَلَى آلِهِ الشَّامِلِ لِبَعْضِهِمْ لِتَشْمَلَ الصَّلَاةُ بَاقِيَهُمْ فَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ مِنْ وَجْهٍ فَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ صَحَابِيٌّ وَآلٌ وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ آلٌ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ بِالْعَكْسِ وَعَطْفُ الْأَزْوَاجِ بَعْدَ الْأَصْحَابِ الشَّامِلُ لَهُنَّ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى إرَادَةِ دُخُولِهِ فِيهِ وَوَصَفَ أُمَّتَهُ الْمَذْكُورِينَ بِمَا هُوَ شَأْنُهُمْ بِقَوْلِهِ أَفْضَلِ الْأُمَمِ أَيْ أَكْثَرُهَا ثَوَابًا أَوْ مَنَاقِبَ أَيْ مَفَاخِرَ وَكَمَالَاتٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَثْرَةِ الثَّوَابِ أَكْثَرِيَّةُ الْمَنَاقِبِ.

(فَائِدَةٌ) أَوَّلُ الرُّسُلِ آدَم وَأَوَّلُ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ إدْرِيسُ وَأَوَّلُ الرُّسُلِ نُوحٌ وَأَوَّلُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إسْرَائِيلَ مُوسَى وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ أَمَّا آدَم أَرْسَلَهُ اللَّهُ إلَى أَوْلَادِهِ لَيُعَلِّمَهُمْ وَيَهْدِيَهُمْ إلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَكَانَ أَوَّلَ رَسُولٍ، وَأَمَّا نُوحٌ فَهُوَ أَوَّلُ رَسُولٍ إلَى الْكُفَّارِ.

وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْوَاجِبَةِ الَّتِي وَرَدَ الْحَثُّ عَلَى الِافْتِتَاحِ بِهَا فِي الْآثَارِ، وَهُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا الْأُمُورُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَلَى الْمَقْصُودِ بِالتَّأْلِيفِ سَبْعَةُ أَشْيَاءَ ثَلَاثَةٌ وَاجِبَةٌ الْبَسْمَلَةُ وَالْحَمْدَلَةُ وَالصَّلَاةُ وَأَرْبَعَةٌ جَائِزَةٌ مَدْحُ الْفَنِّ

ــ

[حاشية العدوي]

أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ وَيَظْهَرُ أَنَّهَا اسْمُ جَمْعٍ (قَوْلُهُ كُلُّ مَنْ آمَنَ بِهِ إلَخْ) لِلْكُلِّ الْمَجْمُوعِيِّ لَا الْجَمِيعِيِّ؛ لِأَنَّهُ فَاسِدٌ أَيْ وَلَوْ عُصَاةً وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ أُمَّتُهُ أُمَّةُ الْإِجَابَةِ، وَأَمَّا أُمَّةُ الدَّعْوَةِ، فَهِيَ الْمُشَارُ لَهَا بِقَوْلِهِ الْمَبْعُوثُ لِسَائِرِ الْأُمَمِ فَلَا تُرَادُ هُنَا لِدُخُولِ الْكُفَّارِ فِيهَا وَلَا يَتَنَاوَلُهُمْ الدُّعَاءُ (قَوْلُهُ مِنْ حَيْثُ بُعِثَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أَيْ إلَى قُرْبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَيْ إلَى رِيحٍ لَيِّنَةٍ تَأْتِي قَبْلَ النَّفْخَةِ الْأُولَى تَذْهَبُ بِهَا أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا أَرْوَاحُ الْكُفَّارِ فَتَذْهَبُ بِالنَّفْخَةِ الْأُولَى.

(قَوْلُهُ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ) فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ عَطْفِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ أَيْ مِنْ ذِكْرِ الْكُلِّ بَعْدَ الْجُزْءِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْآلِ وَالْأَصْحَابِ وَغَيْرِهِمَا جُزْءٌ مِنْ الْأُمَّةِ الَّتِي هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ مَنْ آمَنَ وَقُلْنَا مِنْ ذُكِرَ؛ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ الْأَوَّلُ فَقَطْ الَّذِي هُوَ الْآلُ (قَوْلُهُ الشَّامِلِ) أَيْ الْآلِ وَقَوْلُهُ لِبَعْضِهِمْ أَيْ الصَّحْبِ (قَوْلُهُ بَاقِيَهُمْ) أَيْ بَاقِيَ الصَّحْبِ (قَوْلُهُ وَآلٌ) أَيْ مِنْ الْآلِ (قَوْلُهُ بَعْدَ الْأَصْحَابِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَصْحَابَ لَيْسَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ) أَيْ مِنْ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ لِمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ لِلتَّنْصِيصِ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ عَطْفُ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ يَحْتَاجُ لِنُكْتَةٍ فَبَيَّنَ تِلْكَ النُّكْتَةَ، وَأَمَّا عَطْفُ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ لَا يَحْتَاجُ لِنُكْتَةٍ (قَوْلُهُ عَلَى إرَادَةِ دُخُولِهِ) أَيْ الْخَاصِّ وَقَوْلُهُ فِيهِ أَيْ الْعَامِّ أَيْ خَوْفًا مِنْ تَوَهُّمِ خُرُوجِهِمْ مِنْ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ الْعَامَّ لَا يَشْمَلُ الْأَفْرَادَ نَصًّا بَلْ ظَاهِرًا وَلَكِنَّ الْأَحْسَنَ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ سَابِقًا (قَوْلُهُ أَوْ مَنَاقِبَ) مَعْطُوفٌ عَلَى ثَوَابًا أَيْ أَكْثَرُهَا مَنَاقِبَ جَمْعُ مَنْقَبَةٍ وَالْمَفَاخِرُ جَمْعُ مَفْخَرَةٍ وَعَطْفُ الْكَمَالَاتِ تَفْسِيرٌ وَأَوْ مَانِعَةُ خُلُوٍّ تُجَوِّزُ الْجَمْعَ (قَوْلُهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَثْرَةِ الثَّوَابِ) أَيْ لَا يَلْزَمُ مِنْ أَكْثَرِيَّةِ الثَّوَابِ أَكْثَرِيَّةُ الْمَنَاقِبِ أَيْ الْخِصَالُ الْحَمِيدَةُ كَالْكَرَمِ وَالْحِلْمِ وَالْعِلْمِ وَكَثْرَةِ الصَّلَاةِ أَوْ الصَّوْمِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُثَابُ عَلَى الْقَلِيلِ الْكَثِيرُ فَإِذَنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ أَكْثَرِيَّةِ الْمَنَاقِبِ أَكْثَرِيَّةُ الثَّوَابِ فَلَا يُغْنِي أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ أَكْثَرِيَّةَ الثَّوَابِ حَالَةٌ أُخْرَوِيَّةٌ وَأَكْثَرِيَّةَ الْمَنَاقِبِ حَالَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ.

(قَوْلُهُ أَوَّلُ الرُّسُلِ آدَم) لَا يَخْفَى أَنَّ آدَمَ نَبِيٌّ وَرَسُولٌ وَجَاءَ بَعْدَهُ شِيثُ نَبِيٌّ وَرَسُولٌ وَبَعْدَهُ إدْرِيسُ نَبِيٌّ وَرَسُولٌ وَبَعْدَهُ نُوحٌ كَذَلِكَ فَقَدْ صَرَّحَ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ بِأَنَّ آدَمَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَكَذَا شِيثُ وَإِدْرِيسُ وَهُمْ قَبْلَ نُوحٍ فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَقَوْلُهُ أَوَّلُ الرُّسُلِ آدَم أَيْ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَقَوْلُهُ وَأَوَّلُ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ أَيْ بَعْدَ شِيثَ وَالتَّعْبِيرُ بِنَبِيٍّ فِي هَذَا وَرَسُولٍ فِي غَيْرِهِ تَفَنُّنٌ وَقَوْلُهُ فِي الْأَرْضِ لَيْسَ احْتِرَازًا عَنْ غَيْرِهِ مِنْ آدَمَ وَشِيثَ فَإِنَّهُمَا مَبْعُوثَانِ فِي الْأَرْضِ وَوِلَادَةُ حَوَّاءَ لَمْ تَكُنْ إلَّا فِي الْأَرْضِ بَلْ صَرَّحَ الْكَمَالُ الْهِنْدِيُّ فِي كَنْزِ الْعُمَّالِ «أَنَّ آدَمَ لَمْ يُجَامِعْ امْرَأَتَهُ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى هَبَطَ مِنْهَا لِلْخَطِيئَةِ الَّتِي أَصَابَهَا بِأَكْلِ الشَّجَرَةِ وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ يَنَامُ أَحَدُهُمَا فِي الْبَطْحَاءِ وَالْآخَرُ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى حَتَّى أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ وَعَلَّمَهُ كَيْفَ يَأْتِيهَا فَلَمَّا أَتَاهُ جِبْرِيلُ قَالَ لَهُ كَيْفَ وَجَدْت امْرَأَتَك قَالَ صَالِحَةً» رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَنَسٍ انْتَهَى وَقَوْلُهُ وَأَوَّلُ الرُّسُلِ نُوحٌ أَيْ بَعْدَ إدْرِيسَ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّارِحِ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ فَلَمْ أَفْهَمْهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ سَكَتَ عَنْ إدْرِيسَ مَعَ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَرَسُولٌ وَقَدْ قَالَ فِيهِ وَأَوَّلُ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ إدْرِيسُ وَأَيْضًا فَقَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ الْخَازِنُ وَالْخَطِيبُ أَنَّ إدْرِيسَ أَوَّلُ مَنْ قَاتَلَ الْكُفَّارَ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا قَاتَلَهُمْ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ فَإِذَنْ يَكُونُ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ فَلَعَلَّ الْأَظْهَرَ مَا قُلْنَا أَخَذْته مِنْ قَوْلِ الْقَسْطَلَّانِيِّ فِي شَأْنِ إدْرِيسَ وَكَانَ إدْرِيسُ أَوَّلَ نَبِيٍّ أُعْطِيَ النُّبُوَّةَ بَعْدَ آدَمَ وَشِيثَ وَفِي شَأْنِ نُوحٍ، وَهُوَ أَوَّلُ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ بَعْدَ إدْرِيسَ أَوْ نَقُولُ وَأَوَّلُ الرُّسُلِ نُوحٌ أَيْ بِتَحْرِيمِ الْبَنَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ نَقَلَهُ عَنْ الْقُرْطُبِيِّ وَسُمِّيَ نُوحًا لِكَثْرَةِ نَوْحِهِ عَلَى نَفْسِهِ فَقِيلَ لِدَعْوَتِهِ عَلَى قَوْمِهِ بِالْهَلَاكِ وَقِيلَ لِمُرَاجَعَتِهِ رَبَّهُ فِي شَأْنِ ابْنِهِ كَنْعَانَ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْغَفَّارِ وَقِيلَ يَشْكُرُ وَسُمِّيَ إدْرِيسُ إدْرِيسَ لِكَثْرَةِ دِرَاسَتِهِ الصُّحُفَ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ وَاسْمُهُ أَخْنُوخُ (قَوْلُهُ مُوسَى) ، وَأَمَّا يُوسُفُ فَإِنَّهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَرَسُولًا فَلَمْ يَكُنْ رَسُولًا إلَيْهِمْ بَلْ لِغَيْرِهِمْ كَأَهْلِ السِّجْنِ أَيْ وَآخِرُ أَنْبِيَاءَ بَنِي إسْرَائِيلَ عِيسَى.

(قَوْلُهُ الْوَاجِبَةِ) أَيْ الْمُتَأَكِّدَةِ لَا الَّذِي يُعَاقِبُ الْمُكَلَّفُ عَلَى تَرْكِهِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابُ الْوَاجِبِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ إلَخْ) أَيْ وَالْحَالُ وَالشَّأْنُ (قَوْلُهُ عَلَى الْمَقْصُودِ بِالتَّأْلِيفِ) أَيْ عَلَى الْمَقْصُودِ بِالْجَمْعِ أَيْ عَلَى الْمَقْصُودِ جَمْعُهُ أَوْ الْمَقْصُودِ مِنْ التَّأْلِيفِ أَيْ الْأَلْفَاظِ الْمُؤَلَّفَةِ (قَوْلُهُ وَأَرْبَعَةٌ جَائِزَةٌ) أَيْ بِرُجْحَانٍ لَا يَصِلُ لِرُجْحَانِ الثَّلَاثَةِ (قَوْلُهُ مَدْحُ الْفَنِّ) أَيْ لِيَكُونَ بَاعِثًا عَلَى تَعَاطِيهِ وَالِاشْتِغَالِ بِهِ

ص: 30

وَذِكْرُ الْبَاعِثِ وَتَسْمِيَةُ الْكِتَابِ وَبَيَانُ كَيْفِيَّتِهِ مِنْ تَبْوِيبٍ وَتَفْصِيلٍ شَرَعَ فِي مُقَدَّمَةِ الْكِتَابِ وَهِيَ مَا قُدِّمَتْ أَمَامَ الْمَقْصُودِ لِارْتِبَاطٍ لَهُ بِهَا وَانْتِفَاعٍ بِهَا فِيهِ سَوَاءٌ تَوَقَّفَ الْمَقْصُودُ عَلَيْهَا أَمْ لَا وَمُقَدِّمَةُ الْعِلْمِ هِيَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الشُّرُوعُ فِي مَسَائِلِهِ كَمَعْرِفَةِ حَدِّهِ وَغَايَتِهِ وَمَوْضُوعِهِ فَمُقَدِّمَةُ هَذَا الْكِتَابِ مِنْ قَوْلِهِ مُشِيرًا بِفِيهَا إلَى قَوْلِهِ وَاَللَّهُ أَسْأَلُ فَوَطَّأَ لَهَا بِذِكْرِ الْبَاعِثِ وَتَسْمِيَةِ الْكِتَابِ اللَّذَيْنِ هُمَا مِنْ الْأُمُورِ الْجَائِزَةِ فَقَالَ.

(ص) وَبَعْدُ (ش) هِيَ ظَرْفُ مَكَان مَقْطُوعٍ عَنْ الْإِضَافَةِ لَفْظًا لَا مَعْنًى وَلِذَا بُنِيَ عَلَى الضَّمِّ أَيْ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَتُسْتَعْمَلُ فِي الْخُطَبِ وَالْكَلَامِ الْفَصِيحِ

ــ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ وَذِكْرُ الْبَاعِثِ) أَيْ لِيُفْهِمَ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ الصَّادِرَ مِنْهُ لَيْسَ عَبَثًا فَيَنْتَفِي لَوْمُ مَنْ يَحْكُمُ بِأَنَّهُ عَبَثٌ وَكَانَ الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِغَيْرِهِ (قَوْلُهُ وَتَسْمِيَةُ الْكِتَابِ) ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَرْفَعُهُ وَيُعْلِيهِ وَيُظْهِرُهُ فَيَكُونُ دَاعِيًا لِلِاعْتِنَاءِ بِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُسَمِّ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مَجْهُولًا (قَوْلُهُ وَبَيَانُ كَيْفِيَّتِهِ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ بَيَانَ الْكَيْفِيَّةِ يُسَهِّلُ الْمُرَاجَعَةَ بِأَنْ يَرْجِعَ إلَى كُلِّ مَسْأَلَةٍ فِي بَابِهَا بِخِلَافِ مَا إذَا ذُكِرَتْ مَنْثُورَةً وَأَيْضًا أَدْعَى لِلرَّغْبَةِ فِي تَعَاطِيهِ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا يَقْطَعُ بَابًا أَوْ فَصْلًا تَنْبَعِثُ نَفْسُهُ لِلِانْتِقَالِ لِمَا بَعْدَهُ فَيُؤَدِّي إلَى تَمَامِ الْفَائِدَةِ بِإِتْمَامِهِ إذْ لَا يُمِلُّ حِينَئِذٍ بِخِلَافِ مَا إذَا ذُكِرَتْ مَنْثُورَةً فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ مِنْ تَبْوِيبٍ إلَخْ) التَّبْوِيبُ جَعْلُهُ أَبْوَابًا وَالتَّفْصِيلُ جَعْلُهُ فُصُولًا، وَذَلِكَ كَيْفِيَّةُ الْمُؤَلِّفِ لَا كَيْفِيَّةُ الْكِتَابِ فَنَقُولُ الْمُرَادُ مِنْ التَّبْوِيبِ كَوْنُهُ مُبَوَّبًا مَصْدَرُ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدُ وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَتَفْصِيلٍ بِمَعْنَى أَوْ مَانِعَةُ خُلُوٍّ تُجَوِّزُ الْجَمْعَ إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ رحمه الله لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَدْحِ الْفَنِّ لِعِلْمِ حَالِهِ وَاشْتِهَارِهِ حَتَّى صَارَ ذِكْرُهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَبَثِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِبَيَانِ كَيْفِيَّتِهِ مِنْ تَبْوِيبٍ وَتَفْصِيلٍ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ فِي أَوَائِلِهِ يُفِيدُ مَعْرِفَةَ اصْطِلَاحِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ كُلُّهُ عَلَى مِنْهَاجٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ لَك أَنْ تَقُولَ قَدْ عَلِمْت مَزِيَّةَ الْفُنُونِ وَاشْتُهِرَتْ وَقَدْ قُلْت النَّظَرُ فِي مَبْدَإِ الْكِتَابِ يُحْرِزُ اصْطِلَاحَهُ فَإِذَنْ لَا حَاجَةَ لِبَيَانِ الِاصْطِلَاحِ وَلَا لِمَدْحِ الْفَنِّ بَلْ الْأَوْلَى عَدَمُ الذِّكْرِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّطْوِيلِ.

(قَوْلُهُ شَرَعَ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ حَيْثُ قَصَرَ الْأُمُورَ الْمُتَقَدِّمَةَ عَلَى السَّبْعَةِ الْمَذْكُورَةِ يَكُونُ أَرَادَ بِالْمَقْصُودِ مَا يَشْمَلُ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ وَالْمَقْصُودَ بِالْوَاسِطَةِ كَمُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ وَمُقَدِّمَةِ الْعِلْمِ (قَوْلُهُ مَا قُدِّمَتْ) أَيْ أَلْفَاظٌ قُدِّمَتْ أَمَامَ الْمَقْصُودِ أَيْ بِالذَّاتِ (قَوْلُهُ لِارْتِبَاطٍ لَهُ) أَيْ لِلْمَقْصُودِ بِهَا أَيْ بِمَدْلُولِهَا وَقَوْلُهُ وَانْتِفَاعٍ بِهَا أَيْ بِمَدْلُولِهَا فِيهِ أَيْ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى مَا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ سَوَاءٌ تَوَقَّفَ الْمَقْصُودُ) أَيْ الشُّرُوعُ فِي الْمَقْصُودِ أَوْ الْمَقْصُودُ مِنْ حَيْثُ الشُّرُوعُ عَلَيْهَا أَيْ عَلَى مَعَانِيهَا بِأَنْ كَانَ مَعَانِيهَا ثَلَاثَةً مَخْصُوصَةً الَّتِي هِيَ مُقَدِّمَةُ الْعِلْمِ وَهِيَ التَّعْرِيفُ وَالْمَوْضُوعُ وَالْغَايَةُ وَقَوْلُهُ أَمْ لَا بِأَنْ كَانَتْ مَعَانِيهَا غَيْرَ مُقَدِّمَةِ الْعِلْمِ وَمُقَدِّمَةُ كِتَابِنَا هَذَا حِينَئِذٍ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمُقَدِّمَةِ الْعِلْمِ (قَوْلُهُ مَا يَتَوَقَّفُ) أَيْ مَعَانٍ ثَلَاثَةٌ مَخْصُوصَةٌ وَقَوْلُهُ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى مَا الْوَاقِعَةِ عَلَى مَعَانٍ وَقَوْلُهُ الشُّرُوعُ أَيْ كَمَالُ الشُّرُوعِ لَا أَصْلُهُ فَأَفْهَمْ (قَوْلُهُ فِي مَسَائِلِهِ) جَمْعُ مَسْأَلَةٍ وَهِيَ مَطْلُوبٌ خَبَرِيٌّ يُبَرْهَنُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ وَتُطْلَقُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى الْقَضِيَّةِ وَعَلَى نِسْبَتِهَا وَالْبَرْهَنَةُ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى النِّسْبَةِ وَكَذَلِكَ الْمَطْلُوبُ، فَإِنْ أُرِيدَ بِالْمَسْأَلَةِ النِّسْبَةُ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْقَضِيَّةُ يُقَدَّرُ مُضَافٌ أَيْ مَطْلُوبُ مَدْلُولِهَا وَضَمِيرُ مَسَائِلِهِ عَائِدٌ عَلَى الْعِلْمِ وَالْإِضَافَةُ حَقِيقِيَّةٌ إنْ أُرِيدَ مِنْ الْعِلْمِ الْمَلَكَةُ أَوْ الْإِدْرَاكُ، فَإِنْ أُرِيدَ الْقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ فَهِيَ عَيْنُ الْمَسَائِلِ أَيْ الْكُلِّيَّةِ فَتَكُونُ الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ.

(قَوْلُهُ كَمَعْرِفَةِ حَدِّهِ وَغَايَتِهِ) الْمَعْرِفَةُ تَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ تَصَوُّرٌ وَتَصْدِيقٌ فَهِيَ فِي جَانِبِ الْحَدِّ التَّصَوُّرُ وَفِي جَانِبِ الْغَايَةِ وَالْمَوْضُوعِ التَّصْدِيقُ وَلَا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ التَّصْدِيقُ بِمَوْضُوعِيَّةِ مَوْضُوعِهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَوْضُوعَ عِلْمِ الْفِقْهِ أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ وَحَدُّهُ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُكْتَسَبِ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ وَغَايَتُهُ الْفَوْزُ بِالسَّعَادَةِ الْكُبْرَى دُنْيَا وَأُخْرَى وَالْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةُ؛ لِأَنَّ مُقَدِّمَةَ الْعِلْمِ مَحْصُورَةٌ فِي الثَّلَاثَةِ (قَوْلُهُ إلَى قَوْلِهِ وَاَللَّهُ أَسْأَلُ) بِإِخْرَاجِ الْغَايَةِ (قَوْلُهُ فَوَطَّأَ لَهَا بِذِكْرِ الْبَاعِثِ) أَيْ فَمَهَّدَ لَهَا بِذِكْرِ الْبَاعِثِ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ بَيَانَهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذِكْرِ الْبَاعِثِ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ بَادَرَ بِذِكْرِ الْبَاعِثِ قَبْلَهَا لِيَكُونَ فَهْمُهَا بَعْدَهَا أَتَمَّ (قَوْلُهُ وَتَسْمِيَةِ الْكِتَابِ) فِيهِ أَنَّهُ إنَّمَا بَيَّنَ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ تَأْلِيفَ مُخْتَصَرٍ، وَأَمَّا كَوْنُ اسْمِهِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ مُخْتَصَرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَشَيْءٌ آخَرُ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا لَمْ يَذْكُرْ لَهُ اسْمًا وَقَدْ وَصَفَهُ بِذَلِكَ الْوَصْفِ وَالْأَصْلُ أَنْ يَنْطِقَ فِي تَمْيِيزِهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْوَصْفِ، وَهُوَ لَفْظُ مُخْتَصَرٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ إشَارَةً إلَى تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ الِاسْمِ.

(قَوْلُهُ الْجَائِزَةِ) أَيْ بِرُجْحَانٍ (قَوْلُهُ هِيَ) أَيْ بَعْدُ أَيْ نَوْعُهَا لَا شَخْصُهَا (قَوْلُهُ ظَرْفُ مَكَان) أَيْ بِاعْتِبَارِ الرَّقْمِ وَظَرْفُ زَمَانٍ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ مُسَمَّيَاتِ الْكُتُبِ إنَّمَا هِيَ الْأَلْفَاظُ فَالْأَظْهَرُ الِالْتِفَاتُ إلَى كَوْنِهَا ظَرْفَ زَمَانٍ ابْتِدَاءً وَجَعْلُهَا ظَرْفَ مَكَان صَحِيحٌ وَاحْذَرْ أَنْ تَعْتَقِدَهُ خَطَأً فَإِنَّ اعْتِقَادَك خَطَأَهُ كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِ إخْوَانِنَا هُوَ الْخَطَأُ فَتَدَبَّرْ.

(قَوْلُهُ وَلِذَا بُنِيَ عَلَى الضَّمِّ) أَيْ إنَّ عِلَّةَ الْبِنَاءِ عَلَى الضَّمِّ إنَّمَا هُوَ الْإِضَافَةُ لِلْمَعْنَى وَأَفَادَ الْفَاكِهِيُّ أَنَّ الْمَعْنَى الْمَذْكُورَ هُوَ مَعْنَى الْإِضَافَةِ الَّذِي هُوَ مَعْنًى جُزْئِيٌّ حَقُّهُ أَنْ يُؤَدَّى بِالْحَرْفِ، وَأَمَّا عِلَّةُ الْبِنَاءِ عَلَى الضَّمِّ، فَإِنَّمَا هُوَ لِتُخَالِفَ حَرَكَةَ الْبِنَاءِ حَرَكَتَيْ الْإِعْرَابِ لَا الْإِضَافَةُ لِلْمَعْنَى كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الشَّارِحِ رحمه الله وَتَتْمِيمُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ فِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ (قَوْلُهُ وَتُسْتَعْمَلُ فِي الْخُطَبِ إلَخْ) أَيْ نَدْبًا كَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَغَيْرِهِمَا (قَوْلُهُ وَالْكَلَامِ الْفَصِيحِ) أَيْ وَكُلُّ كَلَامٍ فَصِيحٍ كَانَ خُطْبَةً أَوْ مُكَاتَبَاتٍ أَوْ غَيْرَهُمَا فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا خَصَّ الْكَلَامَ بِكَوْنِهِ فَصِيحًا لِكَوْنِهِ هُوَ الْأَوْلَى فِي التَّكَلُّمِ بِهِ وَإِلَّا فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْكَلَامَ غَيْرُ فَصِيحٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَذَلِكَ

ص: 31

لِقَطْعِ مَا قَبْلَهَا عَمَّا بَعْدَهَا قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ يُسْتَحَبُّ الْإِتْيَانُ بِهَا فِي الْخُطَبِ وَالْمُكَاتَبَاتِ اقْتِدَاءً بِالْمُصْطَفَى عليه الصلاة والسلام وَفِي أَوَّلِ مَنْ نَطَقَ بِهَا اخْتِلَافٌ وَتُسْتَعْمَلُ مَعَ أَمَّا وَالْوَاوِ مَعًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَمَعَ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى.

(ص) فَقَدْ سَأَلَنِي جَمَاعَةٌ أَبَانَ اللَّهُ لِي وَلَهُمْ مَعًا لِمَ التَّحْقِيقُ (ش) الْفَاءُ لِعَطْفِ مُفَصَّلٍ عَلَى مُجْمَلٍ مُقَدَّرٍ، وَهُوَ الْعَامِلُ فِي الظَّرْفِ أَيْ وَأَذْكُرُ بَعْدَ خُطْبَتِي سَبَبَهَا فَقَدْ سَأَلَنِي جَمَاعَةٌ إلَخْ نَحْوَ {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا} [البقرة: 36] فَجُمْلَةُ فَأَخْرَجَهُمَا مُفَسِّرَةٌ لِمَا أُجْمِلَ قَبْلَهَا وَلَا يَصِحُّ جَعْلُهَا سَبَبِيَّةً؛ لِأَنَّ فَاءَ السَّبَبِيَّةِ هِيَ الَّتِي يَكُونُ مَا بَعْدَهَا مُسَبَّبًا عَمَّا قَبْلَهَا نَحْوَ {فَتَابَ عَلَيْهِ} [البقرة: 37]{فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ} [ص: 25] وَهِيَ هُنَا عَلَى الْعَكْسِ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ مُسَبَّبَةٌ عَنْ السُّؤَالِ اللَّهُمَّ إلَّا عَلَى مَا زَعَمَ الْفَرَّاءُ مِنْ أَنَّ مَا بَعْدَهَا قَدْ يَكُونُ سَابِقًا لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ نَحْوَ {أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا} [الأعراف: 4] وَأَبَانَ أَيْ أَظْهَرَ وَالْمَعَالِمُ جَمْعُ مَعْلَمٍ مَفْعَلٍ مِنْ الْعَلَامَةِ وَهِيَ الْأَمَارَةُ عَلَى الشَّيْءِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْعَلَامَةَ نَفْسَهَا

ــ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ لِقَطْعِ) أَيْ لِإِفَادَةِ قَطْعِ مَا قَبْلَهَا إلَخْ وَقَوْلُهُ قَالَ بَعْضٌ وَمَذْهَبُنَا مِثْلُهُمْ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى نَصٍّ صَرِيحٍ فِي الْمَذْهَبِ وَأَتَى بِهَذَا الْكَلَامِ دَلِيلًا لِقَوْلِهِ وَتُسْتَعْمَلُ (قَوْلُهُ اقْتِدَاءً بِالْمُصْطَفَى إلَخْ) أَيْ فَقَدْ ثَبَتَ كَمَا فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَتَى بِهَا فِي خُطَبِهِ وَكُتُبِهِ فَيُسْتَحَبُّ الْإِتْيَانُ بِهَا فِي أَوَائِلِ الْخُطَبِ وَالْكُتُبِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (فَإِنْ قُلْت) ذَكَرَ الْحَافِظُ الرَّهَاوِيُّ فِي أَرْبَعِينِهِ عَنْ أَرْبَعِينَ صَحَابِيًّا «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ أَمَّا بَعْدُ فِي خُطْبَتِهِ وَشَبَهِهَا» أَيْ كُتُبِهِ فَاَلَّذِي وَرَدَ إنَّمَا هُوَ أَمَّا بَعْدُ وَالْمُصَنِّفُ قَالَ وَبَعْدُ وَالْمُنَاسِبُ اتِّبَاعُ الْوَارِدِ (وَالْجَوَابُ) أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَابِعٌ لِغَيْرِهِ فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّهَا بِمَنْزِلَتِهِ انْتَهَى.

(قَوْلُهُ اخْتِلَافٌ) فَقِيلَ دَاوُد عليه السلام وَهَلْ هِيَ فَصْلُ الْخِطَابِ الَّذِي أُوتِيَهُ؛ لِأَنَّهَا تَفْصِلُ بَيْنَ الْمُقَدِّمَاتِ وَالْمَقَاصِدِ وَالْخُطَبِ وَالْمَوَاعِظِ أَوْ هُوَ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ خِلَافٌ وَقِيلَ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَا يَعْقُوبُ فَفِي غَرِيبِ مَالِكٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ «أَنَّ يَعْقُوبَ عليه السلام لَمَّا جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ قَالَ مِنْ جُمْلَةِ كَلَامِهِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ مُوكَلٌ بِنَا الْبَلَاءُ» وَقِيلَ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَا أَيُّوبُ وَقِيلَ قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ الْأَيَادِيُّ وَقِيلَ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ وَقِيلَ يَعْرُبُ بْنُ قَحْطَانَ وَقِيلَ سَحْبَانُ بْنُ وَائِلٍ وَنَظَمَ ذَلِكَ رَضِيُّ الدِّينِ الْعَزِيُّ فَقَالَ

جَرَى الْخُلْفُ أَمَّا بَعْدُ مَنْ كَانَ بَادِئًا

بِهَا خَمْسَةُ الْأَقْوَالِ دَاوُد أَقْرَبُ

وَكَانَتْ لَهُ فَصْلُ الْخِطَابِ وَبَعْدَهُ

فَقُسُّ فَسَحْبَانُ فَكَعْبُ فَيَعْرُبُ

(قَوْلُهُ وَتُسْتَعْمَلُ مَعَ إمَّا وَالْوَاوِ) كَذَا قَالَ الْحَطَّابُ قَالَ فِي ك فِيهِ نَظَرٌ تَبِعَ فِيهِ ابْنَ أَبِي شَرِيفٍ وَغَيْرَهُ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا كَمَا قَالَهُ الْكَسْتَلِيُّ عَلَى شَرْحِ عَقَائِدِ النَّسَفِيِّ انْتَهَى، ثُمَّ أَقُولُ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْوَاوَ اسْتِئْنَافِيَّةٌ (قَوْلُهُ لِي وَلَهُمْ) قَدَّمَ نَفْسَهُ فِي الدُّعَاءِ الصَّالِحِ حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ {رَبِّ اغْفِرْ لِي} [نوح: 28] وَفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ «كَانَ صلى الله عليه وسلم إذَا ذَكَرَ أَحَدًا وَدَعَا لَهُ بَدَأَ بِنَفْسِهِ» .

(قَوْلُهُ الْفَاءُ لِعَطْفِ مُفَصَّلٍ إلَخْ) أَوْ أَنَّ الْفَاءَ وَاقِعَةٌ فِي جَوَابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ غَيْرَ أَنَّهُ يَرِدُ أَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ مُسْتَقْبَلٌ وَسُؤَالُ الْجَمَاعَةِ لَيْسَ بِمُسْتَقْبَلٍ بِالنِّسْبَةِ لِمَا قَبْلَهُ فَكَيْفَ يَكُونُ جَوَابًا (قُلْت) هُوَ جَوَابٌ عَلَى ضَرْبٍ مِنْ الْمَجَازِ وَفِي الْحَقِيقَةِ الْجَوَابُ مَحْذُوفٌ أُقِيمَ هَذَا مَقَامَهُ وَالتَّقْدِيرُ فَإِنِّي قَائِلٌ لَك قَدْ سَأَلَنِي (قَوْلُهُ عَلَى مُجْمَلٍ) أَيْ مُجْمَلٍ مُتَعَلِّقُهُ أَوْ مُجْمَلٍ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقِهِ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ هُوَ اُذْكُرْ وَالْمُجْمَلُ إنَّمَا هُوَ مُتَعَلِّقُهُ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ سَبَبُهَا وَوَجْهُ إجْمَالِهِ أَنَّ هَذَا السَّبَبَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالَ الْجَمَاعَةِ أَوْ غَيْرَهُ كَمَيَلَانِ نَفْسِهِ أَوْ رُؤْيَةٍ مَنَامِيَّةٍ ثُمَّ فَصَّلَ هَذَا الْإِجْمَالَ أَيْ بَيَّنَ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا الْمُجْمَلِ (قَوْلُهُ نَحْوَ {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ} [البقرة: 36] حَاصِلُهُ أَنَّهُ قُرِئَ فَأَزَلَّهُمَا قَالَ الْجَلَالُ أَيْ أَذْهَبَهُمَا، ثُمَّ قَالَ وَفِي قِرَاءَةٍ فَأَزَالَهُمَا أَيْ نَحَاهُمَا عَنْهَا أَيْ الْجَنَّةِ، ثُمَّ قَالَ فِي قَوْلِهِ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ أَيْ مِنْ النَّعِيمِ فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ الْقِرَاءَتَيْنِ بِمَعْنًى وَأَنَّ الْعَطْفَ مِنْ عَطْفِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ لَا مِنْ عَطْفِ مُفَصَّلٍ عَلَى مُجْمَلٍ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ {فَتَابَ عَلَيْهِ} [البقرة: 37] عَطْفٌ عَلَى {فَتَلَقَّى آدَمُ} [البقرة: 37] إلَخْ وَقَوْلُهُ {فَغَفَرْنَا} [ص: 25] عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ {وَخَرَّ رَاكِعًا} [ص: 24] (قَوْلُهُ إلَّا عَلَى مَا زَعَمَ الْفَرَّاءُ) أَيْ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْفَرَّاءُ، وَأَمَّا غَيْرُ الْفَرَّاءِ فَيَقُولُ مَعْنَى أَهْلَكْنَاهَا أَرَدْنَا إهْلَاكَهَا (قَوْلُهُ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ) لَا يَخْفَى أَنَّ مَجِيءَ الْبَأْسِ هُوَ الْعَذَابُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَجِيءَ الْعَذَابِ إنَّمَا يَكُونُ قَبْلَ الْإِهْلَاكِ بَعْدُ فَلَا سِيَاقَ بَعْدَ هَذَا يُسْتَدَلُّ بِهِ فَلَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ قَدْ يَكُونُ سَابِقًا لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى.

(فَائِدَةٌ) قَرِينَةُ السِّيَاقِ أَمْرٌ يُؤْخَذُ مِنْ الْكَلَامِ الْمَسُوقِ لِبَيَانِ الْمَقْصُودِ سَوَاءٌ كَانَ سَابِقًا عَلَى اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى خُصُوصِ الْمَقْصُودِ أَوْ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهَا بِدَلَالَةِ السِّبَاقِ أَيْضًا قِيلَ وَاسْتِعْمَالُ السِّيَاقِ بِالْمُثَنَّاةِ فِي الْمُتَأَخِّرِ أَكْثَرُ أَمَّا دَلَالَةُ السِّبَاقِ بِالْمُوَحَّدَةِ فَهِيَ دَلَالَةُ التَّرْكِيبِ عَلَى مَعْنًى يَسْبِقُ إلَى الْفَهْمِ مِنْهُ مَعَ احْتِمَالِ إرَادَةِ غَيْرِهِ ذَكَرَهُ الْكَمَالُ بْنُ أَبِي شَرِيفٍ (قَوْلُهُ أَيْ أَظْهَرَ) لَا بِمَعْنَى فَصْلٍ هُنَا، وَإِنْ كَانَ أَبَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا وَعَلَيْهِ فَمَعَالِمُ مَفْعُولٌ أَوَّلٌ وَلِي وَلَهُمْ مَفْعُولٌ ثَانٍ وَقُدِّمَ لِلِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهِ (قَوْلُهُ مَعْلَمٌ) سَيَأْتِي أَنَّ الْمَعْلَمَ هُوَ الْأَثَرُ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الطَّرِيقِ فَإِذَنْ يَكُونُ مِنْ أَفْرَادِ الْعَلَامَةِ بِتَفْسِيرِهِ فَإِذَنْ يَكُونُ قَوْلُهُ مِنْ الْعَلَامَةِ أَيْ مَأْخُوذٌ لَا مُشْتَقٌّ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ (قَوْلُهُ وَهِيَ الْأَمَارَةُ) تَفْسِيرٌ لِلْعَلَامَةِ (قَوْلُهُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْعَلَامَةَ نَفْسَهَا) أَيْ فَرْدًا مِنْهَا، وَهُوَ الْأَثَرُ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الطَّرِيقِ لِقَوْلِهِ اسْتِدْلَالًا عَلَى قَوْلِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ.

قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فَإِذَنْ يَكُونُ فِي الْعِبَارَةِ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ شَبَّهَ التَّحْقِيقَ الَّذِي هُوَ إثْبَاتُ الْأَحْكَامِ بِأَدِلَّتِهَا بِالطَّرِيقِ الْمَسْلُوكَةِ تَشْبِيهًا مُضْمَرًا فِي النَّفْسِ وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ فِي النَّفْسِ وَدَلَّ عَلَيْهِ بِذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ مُلَائَمَاتِ الْمُشَبَّهِ بِهِ اسْتِعَارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ وَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَعَارَ مَعَالِمُ لِلْأَدِلَّةِ الَّتِي يُهْتَدَى بِهَا شَبَّهَ الْأَدِلَّةَ بِالْأَثَرِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الطَّرِيقِ بِجَامِعِ الِاهْتِدَاءِ وَاسْتَعَارَ

ص: 32

وَهُوَ الظَّاهِرُ.

قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْمَعْلَمُ الْأَثَرُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الطَّرِيقِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مَكَانَهَا وَالتَّحْقِيقُ مَصْدَرُ حَقَّقَ الشَّيْءَ إذَا تَيَقَّنَهُ وَعَرَفَهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ فَصَارَ مُحَقِّقًا لَهُ فَيَكُونُ فَعَّلَ لِلِاتِّصَافِ بِمَعْنَاهُ نَحْوَ عَدَّلْته أَيْ صَيَّرْته عَدْلًا طَلَبَ مِنْ اللَّهِ لَهُ وَلِسَائِلِهِ وَضْعُ الْمُخْتَصَرِ الْمَذْكُورِ أَنْ يُظْهِرَ لَهُمْ عَلَامَةَ الْوُقُوعِ عَلَى حَقِيقَةِ الْعِلْمِ الَّذِي طَلَبُوا الْوَضْعَ فِيهِ أَوْ عَلَامَاتِ التَّحْقِيقِ مُطْلَقًا فِيهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ لَا يُقَالُ الْأَوْلَى لِلْمُؤَلِّفِ تَرْكُ بَيَانِ سُؤَالِهِمْ خَشْيَةَ الرِّيَاءِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ وَثِقَ مِنْ نَفْسِهِ بِانْتِفَائِهِ، فَإِنْ قُلْت هَلَّا بَادَرَ قَبْلَ السُّؤَالِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ خَيْرٍ قُلْت لَعَلَّهُ ظَنَّ اسْتِغْنَاءَ النَّاسِ عَنْهُ وَأَنَّ غَيْرَهُ أَهَمُّ فَاشْتَغَلَ بِهِ حَتَّى تَحَقَّقَ الِاحْتِيَاجُ إلَيْهِ بِسُؤَالِ الْجَمَاعَةِ لَهُ.

(ص) وَسَلَكَ بِنَا وَبِهِمْ أَنْفَعَ طَرِيقٍ (ش) لَمَّا سَأَلَ الدَّلَالَةَ عَلَى التَّحْقِيقِ وَكَانَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ قَدْ يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ وَيُدَلُّ عَلَيْهِ بِطُرُقٍ بَعْضُهَا أَنْجَحُ مِنْ بَعْضٍ وَكَانَ سُلُوكُ الْأَنْفَعِ أَنْجَحَ أَتَى بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ الدِّعَائِيَّةِ وَأَنْفَعَ نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ

ــ

[حاشية العدوي]

اسْمَ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ وَلَا يَرِدُ أَنَّ هَذِهِ رُتْبَةُ الْمُجْتَهِدِ لَا الْمُقَلِّدِ وَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ فَهُوَ مُقَلِّدٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الِاجْتِهَادُ بَذْلُ الْوُسْعِ فِي اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْ أَدِلَّتِهَا لَا إثْبَاتُ الْأَحْكَامِ بِأَدِلَّتِهَا وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ مَا ذَكَرَ اجْتِهَادٌ فِي الْجُمْلَةِ فَلَيْسَ مُرَادُهُ ظَاهِرًا، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنْ تَحْصُلَ لَهُ مَسَائِلُ الْفِقْهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُقَرَّرِ كَذَا أَفَادَهُ مُحَشِّي النَّاصِرِ.

(قَوْلُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مَكَانَهَا) أَيْ مَكَانَ الْعَلَامَةِ أَيْ ذَاتَ الْمَحَلِّ الَّذِي يَثْبُتُ فِيهِ مَا يُجْعَلُ عَلَمًا عَلَى الطَّرِيقِ فَيَكُونُ مَعْلَمٌ اسْمَ مَكَان وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَعْنًى غَيْرُ لُغَوِيٍّ فَيَكُونُ مَجَازًا مَعَ أَنَّ كَلَامَ الْقَامُوسِ يُفِيدُ أَنَّهُ يُطْلَقُ لُغَةً عَلَى كُلٍّ مِنْ الْعَلَامَةِ وَمَكَانِهَا وَيَأْتِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاسْتِعَارَةِ بِالْكِنَايَةِ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ أَيْضًا وَقَوْلُهُ وَمَعَالِمُ جَمْعُ مَعْلَمٍ بِمَعْنَى مَكَانِ الْعَلَامَةِ اسْتِعَارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ أَيْ إثْبَاتُهُ اسْتِعَارَةٌ عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ مَشْهُورٌ (فَإِنْ قُلْت) قَدْ قَرَّرْت أَنَّهُ إذَا أُرِيدَ بِالْمَعْلَمِ الْعَلَامَةُ يَجُوزُ الِاسْتِعَارَةُ بِالْكِنَايَةِ وَلَفْظُ الْمَعْلَمِ حَقِيقَةُ إثْبَاتِهِ تَخْيِيلٌ أَوْ أَنَّهُ اسْتِعَارَةٌ لِلْأَدِلَّةِ، وَهَلْ إذَا أُرِيدَ مِنْ الْمَعْلَمِ نَفْسُ الْمَكَانِ هَلْ يَصِحُّ أَنْ يَتَجَوَّزَ بِهِ عَنْ شَيْءٍ أَوْ يَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةُ إثْبَاتِهِ تَخْيِيلَ قَرِينَةِ الْمَكْنِيَّةِ (قُلْت) يَصِحُّ أَنْ يُسْتَعَارَ لِمَظِنَّةِ الْأَدِلَّةِ أَيْ لِلْأَمَاكِنِ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةٌ لِوُجُودِ الدَّلِيلِ فِيهَا مِنْ الْكُتُبِ الْمُدَوَّنَةِ فِي هَذَا الْفَنِّ أَوْ فِي الْأَحَادِيثِ أَوْ مِنْ مَسَائِلَ يُلْهِمُهَا الْمَوْلَى لَهُ يَسْتَنْبِطُ مِنْهَا الدَّلِيلَ (قَوْلُهُ إذَا تَيَقَّنَهُ) أَيْ يَقُولُ ذَلِكَ إذَا تَيَقَّنَهُ (قَوْلُهُ وَعَرَفَهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ) عَطْفٌ عَلَى تَيَقَّنَهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْيَقِينَ أَخَصُّ مِنْ الْمَعْرِفَةِ مَعَ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ وَالْيَقِينَ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُرِيدَ بِالْمَعْرِفَةِ مُجَرَّدَ الِاعْتِقَادِ الْجَازِمَ الْمُطَابِقَ وَحَقُّهَا أَيْ الْفَرْدِ الْأَعْلَى مِنْهَا هُوَ مَا كَانَ بِالدَّلِيلِ، وَهُوَ عَيْنُ الْيَقِينِ فَصَحَّ الْعَطْفُ.

(قَوْلُهُ فَصَارَ مُحَقِّقًا لَهُ) أَيْ مُتَيَقِّنًا لَهُ يَصِحُّ كَسْرُ الْقَافِ الْأُولَى وَفَتْحُهَا إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ التَّحْقِيقَ بِتَفْسِيرِهِ هَذَا، وَهُوَ التَّيَقُّنُ لَا يَأْتِي عَلَى مَعْنًى مِنْ مَعْنَيَيْ التَّحْقِيقِ الْمَشْهُورَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا ذِكْرُ الْمَسْأَلَةِ بِدَلِيلِهَا أَوْ ذِكْرُهَا عَلَى الْوَجْهِ الْحَقِّ (قَوْلُهُ فَيَكُونُ فِعْلٌ) أَيْ فَيَكُونُ ذِكْرُ فِعْلٍ أَيْ إسْنَادُهُ لِفَاعِلِهِ لِإِفَادَةِ الِاتِّصَافِ بِمَعْنَاهُ التَّضَمُّنِيِّ الَّذِي هُوَ التَّحْقِيقُ (قَوْلُهُ وَضْعَ) مَعْمُولٌ لِسَائِلِهِ أَيْ تَأْلِيفُ الْمُخْتَصَرِ (قَوْلُهُ عَلَامَةَ الْوُقُوعِ) أَيْ عَلَامَةَ الْوُقُوفِ أَرَادَ بِالْوُقُوفِ إدْرَاكَ الْحَقِيقَةِ وَتِلْكَ الْعَلَامَةُ هِيَ الدَّلِيلُ (قَوْلُهُ عَلَى حَقِيقَةِ الْعِلْمِ) أَيْ عَلَى حَقِيقَةٍ هِيَ الْعِلْمُ الَّذِي طَلَبُوا الْوَضْعَ فِيهِ وَفَائِدَةُ تِلْكَ الْإِضَافَةِ مَعَ كَوْنِهَا لِلْبَيَانِ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ الِاطِّلَاعُ عَلَى الْمَسَائِلِ الَّتِي هِيَ ثَابِتَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ مِنْ حَقٍّ إذَا ثَبَتَ لَا مَسَائِلَ يَظُنُّهَا حَقَّةً مُطَابِقَةً لِلْوَاقِعِ وَيَكُونُ الَّذِي فِي الْوَاقِعِ خِلَافَهَا.

(قَوْلُهُ وَثِقَ مِنْ نَفْسِهِ) أَيْ جَزَمَ أَوْ ظَنَّ ظَنًّا قَوِيًّا وَقَوْلُهُ، فَإِنْ قُلْت إلَخْ أَيْ فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَهَلَّا بَادَرَ (قَوْلُهُ قُلْت إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّا نُسَلِّمُ أَنَّهُ خَيْرٌ وَلَكِنْ ظَنُّ اسْتِغْنَاءِ النَّاسِ عَنْهُ وَأَنَّ غَيْرَهُ أَهَمُّ فَيَكُونُ أَوْلَى بِالِاشْتِغَالِ بِهِ وَقَوْلُهُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الِاحْتِيَاجُ أَيْ وَإِذَا تَحَقَّقَ الِاحْتِيَاجُ فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْمُنَاسِبَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَرْتَكِبَ مَا هُوَ الْأَوْلَى 1

(قَوْله وَسَلَكَ بنا وَبِهِمْ) إنَّمَا أَتَى بِالضَّمِيرِ فِي بنا جَمْعًا وَفِيمَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ لِي وَلَهُمْ مُفْرَدًا تَفَنُّنًا فِي الْعِبَارَةِ أَوْ لِعِظَمِ الْمَسْئُولِ هُنَا وَإِنَّمَا عَدَّى الْمُؤَلِّفُ سَلَكَ بِالْبَاءِ وَلَمْ يَأْتِ بِمَا هُوَ الْقِيَاسُ لِنُكْتَةٍ وَهِيَ الْإِشَارَةُ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُصَاحِبُ وَالْمُعِينُ لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْمُصَاحَبَةِ كَمَا قَالَهُ بَعْضٌ (قَوْلُهُ لَمَّا سَأَلَ الدَّلَالَةَ) أَيْ إظْهَارَ الدَّلَالَةِ بِمَعْنَى الدَّلِيلِ أَوْ ذِي الدَّلَالَةِ (قَوْلُهُ وَكَانَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ) هَذَا كُلِّيٌّ وَمِنْ جُزْئِيَّاتِهِ التَّحْقِيقُ الْمَقْصُودُ فِي الْمَقَامِ (قَوْلُهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ) عَطْفُ مُرَادِفٍ (قَوْلُهُ أَنْجَحُ مِنْ بَعْضٍ) أَيْ؛ لِأَنَّ الطُّرُقَ إلَى الْحَقِّ، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا نَافِعَةً فَفِيهَا الْأَنْفَعُ، وَهُوَ مَا قَرُبَ مَرَامُهُ وَتَيَسَّرَتْ أُمُورُهُ وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَنْفَعُهُ الْعِلْمُ وَمِنْهُمْ مِنْ يَنْفَعُهُ الْعِبَادَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْفَعُهُ الْوَرَعُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْفَعُهُ الزَّهَادَةُ وَوَقَعَ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ لِبَعْضِ إخْوَانٍ حَضَّهُ فِيهِ عَلَى التَّجَرُّدِ لِلْعِبَادَةِ، ثُمَّ قَالَ وَمَا أَرَى مَا أَنْتَ فِيهِ خَيْرًا مِمَّا أَنَا فِيهِ وَكِلَانَا إنْ شَاءَ اللَّهُ عَلَى خَيْرٍ أَفَادَهُ ك وَاَلَّذِي وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ الْإِمَامُ فَقَدْ أَرْسَلَ لَهُ بَعْضُ الْإِخْوَانِ يَحُثُّهُ عَلَى التَّجَرُّدِ لِلْعِبَادَةِ وَتَرْكِ الْعِلْمِ فَأَرْسَلَ لَهُ كَلَامًا وَمِنْ جُمْلَتِهِ وَمَا أَرَى مَا أَنْتَ فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا أَنَا فِيهِ.

(قَوْلُهُ وَكَانَ سُلُوكُ الْأَنْفَعِ أَنْجَحَ) الْأَفْضَلُ أَنْ يَقُولَ وَكَانَ سُلُوكُ الْأَنْجَحِ أَيْ الْأَنْفَعِ أَوْلَى (قَوْلُهُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ الدِّعَائِيَّةِ) أَيْ فَقَوْلُهُ وَسَلَكَ بِنَا جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشَائِيَّةً مَعْنًى وَالْمَعْنَى اللَّهُمَّ اُسْلُكْ بِنَا وَبِهِمْ أَنْفَعَ طَرِيقٍ إلَّا أَنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ، وَهُوَ كَوْنُ الْمَوْلَى يَذْهَبُ مَعَهُمْ فِي الطَّرِيقِ الْحِسِّيَّةِ الْأَنْفَعَ غَيْرُ مُرَادٍ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ التَّبَعِيَّةِ وَتَقْرِيرُهَا شَبَّهَ صَرْفَ اللَّهِ إرَادَتَهُمْ لِلْوَجْهِ الْأَنْفَعِ مِنْ عِلْمٍ أَوْ غَيْرِهِ بِسُلُوكِهِ بِهِمْ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ عَلَى فَرْضِ تَحَقُّقِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِيلًا وَاسْتَعَارَ اسْمَ الْمُشَبَّهَ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ وَاشْتَقَّ مِنْ

ص: 33

وَإِضَافَتُهُ إلَى طَرِيقٍ مِنْ إضَافَةِ الْأَعَمِّ إلَى الْأَخَصِّ أَوْ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ رِعَايَةً لِلسَّجْعِ وَالْأَصْلُ طَرِيقًا أَنْفَعَ وَالنَّفْعُ ضِدُّ الضُّرِّ يُقَالُ نَفَعَهُ بِكَذَا يَنْفَعُهُ وَانْتَفَعَ بِهِ وَالِاسْمُ الْمَنْفَعَةُ وَالطَّرِيقُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ لُغَتَانِ فَصَيْحَتَانِ وَفِي الصِّحَاحِ الطَّرِيقُ السَّبِيلُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَالْجَمْعُ أَطْرِقَةٌ وَطُرُقٌ وَطَرَائِقُ الْقَوْمِ أَمَاثِلُهُمْ وَأَشْرَافُهُمْ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا} [الجن: 11] أَيْ كُنَّا طُرُقًا مُخْتَلِفَةً أَهْوَاؤُنَا لَا يُقَالُ أَنْفَعَ لَيْسَ بِظَرْفٍ وَإِنَّمَا هُوَ اسْمُ تَفْضِيلٍ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الظَّرْفِيَّةِ؛ لِأَنَّ الظَّرْفَ مَا ضُمِّنَ مَعْنَى فِي بِاطِّرَادٍ مِنْ اسْمِ زَمَانٍ أَوْ مَكَان؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَمَّا أُضِيفَ أَفْعَلَ إلَى ظَرْفِ الْمَكَانِ فَكَانَ بَعْضًا مِمَّا يُضَافُ إلَيْهِ فَقَدْ آلَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّهُ ظَرْفٌ.

(ص) مُخْتَصَرًا عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ (ش) مُخْتَصَرًا نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ كَلَامًا أَوْ تَأْلِيفًا مُخْتَصَرًا، وَهُوَ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ اخْتَصَرَ الْكَلَامَ إذَا أَتَى بِالْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ فِي الْأَلْفَاظِ الْقَلِيلَةِ مِنْ غَيْرِ إخْلَالٍ بِالْمَعْنَى " وَعَلَى مَذْهَبِ " عَلَى حَذْفِ مُضَافَيْنِ أَيْ فَهْمُ أَحْكَامِ أَوْ مَسَائِلَ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَيْ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ

ــ

[حاشية العدوي]

السُّلُوكِ سَلَكَ بِمَعْنَى اُسْلُكْ مُرَادٌ بِهِ اصْرِفْ إرَادَتَنَا لِلْوَجْهِ الْأَنْفَعِ مِنْ عِلْمٍ أَوْ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ مِنْ إضَافَةِ الْأَعَمِّ إلَى الْأَخَصِّ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْأَنْفَعَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ بِكَوْنِهِ طَرِيقًا وَغَيْرَ طَرِيقٍ وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي حَدِّ ذَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لِمَا أُضِيفَ وَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ بَعْضُ مَا يُضَافُ إلَيْهِ صَارَ مَصْدُوقُهُ الْفَرْدَ الْأَنْفَعَ مِنْ أَفْرَادِ الطَّرِيقِ، ثُمَّ إنَّ إضَافَةَ الْأَعَمِّ إلَى الْأَخَصِّ تَرْجِعُ لِلْإِضَافَةِ الَّتِي لِلْبَيَانِ لَا بَيَانِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الْبَيَانِيَّةَ هِيَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ

(قَوْلُهُ رِعَايَةً لِلسَّجْعِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ إضَافَةَ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ خِلَافُ الْأَصْلِ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ رِعَايَةً لِلسَّجْعِ أَيْ وَارْتَكَبَ ذَلِكَ رِعَايَةً لِلسَّجْعِ (قَوْلُهُ وَالنَّفْعُ) مَصْدَرُ نَفَعَ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ ضِدُّ الضَّرِّ بِفَتْحِ الضَّادِ؛ لِأَنَّهُ الْمَصْدَرُ وَضِدُّ الْمَصْدَرِ مَصْدَرٌ يُنَافِيهِ وَيُطْلَقُ النَّفْعُ عَلَى مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ الْخَيْرِ، وَهُوَ الْمُشَارُ لَهُ بِقَوْلِهِ وَالِاسْمُ الْمَنْفَعَةُ وَضِدُّهُ الضُّرُّ بِالضَّمِّ فَفِي الْمِصْبَاحِ الضُّرُّ الْفَاقَةُ وَالْفَقْرُ بِضَمِّ الضَّادِ اسْمٌ وَبِفَتْحِهَا مَصْدَرُ ضَرَّهُ (قَوْلُهُ وَطَرَائِقُ الْقَوْمِ أَمَاثِلُهُمْ) إشَارَةٌ إلَى تَصَارِيفِ تِلْكَ الْمَادَّةِ وَقَوْلُهُ وَأَشْرَافُهُمْ عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَقَوْلُهُ وَمِنْهُ أَيْ وَمِنْ تِلْكَ الصِّيغَةِ الَّتِي هِيَ طَرَائِقُ لَا بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ الَّذِي هُوَ أَمَاثِلُهُمْ وَأَشْرَافُهُمْ (قَوْلُهُ كُنَّا طَرَائِق) أَيْ ذَوِي طُرُقٍ أَيْ مَذَاهِبَ (قَوْلُهُ مُخْتَلِفَةً أَهْوَاؤُنَا) تَفْسِيرٌ لِقِدَدًا جَمْعُ قِدَّةٍ مِنْ قَدَّ إذَا قَطَعَ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ قِدَدًا صِفَةٌ لِطَرَائِقَ أَيْ كُنَّا ذَوِي مَذَاهِبَ مُخْتَلِفَةٍ قَالَ بَعْضُهُمْ مِنْهُمْ مُرْجِئَةٌ وَرَافِضَةٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ مَعْنَى طَرَائِقَ مَذَاهِبُ وَقِدَدًا مَعْنَاهُ مُخْتَلِفَةً فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ الشَّارِحِ أَهْوَاؤُنَا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى ظَاهِرٌ بِدُونِهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الشَّارِحَ لَاحَظَ أَنَّ قِدَدًا حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ كُنَّا أَيْ كُنَّا ذَوِي مَذَاهِبَ فِي حَالِ كَوْنِنَا مُخْتَلِفَةً أَهْوَاؤُنَا فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ مُخْتَصَرًا) مَفْعُولُ سَأَلَنِي (قَوْلُهُ أَوْ تَأْلِيفًا إلَخْ) أَيْ إنَّ الْمَوْصُوفَ إمَّا أَنْ تُقَدِّرَهُ كَلَامًا أَوْ تَأْلِيفًا قَالَ فِي ك لَكِنَّهُ غَلَّبَ فِي الثَّانِي وَعَلَى كُلٍّ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ تَأْلِيفَ مُخْتَصَرٍ (إنْ قُلْت) مَا الْمُحْوِجُ إلَى تَقْدِيرِ هَذَا الْمُضَافِ.

(قُلْت) ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَ إلَّا فِيمَا كَانَ مَقْدُورًا لِلْمَسْئُولِ حَالَ السُّؤَالِ وَالْمُخْتَصَرُ بِتَمَامِهِ لَيْسَ مَقْدُورًا إذْ ذَاكَ لِانْعِدَامِهِ وَالْمَقْدُورُ إنَّمَا هُوَ تَأْلِيفُهُ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي تَقْدِيرُ مُضَافٍ أَيْ غَيْرَ هَذَا بِأَنْ يُقَالَ أَيْ الشُّرُوعُ فِي تَأْلِيفِ مُخْتَصَرٍ؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ هُوَ الْمَقْدُورُ لَهُ الْآنَ أَيْ عَادَةً فَلَا يُنَافِي أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِأَقْدَارِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ قُلْت هِيَ جَارِيَةٌ بِإِتْمَامِ التَّأْلِيفِ (قُلْت) نَعَمْ لَكِنْ كَثُرَ تَخَلُّفُهَا فِيهِ كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ مَنْ كَتَبَ عَلَى النَّاصِرِ (قَوْلُهُ مَنْ اخْتَصَرَ إلَخْ) يَأْتِي هُنَا مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ مَنْ اُضْطُرَّ (قَوْلُهُ إذَا أَتَى بِالْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ) إشَارَةٌ إلَى تَعْرِيفِ الِاخْتِصَارِ وَإِنَّهُ الْإِتْيَانُ بِالْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ فِي الْأَلْفَاظِ الْقَلِيلَةِ لَا أَنَّ الْكَلَامَ كَانَ مُطَوَّلًا ثُمَّ اخْتَصَرَهُ وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُخْتَصَرَ مَا قَلَّ لَفْظُهُ وَكَثُرَ مَعْنَاهُ أَمْ لَا وَالْمُطَوَّلُ مَا كَثُرَ لَفْظُهُ وَكَثُرَ مَعْنَاهُ أَمْ لَا فَلَا وَاسِطَةَ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ عِنْدَ الشَّارِحِ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَنَّ الْمُخْتَصَرَ مَا قَلَّ لَفْظُهُ وَكَثُرَ مَعْنَاهُ وَالْمُطَوَّلُ مَا كَثُرَ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ (قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ إخْلَالٍ بِالْمَعْنَى) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الِاخْتِصَارَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُخِلٍّ بِفَهْمِ الْمَعْنَى أَيْ بِحَيْثُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْمَعْنَى.

(أَقُولُ) هَذَا الْوَصْفُ ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا كَانَ مُخْتَصَرًا مِنْ كَلَامٍ مُطَوَّلٍ فَلَا يَشْمَلُ مَا إذَا كَانَ اللَّفْظُ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ قَلِيلًا وَتَحْتَهُ مَعَانٍ كَثِيرَةٌ مَعَ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ مُخْتَصَرٌ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ وَعَلَى مَذْهَبٍ عَلَى حَذْفِ مُضَافَيْنِ) لَا حَاجَةَ لِتَقْدِيرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُضَافَ الْأَوَّلَ، وَهُوَ فُهِمَ مِنْ صِفَاتِ الشَّخْصِ الْفَاهِمِ، وَلَيْسَ الْكِتَابُ مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ وَالْأَحْكَامُ الَّتِي هِيَ الْمَسَائِلُ نَفْسُ الْمَذْهَبِ وَيُجَابُ بِأَنَّ فَهْمَ مَصْدَرِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، وَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ وَإِضَافَةِ أَحْكَامٍ إلَى مَا بَعْدَهُ لِلْبَيَانِ قَصَدَ بِذَلِكَ أَنَّ الْأَحْكَامَ هِيَ عَيْنُ الْمَذْهَبِ إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ كَمَا فِي ك بِأَنَّ الْأَكْثَرَ تَعَدِّيه بِفِي فَيُحْتَمَلُ عَلَى أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَاهَا نَحْوَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ، وَإِنَّمَا اخْتَارَ عَلَى لِإِيهَامِهَا الِاسْتِعْلَاءَ كَأَنَّ هَذَا الْمُخْتَصَرَ لِضَبْطِهِ وَكَثْرَةِ جَمْعِهِ مُسْتَوْلٍ وَمُسْتَعْلٍ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَقَوْلُهُ أَوْ مَسَائِلِ تَنْوِيعٌ فِي التَّعْبِيرِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَطْلُوبٌ خَبَرِيٌّ يُبَرْهَنُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ (قَوْلُهُ أَيْ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَذْهَبَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أُرِيدَ مِنْهُ الْمَفْعُولُ، وَهِيَ الْأَحْكَامُ الَّتِي ذَهَبَ إلَيْهَا إمَامٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى الْمَكَانِ إلَّا بِتَعَسُّفٍ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ مَذْهُوبٌ إلَيْهَا لَا فِيهَا وَوَجْهُ صِحَّةِ الْحَمْلِ مَعَ التَّعَسُّفِ أَنَّ الْمَكَانَ هُنَا لَيْسَ حَقِيقِيًّا وَإِنَّمَا هُوَ مَجَازِيٌّ فَكَأَنَّهُ لَمَّا يَنْتَقِلُ مِنْ حُكْمٍ إلَى حُكْمٍ ذَاهِبٌ فِي الْأَحْكَامِ الِاجْتِهَادِيَّةِ أَيْ الْمَنْسُوبَةِ إلَى الِاجْتِهَادِ، وَهُوَ بَذْلُ الْوُسْعِ فِي اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إلَى آخِرِ مَا قَالُوا فَإِذَنْ وُجُوبُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ لَيْسَ مِنْ الْفِقْهِ.

(تَنْبِيهَانِ) : الْأَوَّلُ يُطْلَقُ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ

ص: 34

الِاجْتِهَادِيَّةِ.

وَنَسَبُ مَالِكٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَرْثِ بْنِ غَيْمَانَ بِمُعْجَمَةٍ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ ابْنِ خُثَيْلٍ بِمُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ فَمُثَلَّثَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ ذَكَرَهُ ابْنُ مَاكُولَا الْأَصْبَحِيُّ بِفَتْحِ الْبَاءِ نِسْبَةً إلَى ذِي أَصْبَحَ بَطْنٌ مِنْ حِمْيَرَ، وَهُوَ مِنْ الْعَرَبِ حِلْفُهُ فِي قُرَيْشٍ فِي بَنِي تَيْمِ اللَّهِ فَهُوَ مَوْلَى حِلْفٍ لَا مَوْلَى عَتَاقَةٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَهُوَ مِنْ بُيُوتِ الْمُلُوكِ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ عِنْدَ الْعَرَبِ إذَا جَاءُوا فِي النَّسَبِ بِذِي يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ وَابْنُ مَاكُولَا هُوَ الْأَمِيرُ أَبُو نَصْرٍ وَحَمَلَتْ بِالْإِمَامِ أُمُّهُ ثَلَاثَ سِنِينَ وَكَانَتْ وِلَادَتُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ عَلَى الْأَشْهَرِ بِذِي الْمَرْوَةِ مَوْضِعٌ مِنْ مَسَاجِدِ تَبُوكَ عَلَى ثَمَانِيَةِ بُرُدٍ مِنْ الْمَدِينَةِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ عِيَاضٍ فِي الْمَشَارِق أَنَّهُ مَدَنِيُّ الدَّارِ وَالْمَوْلِدِ وَالْمُنْشَأِ؛ لِأَنَّ ذَا الْمَرْوَةِ مِنْ أَعْمَالِ الْمَدِينَةِ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ يَوْمَ الْأَحَدِ لِتَمَامِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ يَوْمًا مِنْ رَبِيعِ الْأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ وَصَلَّى عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَكَانَ يَوْمئِذٍ وَالٍ عَلَى الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ وَقَبْرُهُ مَشْهُورٌ وَعَلَيْهِ قُبَّةٌ وَبِجَانِبِهِ قَبْرٌ لِنَافِعٍ. قَالَ السَّخَاوِيُّ إمَّا نَافِعُ الْقَارِئُ أَوْ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ وَانْظُرْ مَنَاقِبَ الْإِمَامِ وَبَقِيَّةَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ فَإِنَّ فِيهِ الْعَجَبَ الْعُجَابَ.

(ص) مُبَيِّنًا لِمَا بِهِ الْفَتْوَى (ش) مُبَيِّنًا اسْمُ فَاعِلٍ إمَّا حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ وَاضِعِهِ الْمَسْئُولِ أَيْ سَأَلُونِي وَضْعَ مُخْتَصَرٍ حَالَ كَوْنِي مُبَيِّنًا لَهُمْ فِيهِ الْقَوْلَ الَّذِي بِهِ الْفَتْوَى مِنْ أَقْوَالِ الْمَذْهَبِ الْمَذْكُورِ

ــ

[حاشية العدوي]

مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ عَلَى مَا بِهِ الْفَتْوَى مِنْ إطْلَاقِ الشَّيْءِ عَلَى جُزْئِهِ الْأَهَمِّ كَالْحَجِّ عَرَفَةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَهَمُّ عِنْدَ الْفَقِيهِ الْمُقَلِّدِ (الثَّانِي) الْمُرَادُ بِمَذْهَبِهِ مَا قَالَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى طَرِيقَتِهِ وَنُسِبَ إلَيْهِ مَذْهَبًا لِكَوْنِهِ يَجْرِي عَلَى قَوَاعِدِهِ وَأَصْلُهُ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ مَذْهَبُهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ مَذْهَبِهِ (قَوْلُهُ الْأَصْبَحِيُّ) نَعْتٌ لِمَالِكٍ، وَإِنْ كَانَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا لِخُثَيْلٍ (قَوْلُهُ بَطْنٌ) أَيْ جَمَاعَةٌ مِنْ حِمْيَرَ أَيْ إنَّ تِلْكَ الْجَمَاعَةِ سُمِّيَتْ بِذِي أَصْبَحَ اسْمِ أَبِيهَا الَّذِي هُوَ جَدٌّ أَعْلَى لِلْإِمَامِ رضي الله عنه فَخُلَاصَتُهُ أَنَّ ذَا أُصْبِحَ اسْمُ أَبِيهَا فَسُمِّيَتْ قَبِيلَتُهُ بِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مِنْ الْعَرَبِ) هَكَذَا فِي نُسْخَتِهِ بِالْوَاوِ وَالْأَوْضَحُ الْفَاءُ تَفْرِيعًا عَلَى مَا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ حِلْفُهُ فِي قُرَيْشٍ) وَحِلْفُهُ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ أَيْ مُخَالَفَتُهُ أَيْ مُعَاقَدَتُهُ وَمُعَاهَدَتُهُ أَيْ مُعَاقَدَةُ جَدِّهِ مَعَ قُرَيْشٍ وَذَلِكَ الْجَدُّ هُوَ مَالِكٌ فَقَدْ قَالَ قَالَ لِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ ابْنُ أَخِي طَلْحَةَ وَنَحْنُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ يَا مَالِكُ هَلْ لَك إلَى مَا دَعَانَا إلَيْهِ غَيْرُك فَأَبَيْنَاهُ أَنْ يَكُونَ دَمُنَا دَمُك وَهَدْمُنَا هَدْمُك فَأَجَبْته إلَى ذَلِكَ (قَوْلُهُ فِي بَنِي تَيْمِ اللَّهِ) أَيْ مَعَ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ قُرَيْشًا فِرَقٌ مِنْ جُمْلَتِهَا تَيْمُ بْنُ مَرَّةَ رَهْطُ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه فَالْمُعَاهَدَةُ لَمْ تَقَعْ مَعَ كُلِّ قُرَيْشٍ بَلْ مَا وَقَعَتْ إلَّا مَعَ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ احْتِرَازًا عَنْ تَيْمِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ وَالْقَبِيلَةُ إنَّمَا هِيَ تَيْمٌ لَا تَيْمُ اللَّهِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ تَيْمُ مَعْنَاهُ الْعَبْدُ أُضِيفَ إلَى اللَّهِ فَقِيلَ تَيْمُ اللَّهِ.

فَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي قُرَيْشٍ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ وَالْمَعْنَى مُعَاهَدَةُ جَدِّهِ مَعَ وَاحِدٍ مِنْ قُرَيْشٍ الَّذِي هُوَ وَاحِدٌ مِنْ تَيْمِ اللَّهِ (قَوْلُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ) أَيْ خِلَافًا لِابْنِ إِسْحَاقَ فَإِنَّهُ يَقُولُ مَوْلَى عَتَاقِهِ وَكَلَامُهُ مَرْدُودٌ (قَوْلُهُ فَهُوَ) أَيْ مَالِكٌ مِنْ بُيُوتِ الْمُلُوكِ أَيْ؛ لِأَنَّ جَدَّهُ، وَهُوَ ذُو أَصْبَحَ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ (قَوْلُهُ إذَا جَاءُوا فِي النَّسَبِ) لَا يَخْفَى أَنَّ ذُو لَمْ يَقَعْ فِي النَّسَبِ إذْ النِّسْبَةُ أَصْبَحِيٌّ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ إذَا صَدَّرُوا الِاسْمَ بِذِي يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُسَمَّى مَلِكٌ وَالْحَاصِلُ كَمَا أَفَادَهُ مُحَشِّي تت أَنَّ كَلِمَةَ ذِي فِي هَذَا التَّرْكِيبِ وَنَحْوِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْعِلْمِ فَهِيَ جُزْءٌ مِنْهُ لَا بِمَعْنَى صَاحِبٍ وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْيَمَنِ يُدْخِلُونَهَا عَلَى أَعْلَامِهِمْ وَلَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي كُلِّ عَلَمٍ بَلْ أَعْلَامِ مُلُوكِهِمْ (قَوْلُهُ وَابْنُ مَاكُولَا إلَخْ) مَاكُولَا بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الْوَاوِ، ثُمَّ لَامِ أَلِفٍ قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ لَا أَعْرِفُ مَعْنَاهُ وَلَا أَدْرِي سَبَبَ تَسْمِيَتِهِ بِالْأَمِيرِ وَقَالَ بَعْضٌ: إنَّهُ لَقَبٌ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَحَمَلَتْ بِهِ أُمُّهُ ثَلَاثَ سِنِينَ) قَالَ بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ وَاَللَّهِ أَنْضَجَتْهُ الرَّحِمُ اهـ. أَيْ فَصَارَ كَامِلَ الْعَقْلِ سَدِيدَ الرَّأْيِ (قَوْلُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ عَلَى الْأَشْهَرِ إلَخْ) وَمُقَابِلُهُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَقِيلَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ (قَوْلُهُ مَسَاجِدِ تَبُوكَ) أَيْ مَوْضِعٍ مُسَمًّى بِمَسَاجِدَ وَلَمْ أَدْرِ مَا وَجْهُ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ إلَخْ) وَمُقَابِلُهُ مِنْ أَنَّهُ لِعَشْرٍ مَضَتْ مِنْهُ وَقِيلَ لِأَرْبَعَ عَشَرَةَ وَقِيلَ لِثِنْتَيْ عَشَرَةَ مِنْ رَجَبٍ (قَوْلُهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ إمَامًا بِالنَّاسِ (قَوْلُهُ وَالٍ) بِدُونِ يَاءٍ عَلَى عَادَةِ مَنْ تَقَدَّمَ.

(فَائِدَةٌ) مِمَّا نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ أَوْصَى الشَّافِعِيَّ عِنْدَ فِرَاقِهِ لَهُ فَقَالَ لَهُ لَا تَسْكُنْ الرِّيفَ يَذْهَبْ عِلْمُك وَاكْتَسِبْ الدِّرْهَمَ لَا تَكُنْ عَالَةً عَلَى النَّاسِ وَاِتَّخِذْ لَك ذَا جَاهٍ ظَهْرًا لِئَلَّا تَسْتَخِفَّ بِك الْعَامَّةُ وَلَا تَدْخُلْ عَلَى ذِي سَلْطَنَةٍ إلَّا وَعِنْدَهُ مَنْ يَعْرِفُك وَإِذَا جَلَسَتْ عِنْدَ كَبِيرٍ فَلْيَكُنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ فُسْحَةٌ لِئَلَّا يَأْتِيَ إلَيْهِ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْك فَيُدْنِيَهُ وَيُبْعِدَك فَيَحْصُلَ فِي نَفْسِك شَيْءٌ وَنُقِلَ عَنْ سَحْنُونَ وَجَدْت كُلَّ شَيْءٍ يَحْتَاجُ لِلْجَاهِ بِمِصْرَ حَتَّى الْعِلْمَ أَيْ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْعَالِمُ ذَا جَاهٍ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ، وَهُوَ كَلَامٌ صِدْقٌ وَقَوْلٌ حَقٌّ (قَوْلُهُ الْعُجَابَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ مَا جَاوَزَ حَدَّ الْعَجَبِ (قَوْلُهُ مُبَيِّنًا لِمَا بِهِ الْفَتْوَى) ، فَإِنْ قِيلَ مَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ مَعَ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ لَمْ يَذْكُرْ كُلَّ قَوْلٍ بِهِ الْفَتْوَى قُلْت الْمُرَادُ مُعْظَمُ مَا بِهِ الْفَتْوَى بِقَرِينَةِ الْوَاقِعِ أَوْ أَنَّهُ إخْبَارٌ عَمَّا عَزَمَ عَلَيْهِ وَالْإِنْسَانُ قَدْ يَعْزِمُ عَلَى أَمْرٍ وَلَا يَتِمُّ لَهُ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ لِنِسْيَانٍ أَوْ نَحْوِهِ (قَوْلُهُ اسْمُ فَاعِلٍ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَجَوَّزَ بَعْضٌ أَنْ يَكُونَ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ يَظْهَرُ (قَوْلُهُ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ وَاضِعِهِ الْمَسْئُولِ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ سَأَلَنِي؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ إنَّ الْحَالَ وَصْفٌ لِصَاحِبِهَا قَيْدٌ فِي عَامِلِهَا فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُهُمْ مُقَيَّدًا بِالْبَيَانِ الْمَذْكُورِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مُقَيَّدًا

ص: 35

لِأَنَّ مِنْهَامَا هُوَ مَشْهُورٌ أَوْ مُرَجَّحٌ، وَهُوَ الَّذِي يُفْتَى بِهِ وَمِنْهَامَا هُوَ شَاذٌّ أَوْ مَرْجُوحٌ لَا يُفْتَى بِهِ وَإِمَّا صِفَةً لَمُخْتَصَرًا لَكِنَّ إسْنَادَ الْبَيَانِ لَهُ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ لِكَوْنِهِ مُبَيَّنًا فِيهِ وَالرَّاجِحُ مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ وَفِي الْمَشْهُورِ أَقْوَالٌ مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ أَوْ مَا كَثُرَ قَائِلُهُ أَوْ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ الْمَشْهُورُ مُرَادِفًا لِلرَّاجِحِ.

(ص) فَأَجَبْت سُؤَالَهُمْ بَعْدَ الِاسْتِخَارَةِ (ش) الْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وَإِجَابَتُهُ لِسُؤَالِهِمْ إمَّا بِوَضْعِ جَمِيعِ التَّأْلِيفِ إنْ تَأَخَّرَتْ الْخُطْبَةُ عَنْهُ أَوْ بِالشُّرُوعِ فِيهِ إنْ تَقَدَّمَتْ وَبَعْدَ الِاسْتِخَارَةِ مُتَعَلِّقٌ بِأَجَبْت وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُؤَيِّدُ إنَّ الْإِجَابَةَ بِالشُّرُوعِ لِصِدْقِهِ مَعَ الِاحْتِمَالَيْنِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ فِي فِعْلِ مَا سَأَلُوهُ فِيهِ حَتَّى طَلَبَ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَخْتَارَ لَهُ الْأَوْلَى بِهِ وَالْأَفْضَلَ لَهُ مِنْ إجَابَةِ سُؤَالِهِمْ أَوْ تَرَكَهُ فَالِاسْتِخَارَةُ طَلَبُ الْخِيَرَةِ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا فَاسْتَفْعَلَ عَلَى أَصْلِهَا مِنْ الطَّلَبِ وَطَلَبُهَا بِصَلَاتِهَا وَدُعَائِهَا الْوَارِدَيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.

وَإِنْ كَانَ الَّذِي سَأَلُوهُ خَيْرًا فَقَدْ يَكُونُ غَيْرُهُ مِنْ الْخَيْرَاتِ أَفْضَلَ وَإِيثَارُهُ بِالِاشْتِغَالِ أَوْلَى وَأَهَمَّ وَقَدْ يَكُونُ اسْتَخَارَ فِي أَصْلِ الْفِعْلِ خَوْفًا مِمَّا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ الرِّيَاءِ وَالْعَظَمَةِ أَوْ اسْتَخَارَ فِي كَيْفِيَّتِهِ وَوَقْتِهِ لَا فِيهِ كَمَا فِي مَنْسَكِهِ أَنَّ الِاسْتِخَارَةَ فِي الْحَجِّ لَيْسَتْ فِي نَفْسِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الِاسْتِخَارَةَ لَا مَحَلَّ لَهَا فِي الْوَاجِبِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْحَرَامِ وَإِنَّمَا هِيَ فِي أَنَّهُ يَشْتَرِي أَوْ يَكْتَرِي وَهَلْ يُرَافِقُ فُلَانًا أَوْ غَيْرَهُ انْتَهَى.

وَفِي الِاسْتِخَارَةِ تَسْلِيمٌ لِأَمْرِ اللَّهِ وَخُرُوجٌ مِنْ

ــ

[حاشية العدوي]

بِهِ بَلْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَسْئُولِ نَعَمْ الْمُقَيَّدُ بِذَلِكَ وَضْعُهُ الْمُخْتَصَرَ فَالْمُنَاسِبُ الِاحْتِمَالُ الثَّانِي الْمُشَارُ لَهُ بِقَوْلِهِ وَإِمَّا صِفَةٌ إلَخْ (قَوْلُهُ أَوْ مُرَجَّحٌ) أَوْ مَانِعَةُ خُلُوٍّ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الَّذِي يُفْتَى بِهِ) أَيْ الَّذِي هُوَ الْمَشْهُورُ أَوْ الْمُرَجَّحُ، ثُمَّ هَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ هُنَاكَ رَاجِحٌ فَقَطْ أَوْ مَشْهُورٌ فَقَطْ فَلَوْ وُجِدَ الْأَمْرَانِ وَكَانَ بَيْنَهُمَا تَنَافٍ فَيُقَدَّمُ الْمَشْهُورُ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الدَّلْكِ.

(قَوْلُهُ وَمِنْهَا مَا هُوَ شَاذٌّ) مُقَابِلُ مَشْهُورٍ وَقَوْلُهُ أَوْ مَرْجُوحٌ مُقَابِلُ رَاجِحٍ وَكَمَا لَا تَجُوزُ الْفَتْوَى بِغَيْرِ الْمَشْهُورِ وَالرَّاجِحِ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ وَلَا الْعَمَلُ بِهِ فَإِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ مُتَسَاوِيَانِ فَقِيلَ إنَّ الْمُفْتِيَ يُخَيِّرُ السَّائِلَ وَقِيلَ يَخْتَارُ لَهُ أَحَدَهُمَا، وَهُوَ مَا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ.

(فَائِدَةٌ) يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَذْهَبِ الْمُخَالِفِ فِي بَعْضِ النَّوَازِلِ وَيُقَدَّمُ عَلَى الْعَمَلِ بِالضَّعِيفِ (قَوْلُهُ لَكِنَّ إسْنَادَ الْبَيَانِ إلَخْ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى قِرَاءَتِهِ بِكَسْرِ الْيَاءِ وَقَالَ ابْنُ الْفُرَاتِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ مَفْعُولٍ صِفَةً لِمُخْتَصَرٍ أَيْ مُوَضِّحًا وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ لِمَا بِهِ الْفَتْوَى مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ مُخْتَصَرًا وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ لِمَا بِمَعْنَى فِي (قَوْلُهُ لِكَوْنِهِ مُبَيِّنًا فِيهِ إلَخْ) أَيْ فَهُوَ مِنْ إسْنَادِ الشَّيْءِ إلَى ظَرْفِهِ (قَوْلُهُ أَوْ مَا كَثُرَ قَائِلُهُ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ (قَوْلُهُ أَوْ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ) لَمْ يُرَ لِغَيْرِ هَذَا الشَّرْحِ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ وَلَعَلَّ الْأَوْلَى رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَحَاصِلُ مَا يُسْتَفَادُ مِنْ عج فِي بَابِ الْحَجْرِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَتَصَرُّفِهِ إلَخْ مَعَ مَا أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ فِيهَا وَرِوَايَةُ غَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَوْلَى فِي غَيْرِهَا وَقَوْلُ مَالِكٍ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَوْ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِهَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِيهَا فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْ الْإِمَامِ فِي غَيْرِهَا

(قَوْلُهُ بَعْدَ الِاسْتِخَارَةِ) أَيْ وَالْإِلْهَامِ لَهَا وَإِلَّا فَقَدْ يَسْتَخِيرُ وَيُلْهَمُ التَّرْكُ (قَوْلُهُ لِصِدْقِهِ) أَيْ قَوْلُهُ بَعْدَ الِاسْتِخَارَةِ أَيْ؛ لِأَنَّ الْبُعْدِيَّةَ ظَرْفٌ مُتَّسِعٌ بَلْ هِيَ حَقِيقَةٌ فِي الِاتِّسَاعِ فَإِذَا أُرِيدَ التَّعْقِيبُ فَيُؤَدِّي بِبَعِيدٍ أَوْ أَنَّ الْبُعْدِيَّةَ فِي كُلِّ شَيْءٍ يَحْسَبُهُ وَالْإِجَابَةُ بِالْوَضْعِ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وَيَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ، ثُمَّ أَعْتَذِرُ لِذَوِي الْأَلْبَابِ إلَى آخِرِ الْخُطْبَةِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَأْخِيرَ الْخُطْبَةِ.

(قَوْلُهُ وَالْأَفْضَلُ لَهُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ أَوْ تَرْكُهُ) الْأَحْسَنُ أَوْ تَرْكُهَا أَيْ الْإِجَابَةِ (قَوْلُهُ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا) أَيْ وَفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ طَلَبُ الِاخْتِيَارِ أَيْ طَلَبُ صَرْفِ الْهِمَّةِ لِمَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْأَوْلَى (قَوْلُهُ عَلَى أَصْلِهَا مِنْ الطَّلَبِ) أَيْ فَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلطَّلَبِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ لَا التَّأْكِيدُ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ (قَوْلُهُ وَطَلَبُهَا) مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ بِصَلَاتِهَا إلَخْ خَبَرٌ وَالتَّقْدِيرُ وَطَلَبُهَا كَائِنٌ بِصَلَاتِهَا وَدُعَائِهَا (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الَّذِي سَأَلُوهُ خَيْرًا) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ طَلَبَ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَخْتَارَ لَهُ الْأَوْلَى بِهِ وَالْأَفْضَلُ إلَخْ عَلَى أَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْلِيلِ (قَوْلُهُ أَوْلَى) بِمَعْنَى أَفْضَلَ فَقَدْ تَفَنَّنَ فِي التَّعْبِيرِ (قَوْلُهُ وَقَدْ يَكُونُ اسْتَخَارَ فِي أَصْلِ الْفِعْلِ) الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ أَنَّ الَّذِي قَبْلَ تَرَدُّدِ نَظَرِهِ بَيْنَ التَّأْلِيفِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْخِيرَاتِ مُسْتَخِيرًا فِي الْأَوْلَى مِنْهُمَا غَيْرَ خَائِفِ تَطَرُّقِ الرِّيَاءِ سَاحَتَهُ وَفِي هَذَا تَرَدُّدُ نَظَرِهِ بَيْنَ التَّأْلِيفِ وَتَرْكِهِ غَيْرُ نَاظِرٍ إلَى جِهَةِ فِعْلٍ مِنْ الْخَيْرَاتِ خَائِفًا تَطَرُّقَ الرِّيَاءِ سَاحَتَهُ (قَوْلُهُ أَوْ اسْتَخَارَ فِي كَيْفِيَّتِهِ) أَيْ كَوْنِهِ مُخْتَصَرًا كَمَا سَأَلُوا أَوْ مُطَوَّلًا (قَوْلُهُ وَوَقْتِهِ) أَيْ أَوْ وَقْتِهِ (قَوْلُهُ كَمَا فِي مَنْسَكِهِ) تَنْظِيرٌ فِي أَنَّ الِاسْتِخَارَةَ فِي أَصْلِ الْفِعْلِ لَيْسَتْ مُرَادَةً، وَإِنْ اخْتَلَفَ الْحَالُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مَعَ الْحَجِّ فَإِنَّ الِاسْتِخَارَةَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فِي الْكَيْفِيَّةِ أَوْ الْوَقْتِ وَفِي الْحَجِّ فِي كَوْنِهِ يُرَافِقُ فُلَانًا (قَوْلُهُ لَيْسَتْ فِي نَفْسِ الْحَجِّ) أَيْ فِي كَوْنِهِ يَحُجُّ أَوْ لَا يَحُجُّ أَصْلًا (قَوْلُهُ لَا مَحَلَّ لَهَا فِي الْوَاجِبِ إلَخْ) أَيْ وَإِنَّمَا تَكُونُ فِي الْمَنْدُوبَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الِاسْتِخَارَةَ فِي الْمَنْدُوبِ إذَا تَعَارَضَ فِيهِ أَمْرَيْنٍ أَيُّهُمَا يَبْدَأُ بِهِ أَوْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ لَا فِي أَصْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ أَوْ فِي أَصْلِهِ خَوْفًا مِنْ عُرُوضِ الرِّيَاءِ، وَأَمَّا الْمُبَاحُ فَفِي أَصْلِهِ وَهَلْ يَسْتَخِيرُ فِي مُعَيَّنٍ أَوْ مُطْلَقٍ اخْتَارَ بَعْضُهُمْ الْأَوَّلَ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ إلَخْ وَاخْتَارَ ابْنُ عِرَاقٍ الثَّانِيَ وَقَالَ سَيِّدِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الشَّعْرَانِيُّ، وَهُوَ أَحْسَنُ وَقَدْ جَرَّبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ صَحِيحًا.

(تَنْبِيهٌ) : قَوْلُهُ فِي الْوَاجِبِ لَا يُؤْخَذُ عَلَى إطْلَاقِهِ فَقَدْ تَكُونُ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ كَالْمُسْتَحَبِّ الْمُخَيَّرِ وَفِيمَا كَانَ مُوَسَّعًا كَالْحَجِّ فِي هَذَا الْعَامِ

1 -

(قَوْلُهُ تَسْلِيمٌ لِأَمْرِ اللَّهِ) وَاحِدُ الْأُمُورِ لَا وَاحِدُ الْأَوَامِرِ (قَوْلُهُ وَخُرُوجٌ مِنْ التَّدْبِيرِ) ، وَهُوَ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ النَّظَرُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْبَارِئِ جَلَّ وَعَزَّ فَهُوَ إيقَاعُ الشَّيْءِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُحْكَمِ

ص: 36

التَّدْبِيرِ وَتَكُونُ بِالْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ عليه الصلاة والسلام فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، ثُمَّ يَمْضِي لِمَا انْشَرَحَ صَدْرُهُ وَعَمِلَ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ «كَانَ الرَّسُولُ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ يَقُولُ إذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِأَمْرٍ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُك بِعِلْمِك وَأَسْتَقْدِرُك بِقُدْرَتِك وَأَسْأَلُك مِنْ فَضْلِك الْعَظِيمِ فَإِنَّك تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ قَالَ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ» .

وَرَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ

ــ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ وَتَكُونُ بِالْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ إلَخْ) أَيْ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَقَبْلَ الدُّعَاءِ وَبَعْدَهُ كَمَا أَفَادَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ (قَوْلُهُ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا) أَيْ غَيْرِ الْوَاجِبِ الْمُحَتَّمِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْحَرَامِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَهُ، وَالْحَاصِلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا سَابِقًا أَنَّهَا تَكُونُ فِي الْمُبَاحِ وَالْمُسْتَحَبِّ خَوْفًا مِنْ حُصُولِ الرِّيَاءِ وَإِذَا تَعَارَضَ فِيهِ أَمْرَانِ أَيُّهُمَا يَبْدَأُ بِهِ أَوْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ وَفِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ وَالْمُسْتَحَبِّ الْمُخَيَّرِ وَفِيمَا كَانَ مُوَسَّعًا كَالْحَجِّ فِي هَذَا الْعَامِ وَيَتَنَاوَلُ الْعُمُومُ الْعَظِيمَ وَالْحَقِيرَ (قَوْلُهُ كَمَا يُعَلِّمُنَا إلَخْ) التَّشْبِيهُ فِي تَحَفُّظِ حُرُوفِهِ وَتَرْتِيبِ كَلِمَاتِهِ وَمَنْعِ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ مِنْهُ وَالدَّرْسِ لَهُ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ) أَيْ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ الْحِكْمَةُ فِي تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى الدُّعَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِخَارَةِ حُصُولُ الْجَمْعِ بَيْنَ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَيَحْتَاجُ إلَى قَرْعِ بَابِ الْمِلْكِ وَلَا شَيْءَ لِذَلِكَ أَنْجَعُ وَلَا أَنْجَحُ مِنْ الصَّلَاةِ لِمَا فِيهَا مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالِافْتِقَارِ إلَيْهِ قَالَا وَحَالًا.

وَقَوْلُهُ إذَا هَمَّ إنَّمَا قَالَ إذَا هَمَّ وَلَمْ يَقُلْ عَزَمَ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَمَكَّنَ الْأَمْرُ عِنْدَهُ وَقَوِيَتْ فِيهِ عَزِيمَتُهُ وَإِرَادَتُهُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ لَهُ إلَيْهِ مَيْلٌ وَحَبٌّ فَيَخْشَى أَنْ يَخْفَى عَنْهُ وَجْهُ الْأَرْشَدِيَّةِ لِغَلَبَةِ مَيْلِهِ إلَيْهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْهَمِّ الْعَزْمُ؛ لِأَنَّ الْخَاطِرَ لَا يَثْبُتُ فَلَا يَسْتَمِرُّ إلَّا عَلَى مَا يَقْصِدُ التَّصْمِيمَ عَلَى فِعْلِهِ وَإِلَّا لَوْ اسْتَخَارَ فِي كُلِّ خَاطِرٍ لَاسْتَخَارَ فِيمَا لَا يَعْبَأُ بِهِ فَتَضِيعُ عَلَيْهِ أَوْقَاتُهُ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ وَقَوْلُهُ فَلْيَرْكَعْ جَوَابُ إذَا الْمُتَضَمِّنَةِ مَعْنَى الشَّرْطِ وَلِذَلِكَ دَخَلَتْ فِيهِ الْفَاءُ (قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ كَمَا فِي الشَّيْخِ خِضْرِ الشَّافِعِيِّ وَتَقْيِيدُ حُصُولِهَا بِالنَّوَافِلِ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تَحْصُلُ بِالْفَرْضِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْخَبَرِ وَالْقِيَاسُ حُصُولُهَا بِهِ، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَكْمَلِ شَرْحُ الْعُبَابِ (قَوْلُهُ «، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُك» إلَخْ) أَيْ بَعْدَ السَّلَامِ كَمَا فِي الشَّيْخِ خِضْرِ وَكَتَبَ الشَّوْبَرِيُّ أَيْ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَوْ فِي أَثْنَائِهَا فِي السُّجُودِ أَوْ بَعْدَ التَّشَهُّدِ اهـ.

(قَوْلُهُ «أَسْتَخِيرُك» ) أَيْ أَطْلُبُ مِنْك الْخِيرَةَ مُلْتَبِسًا بِعِلْمِك وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ أَوْ لِلْقَسَمِ وَقِيلَ الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَهُوَ أَوْلَى (قَوْلُهُ «وَأَسْتَقْدِرُك» ) أَيْ أَطْلُبُ مِنْك أَنْ تَجْعَلَ لِي عَلَى ذَلِكَ قُدْرَةً أَوْ الْمُرَادُ بِالتَّقْدِيرِ التَّيْسِيرُ (قَوْلُهُ «بِقُدْرَتِك» ) أَيْ بِسَبَبِ أَنَّك الْقَادِرُ الْحَقِيقِيُّ وَيُحْتَمَلُ كَوْنُهَا لِلْقَسَمِ مَعَ الِاسْتِعْطَافِ وَالتَّذَلُّلِ كَمَا فِي {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} [القصص: 17] شَوْبَرِيُّ وَقَوْلُهُ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ أَيْ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُمْكِنٍ تَعَلَّقَتْ بِهِ إرَادَتُك (قَوْلُهُ وَتَعْلَمُ) أَيْ كُلَّ شَيْءٍ مُمْكِنٍ وَغَيْرَهُ كُلِّيٌّ وَجُزْئِيٌّ شَوْبَرِيُّ (قَوْلُهُ إنْ كُنْت تَعْلَمُ إلَخْ) فِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ عِلْمِهِ تَعَالَى وَأُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأَجْوِبَةٍ أَحَدُهَا أَنْ يُقَالَ الشَّكُّ فِي مُتَعَلِّقِ الْعِلْمِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ خَيْرًا أَوْ شَرًّا أَوْ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مُرَادُهُ تَفْوِيضُ الْأَمْرِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَوْ أَنَّ أَنَّ بِمَعْنَى إذْ التَّعْلِيلِيَّةِ فَالْأَجْوِبَةُ ثَلَاثَةٌ قَالَ الْقَلْيُوبِيُّ مُعْتَرِضًا الْأَخِيرُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ إنْ إذَا كَانَتْ بِمَعْنَى إذْ تَكُونُ ظَرْفًا مَعْمُولَةً لَا قَدْرًا وَقَرْنُهُ بِالْفَاءِ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْفَاءِ لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهَا إلَّا بَعْدَ أَمَّا فَتَأَمَّلْ (قَوْله «وَمَعَاشِي» ) بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ حَيَاتِي أَوْ مَا يُعَاشُ فِيهِ ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ (قَوْلُهُ «أَوْ قَالَ عَاجِلَ أَمْرِي» إلَخْ) أَيْ بَدَلَ قَوْلِهِ «فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرَى» كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ نَصُّ بَعْضِ الشُّرَّاحِ ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْأَمْرِ الْحَيَاةُ أَيْ فِي حَيَاتِي الْعَاجِلَةِ وَحَيَاتِي الْآجِلَةِ أَيْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْحَيَاةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ أَحْوَالُهُ الدُّنْيَوِيَّةُ وَأَحْوَالُهُ الْأُخْرَوِيَّةُ وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّوَابَ أَنْ يُقَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي إلَخْ بِزِيَادَةِ فِي وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدُ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي الرِّوَايَةِ وَيُسَنُّ الْجَمْعُ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ احْتِيَاطًا.

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَمِنْهُ تُؤْخَذُ قَاعِدَةٌ حَسَنَةٌ وَهِيَ أَنَّ كُلَّ ذِكْرٍ جَاءَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي فَيُسَنُّ الْجَمْعُ بَيْنَهَا كُلِّهَا لِيَتَحَقَّق الْإِتْيَانُ بِالْوَارِدِ اهـ.

(قَوْلُهُ «فَاقْدُرْهُ لِي» ) بِضَمِّ الدَّالِ كَمَا فِي الْقَسْطَلَّانِيِّ وَقَالَ الشَّوْبَرِيُّ فَاقْدُرْهُ لِي بِضَمِّ الدَّالِ وَكَسْرِهَا أَيْ اجْعَلْهُ مَقْدُورًا لِي وَقِيلَ مَعْنَاهُ يَسِّرْهُ لِي فَقَوْلُهُ بَعْدُ «وَيَسِّرْهُ لِي» عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ «وَاصْرِفْنِي عَنْهُ» ) حَتَّى لَا يَبْقَى فِي قَلْبِي بَعْدَ صَرْفِهِ عَنِّي تَعَلُّقٌ بِهِ (قَوْلُهُ «ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ» ) بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَعِبَارَةٌ أُخْرَى قَوْلُهُ «ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ» بِالتَّعَدِّيَةِ بِالْهَمْزِ وَفِي رِوَايَةِ، ثُمَّ رَضِّنِي بِالتَّضْعِيفِ وَالْمَعْنَى عَلَى كُلٍّ اجْعَلْنِي رَاضِيًا بِهِ حَتَّى لَا أَنْدَمَ عَلَى طَلَبِهِ وَلَا عَلَى وُقُوعِهِ اهـ. .

(تَنْبِيهٌ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لِدَقِيقَةٍ يُغْفَلُ عَنْهَا وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهَا، وَهِيَ أَنَّ الْوَاوَ فِي الْمُتَعَاطِفَاتِ الَّتِي بَعْدَ " خَيْرٌ " عَلَى بَابِهَا وَاَلَّتِي بَعْدَ " شَرٌّ " بِمَعْنَى أَوْ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ تَيَسُّرُهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ أَحْوَالِهِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْعَاجِلِ وَالْآجِلِ خَيْرًا وَالْمَطْلُوبُ صَرْفُهُ يَكْفِي فِيهِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ أَحْوَالِهِ الْمَذْكُورَةِ شَرًّا اوَفِي إبْقَاءِ الْوَاوِ عَلَى حَالِهَا إيهَامُ أَنَّهُ لَا يَطْلُبُ صَرْفَهُ إلَّا إذَا كَانَ جَمِيعُ أَحْوَالِهِ لَا بَعْضُهَا شَرًّا، وَلَيْسَ مُرَادًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ أَوْ قَالَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي خَضِرٌ (قَوْلُهُ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ) أَيْ يَنْطِقُ بِهَا بَعْدَ الدُّعَاءِ أَوْ يَسْتَحْضِرُهَا بِقَلْبِهِ عِنْدَ الدُّعَاءِ أَيْ فَلْيَدْعُ مُسَمِّيًا حَاجَتَهُ قَسْطَلَّانِيٌّ فَيُسَمِّيهَا عِنْدَ قَوْلِهِ هَذَا الْأَمْرُ وَرُبَّمَا يَتَبَادَرُ مِنْ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ الْأَدْعِيَةِ أَنَّ الْقَائِلَ وَيُسَمِّي هُوَ جَابِرٌ فَيَكُونُ فَاعِلًا لِقَالَ

ص: 37

أَنَسٍ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَا أَنَسُ إذَا هَمَمْت بِأَمْرٍ فَاسْتَخِرْ رَبَّك سَبْعَ مَرَّاتٍ ثُمَّ اُنْظُرْ إلَى الَّذِي سَبَقَ إلَى قَلْبِك فَإِنَّ الْخَيْرَ فِيهِ» النَّوَوِيُّ وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] بَعْدَ الْفَاتِحَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ بِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، ثُمَّ قَالَ وَلَوْ تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ اسْتَخَارَ بِالدُّعَاءِ انْتَهَى وَإِنَّمَا أَتَى بِالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ فَأَجَبْت دُونَ ثُمَّ لِلْإِشَارَةِ إلَى عَدَمِ التَّأَخُّرِ مُدَّةً تَضُرُّ بِهِمْ وَقَوْلُهُ:" سُؤَالَهُمْ " حَشْوٌ؛ لِأَنَّ الْمُجَابَ السَّائِلُ لَا السُّؤَالُ فَكَانَ يَقُولُ فَأَجَبْتهمْ لَكِنْ إذَا أَجَابَ سُؤَالَهُمْ فَقَدْ أَجَابَهُمْ وَقِيلَ إنَّمَا أَقْحَمَ السُّؤَالَ لِيُفِيدَ أَنَّهُ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْ سُؤَالِهِمْ شَيْئًا بَلْ أَتَى بِهِ مُقَيَّدًا بِالْقُيُودِ الثَّلَاثَةِ.

(ص) مُشِيرًا بِفِيهَا لِلْمُدَوَّنَةِ (ش) هُوَ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ أَجَبْت؛ لِأَنَّ إجَابَتَهُ سُؤَالُهُمْ إنَّمَا هُوَ بِوَضْعِ الْمُخْتَصَرِ، وَهُوَ حَالَةُ الْوَضْعِ مُشِيرٌ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ سُؤَالِهِمْ بِمَعْنَى مَسْئُولِهِمْ كَمَا لَا يَخْفَى وَمَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّهُ يَقُولُ مَهْمَا قُلْت وَفِيهَا وَمِنْهَا وَظَاهِرُهَا وَحَمَلْت وَقَيَّدْت وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ كُلِّ ضَمِيرٍ غَائِبٍ مُؤَنَّثٍ عَائِدٍ لِغَيْرِ مَذْكُورٍ، فَإِنَّهُ يَكُونُ إشَارَةً لِلْمُدَوَّنَةِ وَصَحَّ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهَا غَيْرَ مَذْكُورَةٍ لِتَقَرُّرِهَا فِي أَذْهَانِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ حَتَّى قَالَ مَشَايِخُهُمْ أَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ

ــ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ «فَاسْتَخِرْ رَبَّك سَبْعَ مَرَّاتٍ» ) بِتَكَرُّرِ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ (قَوْلُهُ «، ثُمَّ اُنْظُرْ إلَى الَّذِي سَبَقَ فِي قَلْبِك» ) أَيْ فَيَمْضِي لِمَا انْشَرَحَ لَهُ صَدْرُهُ الْمُرَادُ انْشِرَاحٌ خَالٍ عَنْ هَوَى النَّفْسِ وَمَيْلِهَا الْمَصْحُوبِ بِغَرَضٍ ظَاهِرٍ أَوْ بَاطِنٍ يُجَمِّلُهُ وَيُزَيِّنُهُ لِلْقَلْبِ حَتَّى يَكُونَ سَبَبًا لِمَيْلِهِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَيُوَافِقُهُ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُفْرِغَ قَلْبَهُ مِنْ جَمِيعِ الْخَوَاطِرِ حَتَّى لَا يَكُونَ مَائِلًا إلَى أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ فَعِنْدَ ذَلِكَ مَا يَسْبِقُ إلَى قَلْبِهِ يُعْمَلُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْخَيْرَ فِيهِ.

(تَنْبِيهٌ) : كَانَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ يَسْتَخِيرُ لِلْغَيْرِ وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ» أَنَّ الْإِنْسَانَ يَسْتَخِيرُ لِغَيْرِهِ وَالْحَدِيثُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِمَا ذَكَرَ شَيْءٌ كَمَا فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ (قَوْلُهُ «وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى» ) قَالَ الشَّيْخُ خِضْرُ الشَّافِعِيُّ وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ أَنْ يَزِيدَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68] إلَى قَوْله تَعَالَى {وَمَا يُعْلِنُونَ} [القصص: 69] وَفِي الثَّانِيَةِ قَوْله تَعَالَى {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ} [الأحزاب: 36] الْآيَةَ اهـ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ قَالَ) أَيْ ابْنُ السُّنِّيِّ وَإِنَّمَا أَتَى بِثُمَّ إشَارَةً إلَى حَذْفٍ فِي كَلَامِهِ كَمَا قَيَّدَ بِهِ بَعْضُ الشُّيُوخِ (قَوْلُهُ وَلَوْ تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ) أَيْ لِكَوْنِهِ لَيْسَ وَقْتَ نَفْلٍ أَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يَتَطَهَّرُ بِهِ (قَوْلُهُ عَدَمِ التَّأَخُّرِ مُدَّةً تَضُرُّ بِهِمْ) وَالتَّعْقِيبُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِجَابَةَ إمَّا بِوَضْعِ التَّأْلِيفِ أَوْ بِالشُّرُوعِ فِيهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُجَابَ السَّائِلُ إلَخْ) أَيْ فَالْإِجَابَةُ حَقُّهَا أَنْ تَقَعَ عَلَى السَّائِلِ فَإِيقَاعُهَا عَلَى السُّؤَالِ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَقَوْلُهُ لَكِنْ إذَا أَجَابَ السُّؤَالَ أَيْ عَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ وَأَتَى بِهِ إشَارَةً إلَى أَنَّ لَهُ وَجْهَ صِحَّةٍ فِي الْجُمْلَةِ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّهُ لَا صِحَّةَ لَهُ (قَوْلُهُ وَقِيلَ إنَّمَا أَقْحَمَ السُّؤَالَ) عَبَّرَ بِأَقْحَمَ نَظَرًا لِكَوْنِهِ لَيْسَ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَيْ وَأَتَى بِهِ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ الْإِيقَاعِيِّ (قَوْلُهُ مُقَيَّدًا بِالْقُيُودِ الثَّلَاثَةِ) ، وَهُوَ كَوْنُهُ مُخْتَصَرًا عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ مُبَيِّنًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَيْدَ الْوَسَطُ، وَهُوَ كَوْنُهُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ إنَّمَا هُوَ مِنْ قَرِينَةِ الْمَقَامِ لَا أَنَّهُمْ نَطَقُوا بِالسُّؤَالِ فِيهِ فَتَدَبَّرْ

1 -

(قَوْلُهُ إنَّمَا هُوَ بِوَضْعِ الْمُخْتَصَرِ) هَذَا عَلَى أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ لَهُ، وَأَمَّا عَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي فَيُقَالُ فِي قَوْلِهِ مُشِيرًا أَيْ مُقَدِّرًا الْإِشَارَةَ فَيَكُونُ حَالًا مُنْتَظِرَةً؛ لِأَنَّهُ حِينَ الشُّرُوعِ لَمْ يَكُنْ مُشِيرًا بِالْفِعْلِ (قَوْلُهُ كَمَا لَا يَخْفَى) ؛ لِأَنَّ مَسْئُولَهُمْ لَيْسَ هُوَ الْمُشِيرُ، وَقَدْ يُقَالُ بِصِحَّتِهِ عَلَى طَرِيقِ الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ كَمَا فِي مُبِينًا لِمَا بِهِ الْفَتْوَى.

(قَوْلُهُ وَمَعْنَى كَلَامِهِ) إنَّمَا عَبَّرَ بِمَعْنَى إلَخْ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَبَادِرٍ مِنْ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ وَحُمِلَتْ وَقُيِّدَتْ) أَيْ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ فَسَّرْت وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي أَوَّلَ؛ لِأَنَّهُ إذَا حُمِلَتْ الْمُدَوَّنَةُ عَلَى شَيْءٍ وَلَمْ يَحْمِلْهَا أَحَدٌ عَلَى غَيْرِهِ لَا يَجِيءُ إلَّا ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ مِنْ كُلِّ ضَمِيرٍ غَائِبٍ مُؤَنَّثٍ إلَخْ) أَيْ فِي الْأَغْلَبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُشِيرَ لَهَا بِضَمِيرِ الْمُذَكَّرِ فِي مَوْضِعَيْنِ هُمَا قَوْلُهُ فِي الْحَجِّ وَقَيْدُ إنْ أَمِنَ وَقَوْلُهُ فِي الشَّرِكَةِ وَقَيَّدَ بِمَا إذَا لَمْ يَبْدُ وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ مَا يَصْرِفُ الْإِشَارَةَ بِالضَّمِيرِ الْمَذْكُورِ لِغَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ كَقَوْلِهِ فِي التَّلْبِيَةِ وَتَوَسَّطَ فِي عُلُوِّ صَوْتِهِ، وَفِيهَا وَعَاوَدَهَا أَيْ التَّلْبِيَةَ وَقَوْلُهُ فِي الطَّلَاقِ لَا مَحْلُوفٍ لَهَا فَفِيهَا وَغَيْرِهَا.

(فَائِدَةٌ) الْأُمَّهَاتُ أَرْبَعٌ الْمُدَوَّنَةُ وَالْمَوَّازِيَّةُ وَالْعُتْبِيَّةُ وَالْوَاضِحَةُ فَالْمُدَوَّنَةُ لِسَحْنُونٍ وَالْعُتْبِيَّةُ لِلْعُتْبِيِّ وَالْمَوَّازِيَّةُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ وَالْوَاضِحَةُ لِابْنِ حَبِيبٍ وَيُقَالُ إنَّ الدَّوَاوِينَ سَبْعَةٌ الْأَرْبَعَةُ الْأُوَلُ وَالْمُخْتَلِطَةُ وَالْمَبْسُوطَةُ وَالْمَجْمُوعَةُ فَالْمَجْمُوعَةُ لِابْنِ عَبْدُوسٍ وَالْمَبْسُوطَةُ لِلْقَاضِي إسْمَاعِيلَ وَالْمُخْتَلِطَةُ لِابْنِ الْقَاسِمِ انْتَهَى ك وَلَا يَخْفَى مَا فِي عَدِّهَا سَبْعًا مِنْ التَّسَامُحِ؛ لِأَنَّ الْمُدَوَّنَةَ هِيَ نَفْسُ الْمُخْتَلِطَةِ وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا تِلْكَ الْفَائِدَةَ لِوُقُوعِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ فِي كَلَامِهِ رحمه الله (قَوْلُهُ وَصَحَّ إلَخْ) لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ اصْطِلَاحَهُ يُصَحِّحُ الْإِشَارَةَ وَلَوْ فُرِضَ أَنَّهَا لَمْ تُقَرَّرْ فِي أَذْهَانِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ (قَوْلُهُ فِي أَذْهَانِ) الْأَذْهَانُ جَمْعُ ذِهْنٍ، وَهُوَ قُوَّةٌ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَعُدَّ النَّفْسَ لِاكْتِسَابِ الْآرَاءِ وَالْفَهْمُ اسْتِعْمَالُهَا وَالذَّكَاءُ أَنْ يَكُونَ سُرْعَةُ إنْتَاجِ الْقَضَايَا وَسُهُولَةُ اسْتِخْرَاجِ النَّتَائِجِ مَلَكَةً لِلنَّفْسِ كَالْبَرْقِ الْأَلْمَعِ بِوَاسِطَةِ كَثْرَةِ مُزَاوَلَةِ الْمُقَدِّمَاتِ الْمُنْتِجَةِ كَذَا قِيلَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَهْمَ نَاشِئٌ عَنْ اسْتِعْمَالِ تِلْكَ الْقُوَّةِ (قَوْلُهُ حَتَّى قَالَ مَشَايِخُهُمْ) أَيْ كَابْنِ رُشْدٍ فِيهِ شَيْءٌ لَكِنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالْمُبَالَغَةِ بِالْمَدْحِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ.

(فَائِدَةٌ) وَإِذَا أُطْلِقَ الْكِتَابُ فَإِنَّمَا يُرِيدُونَهَا لِصَيْرُورَتِهِ عِنْدَهُمْ عَلَمًا بِالْغَلَبَةِ عَلَيْهَا كَالْقُرْآنِ عِنْدَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَكِتَابِ سِيبَوَيْهِ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ

ص: 38

الْمَذْهَبِ كَالْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ تُجْزِئُ عَنْ غَيْرِهَا وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُهَا عَنْهَا.

(ص) وَبِأَوَّلَ إلَى اخْتِلَافِ شَارِحِيهَا فِي فَهْمِهَا (ش) أَيْ مُشِيرًا فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ أَيْضًا بِمَادَّةِ أَوَّلَ وَهِيَ التَّأْوِيلُ لِيَنْدَرِجَ فِيهِ تَأْوِيلَانِ وَتَأْوِيلَاتٌ إلَى اخْتِلَافِ شَارِحِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يَتَصَدَّ وَالشَّرْحُ سَائِرُهَا فِي فَهْمِ الْمُرَادِ مِنْهَا وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الِاخْتِلَافِ إنَّمَا هُوَ فِي جِهَاتِ مَحْمَلِ الْكِتَابِ وَلَيْسَ فِي آرَاءٍ فِي الْحَمْلِ عَلَى حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ فَتُعَدُّ أَقْوَالًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَكُونُ التَّأْوِيلَاتُ أَقْوَالًا فِي الْمَسْأَلَةِ وَاخْتَلَفَ شُرَّاحُ الْمُدَوَّنَةِ فِي فَهْمِهَا عَلَى تِلْكَ الْأَقْوَالِ فَكُلٌّ فَهِمَهَا عَلَى قَوْلٍ كَقَوْلِهِ وَهَلْ هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ أَوْ مَعَ الْإِمْسَاكِ تَأْوِيلَانِ وَخِلَافٌ وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ مُوَافِقًا لِلْمَشْهُورِ فَيُقَدِّمُهُ، ثُمَّ يَعْطِفُ الثَّانِيَ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ كَثِيرًا وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى خِلَافِهِ وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى عَدَمِ الْأَكْلِ إنْ قَصَدَهُ أَوَّلًا كَمَا سَتَرَى ذَلِكَ بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ فِي كَلَامِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَوْلُهُ وَلَيْسَ فِي آرَاءٍ فِي الْحَمْلِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ بِمُجَرَّدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ خِلَافٌ خَارِجِيٌّ لَا يَقْتَضِي التَّخَالُفَ.

وَرَدُّ تت عَلَى الْبِسَاطِيِّ مُتَعَقَّبٌ كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ (ص) وَبِالِاخْتِيَارِ لِلَّخْمِيِّ

ــ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ وَبِأَوَّلَ إلَخْ) التَّأْوِيلُ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ الْمُتَبَادِرِ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ أَرَدْت الصَّحِيحَ مِنْهُ فَقَطْ زِدْت بِدَلِيلٍ يُصَيِّرُهُ رَاجِحًا وَمُرَادُنَا بِاللَّفْظِ فِي قَوْلِنَا صَرْفُ اللَّفْظِ إلَخْ الظَّاهِرُ، وَهُوَ مَا احْتَمَلَ كُلًّا مِنْ مَعْنَيَيْنِ لَهُ مَثَلًا بَدَلًا عَنْ الْآخَرِ أَحَدُهُمَا أَظْهَرُ عِنْدَ الْعَقْلِ مِنْ الْآخَرِ لِكَوْنِهِ الْمَوْضُوعَ لَهُ أَوْ لِغَلَبَةِ الْعُرْفِ لِلِاسْتِعْمَالِ فِيهِ كَلَفْظِ أَسَدٍ فِي رَأَيْت الْيَوْمَ أَسَدًا فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، وَهُمَا الْحَيَوَانُ الْمُفْتَرِسُ وَالرَّجُلُ الشُّجَاعُ لَكِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَعَيِّنُ لَهُ وَلَا صَارِفَ عَنْهُ وَمُحْتَمِلٌ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ لَا مَعَهُ بَلْ بَدَلُهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى مَجَازِيٌّ لَهُ وَلَا صَارِفَ لَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ إنْ حُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى الْمَرْجُوحِ سُمِّيَ مُؤَوَّلًا وَالظَّاهِرُ هُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي أَظْهَرِ مَعْنَيَيْهِ وَالْمُؤَوَّلُ هُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْمَرْجُوحِ مِنْهُمَا، فَإِنْ قُلْت إذَا كَانَ مَعْنَى التَّأْوِيلِ مَا ذَكَرَ فَكَيْفَ يُطْلِقُهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى إبْقَاءِ اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ اصْطِلَاحٌ لَهُ وَلَا مُشَاحَطَةَ فِي الِاصْطِلَاحِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّنَوَانِيُّ رحمه الله (قَوْلُهُ وَهِيَ التَّأْوِيلُ) أَيْ مَادَّةُ التَّأْوِيلِ وَإِلَّا فَلَفْظُ التَّأْوِيلِ هَيْئَةٌ وَالْمُرَادُ بِالْمَادَّةِ كَمَا فِي ك الْحُرُوفُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَالتَّقْدِيمِ وَضِدِّهِ (قَوْلُهُ لِيَنْدَرِجَ تَأْوِيلَانِ) بَقِيَ تَفْسِيرَانِ قَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ دَاخِلَةٌ فِي مَادَّةِ أَوَّلَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى (قَوْلُهُ فِي فَهْمِ الْمُرَادِ مِنْهَا) كَذَا قَالَ النَّاصِرُ.

قَالَ فِي ك وَإِنَّمَا قَالَ النَّاصِرُ فِي فَهْمِ الْمُرَادِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْفَهْمَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْنَى لَا بِاللَّفْظِ (قَوْلُهُ وَهَذَا النَّوْعُ) أَيْ هَذَا النَّوْعُ الَّذِي هُوَ اخْتِلَافُ شَارِحِيهَا فِي فَهْمِهَا وَقَوْلُهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ أَيْ هَذَا النَّوْعُ الَّذِي هُوَ اخْتِلَافُ شَارِحِيهَا فِي فَهْمِهَا وَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ صَادِقٌ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ كَخِلَافٍ وَقَوْلَانِ أَوْ أَنَّ مِنْ بَيَانِيَّةٌ (قَوْلُهُ إنَّمَا هُوَ فِي جِهَاتِ مَحْمَلِ الْكِتَابِ) لَا يَخْفَى أَنَّ مَحْمَلَ اسْمُ مَكَان أَيْ مَحَلِّ الْحَمْلِ أَيْ مَا يُحْمَلُ لَفْظُ الْكِتَابِ عَلَيْهِ فَمَصْدُوقُهُ الْمَعْنَى وَإِضَافَةُ جِهَاتٍ إلَى مَا بَعْدَهُ لِلْبَيَانِ أَيْ جِهَاتٍ هِيَ مُحَامِلُ الْكِتَابِ (قَوْلُهُ فِي آرَاءٍ) جَمْعُ رَأْيٍ (قَوْلُهُ فِي الْحَمْلِ) أَيْ وَلَيْسَ فِي آرَاءٍ كَائِنَةٍ فِي الْحَمْلِ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ أَوْ بَدَلٌ أَوْ فِي بِمَعْنَى مِنْ وَقَوْلُهُ عَلَى حُكْمٍ مُتَعَلِّقٍ بِالْحَمْلِ وَقَوْلُهُ فَتُعَدُّ جَوَابُ النَّفْيِ أَيْ وَلَيْسَ الِاخْتِلَافُ فِي آرَاءٍ فِي الْحَمْلِ عَلَى حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ يَعْقُبُ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ الْمَذْكُورَ عَدَّهَا أَقْوَالًا أَيْ لَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ وَقَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ الْوَاوُ لِلْحَالِ وَأَرَادَ بِالْحُكْمِ الْمَعْنَى فَيَشْمَلُ التَّفْسِيرَ كَمَا فِي الْعَوْدِ.

(ثُمَّ أَقُولُ) وَقَوْلُهُ فَتُعَدُّ مَعْطُوفٌ عَلَى اخْتِلَافٍ بِحَسَبِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ وَلَيْسَ هُنَاكَ اخْتِلَافٌ فِي آرَاءٍ فِي الْحَمْلِ عَلَى حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ فَتُعَدُّ أَقْوَالًا وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ لِلْبِسَاطِيِّ وَاعْتَرَضَهَا تت بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الشُّيُوخَ مَتَى اخْتَلَفَتْ عُدَّ اخْتِلَافُهُمْ أَقْوَالًا وَظَاهِرُهُ كَانَتْ أَقْوَالًا خَارِجِيَّةً أَوْ لَا فَرَدَّ شَارِحُنَا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ أَقْوَالًا إلَّا إذَا كَانَتْ أَقْوَالًا خَارِجِيَّةً وَوَجْهُ كَوْنِهَا لَا تُعَدُّ أَقْوَالًا أَنَّ الشَّارِحَ لِلَفْظِ الْإِمَامِ إنَّمَا يَحْتَجُّ عَلَى صِحَّةِ مُرَادِهِ بِقَوْلِ ذَلِكَ الْإِمَامِ وَبِقَرَائِنِ كَلَامِهِ مِنْ عَوْدِ ضَمِيرٍ وَمَا أَشْبَهَهُ وَغَيْرَ الشَّارِحِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَقْوَالِ إنَّمَا يَحْتَجُّ لِقَوْلِهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ فَلَمْ يَقَعْ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ تَوَارُدٌ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُجْمَعَ أَقْوَالُهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ الْكَلَامُ الَّذِي شَرَحُوهُ قَوْلًا وَاحِدًا وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي تَصَوُّرِ مَعْنَاهُ (قَوْلُهُ ظَاهِرٌ) أَيْ صَحِيحٌ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُرَادَ الْمُرَادُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ) أَيْ لَفْظَ تَأْوِيلٍ (قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ إلَخْ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ بِمُجَرَّدِهِ أَيْ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ خِلَافٌ خَارِجِيٌّ (قَوْلُهُ لَا يَقْتَضِي التَّخَالُفَ) أَيْ لَا يَقْتَضِي أَنَّ هُنَاكَ خِلَافًا خَارِجِيًّا أَيْ لَا يَقْتَضِي وُجُودَ أَقْوَالٍ لِمَا عَلِمْت أَنَّهَا تَرْجِعُ لِقَوْلٍ وَاحِدٍ اخْتَلَفَا فِي تَفْسِيرِهِ (قَوْلُهُ وَرَدَّ تت إلَخْ) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ (قَوْلُهُ وَبِالِاخْتِيَارِ لِلَّخْمِيِّ إلَخْ) كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ اخْتَارَ غَيْرَهُ أَوْ لَا نَصَّ فِيهَا جَعَلَ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ شَامِلًا لِلصُّورَتَيْنِ فِي التَّعْبِيرِ بِالْفِعْلِ مَعَ أَنَّهُ يُعَبِّرُ بِالِاسْمِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى كَقَوْلِهِ فِي الْجِهَادِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ وَكَقَوْلِهِ فِي الْجِزْيَةِ وَالظَّاهِرُ آخِرُهَا حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُؤَلِّفُ سَكَتَ عَنْ اصْطِلَاحِهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَوْ أَطْلَقَ الْخِلَافَ عَلَى مَا يَشْمَلُ هَذِهِ الصُّورَةَ تَغْلِيبًا (قُلْت) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ وَنَحْوِهِمَا خَالَفَ اصْطِلَاحَهُ إمَّا سَهْوًا أَوْ تَصْحِيفًا مِنْ النَّاسِخِ كَتَعْبِيرِهِ بِالْفِعْلِ فِيمَا فِيهِ خِلَافٌ كَقَوْلِهِ وَاخْتَارَ فِي الْأَخِيرِ خِلَافَ الْأَكْثَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مُحَشِّي تت، ثُمَّ إنَّ اللَّامَ الدَّاخِلَةَ عَلَى الشُّيُوخِ الْمَذْكُورِينَ فِي كَلَامِهِ بِمَعْنَى إلَى دَاخِلَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مُتَعَلِّقٍ بِمُشِيرًا وَالتَّقْدِيرُ وَمُشِيرًا بِمَادَّةِ الِاخْتِيَارِ إلَى اخْتِيَارِ أَبِي الْحَسَنِ

ص: 39

لَكِنْ إنْ كَانَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ فَذَلِكَ لِاخْتِيَارِهِ هُوَ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ بِصِيغَةِ الِاسْمِ فَذَلِكَ لِاخْتِيَارِهِ مِنْ الْخِلَافِ (ش) أَيْ وَمُشِيرًا بِمَادَّةِ الِاخْتِيَارِ إلَى اخْتِيَارِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ الرَّبَعِيِّ الْمَعْرُوفِ بِاللَّخْمِيِّ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ، وَهُوَ ابْنُ بِنْتِ اللَّخْمِيِّ لَكِنْ إنْ كَانَ اخْتِيَارُهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ لَا مِنْ أَقْوَالٍ مَنْصُوصَةٍ لِغَيْرِهِ فَيُشِيرُ إلَى ذَلِكَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي كَاخْتَارَ، وَإِنْ كَانَ اخْتِيَارُهُ مِنْ الْأَقْوَالِ الْمَنْصُوصَةِ فَيُشِيرُ إلَى ذَلِكَ بِصِيغَةِ الِاسْمِ نَحْوَ الْمُخْتَارِ كَذَا وَإِنَّمَا جَعَلَ الْفِعْلَ لِاخْتِيَارِ الْأَشْيَاخِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَالِاسْمَ لِاخْتِيَارِهِمْ مِنْ الْخِلَافِ الْمَنْصُوصِ. لِأَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى الْحُدُوثِ وَالْوَصْفَ يَدُلُّ عَلَى الثُّبُوتِ وَمُنَاسَبَةُ كُلٍّ لَا تَخْفَى وَاللَّخْمِيُّ الْمَذْكُورُ نَزَلَ صَفَاقُصَ وَتَفَقَّهَ بِابْنِ مُحْرِزٍ وَأَبِي الْفَضْلِ ابْنِ بِنْتِ خَلْدُونٍ وَأَبِي الطَّيِّبِ وَأَبِي إِسْحَاقَ التُّونُسِيِّ وَالسُّيُورِيُّ وَظَهَرَ فِي أَيَّامِهِ وَطَارَتْ فَتَاوِيهِ وَكَانَ فَقِيهًا فَاضِلًا دَيِّنًا وَبَقِيَ بَعْدَ أَصْحَابِهِ فَحَازَ رِيَاسَةَ إفْرِيقِيَةَ وَتَفَقَّهَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ وَأَبُو الْفَضْلِ النَّحْوِيُّ وَالْكَلَاعِيُّ وَلَهُ تَعْلِيقٌ مُحَاذِي لِلْمُدَوَّنَةِ سَمَّاهُ التَّبْصِرَةَ حَسَنٌ مُفِيدٌ تَوَفَّى رحمه الله سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَأَرْبَعَمِائَةٍ بِصَفَاقِس وَقَبْرُهُ بِهَا مَعْرُوفٌ وَخَصَّهُ عَمَّنْ ذَكَرَ مَعَهُ بِمَادَّةِ الِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّهُ أَجْرَؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ.

(ص) وَبِالتَّرْجِيحِ لِابْنِ يُونُسَ كَذَلِكَ (ش) أَيْ وَمُشِيرًا بِمَادَّةِ التَّرْجِيحِ لِتَرْجِيحِ ابْنِ يُونُسَ لَكِنْ إنْ كَانَ اخْتِيَارُهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ فَيُشِيرُ إلَيْهِ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي كَرَجُحَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْخِلَافِ الْمَنْصُوصِ فَيُشِيرُ إلَيْهِ بِصِيغَةِ الِاسْمِ، وَهُوَ الْأَرْجَحُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ كَذَلِكَ وَابْنُ يُونُسَ هُوَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ تَمِيمِيٌّ صَقَلِّيٌّ كَانَ فَقِيهًا إمَامًا عَالِمًا فَرْضِيًّا أَخَذَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْحَصَائِرِيِّ وَعَتِيقِ بْنِ الْفَرْضِيِّ وَابْنِ أَبِي الْعَبَّاسِ وَكَانَ مُلَازِمًا لِلْجِهَادِ مَوْصُوفًا بِالنَّجْدَةِ تُوُفِّيَ فِي عَشْرٍ بَقَيْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إحْدَى وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَقِيلَ فِي رَبِيعٍ الْأَخِيرِ وَيُعَبِّرُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِالصَّقَلِّيِّ.

(ص) وَبِالظُّهُورِ لِابْنِ رُشْدٍ كَذَلِكَ (ش) أَيْ وَمُشِيرًا بِمَادَّةِ الظُّهُورِ إلَى تَظْهِيرِ ابْنِ رُشْدٍ

ــ

[حاشية العدوي]

(قَوْلُهُ لَكِنْ إنْ كَانَ) فِي الْعِبَارَةِ اسْتِخْدَامٌ حَيْثُ أَطْلَقَ الِاخْتِيَارَ أَوَّلًا مُرَادًا بِهِ لَفْظُهُ، ثُمَّ رَجَعَ الضَّمِيرُ لَهُ بِاعْتِبَارِ حَقِيقَتِهِ النَّفْسَانِيَّةِ وَقَوْلُهُ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ أَيْ مُعَبِّرًا عَنْهُ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ كَذَا قِيلَ وَأَقُولُ لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّامَ الدَّاخِلَةَ عَلَى الْمَشَايِخِ بِمَعْنَى إلَى دَاخِلَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ فِي كَانَ عَائِدًا عَلَى ذَلِكَ الْمَحْذُوفِ هَذَا مَا يَقْتَضِيهِ حَلُّ الشَّارِحِ وَيَصِحُّ أَنْ تَقُولَ لَكِنْ إنْ كَانَ الِاخْتِيَارُ أَيْ تِلْكَ الْمَادَّةُ آتِيَةً بِصِيغَةِ الْفِعْلِ إلَخْ (قَوْلُهُ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ) أَيْ الْمَاضِي إذْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ إلَّا ذَلِكَ (قَوْلُهُ لِاخْتِيَارِهِ هُوَ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَصْدَرُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُضَافًا لِلْفَاعِلِ فَيَكُونَ هُوَ تَأْكِيدًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا لِلْمَفْعُولِ فَيَكُونَ هُوَ فَاعِلًا (قَوْلُهُ بِصِيغَةِ الِاسْمِ) أَيْ اسْمِ الْمَفْعُولِ قِيلَ خَالَفَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي قَوْلِهِ وَاخْتَارَ فِي الْأَخِيرِ خِلَافَ الْأَكْثَرِ فَإِنَّ اللَّخْمِيَّ اخْتَارَ فِيهَا قَوْلَ الْأَقَلِّ وَمَعَ ذَلِكَ عَبَّرَ بِالْفِعْلِ وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْأَكْثَرِ الْكُلَّ (قَوْلُهُ فَذَلِكَ لِاخْتِيَارِهِ مِنْ الْخِلَافِ) أَيْ غَالِبًا وَقَدْ يُشِيرُ بِهِ لِلْخِلَافِ خَارِجَ الْمَذْهَبِ كَقَوْلِهِ وَالْأَظْهَرُ وَالْأَصَحُّ لَا جَعْلَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ (قَوْلُهُ الرَّبَعِيِّ) مَنْسُوبٌ لِرَبِيعَةَ (قَوْلُهُ ابْنُ بِنْتِ اللَّخْمِيِّ) فَاللَّخْمِيُّ حَقِيقَةً إنَّمَا هُوَ جَدُّهُ مَنْسُوبٌ لِلَخْمٍ حَيٍّ بِالْيَمَنِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى الْحُدُوثِ) أَيْ بَعْدَ الْعَدَمِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ وَعَلَى التَّجَدُّدِ شَيْئًا فَشَيْئًا بِالْقَرِينَةِ إلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ الْمُضَارِعِ.

(قَوْلُهُ وَالْوَصْفُ يَدُلُّ عَلَى الثُّبُوتِ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الثُّبُوتِ الْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ وَالصِّفَةُ الْمُشَبَّهَةُ، وَأَمَّا اسْمُ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ فَهُمَا لِلْحُدُوثِ قَطْعًا إلَّا أَنْ يُرِيدَ كَوْنَ الْمُؤَلِّفِ قَابَلَ الْفِعْلَ بِالِاسْمِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ خُصُوصِ الْوَصْفِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي ك فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالْمُنَاسِبُ لِشَارِحِ أَنْ يَقُولَ وَالِاسْمُ يَدُلُّ عَلَى الثُّبُوتِ بَدَلَ الْوَصْفِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الِاسْمِيَّةَ تَدُلُّ عَلَى الثُّبُوتِ بِأَصْلِ الْوَضْعِ وَعَلَى الدَّوَامِ بِالْقَرِينَةِ (قَوْلُهُ وَمُنَاسَبَةُ كُلٍّ لَا تَخْفَى) ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَا اخْتَارَهُ فِي نَفْسِهِ حَادِثًا نَاسَبَ التَّعْبِيرَ عَنْهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَلَمَّا كَانَ مَا اخْتَارَهُ مِنْ الْخِلَافِ ثَابِتًا قَبْلُ نَاسَبَ التَّعْبِيرَ عَنْهُ بِالِاسْمِ أَيْ فَالتَّعْبِيرُ بِالِاسْمِ بِالنَّظَرِ لِلْمُخْتَارِ لَا لِلِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّهُ حَادِثٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ (قَوْلُهُ صَفَاقُصَ) فِي نُسْخَتِهِ بِالصَّادِ إلَّا أَنَّ الَّذِي فِي الْقَامُوسِ سِينٌ آخِرًا وَحَاصِلُ مَا فِيهَا أَنَّهَا بِفَتْحِ الصَّادِ أَوَّلًا وَضَمِّ الْقَافِ وَالسِّينِ آخِرًا وَهِيَ بَلَدٌ بِإِفْرِيقِيَّةَ عَلَى الْبَحْرِ شُرْبُهُمْ مِنْ الْآبَارِ (قَوْلُهُ وَطَارَتْ فَتَاوِيهِ) أَيْ وَانْتَشَرَتْ فَتَاوِيهِ أَوْ نُقِلَتْ فَتَاوِيهِ إلَى الْبِلَادِ فَهُوَ مَجَازٌ اسْتِعَارَةٌ أَوْ تَجْعَلُهُ مَجَازًا عَقْلِيًّا (قَوْلُهُ وَبَقِيَ بَعْدَ أَصْحَابِهِ) أَيْ أَقْرَانِهِ (قَوْلُهُ وَالْكَلَاعِيُّ) بِالْفَتْحِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ نِسْبَةً إلَى كَلَاعٍ قَبِيلَةٍ مِنْ حِمْيَرَ (قَوْلُهُ مُحَاذِي لِلْمُدَوَّنَةِ) أَيْ فِي التَّرَاجِمِ وَالْمَعَانِي.

(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَجْرَؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ أَكْثَرُهُمْ اسْتِعْمَالًا لِهَذِهِ الْمَادَّةِ هَذَا مَا يُفِيدُهُ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ إلَّا أَنَّ عِبَارَةَ الْحَطَّابِ تُفِيدُ أَنَّ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ أَجْرَؤُهُمْ عَلَى الِاخْتِيَارِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ لَفْظِ الِاخْتِيَارِ وَسَيَأْتِي فَيُحْمَلُ كَلَامُ الشَّارِحِ عَلَيْهَا إلَّا أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ سِرُّ التَّعْبِيرِ بِالِاخْتِيَارِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الشَّأْنُ فِي ذَلِكَ التَّعْبِيرِ عِنْدَهُ بِمَادَّةِ الِاخْتِيَارِ (قَوْلُهُ لَكِنْ إنْ كَانَ اخْتِيَارُهُ) الْأَوْلَى تَرْجِيحُهُ (قَوْلُهُ صَقَلِّيٌّ) قَالَ فِي ك وُجِدَ عِنْدِي مَا نَصُّهُ الصَّقَلِّيُّ بِفَتْحِ الصَّادِ وَالْقَافِ وَكَسْرِهِمَا وَيَجُوزُ فَتْحُ الصَّادِ وَكَسْرُ الْقَافِ انْتَهَى (قَوْلُهُ الْحَصَائِرِيِّ) نِسْبَةً إلَى الْحَصِيرِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ نِسْبَةً مِنْ حَيْثُ بَيْعُهَا أَوْ عَمَلِهَا (قَوْلُهُ بِالنَّجْدَةِ) بِكَسْرِ النُّونِ مَعْنَاهُ الشَّجَاعَةُ وَالشِّدَّةُ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ

ص: 40

لَكِنْ إنْ كَانَ لَمَّا ظَهَرَ لَهُ أَوْ رَجَّحَهُ أَوْ اخْتَارَهُ مِنْ نَفْسِهِ فَيُشِيرُ لِذَلِكَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي كَظَهَرَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَقْوَالِ الْخِلَافِيَّةِ فَيُشِيرُ لَهُ بِصِيغَةِ الِاسْمِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ كَذَلِكَ وَابْنُ رُشْدٍ هُوَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رُشْدٍ يُكْنَى بِأَبِي الْوَلِيدِ قُرْطُبِيٌّ فَقِيهُ وَقْتِهِ وَتَفَقَّهَ بِأَقْطَارِ الْأَنْدَلُسِ وَالْمَغْرِبِ الْمَعْرُوفِ بِصِحَّةِ النَّظَرِ وَجَوْدَةِ التَّأْلِيفِ وَدِقَّة الْفِقْهِ وَكَانَ إلَيْهِ الْمَفْزَعُ فِي الْمُشْكِلَاتِ مَاتَ لَيْلَةَ الْأَحَدِ حَادِي عَشَرَ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ عِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الْعَبَّاسِ وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ أَبُو الْقَاسِمِ وَكَانَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ جَمِيلًا وَالتَّفَجُّعُ عَلَيْهِ جَلِيلًا وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.

(ص) وَبِالْقَوْلِ لِلْمَازِرِيِّ كَذَلِكَ (ش) أَيْ وَمُشِيرًا بِمَادَّةِ الْقَوْلِ لِقَوْلِ الْمَازِرِيِّ لَكِنْ إنْ كَانَ لِمَا ظَهَرَهُ أَوْ رَجَّحَهُ أَوْ اخْتَارَهُ مِنْ رَأْيِهِ فَيُشِيرُ لَهُ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي كَقَالَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَقْوَالِ الْمَذْهَبِ فَيُشِيرُ لَهُ بِصِيغَةِ الِاسْمِ، وَهُوَ لَفْظُ الْمَقُولِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ كَذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يَتَّفِقْ لَلْمُؤَلِّفِ إطْلَاقُ صِيغَةِ الْفِعْلِ عَلَى مَعْنَى رَجَّحَ بَلْ إنَّمَا يُرِيدُ بِهَا مُجَرَّدَ حِكَايَةِ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ وَالتَّرْجِيحُ إنْ كَانَ فَإِنَّمَا هُوَ مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ لَا مِنْ لَفْظِ قَالَ تَأَمَّلْ، وَأَمَّا صِيغَةُ الِاسْمِ فَمُسَلَّمٌ وَالْمَازِرِيُّ هُوَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ الْمَازِرِيُّ يُعْرَفُ بِالْإِمَامِ أَصْلُهُ مِنْ مَازِرَةَ بِفَتْحِ الزَّايِ وَكَسْرِهَا مَدِينَةٌ فِي جَزِيرَةِ صِقِلِّيَةَ نَزَلَ الْمَهْدِيَّةَ إمَامَ بِلَادِ أَفْرِيقِيَّةَ وَمَا وَرَاءَهَا مِنْ الْمَغْرِبِ. وَيُحْكَى أَنَّهُ رَأَّى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَقُّ مَا يَدْعُونَنِي بِهِ فَقَالَ لَهُ وَسَّعَ اللَّهُ صَدْرَك لِلْفُتْيَا وَكَانَ آخِرَ الْمُشْتَغِلِينَ بِإِفْرِيقِيَةَ بِتَحْقِيقِ الْعِلْمِ وَرُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ وَدِقَّةِ النَّظَرِ وَكَانَ يُفْزَعُ إلَيْهِ فِي الْفُتْيَا فِي الطِّبِّ كَمَا يُفْزَعُ إلَيْهِ فِي الْفُتْيَا فِي الْفِقْهِ وَيُحْكَى أَنَّ سَبَبَ اشْتِغَالِهِ فِي الطِّبِّ أَنَّهُ مَرِضَ فَكَانَ يَطِبُّهُ يَهُودِيٌّ فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ يَا سَيِّدِي وَمِثْلِي يَطِبُّ مِثْلَكُمْ وَأَيُّ قُرْبَةٍ أَجِدُهَا أَتَقَرَّبُ بِهَا فِي دِينِي مِثْلَ أَنْ أَفْقِدَكُمْ فَحِينَئِذٍ اشْتَغَلَ بِالطِّبِّ وَمِمَّنْ أَخَذَ عَنْهُ بِالْإِجَازَةِ الْقَاضِي عِيَاضٌ تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ وَقَدْ نَيَّفَ سِنُّهُ عَلَى الثَّمَانِينَ وَبِقَوْلِنَا فِيمَا تَقَدَّمَ بِمَادَّةِ الظُّهُورِ أَوْ التَّرْجِيحِ أَوْ الِاخْتِيَارِ يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ إنَّ التَّقْسِيمَ إلَى اسْمٍ وَفِعْلٍ لَا يَصِحُّ لِمُنَافَاتِهِ الْمُقْسَمَ لِكَوْنِهِ اسْمًا فَقَطْ وَتَخْصِيصُهُ الشُّيُوخَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ مُجَرَّدُ اصْطِلَاحٍ لِقَصْدِ التَّمْيِيزِ لَا أَنَّ مَنْ نُسِبَ إلَيْهِ بَعْضُهَا رَجَحَ بِذَلِكَ إذْ كَثِيرًا مَا يُشِيرُ بِالظُّهُورِ.

لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ الْأَصَحِّ يُعْلَمُ ذَلِكَ بِتَصَفُّحِ مَسَائِلِهِمْ وَلِيُعْلَمَ أَنَّ الْمُرَادَ مَتَى ذَكَرَ ذَلِكَ فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى التَّرْجِيحِ لَا أَنَّ الْمُرَادَ مَتَى رَجَّحَ بَعْضُهُمْ شَيْئًا أَشَارَ إلَيْهِ حَتَّى يَعْتَرِضَ بِوُجُودِ تَرْجِيحَاتٍ كَثِيرَةٍ لَهُمْ لَمْ يُشِرْ إلَيْهَا وَلَمْ يَذْكُرْهُمْ الْمُؤَلِّفُ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ فِي الْوُجُودِ وَأَقْدَمُهُمْ ابْنُ يُونُسَ الصَّقَلِّيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، ثُمَّ اللَّخْمِيُّ، ثُمَّ ابْنُ رُشْدٍ، ثُمَّ الْمَازِرِيُّ وَاخْتَارَ عَدَدَ الْأَرْبَعَةِ

ــ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ إنْ كَانَ لِمَا ظَهَرَ لَهُ إلَخْ) هَذَا التَّنْوِيعُ لُحِظَ فِيهِ الصِّيغَةُ الصَّادِرَةُ مِنْهُ أَمَّا مَادَّةُ الظُّهُورِ أَوْ التَّرْجِيحِ أَوْ غَيْرِهِمَا (قَوْلُهُ بِأَقْطَارِ الْأَنْدَلُسِ) أَيْ نَوَاحِي الْأَنْدَلُسِ وَنَوَاحِي الْمَغْرِبِ أَوْ بِقُطْرَيْنِ هُمَا الْأَنْدَلُسُ وَالْمَغْرِبُ وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْأَنْدَلُسَ إقْلِيمٌ آخَرُ غَيْرُ الْمَغْرِبِ (قَوْلُهُ بِصِحَّةِ النَّظَرِ) أَيْ الْفِكْرِ وَقَوْلُهُ وَكَانَ إلَيْهِ الْمَفْزَعُ أَيْ الْفَزَعُ (قَوْلُهُ بِمَقْبَرَةِ الْعَبَّاسِ) لَا أَدْرِي كَيْفَ كَانَ هُوَ (قَوْلُهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ كَانَ إمَامًا (قَوْلُهُ وَالتَّفَجُّعُ) أَيْ حُزْنُ النَّاسِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ لِمَا ظَهَرَهُ إلَخْ) نَاظِرٌ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ لِلصِّيغَةِ الصَّادِرَةِ مِنْهُ (قَوْلُهُ إنْ كَانَ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّرْجِيحَ لَيْسَ بِلَازِمٍ مِنْ كَلَامِهِ.

(قَوْلُهُ لَا مِنْ لَفْظِ قَالَ) كَقَوْلِ الْمُصَنِّفِ قَالَ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ فَالتَّرْجِيحُ مِنْ قَوْلِهِ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ وَاعْتُرِضَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يُرِدْ حِكَايَةَ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ كَمَا ادَّعَى مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْ قَالَ فِي مَعْنَى رَجَّحَ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَازِرِيَّ لَمَّا جَزَمَ بِذَلِكَ أَفَادَ تَرْجِيحَهُ لَهُ فَقَوْلُهُ قَالَ وَكَذَا شَيْءٌ وَقَوْلُهُ قَالَ، وَإِنْ قَالَ أَقَرَّ عَنِي بِأَلْفٍ فَإِقْرَارٌ يُسْتَفَادُ مِنْهُ تَرْجِيحُ مَا ذَكَرَهُ لِكَوْنِهِ جَزَمَ بِهِ حُكْمًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ ظَاهِرٌ بِاعْتِبَارِ قَوْلِهِ قَالَ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ بِالنِّسْبَةِ لِقَوْلِهِ قَالَ وَكَذَا شَيْءٌ وَنَحْوُهُ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ نَزَلَ الْمَهْدِيَّةَ) بَلْدَةٌ مِنْ أَعْمَالِ تُونِسَ (قَوْلُهُ إمَامَ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ كَمَا هُوَ مَضْبُوطٌ بِالْقَلَمِ فِي نُسْخَتِهِ (قَوْلُهُ أَحَقُّ مَا يَدْعُونَنِي بِهِ) أَيْ، وَهُوَ إمَامٌ أَيْ فَصَارَ إمَامُ لَقَبًا عَلَيْهِ وَمَا يَدْعُونَنِي فَاعِلٌ بِأَحَقَّ سَادٌّ مَسَدَ الْخَبَرِ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَنِي مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ حَقٌّ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ (قَوْلُهُ فَقَالَ لَهُ وَسَّعَ إلَخْ) لَمْ يُجِبْهُ الْمُصْطَفَى عليه السلام بَلْ دَعَا لَهُ بِمَا هُوَ أَنْفَعُ وَمُسْتَلْزِمٌ لِجَوَابِهِ عُرْفًا أَيْ مَلَأَ اللَّهُ صَدْرَك عِلْمًا حَتَّى لَا يَشُقُّ عَلَيْك مَا يَرِدُ مِنْ أَسْئِلَةِ السَّائِلِينَ أَوْ زَادَ اللَّهُ فِي حُسْنِ خُلُقِك حَتَّى لَا تَسْأَمَ مِمَّا ذَكَرَ (قَوْلُهُ رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ) أَيْ اجْتِهَادِ الْفَتْوَى فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ فَكَانَ يَطِبُّهُ) مِنْ بَابِ ضَرَبَ.

(قَوْلُهُ مِثْلَ أَنْ أَفْقِدَكُمْ) مِنْ بَابِ ضَرَبَ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ أَيْ فَالْقَافُ مَكْسُورَةٌ (قَوْلُهُ رَجَحَ بِذَلِكَ) أَيْ بِخُصُوصِ الظُّهُورِ أَوْ التَّرْجِيحِ أَوْ الْقَوْلِ أَوْ الِاخْتِيَارِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ مَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي اللَّخْمِيِّ حَيْثُ قَالَ؛ لِأَنَّهُ أَجْرَؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَعِبَارَةُ الْحَطَّابِ أَحْسَنُ وَنَصُّهُ وَخَصَّهُمْ بِالتَّعْيِينِ لِكَثْرَةِ تَصَرُّفِهِمْ فِي الِاخْتِيَارِ وَبَدَأَ بِاللَّخْمِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَجْرَؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ؛ وَلِذَلِكَ خَصَّهُ بِمَادَّةِ الِاخْتِيَارِ وَخَصَّ ابْنَ يُونُسَ بِالتَّرْجِيحِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ اجْتِهَادِهِ فِي الْمَيْلِ مَعَ بَعْضِ أَقْوَالِ مَنْ سَبَقَهُ وَمَا يَخْتَارُ لِنَفْسِهِ قَلِيلٌ وَخَصَّ ابْنَ رُشْدٍ بِالظُّهُورِ لِاعْتِمَادِهِ كَثِيرًا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ فَيَقُولُ يَأْتِي عَلَى رِوَايَةِ كَذَا كَذَا وَظَاهِرُ مَا فِي سَمَاعِ كَذَا كَذَا وَخَصَّ الْمَازِرِيَّ بِالْقَوْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَوِيَتْ عَارِضَتُهُ فِي الْعُلُومِ وَتَصَرَّفَ فِيهَا تَصَرُّفَ الْمُجْتَهِدِينَ كَانَ صَاحِبَ قَوْلٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ اهـ.

وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى إنَّمَا ذَكَرَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ التَّعَبِ فِي تَحْرِيرِ الْمَذْهَبِ وَتَهْذِيبِهِ وَتَرْتِيبِهِ (قَوْلُهُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُجَوِّزُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ

ص: 41

كَالْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَالْأَئِمَّةِ الَّذِينَ هُمْ لِنِظَامِ الدِّينِ كَقَوَاعِدِ الْبَيْتِ الْأَرْبَعِ الَّتِي لَا يَتِمُّ شَكْلُهُ إلَّا بِهَا.

(ص) وَحَيْثُ قُلْت خِلَافٌ فَذَلِكَ لِلِاخْتِلَافِ فِي التَّشْهِيرِ (ش) حَيْثُ ظَرْفٌ لِفِعْلِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أَيْ مَهْمَا وُجِدَ شَيْءٌ حَيْثُ قُلْت خِلَافٌ وَخِلَافٌ مَرْفُوعٌ عَلَى الْحِكَايَةِ إذْ هُوَ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ الْآتِي لَهُ فِي الْأَبْوَابِ مَرْفُوعٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وَلَوْ نَصَبَهُ لَاقْتَضَى أَنَّهُ مَتَى ذَكَرَ أَقْوَالًا مُخْتَلِفَةً فِي مَسْأَلَةٍ كَقَوْلِهِ اُعْتُدَّ بِهِ عِنْدَ مَالِكٍ لَا ابْنِ الْقَاسِمِ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً فِي التَّشْهِيرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا أَشَارَ لَهُ النَّاصِرُ اللَّقَانِيِّ وَكَأَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى تَقْدِيرِ الشَّرْطِ دُخُولُ الْفَاءِ بَعْدَهَا مَعَ أَنَّ دُخُولَ الْفَاءِ بَعْدَ الظَّرْفِ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِإِجْرَاءِ الظَّرْفِ مَجْرَى كَلِمَةِ الشَّرْطِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ} [الأحقاف: 11] وَحَيْثُ دَالَّةٌ عَلَى الْمَكَانِ قِيلَ كَمَا هُنَا، وَهُوَ عَجِيبُ التَّقْدِيرِ وَكُلُّ مَكَان مِنْ هَذَا الْكِتَابِ قُلْت فِيهِ خِلَافٌ.

وَزَعَمَ الْأَخْفَشُ أَنَّهَا تَرِدُ لِلزَّمَانِ انْتَهَى وَتَأَمَّلْ قَوْلُهُ وَلَوْ نَصَبَهُ إلَخْ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لَوْلَا هَذَا الِاقْتِضَاءُ لَصَحَّ النَّصْبُ مَعَ أَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّتِهِ أَيْضًا لَفْظُ الْقَوْلِ الْخَاصِّ بِالْجُمَلِ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الذِّكْرُ وَمَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الشُّيُوخَ إذَا اخْتَلَفُوا فِي التَّشْهِيرِ لِلْأَقْوَالِ وَتَسَاوَى الْمُشَهِّرُونَ فِي الرُّتْبَةِ فَإِنَّهُ يَذْكُرُ الْقَوْلَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ وَالْأَقْوَالَ الْمَشْهُورَةَ وَيَأْتِي بَعْدَهَا بِلَفْظِ خِلَافٌ إشَارَةً إلَى ذَلِكَ وَسَوَاءٌ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي تَشْهِيرِ التَّرْجِيحِ بِلَفْظِ التَّشْهِيرِ أَوْ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِمْ الْمَذْهَبُ كَذَا أَوْ الظَّاهِرُ أَوْ الرَّاجِحُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَ الْمُشَهِّرُونَ فِي الرُّتْبَةِ فَإِنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى مَا شَهَّرَهُ أَعْلَاهُمْ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْ اسْتِقْرَاءِ كَلَامِهِ (ص) وَحَيْثُ ذَكَرْت قَوْلَيْنِ أَوْ أَقْوَالًا فَذَلِكَ لِعَدَمِ اطِّلَاعِي فِي الْفَرْعِ عَلَى أَرْجَحِيَّةٍ مَنْصُوصَةٍ (ش) أَيْ وَكُلُّ مَكَان

ــ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ الَّذِينَ هُمْ إلَخْ) صِفَةٌ لِلْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَلَمَّا كَانَ مَا عَلَيْهِ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ هُوَ مَا عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ عُدُّوا كَأَنَّهُمْ هُمْ فَلِذَلِكَ جُعِلُوا أَرْكَانًا أَرْبَعَةً لَا أَكْثَرَ أَيْ فَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ أَرْكَانُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فَلِذَلِكَ خَصَّهُمْ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ لِقُوَّةِ تَصَرُّفِهِمْ أَرْكَانَ الْمَذْهَبِ كَمَا أَنَّ الْأَئِمَّةَ أَرْكَانُ الدِّينِ خَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ (قَوْلُهُ لِنِظَامِ الدِّينِ) أَيْ لِاسْتِقَامَةِ الدِّينِ أَيْ الَّذِينَ هُمْ لِلدِّينِ مِنْ حَيْثُ اسْتِقَامَتُهُ (قَوْلُهُ فَذَلِكَ) أَيْ قَوْلِي خِلَافٌ فَالْمُشَارُ لَهُ مُتَقَدِّمٌ مَعْنًى فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ لِلِاخْتِلَافِ إلَخْ) أَيْ فِي غَيْرِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ وَفِي غَيْرِ مَنْ يَأْتِي وَيُشِيرُ لِمَنْ تَقَدَّمَ بِمَا سَبَقَ وَلِمَنْ يَأْتِي بِصَحَّحَ أَوْ اسْتَحْسَنَ فَلَا اعْتِرَاضَ.

(قَوْلُهُ لِفِعْلِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ) فَحَذَفَ الشَّرْطَ، وَهُوَ مَهْمَا لِدَلَالَةِ دُخُولِ الْفَاءِ فِي جَوَابِهِ وَفِعْلِهِ، وَهُوَ وُجِدَ لِدَلَالَةِ الْمَعْمُولِ، وَهُوَ حَيْثُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْمُولَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ فِيهِ (قَوْلُهُ أَيْ مَهْمَا وُجِدَ شَيْءٌ) أَيْ مَهْمَا وُجِدَ شَيْءٌ فِي الْمَكَانِ يُرَادُ بِهِ الْعِبَارَةُ الَّتِي مِنْ أَجْزَائِهَا خِلَافٌ كَقَوْلِهِ وَهَلْ تُكْرَهُ الرَّابِعَةُ أَوْ تُمْنَعُ خِلَافٌ وَيَرِدُ بِالشَّيْءِ مَعْنَى تِلْكَ الْعِبَارَةِ (قَوْلُهُ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ) أَيْ غَالِبًا إذْ قَدْ يَذْكُرُهُ نَحْوَ وَفِي وُجُوبِ غُسْلِ الْمَيِّتِ إلَى أَنْ قَالَ خِلَافٌ (قَوْلُهُ وَلَوْ نَصَبَهُ إلَخْ) ، فَإِنْ قُلْت يُمْكِنُ أَنْ يُنْصَبَ وَيُرَادُ بِهِ لَفْظُهُ وَالْقَوْلُ يُنْصَبُ الْمُفْرَدُ إذَا أُرِيدَ بِهِ لَفْظُهُ وَلَا يُرَادُ بِهِ مَعْنَاهُ الْمُوهِمُ قُلْت يَقْتَضِي أَنَّهُ يَذْكُرُهُ مَنْصُوبًا دَائِمًا مَعَ أَنَّهُ إنَّمَا يَذْكُرُهُ مَرْفُوعًا (قَوْلُهُ كَقَوْلِهِ اُعْتُدَّ بِهِ عِنْدَ مَالِكٍ) أُدْخِلَتْ الْكَافُ قَوْلَهُ وَتَصَرُّفُهُ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَى الْإِجَازَةِ عِنْدَ مَالِكٍ لَا ابْنِ الْقَاسِمِ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ شُهِرَ كُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فَالْجَوَابُ أَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ لِلِاخْتِلَافِ فِي التَّشْهِيرِ وَتَسَاوَى الْمُشَهِّرُونَ فِي الرُّتْبَةِ (قَوْلُهُ دَالَّةٌ عَلَى الْمَكَانِ قِيلَ كَمَا هُنَا) أَيْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ إجْرَاءُ الظَّرْفِ مَجْرَى كَلِمَةِ الشَّرْطِ (قَوْلُهُ، وَهُوَ عَجِيبٌ) أَيْ أَمْرٌ يُتَعَجَّبُ مِنْهُ لِحُسْنِهِ (قَوْلُهُ وَكُلُّ مَكَان) أَيْ وَكُلُّ عِبَارَةٍ ذُكِرَتْ فِي خِلَالِهَا لَفْظُ خِلَافٌ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْفِيشِيُّ فِي الْحَاشِيَةِ حَيْثُ قَالَ وَحَيْثُ مُبْتَدَأٌ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الظُّرُوفِ اللَّازِمَةِ الَّتِي لَا تَتَصَرَّفُ نَظَرًا إلَى الْمَعْنَى الْمُرَادِفِ لَا اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى الْمُرَادِفِ كُلُّ مَوْضِعٍ قُلْت فِيهِ خِلَافٌ وَقَوْلُهُ فَذَلِكَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَالْفَاءُ تَدْخُلُ فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ إذَا كَانَ عَامًّا وَهَذَا الْإِعْرَابُ يَجْرِي فِي قَوْلِهِ وَحَيْثُ ذَكَرْت قَوْلَيْنِ إلَخْ اهـ.

(قَوْلُهُ وَزَعَمَ الْأَخْفَشُ) أَقُولُ وَيَصِحُّ إرَادَةُ الزَّمَانِ أَيْضًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالزَّعْمِ مُجَرَّدَ الْقَوْلِ بِمَثَابَةِ قَوْلِهِ وَقَالَ الْأَخْفَشُ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّهُ كَذِبٌ.

(قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى مَا شَهَرَهُ أَعْلَاهُمْ) غَيْرُ ظَاهِرٍ إذْ قَدْ اُتُّفِقَ أَنَّهُ لَمْ يَتَسَاوَ الْمُشْهِرُونَ فِي الرُّتْبَةِ وَلَمْ يُقْتَصَرْ عَلَى الْأَعْلَى كَقَوْلِهِ فِي الذَّكَاةِ وَشُهِرَ أَيْضًا الِاكْتِفَاءُ بِنِصْفِ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ وَقَوْلُهُ فِي الظِّهَارِ وَشُهِرَ أَيْضًا الْقَطْعُ بِالنِّسْيَانِ إلَّا أَنْ يُبْنَى كَلَامُهُ عَلَى الْغَالِبِ (قَوْلُهُ فَذَلِكَ) اسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ لِلْقَوْلَيْنِ أَوْ الْأَقْوَالِ (قَوْلُهُ فِي الْفَرْعِ إلَخْ) الْفَرْعُ هُوَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الْمُتَعَلِّقُ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ قَلْبِيٍّ كَالنِّيَّةِ أَوْ غَيْرِ قَلْبِيٍّ كَالْوُضُوءِ كَمَا قَالَ النَّاصِرُ اللَّقَانِيِّ وَأَرَادَ بِالْحُكْمِ النِّسْبَةَ التَّامَّةَ وَهِيَ الْوُقُوعُ وَاللَّاوُقُوعَ أَعَنَى وُقُوعَ ثُبُوتِ الْمَحْمُولِ الَّذِي هُوَ كَيْفِيَّةُ الْعَمَلِ لِلْمَوْضُوعِ كَقَوْلِك النِّيَّةُ وَاجِبَةٌ فَالْحُكْمُ هُوَ وُقُوعُ ثُبُوتِ الْوُجُوبِ الَّذِي هُوَ كَيْفِيَّةُ النِّيَّةِ الَّتِي هِيَ الْعَمَلُ وَقَوْلُنَا النِّيَّةُ فِي الْأَذَانِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ الْحُكْمُ فِيهِ هُوَ انْتِفَاءُ ثُبُوتِ الْوُجُوبِ الَّذِي هُوَ كَيْفِيَّةٌ عَنْ النِّيَّةِ فَمَعْنَى تَعَلُّقِ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ وُقُوعُ النِّسْبَةِ التَّامَّةِ أَنَّهُ وَقَعَ ثُبُوتُ تِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ لِذَلِكَ الْعَمَلِ أَوْ لَمْ يَقَعْ وَهَذَا مَا أَفَادَهُ بَعْضُهُمْ وَيَصِحُّ أَنْ تَقُولَ الْحُكْمُ هُوَ ثُبُوتُ الْوُجُوبِ الَّذِي هُوَ كَيْفِيَّةُ الْعَمَلِ إلَخْ وَأَرَادَ بِالشَّرْعِيِّ الْمَأْخُوذَ مِنْ الشَّرْعِ الْمَبْعُوثَ بِهِ النَّبِيُّ عليه السلام وَالْأَخْذُ مِنْهُ يَشْمَلُ الْأَخْذَ مِنْ صَرِيحِهِ بِأَنْ يُصَرِّحَ بِالنِّسْبَةِ وَالْأَخْذِ بِالِاسْتِنْبَاطِ مِنْهُ، فَإِنْ قُلْت وَهَلْ تَخْتَصُّ الْكَيْفِيَّةُ بِالْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْكَرَاهَةِ أَوْ السَّبْعَةِ بِزِيَادَةِ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ أَوْ لَا قُلْت لَا تَخْتَصُّ بِذَلِكَ لِشُمُولِهَا لِلضَّرْبِ فِي قَوْلِك الصَّبِيُّ يُضْرَبُ عَلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ بُلُوغِ الْعَشْرِ وَالْمَنْعُ فِي قَوْلِك الرِّقُّ مَانِعٌ مِنْ الْإِرْثِ وَغَيْرُ ذَلِكَ أَفَادَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي ك.

(قَوْلُهُ أَيْ وَكُلُّ مَكَان) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ حَيْثُ فِي مَعْنَى مُبْتَدَأٍ

ص: 42

مِنْ هَذَا الْمُخْتَصَرِ ذَكَرْت فِيهِ قَوْلَيْنِ أَوْ أَقْوَالًا أَوْ وَهَلْ كَذَا أَوْ كَذَا وَثَالِثُهَا كَذَا وَرَابِعُهَا كَذَا فَذَلِكَ لِعَدَمِ اطِّلَاعِي فِي الْفَرْعِ الَّذِي ذَكَرْت فِيهِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ رَجَّحَ أَحَدَهُمَا أَوْ أَحَدَهَا عَلَى الْآخَرِ وَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْأَقْوَالِ بَيْنَ التَّلَفُّظِ بِصِيغَةِ الْقَوْلِ أَمْ لَا وَفِي كَلَامِ النَّاصِرِ اللَّقَانِيِّ هُنَا نَظَرٌ وَمِثْلُهُ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ فَانْظُرْهُ فِي شَرْحِنَا الْكَبِيرِ.

(ص) وَاعْتُبِرَ مِنْ الْمَفَاهِيمِ مَفْهُومُ

ــ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ قَوْلَيْنِ) أَيْ لَفْظَ قَوْلَيْنِ أَوْ لَفْظَ أَقْوَالٍ وَقَوْلُهُ أَوْ وَهَلْ إلَخْ إشَارَةٌ إلَى مَا كَتَبَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ، فَإِنْ قُلْت لِمَ قَالَ أَوَّلًا وَحَيْثُ قُلْت خِلَافٌ فَعَبَّرَ بِالْقَوْلِ وَرَفَعَ لَفْظَ خِلَافٌ وَقَالَ ثَانِيًا وَحَيْثُ ذَكَرْت قَوْلَيْنِ أَوْ أَقْوَالًا فَعَبَّرَ بِالذِّكْرِ وَنَصَبَ قَوْلَيْنِ أَوْ أَقْوَالًا قُلْت لَمَّا كَانَ ذِكْرُهُ الْأَقْوَالَ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِهَا أَوْ يَقُولَ مَثَلًا وَهَلْ كَذَا أَوْ كَذَا ثَالِثُهَا كَذَا وَرَابِعُهَا كَذَا لَمْ يَصْلُحْ الرَّفْعُ عَلَى الْحِكَايَةِ وَلَا الْقَوْلِ الْمُنَاسِبِ لِذَلِكَ فَلَوْ قَالَ وَحَيْثُ قُلْت أَقْوَالٌ لَخَرَجَ مَا لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ بِصِيغَةِ الْقَوْلِ كَثَالِثِهَا وَرَابِعِهَا بِخِلَافِ خِلَافٌ فَإِنَّ حِكَايَتَهُ بَعْدَ الْقَوْلِ لَا يُخْرِجُ مَعْنًى يُرِيدُ إدْخَالَهُ، فَإِنْ قُلْت لَا يَطَّرِدُ ذَلِكَ إلَّا فِي الْأَقْوَالِ لَا الْقَوْلَيْنِ قُلْت بَلْ هُوَ جَارٍ فِي الْقَوْلَيْنِ أَيْضًا كَقَوْلِهِ فِي بَابِ الرَّهْنِ وَرَجَعَ صَاحِبُهُ بِقِيمَتِهِ أَوْ بِمَا أَدَّى مِنْ ثَمَنِهِ نُقِلَتْ عَلَيْهِمَا وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ مَا حَلَّ بِهِ الشَّارِحُ هُوَ عَيْنُ ذَلِكَ الَّذِي كَتَبَهُ الْبَعْضُ بِأَنْ يُلَاحِظَ التَّعْمِيمَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَحَيْثُ ذَكَرْت قَوْلَيْنِ أَيًّا كَانَ بِهَذِهِ الْمَادَّةِ أَوْ غَيْرِهَا وَالتَّخْصِيصُ بِمَادَّةِ الْقَوْلِ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ وَكُلُّ مَكَان ذَكَرْت إلَخْ (قَوْلُهُ وَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا إلَخْ) أَيْ بِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ فِي الْجَمْعِ وَالْقِيَاسِ فِي الْمُثَنَّى أَيْ فِيمَا كَانَ بِغَيْرِ مَادَّةِ الْقَوْلِ.

(قَوْلُهُ وَفِي كَلَامِ النَّاصِرِ اللَّقَانِيِّ هُنَا نَظَرٌ) لَا حَاجَةَ لِذِكْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَدْعِي طُولًا (قَوْلُهُ وَمِثْلُهُ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ) هَذَا الِاعْتِرَاضُ أَشَارَ لَهُ النَّاصِرُ حَيْثُ قَالَ وَالتَّعْبِيرُ بِرُجْحَانِيَّةٍ وَهِيَ كَوْنُهُ رَاجِحًا أَظْهَرَ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ يَقْتَصِرُ عَلَى رُجْحَانِيَّةِ الرَّاجِحِ الَّذِي يُقَابِلُهُ ضَعِيفٌ وَعَلَى مَا كَانَ أَرْجَحَ مِنْ غَيْرِهِ وَالتَّعْبِيرُ بِأَرْجَحِيَّةٍ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَقْتَصِرُ إلَّا عَلَى مَا كَانَ أَرْجَحَ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا مَا كَانَ رَاجِحًا وَمُقَابِلُهُ ضَعِيفٌ لَا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ وَيَقْتَضِي عَدَمَ التَّعْبِيرِ بِالْقَوْلَيْنِ أَوْ الْأَقْوَالِ حَيْثُ انْتَفَتْ الرَّاجِحِيَّةُ عَنْهُمَا أَوْ عَنْهَا وَلَا يَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالْقَوْلَيْنِ أَوْ الْأَقْوَالِ إلَّا إذَا رَجَحَ كُلٌّ مِنْهُمَا وَتَسَاوَيَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَكَانَ التَّعْبِيرُ بِأَظْهَرَ الْمُشْعِرِ بِظُهُورِ تَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ مَعَ خُرُوجِ هَذِهِ الصُّورَةِ عَنْهُ أَعْنِي مَا إذَا انْفَرَدَ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ بِالرَّاجِحِ وَخَلَا الْآخَرُ نَظَرًا إلَى أَنَّ أَرْجَحَ خَرَجَ بِوَاسِطَةِ يَاءِ النِّسْبَةِ عَنْ التَّفْضِيلِ وَصَارَ مَصْدَرًا دَالًّا عَلَى الْحَدَثِ وَيَكُونُ الْمَعْنَى وَحَيْثُ ذَكَرْت قَوْلَيْنِ أَوْ أَقْوَالًا فَذَلِكَ لِكَوْنِهِمَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِوَاحِدٍ رُجْحَانِيَّةٌ أَصْلًا، وَأَمَّا لَوْ تَعَلَّقَتْ بِكُلِّ وَاحِدٍ رُجْحَانِيَّةٌ وَتَسَاوَيَا يُعَبِّرُ بِخِلَافٍ فَهَاتَانِ صُورَتَانِ، وَأَمَّا لَوْ تَعَلَّقَ لِوَاحِدٍ رُجْحَانِيَّةٌ دُونَ الْآخَرِ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ وَكَذَا لَوْ تَعَلَّقَ بِوَاحِدٍ أَرْجَحِيَّةٌ دُونَ الْآخَرِ وَخُلَاصَةُ مَا فِي الْمَقَامِ أَنَّ الِاسْمَ إذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ يَاءُ النِّسْبَةِ صَارَ مَصْدَرًا دَالًّا عَلَى الْحَدَثِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُشْتَقِّ كَأَرْجَحَ؛ لِأَنَّهُ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ أَوْ لَا كَزَوْجٍ فَتَقُولُ زَوْجِيَّةٌ وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُؤَلِّفِ إذَا تَنَازَعَا فِي الزَّوْجِيَّةِ أَيْ فِي كَوْنِ أَحَدِهِمَا زَوْجًا لِلْآخَرِ أَمْ لَا كَمَا أَنَّ الْمَصْدَرَ إذَا زِيدَ عَلَيْهِ يَاءُ النَّسَبِ صَارَ صِفَةً وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ مَنْصُوصَةً مِمَّا إذَا ظَهَرَ لَهُ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْأَقْوَالِ وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ مَنْصُوصًا فَإِنَّهُ لَا يُرَجِّحُ مَا ظَهَرَ لَهُ تَوَرُّعًا مِنْهُ رحمه الله لِئَلَّا يَلْتَبِسَ بِمَا رَجَّحَهُ غَيْرُهُ وَلِضِيقِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ عَنْ أَنْ يَجْعَلَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْجِيحِهِ بِخُصُوصِهِ بِخِلَافِ التَّوْضِيحِ فَإِنَّهُ يُشِيرُ فِيهِ إلَى مَا ظَهَرَ لَهُ.

(تَتِمَّةٌ) حَكَى الْقَرَافِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَخْيِيرِ الْمُقَلِّدِ بَيْنَ قَوْلَيْ إمَامِهِ إذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا أَيْ يَخْتَارُ قَوْلًا وَيُفْتِي بِهِ لَا أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَإِذَا أَفْتَى بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي نَازِلَةٍ ثُمَّ حَصَلَتْ نَازِلَةٌ أُخْرَى مُمَاثِلَةٌ لِتِلْكَ فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِيهَا بِالْقَوْلِ الْآخَرِ مَعَ أَنَّ النَّازِلَةَ مُمَاثِلَةٌ وَإِذَا قُلْنَا يُفْتَى بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ اشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ لَا يُفْتَى الْفُقَرَاءُ بِمَا فِيهِ تَشْدِيدٌ وَالْأَغْنِيَاءُ بِمَا فِيهِ تَخْفِيفٌ وَنَقْلُهُ الْإِجْمَاعَ طَرِيقَةٌ وَنَحْوُ مَا ذَكَرَ قَوْلُ ابْنِ غَازِيٍّ وَيَحْمِلُ الْمُسْتَفْتِي عَلَى مُعَيَّنٍ مِنْ الْأَقْوَالِ الْمُتَسَاوِيَةِ جَرَى الْعَمَلُ وَقِيلَ إنَّهُ يَذْكُرُ لَهُ الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْأَقْوَالَ، وَهُوَ يُقَلِّدُ أَيُّهُمْ أَحَبَّ قَالَ بَعْضُهُمْ وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُسْتَفْتِينَ وَمَنْ لَدَيْهِ مِنْهُمْ مَعْرِفَةٌ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ أَقُولُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ عِنْدِي وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ بَعْدَ عَجْزِهِ عَنْ التَّرْجِيحِ وَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ وَلَا الْفَتْوَى وَلَا الْحُكْمُ بِالضَّعِيفِ.

(فَائِدَةٌ) قَالَ عج فِي الْفَتَاوِي فِي مَوْضِعِ وَإِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِالْقَوْلِ الضَّعِيفِ فَلَا يُنْقَضُ حُكْمُهُ مَا لَمْ يَشْتَدَّ ضَعْفُهُ كَالْحُكْمِ بِشُفْعَةِ الْجَارِ وَمَحَلٍّ مَضَى حُكْمُهُ بِالْقَوْلِ الضَّعِيفِ حَيْثُ لَمْ يُوَلَّ عَلَى الْحُكْمِ بِغَيْرِ الضَّعِيفِ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي قُضَاةِ مِصْرَ وَأَجَابَ الْأُجْهُورِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِقَوْلِهِ لَيْسَ لِقَاضِي زَمَانِنَا الْحُكْمُ بِالْقَوْلِ الضَّعِيفِ وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ بِهِ وَلَوْ عَلِمَهُ وَقَصَدَهُ، فَإِنْ حَكَمَ بِهِ فَحُكْمُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَوَلَّى عَلَى الْحُكْمِ بِمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.

وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ تَوْلِيَتُهُ إنَّمَا هِيَ عَلَى مَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ أَوْ الْمَشْهُورُ وَحَكَمَ بِالْقَوْلِ الضَّعِيفِ فَإِنَّهُ يُنْقَضُ حُكْمُهُ، وَإِنْ كَانَتْ تَوْلِيَتُهُ إنَّمَا هِيَ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا يَقْتَضِيهِ رَأْيُهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِالضَّعِيفِ وَإِذَا وَقَعَ وَنَزَلَ فَإِنَّهُ لَا يُنْقَضُ حُكْمُهُ وَيَجُوزُ تَقْلِيدُ مَذْهَبِ الْغَيْرِ فِي بَعْضِ النَّوَازِلِ وَلَوْ بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَمَلِ بِالضَّعِيفِ وَإِذَا لَمْ يَجِدْ نَصًّا فِي نَازِلَتِهِ فَيَرْجِعُ لِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ مَسَائِلَ الْخِلَافِ الَّتِي بَيْنَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ مَسْأَلَةً فَقَطْ كَذَا أَفْتَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَرَافِيِّ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ فِي تِلْكَ النَّازِلَةِ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ تِلْمِيذُ الْإِمَامِ وَقَدْ كَانَ جَدُّ عج إذَا سَأَلَ فِي مَسْأَلَةٍ وَلَمْ يَرَ فِيهَا نَصٌّ يَقُولُ لِلسَّائِلِ اذْهَبْ لِلشَّافِعِيِّ يَكْتُبُ لَك وَائْتِنِي بِالسُّؤَالِ أَكْتُبُ لَك جَوَابِي كَذَلِكَ. . . .

(قَوْلُهُ وَاعْتُبِرَ إلَخْ) مَعْنَى اعْتِبَارِهِ أَنَّهُ كَالشَّيْءِ الْمُصَرَّحِ بِهِ فَلَا يُصَرِّحُ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَيَعْمَلُ بِهِ وَيُفْتِي بِهِ كَالْمُصَرَّحِ بِهِ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ قُلْت إنَّ تَصْرِيحَهُ بِهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لِنُكْتَةٍ كَتَشْبِيهِ غَيْرِهِ بِهِ أَوْ قُيُودٍ يَذْكُرُهَا (قَوْلُهُ مِنْ الْمَفَاهِيمِ)

ص: 43

الشَّرْطِ فَقَطْ (ش) الْمَفَاهِيمُ جَمْعُ مَفْهُومٍ، وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ لَا فِي مَحَلِّ النُّطْقِ أَيْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ بِمَنْطُوقِهِ، وَهُوَ قِسْمَانِ مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ وَمَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ فَمَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْمَفْهُومِ مُوَافِقًا لِحُكْمِ الْمَنْطُوقِ، وَهُوَ قِسْمَانِ فَحَوَى الْخِطَابِ وَلَحْنُ الْخِطَابِ فَفَحْوَى الْخِطَابِ أَنْ يَكُونَ الْمَفْهُومُ أَوْلَى بِالْحُكْمِ مِنْ الْمَنْطُوقِ كَتَحْرِيمِ ضَرْبِ الْوَالِدَيْنِ الدَّالِّ عَلَيْهِ نَظَرًا لِلْمَعْنَى قَوْله تَعَالَى {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] فَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ الْمَنْطُوقِ بِهِ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الْإِذَايَةِ وَالْعُقُوقِ وَلَحْنُ الْخِطَابِ أَنْ يَكُونَ الْمَفْهُومُ مُسَاوِيًا لِحُكْمِ الْمَنْطُوقِ كَتَحْرِيمِ إحْرَاقِ مَالِ الْيَتِيمِ الدَّالِّ عَلَيْهِ نَظَرًا لِلْمَعْنَى قَوْله تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} [النساء: 10] فَإِنَّ الْإِحْرَاقَ مُسَاوٍ لِلْأَكْلِ فِي إتْلَافِهِ عَلَى الْيَتِيمِ وَمَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْمَفْهُومِ مُخَالِفًا لِحُكْمِ الْمَنْطُوقِ، وَهُوَ عَشَرَةُ أَنْوَاعٍ كَمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ مَفْهُومُ الصِّفَةِ نَحْوَ فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ وَمَفْهُومُ الْعِلَّةِ نَحْوَ أَعْطِ السَّائِلَ لِحَاجَتِهِ وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ نَحْوَ مَنْ تَطَهَّرَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَمَفْهُومُ الِاسْتِثْنَاءِ نَحْوَ قَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا وَمَفْهُومُ الْغَايَةِ نَحْوَ {أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] وَمَفْهُومُ الْحَصْرِ نَحْوَ {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ} [طه: 98] .

وَمَفْهُومُ الزَّمَانِ نَحْوَ سَافَرْت يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَمَفْهُومُ الْمَكَانِ نَحْوَ جَلَسْت أَمَامَ زَيْدٍ وَمَفْهُومُ الْعَدَدِ نَحْوَ {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4]

ــ

[حاشية العدوي]

حَالٌ مِنْ مَفْهُومِ الشَّرْطِ مُقَدَّمٌ أَيْ حَالُ كَوْنِ مَفْهُومِ الشَّرْطِ بَعْضُ الْمَفَاهِيمِ وَلَمْ تَظْهَرْ نُكْتَةُ التَّقْدِيمِ وَلَا يُقَالُ الِاخْتِصَاصُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ فَقَطْ أَوْ ظَرْفٌ لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِأَعْتَبِرُ قَالَ فِي ك (قَوْلُهُ جَمْعُ مَفْهُومٍ) أَيْ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ إذْ الْقِيَاسُ فِي وَزْنِ مَفْعُولٍ أَنْ لَا يُجْمَعَ جَمْعَ تَكْسِيرٍ اسْتِغْنَاءً عَنْ تَكْسِيرِهِ بِجَمْعِهِ جَمْعَ تَصْحِيحٍ إنْ كَانَ صِفَةَ مُذَكَّرٍ عَاقِلٍ كَمُعْتَقُونَ فِي مُعْتَقٍ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ صِفَةَ مُؤَنَّثٍ عَاقِلٍ أَوْ صِفَةَ مَا لَا يَعْقِلُ كَمَا هُنَا فَبِالْأَلِفِ وَالتَّاءِ كَمُعْتَقَاتٍ جَمْعُ مُعْتَقَةٍ وَكَمَفْهُومَاتِ جَمْعُ مَفْهُومٍ وَشَذَّ مِنْ تَكْسِيرِ هَذَا النَّوْعِ مَيَاسِيرُ وَمَلَاعِينُ وَمَكَاسِيرُ أَشَارَ لَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ (قَوْلُهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ) أَيْ مَعْنَى دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ حَالَةَ كَوْنِ ذَلِكَ الْمَعْنَى مَظْرُوفًا فِي مَحَلِّ النُّطْقِ وَأَرَادَ بِالنُّطْقِ التَّلَفُّظَ وَأَرَادَ بِمَحَلِّهِ نَفْسَ الْمَلْفُوظِ، فَإِنْ قُلْت لَزِمَ مِنْ تَقْرِيرِك أَنَّ الْمَلْفُوظَ مَحَلٌّ لِأَمْرَيْنِ الْمَعْنَى وَالتَّلَفُّظِ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ قُلْت مَحَلِّيَّةُ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى بِمَعْنَى دَلَالَةِ الْمَلْفُوظِ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى وَمَحَلِّيَّةُ الْمَلْفُوظِ لِلتَّلْفِيظِ بِمَعْنَى التَّعَلُّقِ فَمِثَالُهُ أَيْ الْمَنْطُوقِ التَّأْفِيفُ فِي قَوْله تَعَالَى {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] ، وَهُوَ مَظْرُوفٌ فِي أُفٍّ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْمَدْلُولِ فِي الدَّالِّ وَالْمَنْطُوقُ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى التَّأْفِيفِ يُطْلَقُ عَلَى حُرْمَتِهِ (قَوْلُهُ لَا فِي مَحَلِّ النُّطْقِ) أَيْ مَعْنَى دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ حَالَةَ كَوْنِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ لَا فِي مَحَلِّ النُّطْقِ كَالضَّرْبِ فِي {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] ، وَهُوَ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْمَدْلُولِ فِي الدَّالِّ فَالسُّكُوتُ يُقَابِلُهُ النُّطْقُ وَمَحَلُّ السُّكُوتِ لَفْظُ اضْرِبْ فِي {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] ، وَهُوَ يُقَابِلُ مَحَلَّ النُّطْقِ الَّذِي هُوَ لَفْظُ أُفٍّ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَحَلَّ النُّطْقِ أُفٍّ وَمَحَلُّ السُّكُوتِ تَضْرِبُ (قَوْلُهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ إلَخْ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ لَا فِي مَحَلِّ النُّطْقِ أَيْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ بِمَحَلِّ النُّطْقِ وَإِنَّمَا دَلَّ عَلَيْهِ بِمَحَلِّ السُّكُوتِ (قَوْلُهُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْمَفْهُومِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ هُوَ الْمَفْهُومُ الْمُوَافِقُ لِلْمَنْطُوقِ فِي الْحُكْمِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ قِسْمَانِ) أَيْ ذُو قِسْمَيْنِ (قَوْلُهُ فَحْوَى الْخِطَابِ) فَحْوَى الْكَلَامِ مَا يُعْلَمُ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْمَفْهُومُ يُعْلَمُ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ سُمِّيَ بِذَلِكَ وَلَوْ قَالَ الشَّارِحُ كَمَا قُلْنَا لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ لَا يُوصَفُ بِهَا الْمَنْطُوقُ (قَوْلُهُ كَتَحْرِيمٍ إلَخْ) الْأَوْلَى كَضَرْبٍ إذْ هُوَ الْمَفْهُومُ (قَوْلُهُ نَظَرًا لِلْمَعْنَى) أَيْ الْمُوجِبِ لِلْحُكْمِ، وَهُوَ الْإِيذَاءُ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ قَوْله تَعَالَى) فَاعِلٌ بِ الدَّالُّ (قَوْلُهُ الْمَنْطُوقِ) صِفَةٌ لِتَحْرِيمِ الْمُنَاسِبِ أَنْ يَقُولَ كَضَرْبِ الْوَالِدَيْنِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ التَّأْفِيفِ الْمَنْطُوقِ فِي التَّحْرِيمِ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْمَنْطُوقَ يُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنْ التَّأْفِيفِ وَتَحْرِيمِهِ وَالْمَفْهُومُ يُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الضَّرْبِ وَتَحْرِيمِهِ وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ أَنْ يَكُونَ الْمَفْهُومُ أَوْلَى بِالْحُكْمِ مِنْ الْمَنْطُوقِ فَالضَّرْبُ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ مِنْ التَّأْفِيفِ (قَوْلُهُ وَلَحْنُ الْخِطَابِ) لَحْنُ الْكَلَامِ فِي الْأَصْلِ مَعْنَاهُ وَاصْطُلِحَ عَلَى أَنَّ لَحْنَ الْخِطَابِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَفْهُومُ مُسَاوِيًا لِلْمَنْطُوقِ فِي الْحُكْمِ (قَوْلُهُ أَنْ يَكُونَ الْمَفْهُومُ مُسَاوِيًا إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَنْ يَكُونَ الْمَفْهُومُ مُسَاوِيًا لِلْمَنْطُوقِ فِي الْحُكْمِ (قَوْلُهُ كَتَحْرِيمِ) الْأَوْلَى كَإِحْرَاقٍ (قَوْلُهُ نَظَرًا لِلْمَعْنَى) الَّذِي هُوَ الْإِتْلَافُ (قَوْلُهُ قَوْله تَعَالَى) فَاعِلٌ بِ الدَّالُّ (قَوْلُهُ {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ} [النساء: 10] إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ عَلَى مَا.

قُلْنَا مَحَلُّ النُّطْقِ وَالْمَظْرُوفُ فِيهِ الْأَكْلُ الَّذِي هُوَ الْمَنْطُوقُ وَالْمَفْهُومُ الْإِحْرَاقُ، وَهُوَ مَظْرُوفٌ فِي يُحْرَقُونَ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ السُّكُوتِ (قَوْلُهُ فِي إتْلَافِهِ عَلَى الْيَتِيمِ) أَيْ فِي حُرْمَةِ إتْلَافِهِ عَلَى الْيَتِيمِ (قَوْلُهُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْمَفْهُومِ مُخَالِفًا إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَنْ يَكُونَ الْمَفْهُومُ مُخَالِفًا لِلْمَنْطُوقِ فِي الْحُكْمِ (قَوْلُهُ فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ إلَخْ) أَيْ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّ الْمَعْلُوفَةَ وَالْعَامِلَةَ لَا زَكَاةَ فِيهِمَا وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ لَكِنْ عَارَضَهُ عِنْدَنَا دَلِيلٌ آخَرُ دَالٌّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِمَا، وَهُوَ فِي الْأَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ، وَهُوَ يُقَدَّمُ عَلَى الْمَفْهُومِ فِي ك نَقْلًا وَمِنْ الْبَيِّنِ أَنَّهُ يَسْتَثْنِي مِمَّا ذَكَرَهُ مَفْهُومَ الْوَصْفِ الْكَائِنِ بِالتَّعْرِيفَاتِ، فَإِنَّهَا فُصُولٌ أَوْ خَوَاصُّ يُؤْتَى بِهَا لِلْإِدْخَالِ وَالْإِخْرَاجِ (قَوْلُهُ لِحَاجَتِهِ) مَفْهُومُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا فَلَا تُعْطِهِ (قَوْلُهُ مَنْ تَطَهَّرَ) مَفْهُومُهُ إذَا لَمْ يَتَطَهَّرْ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ (قَوْلُهُ قَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا) مَنْطُوقُهُ قِيَامُ غَيْرِ زَيْدٍ وَمَفْهُومُهُ نَفْيُ الْقِيَامِ عَنْ زَيْدٍ إلَّا أَنَّهُ مَفْهُومٌ قَوِيٌّ (قَوْلُهُ نَحْوَ {أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] أَيْ غَايَةُ الْإِتْمَامِ اللَّيْلُ أَيْ دُخُولُهُ فَمَفْهُومُهُ لَا إتْمَامَ بَعْدَ دُخُولِهِ (قَوْلُهُ {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ} [طه: 98] مَنْطُوقُهُ إثْبَاتُ الْأُلُوهِيَّةِ لِلَّهِ وَمَفْهُومُهُ نَفْيُهَا عَنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْحَصْرَ إثْبَاتُ الْحُكْمِ لِلْمَذْكُورِ وَنَفْيَهُ عَمَّا عَدَاهُ فَعَلَيْهِ تَكُونُ إضَافَةُ مَفْهُومٍ لِلْحَصْرِ مِنْ إضَافَةِ الْجُزْءِ لِلْكُلِّ فَلَا يَكُونُ مِنْ الْمَفْهُومِ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمَعْنَى مَفْهُومُ اللَّفْظِ فِي مَقَامِ الْحَصْرِ (قَوْلُهُ سَافَرْت يَوْمَ الْجُمُعَةِ) مَفْهُومُهُ نَفْيُ السَّفَرِ فِي خِلَافِهِ.

(قَوْلُهُ ثَمَانِينَ) أَيْ لَا أَقَلَّ وَلَا أَكْثَرَ

ص: 44

وَمَفْهُومُ اللَّقَبِ، وَهُوَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَلَى مُجَرَّدِ أَسْمَاءِ الذَّوَاتِ نَحْوَ فِي الْغَنَمِ الزَّكَاةُ وَهِيَ حُجَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَّا مَفْهُومَ اللَّقَبِ فَقَالَ بِهِ الدَّقَّاقُ وَابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَإِنَّمَا خَصَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَاهَا إذْ يَقُولُ بِهِ بَعْضُ مَنْ لَا يَقُولُ بِغَيْرِهِ إلَّا الْغَايَةَ فَإِنَّهُ يَقُولُ بِهِ بَعْضُ مَنْ لَا يَقُولُ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ إلَّا أَنَّهُ قَلِيلٌ لَا يَتَأَتَّى مَعَهُ اخْتِصَارٌ.

فَلِذَلِكَ تَرَكَهُ بَلْ جَعَلَ بَعْضُهُمْ الْغَايَةَ مِنْ الْمَنْطُوقِ وَفِي رُتْبَةِ الْغَايَةِ مَفْهُومُ الْحَصْرِ وَقِيلَ فِيهِ إنَّهُ مَنْطُوقٌ، وَأَمَّا مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ عِنْدَهُ كَقَوْلِهِ فِي بَابِ الْحَجْرِ وَلِلْوَلِيِّ رَدُّ تَصَرُّفِ مُمَيِّزٍ إذْ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ أَحْرَى فَعَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّصِّ أَوْ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ قُلْنَا أَنَّهُ مِنْ الْمَفْهُومَاتِ فَهُوَ أَحْرَى مِنْ مَفْهُومِ الشَّرْطِ فَكَأَنَّهُ اعْتَبَرَهُ فِي نَفْسِ مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ إذَا اعْتَبَرْت مَفْهُومَ الشَّرْطِ فَأَحْرَى مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ وَعَلَى قِيَاسِ مَا قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ فِي مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ يُقَالُ فِي مَفْهُومِ الْغَايَةِ وَالْحَصْرِ إنَّهُمَا مُعْتَبَرَانِ؛ لِأَنَّهُمَا أَعْلَى مِنْ مَفْهُومِ الشَّرْطِ وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِالشَّرْطِ قَالَ بِهِمَا وَالْخِلَافُ فِيهِمَا أَضْعَفُ مِنْ الْخِلَافِ فِي غَيْرِهِمَا فَكَأَنَّهُ قَالَ أَعْتَبِرُ مَفْهُومَ الشَّرْطِ وَمَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ وَمَنْ تَتَبَّعَ كَلَامَهُ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ هَذَيْنِ الْمَفْهُومَيْنِ لُزُومًا فَمَفْهُومُ الْغَايَةِ كَقَوْلِهِ وَالْمَبْتُوتَةُ حَتَّى يُولِجَ بَالِغٌ وَكَقَوْلِهِ فِي الْحَجْرِ الْمَجْنُونُ مَحْجُورٌ لِلْإِفَاقَةِ وَكَقَوْلِهِ إلَى حِفْظِ مَالِ ذِي الْأَبِ وَمَفْهُومُ الْحَصْرِ كَقَوْلِهِ إنَّمَا يَجِبُ الْقَسْمُ لِلزَّوْجَاتِ فِي الْمَبِيتِ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ حَصْرُ الْقَسْمِ فِي الزَّوْجَاتِ وَكَقَوْلِهِ فِي بَابِ الْحَجْرِ وَإِنَّمَا يَحْكُمُ فِي الرُّشْدِ وَضِدِّهِ إلَخْ الْقُضَاةُ.

(ص) وَأُشِيرَ بِصَحَّحَ أَوْ اسْتَحْسَنَ إلَى أَنَّ شَيْخًا غَيْرَ الَّذِي قَدَّمْتهمْ صَحَّحَ هَذَا أَوْ اسْتَظْهَرَهُ (ش) لَمَّا عَيَّنَ الْأَشْيَاخَ الْأَرْبَعَةَ وَمَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مُخْتَارِهِمْ وَلَمْ يَسَعْهُ تَرْكُ التَّنْبِيهِ عَلَى مَا صَحَّحَهُ غَيْرُهُمْ مِنْ الْأَقْوَالِ أَوْ اسْتَحْسَنَهُ مِنْهَا أَوْ مِمَّا ظَهَرَ لَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ أَخْبَرَ هُنَا أَنَّهُ يُشِيرُ إلَى مُخْتَارِ

ــ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ، وَهُوَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ) أَيْ مَفْهُومُ اللَّقَبِ أَمْرٌ دَلَّ عَلَيْهِ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَلَى مُجَرَّدِ أَسْمَاءِ الذَّوَاتِ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ لَيْسَ نَفْسَ التَّعْلِيقِ وَالْمُرَادُ بِاللَّقَبِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ مَا يَشْمَلُ أَقْسَامَ الْعَلَمِ الثَّلَاثَةِ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ نَحْوَ أَعْطِ مُحَمَّدًا أَوْ أَبَا بَكْرٍ أَوْ زَيْنَ الْعَابِدِينَ وَيَشْمَلُ أَيْضًا اسْمَ الْجِنْسِ الْإِفْرَادِيَّ كَرَجُلٍ وَمَاءٍ وَالْجَمْعِيَّ كَتَمْرٍ وَكَلِمٍ كَذَا ذَكَرُوا (قَوْلُهُ وَهِيَ) أَيْ مَفَاهِيمُ الْمُخَالَفَةِ حُجَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرُهُمْ كَأَبِي حَنِيفَةَ يُنْكِرُ كُلَّ الْمَفَاهِيمِ أَيْ مَفَاهِيمَ الْمُخَالَفَةِ، وَإِنْ قَالَ فِي الْمَسْكُوتِ بِخِلَافِ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ فَلِأَمْرٍ آخَرَ كَمَا فِي انْتِفَاءِ الزَّكَاةِ عَنْ الْمَعْلُوفَةِ قَالَ الْأَصْلُ عَدَمُ الذَّكَاةِ وَرَدَتْ فِي السَّائِمَةِ فَبَقِيَتْ الْمَعْلُوفَةُ عَلَى الْأَصْلِ (قَوْلُهُ فَقَالَ بِهِ الدَّقَّاقُ) أَيْ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوْلُهُ وَابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْقَامُوسِ بِضَمِّ الْخَاءِ وَكَسْرِ الزَّاي وَفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَالِدُ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ الْمَالِكِيِّ الْأُصُولِيِّ اهـ.

وَفِي عج بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا وَقَدْ تُبْدَلُ بَاءً مَكْسُورَةً وَبِإِعْجَامِ الْحَرْفِ الْأَخِيرِ وَهِيَ الذَّالُ، وَأَمَّا الْأُولَى فَفِيهَا لُغَتَانِ الْإِعْجَامُ وَالْإِهْمَالُ اهـ.

(قَوْلُهُ إلَّا أَنَّهُ قَلِيلٌ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ إلَّا فِي مَوَاضِعَ ثَلَاثَةٍ (قَوْلُهُ لَا يَتَأَتَّى مَعَهُ اخْتِصَارٌ) أَيْ لَا يَتَأَتَّى مَعَ مُرَاعَاتِهِ اخْتِصَارٌ دُونَ عَدَمِ مُرَاعَاتِهِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِهِ كَانَ الِاخْتِصَارُ مَوْجُودًا فَالِاخْتِصَارُ مَوْجُودٌ اعْتَبَرَهُ أَمْ لَا.

(قَوْلُهُ وَقِيلَ فِيهِ) أَيْ فِي مَفْهُومِ الْحَصْرِ، وَهُوَ قَلِيلٌ أَيْضًا فَلَا يَتَأَتَّى مَعَهُ اخْتِصَارٌ (قَوْلُهُ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى حُجِّيَّتِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مُعْتَبَرٌ عِنْدَهُ إلَخْ) تَقَدَّمَ مَعْنَى الِاعْتِبَارِ (قَوْلُهُ إذْ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ مُعْتَبَرٌ عِنْدَهُ لَكِنَّ قَضِيَّتَهُ أَنَّ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ يَجُوزُ لِوَلِيِّهِ الرَّدُّ مَعَ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِي حَقِّهِ الرَّدُّ فَالْأَوْلَى أَنْ يُمَثِّلَ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ فِي يَدِهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ وَلِلْوَلِيِّ إلَخْ لِلِاخْتِصَاصِ فَيَصْدُقُ بِتَعَيُّنِ الرَّدِّ فِي الْمَفْهُومِ وَيَكُونُ النَّظَرُ فِي كَوْنِهِ مَفْهُومًا بِالنِّسْبَةِ لِذَلِكَ (قَوْلُهُ فَعَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّصِّ) وَعَلَيْهِ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ نَقْلُ اللَّفْظِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْأَعَمِّ عُرْفًا بَدَلًا عَنْ الدَّلَالَةِ عَلَى الْأَخَصِّ لُغَةً فَنَقَلَ لَفْظَ أُفٍّ لِلْإِيذَاءِ وَأَطْلَقَ لَفْظَ يَأْكُلُونَ لِلْإِتْلَافِ فَمَعْنَى {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] لَا تُؤْذِهِمَا وَمَعْنَى {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ} [النساء: 10] الَّذِينَ يُتْلِفُونَ وَقِيلَ إنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى الْأَعَمِّ فُهِمَتْ مِنْ الْقَرَائِنِ وَهِيَ تَعْظِيمُ الْوَالِدَيْنِ وَصِيَانَةُ مَالِ الْيَتِيمِ وَعَلَى هَذَا فَاللَّفْظُ مَجَازٌ مُرْسَلٌ مِنْ إطْلَاقِ الْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ فَالْعَلَاقَةُ الْخُصُوصُ (قَوْلُهُ أَوْ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ) الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ وَالْعِلَّةُ فِي وَ {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] الْإِيذَاءُ وَفِي {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ} [النساء: 10] الْإِتْلَافُ (قَوْلُهُ فَلَا إشْكَالَ) أَيْ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنَّا فِي الْمَفَاهِيمِ لَا فِي النَّصِّ وَلَا فِي الْقِيَاسِ (قَوْلُهُ فِي نَفْسِ إلَخْ) لَفْظَةُ نَفْسٍ تَأْكِيدٌ (قَوْلُهُ بِصَدَدِهِ) الصَّدَدُ بِفَتْحَتَيْنِ الْقُرْبُ.

(قَوْلُهُ فَهُوَ أَحْرَى إلَخْ) أَيْ إنْ قُلْنَا بِدُخُولِهِ فِي الْمَفَاهِيمِ، فَإِنْ خَصَصْنَاهَا بِالْمُخَالَفَةِ فَلَا يَرِدُ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ (قَوْلُهُ وَعَلَى قِيَاسِ مَا قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ) أَيْ مِنْ كَوْنِهِ اعْتَبَرَ مَفْهُومَ الْمُوَافَقَةِ (قَوْلُهُ وَمَنْ تَتَبَّعَ إلَخْ) وَفِي بَعْضِ الْحَوَاشِي أَنَّهُ يَعْتَبِرُ مَفْهُومَ الشَّرْطِ لُزُومًا وَغَيْرَهُ جَوَازًا يَظْهَرُ ذَلِكَ بِتَأَمُّلِ كَلَامِهِ (قَوْلُهُ وَالْمَبْتُوتَةُ إلَخْ) أَيْ وَتَحْرُمُ الْمَبْتُوتَةُ حَتَّى يُولِجَ بَالِغٌ مَفْهُومُهُ لَا حُرْمَةَ بَعْدَ الْإِيلَاجِ (قَوْلُهُ وَكَقَوْلِهِ فِي الْحَجْرِ إلَخْ) مَفْهُومُهُ لَا حَجْرَ عَلَى الْمَجْنُونِ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ وَقِسْ (قَوْلُهُ لِلزَّوْجَاتِ) أَيْ لَا لِلسَّرَارِي وَالْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ فَيَقُولَ فِي الزَّوْجَاتِ وَفِي الْمَبِيتِ أَيْ لَا لِلسَّرَارِي وَلَا الْكِسْوَةِ وَالنَّفَقَةِ (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا يَحْكُمُ فِي الرُّشْدِ وَضِدِّهِ الْقُضَاةُ) مَفْهُومُهُ لَا حُكْمَ فِي ذَلِكَ لِغَيْرِ الْقُضَاةِ.

(قَوْلُهُ وَأُشِيرَ بِصَحَّحَ أَوْ اسْتَحْسَنَ) أَيْ فِي حُكْمٍ (قَوْلُهُ صَحَّحَ هَذَا إلَخْ) أَشَارَ بِهَذَا إلَى الْحُكْمِ الْمُقَدَّرِ أَيْ بِقَوْلِنَا أَيْ فِي حُكْمٍ (قَوْلُهُ أَوْ اسْتَظْهَرَهُ) أَيْ عَدَّهُ ظَاهِرًا أَيْ ظَنَّهُ ظَاهِرًا أَوْ أَلْفَاهُ ظَاهِرًا (قَوْلُهُ أَوْ اسْتَحْسَنَهُ إلَخْ) الْإِتْيَانُ بِأَوْ بِاعْتِبَارِ الْعِبَارَةِ الصَّادِرَةِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَشْيَاخِ وَإِلَّا فَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَ لَيْسَ نَظِيرَ مَا يُشِيرُ إلَيْهِ بِالِاسْمِ فِي اصْطِلَاحِ الْأَشْيَاخِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةُ وَإِنَّمَا قُلْنَا لَيْسَ نَظِيرَ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ يُشِيرُ بِتَيْنِكَ الْمَادَّتَيْنِ لِمَا اسْتَحْسَنَهُ مِنْ الْأَقْوَالِ أَوْ مِنْ نَفْسِهِ.

(قَوْلُهُ أَوْ مِمَّا ظَهَرَ لَهُ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَوْ مَا ظَهَرَ لَهُ عَطْفًا عَلَى مَا صَحَّحَهُ

ص: 45

غَيْرِ الْأَرْبَعَةِ بِصَحَّحَ أَوْ اُسْتُحْسِنَ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ تَعْيِينُ ذَلِكَ الْفَاعِلِ وَلِذَا قَالَ شَيْخُنَا بِالتَّنْكِيرِ وَإِنَّمَا لَمْ يُسَمِّهِمْ مَعَ مَنْ قَدَّمَهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ اصْطِلَاحَهُ لِكَثْرَتِهِمْ فَيُؤَدِّي إلَى الطَّوْلِ، فَإِنْ قُلْت لِمَ لَمْ يَقُلْ أَوْ اسْتَحْسَنَهُ فَيُعِيدُ اللَّفْظَةَ كَمَا فَعَلَ بِصَحَّحَ أَوْ يَقُولُ أَوَّلًا بِصَحَّحَ أَوْ اسْتَظْهَرَ قُلْت إنَّمَا لَمْ يَقُلْهُ أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَ مَادَّةَ الظُّهُورِ لِابْنِ رُشْدٍ.

وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ اسْتَفْعَلَ كَمَا تَقَدَّمَ لَكِنَّهُ فَرَّ مِنْ التَّشْرِيكِ وَأَتَى بِهِ ثَانِيًا تَفْسِيرًا لِمَعْنَى الِاسْتِحْسَانِ وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ أَوْ اسْتَحْسَنَهُ لِيُطَابِقَ اُسْتُحْسِنَ إشَارَةً إلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يُشِيرَ إلَى التَّرْجِيحِ الصَّادِرِ مِنْ الْمُرَجِّحِ بِمَادَّةِ لَفْظِهِ الْمَخْصُوصِ وَالْأَقْرَبُ إلَى الْحَقِيقَةِ أَنَّ التَّصْحِيحَ فِيمَا يُصَحِّحُهُ الشَّيْخُ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ وَالِاسْتِحْسَانُ فِيمَا يَرَاهُ مَعَ احْتِمَالِ الشُّمُولِ فِيهِمَا وَأَدْخَلَ بَعْضٌ فِي قَوْلِهِ بِصَحَّحَ أَوْ اُسْتُحْسِنَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ كُلُّ لَفْظٍ دَلَّ أَوْ اقْتَضَى التَّرْجِيحَ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ مَا كَانَ بِلَفْظِ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ وَالتَّصْوِيبِ وَغَيْرِهَا كَقَوْلِهِ وَالْقِيَاسُ رَدُّ الْجَمِيعِ إنْ رَدَّ بَعْضُهُمْ وَالِاسْتِحْسَانُ أَخْذُ الْمُجِيزِ الْجَمِيعَ وَصَوَّبَ وُقُوفَهُ عَنْ الْأَوْلَى حَتَّى يَنْكِحَ ثَانِيَةً وَدَخَلَ الْمُؤَلِّفُ فِي قَوْلِهِ شَيْخُنَا بِدَلِيلِ اسْتِقْرَاءِ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُشِيرُ لِاسْتِظْهَارِ نَفْسِهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ.

(ص) وَبِالتَّرَدُّدِ لِتَرَدُّدِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ أَوْ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ (ش) أَيْ وَأُشِيرَ بِلَفْظِ التَّرَدُّدِ

ــ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ وَإِنَّمَا لَمْ يُسَمِّهِمْ إلَخْ) كَأَنْ يَقُولَ وَأُشِيرُ بِمَادَّةِ التَّصْحِيحِ إلَى مَا صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَثَلًا لَكِنْ إنْ كَانَ بِصِيغَةِ الِاسْمِ فَإِشَارَةٌ إلَى مَا صَحَّحَهُ مِنْ الْأَقْوَالِ، وَإِنْ كَانَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ فَذَلِكَ لِمَا كَانَ مِنْ نَفْسِهِ وَهَكَذَا، فَإِنْ قُلْت لِمَ يُسَمِّي مَنْ تَقَدَّمَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ هَؤُلَاءِ قُلْت لَمَّا اخْتَصَّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ بِمَزِيدِ التَّرْجِيحِ دُونَ غَيْرِهِمْ خَصَّهُمْ بِالتَّسْمِيَةِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ اسْتَفْعَلَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ بِغَيْرِ اسْتَفْعَلَ (قَوْلُهُ لَكِنَّهُ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بَدَلَ ذَلِكَ فَيُوقِعُ فِي اللَّبْسِ لِوُجُودِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْجُمْلَةِ فَفَرَّ مِنْ التَّشْرِيكِ فِي الْمَادَّةِ فِي الْجُمْلَةِ لِدَفْعِ ذَلِكَ اللَّبْسِ (قَوْلُهُ تَفْسِيرًا لِمَعْنَى الِاسْتِحْسَانِ) أَيْ إنَّ الِاسْتِحْسَانَ لَمَّا كَانَ خَفِيًّا احْتَاجَ إلَى تَفْسِيرِهِ وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ فِي الْعِبَارَةِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ (قَوْلُهُ إشَارَةً إلَى مَا تَقَدَّمَ إلَخْ) وَحَاصِلُ هَذَا أَنَّهُ إذَا وَقَعَ مِنْ غَيْرِهِمْ اسْتِحْسَانٌ أَوْ اسْتِظْهَارٌ أَوْ تَصْحِيحٌ أَيْ بِهَذِهِ الْمَادَّةِ لَا بِالْمَعْنَى وَإِلَّا لَاكْتَفَى بِوَاحِدَةٍ فَأَمَّا أَنْ يُعَبِّرَ بِصَحَّحَ أَوْ اسْتَحْسَنَ فَلَا يَكُونُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ صَحَّحَ هَذَا أَوْ اسْتَظْهَرَهُ لَفًّا وَنَشْرًا بَلْ كُلٌّ مِنْ صَحَّحَ هَذَا أَوْ اسْتَظْهَرَهُ رَاجِعٌ لِكُلٍّ وَيَكُونُ قَوْلُهُ صَحَّحَ هَذَا أَوْ اسْتَظْهَرَهُ عَلَى مَعْنَى أَوْ اسْتَحْسَنَهُ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا صَدَرَ مِنْهُ وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ الصَّادِرَ لَا يُخَصُّ بِمَادَّةٍ وَاَلَّذِي يَعْنُونَ بِهِ لَهُمْ إنَّمَا هُوَ إحْدَى الصِّيغَتَيْنِ تَابِعًا لِأَيِّ صِيغَةٍ صَدَرَتْ مِنْهُمْ لَكِنْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ لَمْ يَظْهَرْ سِرُّ التَّعْبِيرِ بِهِمَا دُونَ غَيْرِهِمَا وَدُونَ الِاكْتِفَاءِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ بِوَاحِدٍ مِنْ غَيْرِهِمَا فَلِذَلِكَ قَالَ وَالْأَقْرَبُ إلَى الْحَقِيقَةِ أَيْ إلَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَالْمَقْصُودُ وَالْمُوَافِقُ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ تَحَرِّيًا لِلصِّدْقِ وَتَنَزُّهًا عَنْ التَّجَاسُرِ بِالْجَزْمِ بِمَا هُوَ مَغِيبٌ.

(قَوْلُهُ: أَنَّ التَّصْحِيحَ) أَيْ فَيُعَبِّرُ بِصَحَّحَ إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ وَرَجَّحَ أَحَدَهُمَا فَيَكُونُ التَّعْبِيرُ بِصَحَّحَ بِمَثَابَةِ التَّعْبِيرِ بِالِاسْمِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَيُعَبِّرُ بِاسْتَحْسَنَ إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ وَاسْتَنْتَجَ خِلَافَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ قَوْلٌ أَصْلًا وَظَهَرَ لَهُ شَيْءٌ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ فَيَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالِاسْتِحْسَانِ شَبِيهًا بِالتَّعْبِيرِ بِالْفِعْلِ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا أَقْرَبَ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ التَّكْرَارِ، فَإِنْ قُلْت هَلَّا عَكَسَ قُلْت وَجْهُ مَا قَالَهُ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضٌ أَنَّ التَّصْحِيحَ يَسْتَدْعِي وُجُودَ مُصَحَّحٍ قَابِلٍ الْفَسَادَ وَالِاسْتِحْسَانُ يَتَبَادَرُ مِنْهُ صِدْقُهُ بِاعْتِبَارٍ حَسَنٍ سَوَاءٌ كَانَ مُقَرَّرًا أَوْ مُنْشَأً فَأُرِيدَ الثَّانِي لِلتَّمْيِيزِ (قَوْلُهُ مَعَ احْتِمَالِ الشُّمُولِ فِيهِمَا) أَيْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنَّ كُلًّا مِنْ الصِّيغَتَيْنِ لِكُلٍّ مِنْ الْقِسْمَيْنِ التَّعْبِيرُ بِصَحَّحَ تَارَةً أَوْ اسْتَحْسَنَ أَيْ تَارَةً بِحَسَبِ مَا يَتَّفِقُ (قَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ إلَخْ) أَيْ لَا عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ خُصُوصُ هَاتَيْنِ الصِّيغَتَيْنِ كَمَا هُوَ مُفَادُ مَا تَقَدَّمَ.

(قَوْلُهُ دَلَّ أَوْ اقْتَضَى إلَخْ) أَيْ دَلَّ عَلَى التَّرْجِيحِ أَوْ اقْتَضَاهُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا دَلَّ عَلَيْهِ فَقَدْ اقْتَضَاهُ فَهُوَ تَنْوِيعٌ فِي الْعِبَارَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا (قَوْلُهُ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ) الْأَوْلَى حَذْفُ الْبَاءِ (قَوْلُهُ وَالِاسْتِحْسَانِ) أَيْ بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ لِقَوْلِهِ وَالِاسْتِحْسَانِ إلَخْ (قَوْلُهُ وَالتَّصْوِيبِ) أَيْ بِهَذِهِ الْمَادَّةِ لَا بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ لِقَوْلِهِ وَصَوَّبَ وُقُوفَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ وَغَيْرِهَا) أَيْ كَعِنْدِي أَيْ وَدُخُولُ صَحَّحَهُ أَوْ اسْتَحْسَنَ أَوْلَوِيٌّ، ثُمَّ أَقُولُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا وَجْهَ لِلتَّعْبِيرِ بِالْمَادَّتَيْنِ بَلْ أَحَدُهُمَا يَكْفِي وَيَكُونُ كِنَايَةً إلَّا أَنْ يُقَالَ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدَةٍ لَتُوُهِّمَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا وَلَمَّا ذَكَرِ الثَّانِيَةَ آذَنَ بِتَوْسِيعِ الدَّائِرَةِ (قَوْلُهُ وَدَخَلَ إلَخْ) هَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ تَرْجِيحُ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْأَرْجَحِيَّةُ الْمَنْصُوصَةُ وَحَيْثُ أَشَارَ لِنَفْسِهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ نَادِرًا اسْتِطْرَادِيٌّ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ (فَائِدَةٌ) إذَا قِيلَ الْأَظْهَرُ كَانَ فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ مُقَابَلَةً فِيهِ ظُهُورٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْأَظْهَرَ اسْمُ تَفْضِيلٍ يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ وَزِيَادَةً وَالْمَشْهُورُ يُقَابِلُهُ الْغَرِيبُ وَهَذَا بِحَسَبِ الْأَصْلِ وَالصَّحِيحُ يُقَابِلُهُ الضَّعِيفُ وَالْأَصَحُّ يُشْعِرُ بِصِحَّةِ مُقَابِلِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ تَفْضِيلٍ كَالْأَظْهَرِ (قَوْلُهُ أَيْ وَأُشِيرُ بِلَفْظِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ وَبِالتَّرَدُّدِ عَطْفٌ عَلَى بِصَحَّحَ فَكُلٌّ مِنْ بِالتَّرَدُّدِ وَلِتَرَدُّدِ وَلِعَدَمِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ إلَّا أَنْ أَشَارَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ إنَّمَا يَتَعَدَّى بِإِلَى قَالَ الْجَوْهَرِيُّ أَشَارَ إلَيْهِ بِالْيَدِ أَوْمَأَ وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالرَّأْيِ اهـ. لَكِنْ إلَى لِلِانْتِهَاءِ أَيْ انْتَهَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ وَاللَّامُ تَجِيءُ لِلِانْتِهَاءِ أَيْضًا وَلِذَا تَعَاقَبَا فِي نَحْوِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَلِذَا عَدَّاهُ الْمُؤَلِّفُ بِهَا وَهِيَ أَخْصَرُ. .

(تَنْبِيهٌ) : مُفَادُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مَتَى ذَكَرَ التَّرَدُّدَ فَهُوَ لِتَرَدُّدِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّهُ كُلَّمَا تَرَدَّدَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي نَقْلٍ أَوْ فِي حُكْمٍ يُشِيرُ لَهُ بِتَرَدُّدِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَشَارَ لِذَلِكَ بِقَوْلَانِ فَقَالَ وَفِي غَيْرِهِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلَانِ (قَوْلُهُ بِلَفْظِ التَّرَدُّدِ) أَيْ بِالتَّجْرِيدِ مِنْ أَلْ لَا بِالِاقْتِرَانِ بِهَا

ص: 46

كَقَوْلِي وَفِي كَذَا تَرَدُّدٌ إلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ الْأَوَّلُ تَرَدُّدُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَمَنْ بَعْدَهُ فِي النَّقْلِ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ كَأَنْ يَنْقُلُوا عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِمَا فِي مَكَان حُكْمًا مُعَيَّنًا فِي مَسْأَلَةٍ، ثُمَّ يَنْقُلُوا عَنْهُ فِي مَكَان آخَرَ خِلَافَ ذَلِكَ الْحُكْمِ أَوْ يَنْقُلَ بَعْضُهُمْ عَنْهُ حُكْمًا فِيهَا وَيَنْقُلَ آخَرُونَ عَنْهُ فِيهَا خِلَافَهُ وَسَبَبُ ذَلِكَ إمَّا اخْتِلَافُ قَوْلِ الْإِمَامِ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ قَوْلَانِ وَإِمَّا الِاخْتِلَافُ فِي فَهْمِ كَلَامِ الْإِمَامِ فَيُنْسَبُ لَهُ كُلُّ مَا فَهِمَ عَنْهُ الثَّانِي تَرَدُّدَ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْحُكْمِ نَفْسِهِ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ وَبِمَا قَرَّرْنَا ظَهَرَ أَنَّ الْمَعْطُوفَ بِأَوْ مُقَدَّرٌ لَا قَوْلُهُ لِعَدَمِ وَأَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي النَّقْلِ لَا قَوْلُهُ لِتَرَدُّدِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُهُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُشِيرُ بِالتَّرَدُّدِ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ.

وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ تَرَدُّدٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِفَقْدِ مَعْنَى التَّرَدُّدِ الَّذِي هُوَ التَّحَيُّرُ إذْ لَا تَحَيُّرَ مَعَ جَزْمِ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُقْتَدَى بِهِمْ وَلَا سِيَّمَا أَمْثَالُ مَنْ تَقَدَّمَ وَتَرَدُّدُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ وَاخْتِلَافُ طُرُقِهِمْ فِي الْعَزْوِ لِلْمَذْهَبِ فَهُوَ كَقَوْلِ غَيْرِهِ وَفِي كَذَا طُرُقٌ أَوْ طَرِيقَانِ وَلَمْ يُعْطِ عَلَامَةً يُمَيِّزُ بِهَا بَيْنَ التَّرَدُّدَيْنِ إلَّا أَنَّ الثَّانِيَ فِي كَلَامِهِ أَقَلُّ كَقَوْلِهِ وَفِي اعْتِبَارِ الْمُلَازَمَةِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ مُطْلَقًا تَرَدُّدٌ وَفِي خُفٍّ غُصِبَ تَرَدُّدٌ وَفِي رَابِعٍ تَرَدُّدٌ وَفِي أَجْزَاءِ مَا وُقِفَ بِالْبِنَاءِ تَرَدُّدٌ وَفِي جَوَازِ مَنْ أَسْلَمَ بِخِيَارٍ تَرَدُّدٌ وَلَوْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ بِتَرَدُّدٌ بِالرَّفْعِ عَلَى الْحِكَايَةِ كَقَوْلِهِ خِلَافٌ لَكَانَ أَوْجَهَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشِرْ بِهِ إلَّا كَذَلِكَ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ يُشِيرُ بِالنَّظَرِ مَوْضِعَ التَّرَدُّدِ.

كَقَوْلِهِ وَفِي جَعْلِ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ كَالْمُخَالِفِ نَظَرٌ وَقَوْلُهُ، فَإِنْ شَقَّ فَفِي الِاجْتِهَادِ نَظَرٌ قُلْت قَالَ بَعْضٌ إنَّهُ يُشِيرُ بِالتَّرَدُّدِ لَلْمُتَأَخِّرِينَ إذَا جَزَمُوا بِالْحُكْمِ وَاخْتَلَفُوا بِالنَّظَرِ إذَا جَمَحُوا وَوَقَفُوا وَقَدْ

ــ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ وَمَنْ بَعْدَهُ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَنْ قَبْلَهُ مُتَقَدِّمُونَ وَأَلْ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ لِلْجِنْسِ الْمُتَحَقِّقِ وَلَوْ فِي وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُشِيرُ بِالتَّرَدُّدِ لِتَرَدُّدِ وَاحِدٍ كَمَا يَأْتِي.

(قَوْلُهُ كَأَنْ يَنْقُلُوا) وَلَوْ كَانَ وَاحِدًا (قَوْلُهُ وَابْنِ الْقَاسِمِ) أَيْ أَوْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَكَذَا قَوْلُهُ وَغَيْرِهِمَا أَيْ أَوْ غَيْرِهِمَا (قَوْلُهُ أَوْ يَنْقُلُ بَعْضُهُمْ إلَخْ) وَجْهُ مُغَايَرَةِ هَذَا لِمَا قَبْلَهُ أَنَّ الْجَمِيعَ اتَّفَقُوا فِي النَّقْلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى خِلَافِ مَا نَقَلُوهُ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَفِي الثَّانِي نَقَلَ بَعْضٌ عَنْهُ خِلَافَ مَا نَقَلَهُ الْبَعْضُ الْآخَرُ.

(قَوْلُهُ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ قَوْلَانِ) أَيْ بِأَنْ يَقُولَ شَيْئًا، ثُمَّ يَرْجِعَ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ وَيُعْرَفُ رُجُوعُهُ عَنْهُ أَوْ لَا يُعْرَفُ أَوْ يَكُونُ لَهُ قَوْلَانِ بِشَرْطِهِمَا، وَهُوَ اخْتِلَافُ الْوَقْتِ أَوْ نَحْوِهِ فَيَنْقُلُ النَّاقِلُ قَوْلًا فِي مَكَان وَآخَرَ فِي غَيْرِهِ أَوْ يَقْتَصِرُ نَاقِلٌ عَلَى قَوْلٍ وَآخَرُ عَلَى الْآخَرِ كَذَا قَالَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يُشِيرُ بِالتَّرَدُّدِ لِلْمَرْجُوعِ إلَيْهِ وَالْمَرْجُوعِ عَنْهُ وَذَكَرَ فِيمَا يَأْتِي مَا يُفِيدُ خِلَافَهُ (قَوْلُهُ لِتَرَدُّدِ الْمُتَأَخِّرِينَ) أَيْ جِنْسِ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُتَحَقِّقِ وَلَوْ فِي وَاحِدٍ لَكِنْ إنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ اثْنَيْنِ فَكُلٌّ جَازِمٌ بِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ كَأَنْ يَظْهَرَ لِابْنِ رُشْدٍ الْوُجُوبُ وَيَجْزِمَ بِهِ وَيَظْهَرَ لِابْنِ يُونُسَ النَّدْبُ مَثَلًا وَيَجْزِمَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ وَاحِدٍ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُتَحَيِّرٌ هَلْ الْحُكْمُ كَذَا أَوْ كَذَا (قَوْلُهُ أَنَّ الْمَعْطُوفَ بِأَوْ مُقَدَّرٌ) أَيْ وَتَقْدِيرُهُ أَوْ فِي الْحُكْمِ أَيْ لِتَرَدُّدِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ أَوْ فِي الْحُكْمِ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ أَيْ فِي إنْشَاءِ الْحُكْمِ وَالْأَوَّلُ فِي إبْقَاءِ الْحُكْمِ فَلَا تَكْرَارَ وَلَا اعْتِرَاضَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَوْ فِي الْحُكْمِ لَا يُغَايِرُ فِي الْمَعْنَى فِي النَّقْلِ حَتَّى يَعْطِفَ عَلَيْهِ إذْ الِاخْتِلَافُ فِي النَّقْلِ لَا يُعْقَلُ إلَّا إذَا كَانَ اخْتِلَافٌ فِي الْحُكْمِ.

(قَوْلُهُ الَّذِي هُوَ التَّحَيُّرُ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يُنَافِيهِ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ التَّرَدُّدَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْجَزْمِ مَعَ الِاخْتِلَافِ وَيُشِيرُ بِالنَّظَرِ لِلتَّحَيُّرِ وَبَعْدَ أَنْ عَلِمْت هَذَا فَكُلٌّ مِنْهُمَا غَيْرُ ظَاهِرٍ وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ التَّرَدُّدُ مُسْنَدًا لِوَاحِدٍ فَالْمُرَادُ بِهِ التَّحَيُّرُ، وَإِنْ كَانَ مُسْنَدًا لِمُتَعَدِّدٍ فَالْمُرَادُ بِهِ الِاخْتِلَافُ مَعَ الْجَزْمِ (قَوْلُهُ اخْتِلَافُ طُرُقِهِمْ) أَيْ أَحْوَالِهِمْ (قَوْلُهُ فِي الْعَزْوِ) فِي بِمَعْنَى مِنْ أَيْ الْعَزْوِ لِلْمَذْهَبِ أَيْ لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَأَنْ يَقُولُوا فِي مَوْضِعٍ قَالَ مَالِكٌ كَذَا، ثُمَّ يَقُولُوا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.

قَالَ مَالِكٌ كَذَا خِلَافَ الْأَوَّلِ، وَهُوَ بِمَعْنَى تَرَدُّدِهِمْ فِي النَّقْلِ (قَوْلُهُ وَفِي كَذَا طُرُقٌ) أَيْ نَقُولُ وَقَوْلُهُ أَوْ طَرِيقَانِ أَيْ نَقْلًا فَيَأْتِي عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ إلَّا أَنَّهُ يَأْتِي تَفْسِيرُ التَّرَدُّدِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ بِالطُّرُقِ طَرِيقَةٌ تَحْكِي الِاتِّفَاقَ وَطَرِيقَةٌ تَحْكِي الْخِلَافَ كَمَا فِي قَوْلِهِ إلَّا بِسُكْرٍ فَتَرَدُّدٌ، وَهُوَ لَا يَأْتِي عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّقْلِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمَعْنَى لِتَرَدُّدِهِمْ فِي النَّقْلِ وَلَوْ بِاعْتِبَارِ الْفَهْمِ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ إلَّا أَنَّ الثَّانِيَ فِي كَلَامِهِ أَقَلُّ) أَيْ قَلِيلٌ أَوْ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَلِيلٌ فَأَفْعَلُ عَلَى بَابِهِ.

(قَوْلُهُ كَقَوْلِهِ، وَفِي اعْتِبَارِ إلَخْ) الْمُتَبَادِرُ مِنْ عِبَارَتِهِ حَيْثُ عَدَّدَ أَمْثِلَةً وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا أَنَّ الْكَافَ اسْتِقْصَائِيَّةٌ لَا تُدْخِلُ شَيْئًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَمْ يُشِرْ بِهِ إلَخْ) وَقَدْ يُقَالُ لَوْ قَالَ تَرَدُّدٌ بِالرَّفْعِ وَحَكَاهُ بِالْقَوْلِ وَقَعَ فِي التَّطْوِيلِ بَلْ أَوْ بِدُونِهِ، وَهُوَ مُفْرَدٌ ارْتَكَبَ شُذُوذًا؛ لِأَنَّ حِكَايَةَ الْمُفْرَدِ شَاذَّةٌ إلَّا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُ أَوْ، وَهُوَ جُمْلَةٌ بِأَنْ يُقَدِّرَ الْخَبَرَ الْمُرَاعَى فِي مَوَاقِعِهِ مِنْ الْكِتَابِ أَدَّى إلَى حِكَايَةِ الْجُمَلِ بِدُونِ الْقَوْلِ كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ (قَوْلُهُ إلَّا كَذَلِكَ) أَيْ إلَّا مَرْفُوعًا لَا مَنْصُوبًا أَيْ وَلَفْظُ الْمُصَنِّفِ يُفِيدُ أَنَّهُ أَعَمُّ (قَوْلُهُ: فَإِنْ قِيلَ إلَخْ) السُّؤَالُ وَارِدٌ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَبِالتَّرَدُّدِ بِأَنْ يُقَالَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَا يُشِيرُ لَهُ إلَّا بِمَادَّةِ التَّرَدُّدِ مَعَ أَنَّهُ يُشِيرُ لَهُ بِغَيْرِهَا وَقَدْ يُقَالُ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنِّي مَتَى أَشَرْت بِتَرَدُّدٍ يَكُونُ لِكَذَا لَا أَنَّ الْمُرَادَ مَتَى كَانَ كَذَا أَشَرْت بِتَرَدُّدٍ (قَوْلُهُ: فَإِنْ قِيلَ) سُؤَالٌ وَارِدٌ عَلَى هَذَا التَّصْوِيبِ أَيْ قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ إلَخْ (قَوْلُهُ إذَا جَزَمُوا بِالْحُكْمِ) أَيْ بِأَنْ قَالَ بَعْضُهُمْ الْحُكْمُ الْوُجُوبُ وَبَعْضُهُمْ قَالَ النَّدْبُ (قَوْلُهُ وَبِالنَّظَرِ إذَا جَمَحُوا إلَخْ) أَيْ بِحَسَبِ الْغَالِبِ إذْ قَدْ يُشِيرُ بِالنَّظَرِ لِلِاعْتِرَاضِ (قَوْلُهُ وَوَقَفُوا) عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَالْأَحْسَنُ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ يُشِيرُ بِالتَّرَدُّدِ لِلتَّحَيُّرِ فِيمَا إذَا كَانَ لِوَاحِدٍ وَلِلْجَزْمِ بِالْحُكْمِ وَالِاخْتِلَافِ فِيهِ إذَا كَانَ لِأَكْثَرَ فَإِنَّ الْمُؤَلِّفَ اسْتَعْمَلَهُ فِيهِمَا

ص: 47

وَقَعَ لَهُ مَا يُشْبِهُ النَّظَرَ فِي الْمَعْنَى فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ مِنْهَا قَوْلُهُ وَالتَّوَقُّفُ فِي الْكِيمَخْتِ وَفِيهَا يَجُوزُ طَرْحُهَا خَارِجَهُ وَاسْتَشْكَلَ وَأَوْرَدَ لَوْ كَفَّرَ عَنْهَا وَلَمْ تُصَدِّقْهُ وَحَدَّتْ وَاسْتَشْكَلَتْ وَنِيَّتُهُ الْجَمْعُ وَاسْتَشْكَلَ وَقَدْ يَقَعُ التَّرَدُّدُ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَ.

(ص) وَبِلَوْ إلَى خِلَافٍ مَذْهَبِيٍّ (ش) كَذَا يَقَعُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَيْ وَحَيْثُ قَالَ الْحُكْمُ كَذَا وَلَوْ كَانَ كَذَا فَإِنَّهُ يُشِيرُ بِإِتْيَانِهِ بِلَوْ إلَى أَنَّ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ قَوْلًا آخَرَ فِي الْمَسْأَلَةِ مُخَالِفًا لِمَا نَطَقَ بِهِ فَالْعَامِلُ فِي بِلَوْ أُشِيرُ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَعْمُولِهِ أَوْ عَلَى مَا عُطِفَ عَلَى مَعْمُولِهِ وَخِلَافٌ مُنَوَّنٌ وَمَذْهَبِيٌّ بِيَاءِ النِّسْبَةِ مُنَوَّنٌ أَيْضًا صِفَةٌ لِخِلَافٍ وَيُرِيدُ بِالْمَذْهَبِ مَذْهَبُ مَالِكٍ كَمَا ذَكَرْنَا وَحَقَّقَهُ الِاسْتِقْرَاءُ وَفِي لَفْظِ الْمُؤَلِّفِ قَلَقٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ وَبِلَوْ أَنَّهَا تُفِيدُ مَا ذَكَرَ حَيْثُمَا وَقَعَتْ وَلَوْ صَرَّحَ بِجَوَابِهَا بَعْدَهَا وَلَمْ تَقْتَرِنْ بِوَاوٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا تُفِيدُ مَعَ عَطْفِهَا بِالْوَاوِ وَالِاكْتِفَاءِ عَنْ جَوَابِهَا بِمَا تَقَدَّمَ فَلَوْ قَالَ وَبِلَوْ وَلَا جَوَابَ بَعْدَهَا، وَإِنْ الْتَزَمَ ذَلِكَ فِي إنْ يَقُولُ وَبِلَوْ وَبِلَوْ إنْ وَلَا جَوَابَ بَعْدَهُمَا إلَى خِلَافٍ مَذْهَبِيٍّ لَكَانَ أَظْهَرَ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ يُرِيدُ أَنَّهُ يُشِيرُ بِلَوْ الْإِغْيَائِيَّةِ الْمَقْرُونَةِ بِوَاوِ النِّكَايَةِ الْمُكْتَفَى عَنْ جَوَابِهَا بِمَا قَبْلَهَا إلَى خِلَافٍ مَنْسُوبٍ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَشَاهِدُ الِاسْتِقْرَاءِ يَقْضِي بِصِحَّتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَكِنْ لَا يُشِيرُ بِهَا إلَّا إلَى خِلَافٍ قَوِيٍّ وَلَا يَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي، وَإِنْ مَعَ أَنَّهُ كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِ اهـ.

(فَائِدَةٌ) الْمُرَادُ بِالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَاخْتُلِفَ فِي السَّابِعِ فَقِيلَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَقِيلَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَقِيلَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالْمَدَنِيُّونَ يُشَارُ بِهِمْ إلَى ابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمُطَّرِفٍ وَابْنِ نَافِعٍ وَابْنِ مَسْلَمَةَ وَنُظَرَائِهِمْ وَالْمِصْرِيُّونَ يُشَارُ بِهِمْ إلَى ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَابْنِ وَهْبٍ وَأَصْبَغَ بْنِ الْفَرَجِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ

ــ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ مَا يُشْبِهُ النَّظَرَ) وَقَدْ يُقَالُ النَّظَرُ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْجَوَابِ هُوَ التَّوَقُّفُ وَالتَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ يُشْبِهُ يُنَافِيهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ مَا يُوَافِقُ النَّظَرَ فِي الْمَعْنَى (قَوْلُهُ وَأُورِدُ إلَخْ) أَيْ فَالْإِيرَادُ تَوَقُّفٌ.

(قَوْلُهُ وَقَدْ يَقَعُ التَّرَدُّدُ إلَخْ) اعْتَرَضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ يُشِيرُ بِالتَّرَدُّدِ لِغَيْرِ مَا ذَكَرَ فَإِنَّهُ يَقَعُ إشَارَةً لِكَثْرَةِ الِاخْتِلَافِ وَشِدَّةِ تَشَعُّبِهِ وَانْتِشَارِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ فِي آخِرِ الْأَقْضِيَةِ وَفِي تَمْكِينِ الدَّعْوَى لِغَائِبٍ بِلَا وَكَالَةٍ تَرَدُّدٌ وَفِي قَوْلِهِ فِي الشَّهَادَاتِ، وَإِنْ شَهِدَ ثَانِيًا فَفِي الِاكْتِفَاءِ بِالتَّزْكِيَةِ الْأُولَى تَرَدُّدٌ فَإِنَّ التَّرَدُّدَ فِي ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْقِسْمَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَإِنَّمَا هُوَ لِكَثْرَةِ الْخِلَافِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَطَّابُ قَالَ بَعْضٌ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ مَا ذَكَرَ هُوَ الْغَالِبُ أَوْ يُقَالُ إنَّ أَوْ فِي الْمُصَنَّفِ مَانِعَةُ جَمْعٍ (قَوْلُهُ كَذَا يَقَعُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ) أَيْ نُسَخِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ بَعْدَ قَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَبِلَوْ إلَى خِلَافٍ مَذْهَبِيٍّ إلَخْ وَنُسْخَةُ النَّاصِرِ لَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ فَفِيهَا بَعْدَ قَوْلِهِ أَوْ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ وَاَللَّهُ أَسْأَلُ إلَخْ (قَوْلُهُ أَوْ عَلَى مَا عُطِفَ عَلَى مَعْمُولِهِ) فِيهِ أَنَّ الْمَعْطُوفَاتِ بِالْوَاوِ كُلَّهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ وَحَقَّقَهُ الِاسْتِقْرَاءُ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْمَعْنَى إلَى خِلَافٍ مَنْسُوبٍ لِمَذْهَبٍ، وَهُوَ نَكِرَةٌ صَادِقٌ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَبِغَيْرِهِ وَلَكِنَّ الِاسْتِقْرَاءَ أَفَادَ أَنَّ الْمُرَادَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَنُسْخَةُ بَعْضِ الشُّرَّاحِ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِي خِلَافٍ وَمَا بَعْدَهُ أَيْ الْخِلَافُ الْوَاقِعُ فِي مَذْهَبِي وَلَا يُرِيدُ إلَى خِلَافٍ مَذْهَبِيٍّ بِمَعْنَى الْمُغَايِرِ لِمَذْهَبِي (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا تُفِيدُ مَعَ عَطْفِهَا بِالْوَاوِ إلَخْ) هَذَا أَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الْوَاوِ الدَّاخِلَةِ عَلَى إنْ وَلَوْ الْوَصْلِيَّةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ كَوْنُهَا لِلْحَالِ وَكَوْنُهَا لِلْعَطْفِ وَكَوْنُهَا لِلِاعْتِرَاضِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَوْلَى سَعْدُ الدِّينِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْإِعْيَاءَ مَوْجُودٌ مَعَ جَعْلِهَا لِلْحَالِ وَلَا يَسْلَمُ هَذَا إذَا الَّتِي لِلْمُبَالَغَةِ يَكُونُ مَا قَبْلَهَا أَوْلَى بِالْحُكْمِ مِمَّا بَعْدَهَا وَاَلَّتِي لِلْحَالِ بِخِلَافِ ذَلِكَ.

(قَوْلُهُ فَلَوْ قَالَ) شَرْطِيَّةٌ وَجَوَابُهَا قَوْلُهُ لَكَانَ أَجْمَلَ (قَوْلُهُ: وَإِنْ الْتَزَمَ ذَلِكَ فِي إنْ) أَيْ إنْ فُرِضَ أَنَّهُ الْتَزَمَ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ بِدَلِيلٍ آخِرِ الْعِبَارَةِ، وَهُوَ شَرْطٌ وَجَوَابُهُ يَقُولُ وَالْمُنَاسِبُ يَقُلْ بِحَذْفِ الْوَاوِ.

(قَوْلُهُ الْإِغْيَائِيَّةِ) مَعْنَى الْإِغْيَائِيَّةِ الدَّالَّةُ عَلَى غَايَةِ الشَّيْءِ نَحْوَ إنْ شَتَمَتْنِي ضَرَبْتُك وَلَوْ كُنْت الْأَمِيرَ وَمَعْنَى وَاوِ النِّكَايَةِ الْإِغَاظَةِ وَالْمُخَالَفَةِ لِلْمَرْدُودِ عَلَيْهِ بِلَوْ وَالْإِنْكَاءُ الْقَهْرُ وَالْإِغَاظَةُ وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ ابْنِ الْفُرَاتِ وَبِلَوْ غَالِبًا إلَى خِلَافٍ مَذْهَبِيٍّ فَقَيَّدَ بِغَالِبًا، وَهُوَ وَاضِحٌ إذْ قَدْ يُشِيرُ بِهَا لِلْمُبَالَغَةِ لَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى خِلَافِ مَا هُنَاكَ (قَوْلُهُ وَشَاهِدُ الِاسْتِقْرَاءِ) أَيْ وَشَاهِدٌ هُوَ الِاسْتِقْرَاءُ فَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ (قَوْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ) أَيْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ الَّتِي هِيَ قَوْلُهُ وَبِلَوْ إلَى خِلَافٍ إلَخْ (قَوْلُهُ وَلَا يَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي، وَإِنْ) أَيْ الْخِلَافُ الْمَذْهَبِيُّ فِي إنْ (قَوْلُهُ مَعَ أَنَّهُ كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِ) وَالْأَكْثَرُ اسْتِعْمَالُهُ خَارِجَ الْمَذْهَبِ

1 -

(قَوْلُهُ فَائِدَةٌ) فَائِدَتُهَا أَنَّ مَا ذَكَرَ يَقَعُ فِي الشُّرُوحِ فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ الْمُرَادَ مِنْهَا وَمِنْ الْفَوَائِدِ أَنَّ قَاعِدَةَ الْمُؤَلِّفِ وَغَيْرَهُ غَالِبًا أَنْ يُرِيدُوا بِالرِّوَايَاتِ أَقْوَالَ مَالِكٍ وَبِالْأَقْوَالِ أَقْوَالَ أَصْحَابِهِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ كَابْنِ رُشْدٍ وَنَحْوِهِ وَالْمُرَادُ بِالِاتِّفَاقِ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَبِالْإِجْمَاعِ إجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ وَإِذَا قَالُوا الْجُمْهُورَ عَنَوْا بِهِمْ الْأَئِمَّةَ الْأَرْبَعَةَ كَذَا فِي ك وَذَكَرَ فِي مُطَرِّفٍ أَنَّهُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَفَاءٍ، وَهُوَ أَبُو مُصْعَبٍ مُطَرِّفُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطَرِّفٍ ابْنُ أُخْتِ الْإِمَامِ مَالِكٍ (قَوْلُهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بِفَتْحِ الْيَاءِ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَنَظَمَهُمْ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فَقَالَ

أَلَا كُلُّ مَنْ لَا يَقْتَدِي بِأَئِمَّةٍ

فَقِسْمَتُهُ ضِيزَى عَنْ الْحَقِّ خَارِجَهْ

فَخُذْهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ

سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ

(قَوْلُهُ وَالْمَدَنِيُّونَ) أَيْ مِنْ أَتْبَاعِ مَالِكٍ وَكَذَا مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ وَابْنُ مَسْلَمَةَ) مُحَمَّدٌ لَا عَبْدُ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَخَذَ عَنْ مَالِكٍ (قَوْلُهُ ابْنِ الْفَرَجِ) هَكَذَا ابْنٌ مِنْ الْبُنُوَّةِ وَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ أَبِي الْفَرَجِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ

ص: 48

وَنَظَائِرُهُمْ وَالْعِرَاقِيُّونَ يُشَارُ بِهِمْ إلَى الْقَاضِي إسْمَاعِيلِ وَالْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ وَابْنِ الْقَصَّارِ وَابْنِ الْجَلَّابِ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ وَالْقَاضِي أَبِي الْفَرَجِ وَالشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الْأَبْهَرِيِّ وَنَظَائِرِهِمْ وَالْمَغَارِبَةُ يُشَارُ بِهِمْ إلَى الشَّيْخِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَالْقَابِسِيِّ وَابْنِ اللَّبَّادِ وَالْبَاجِيِّ وَاللَّخْمِيِّ وَابْنِ مُحْرِزٍ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ وَالْقَاضِي سَنَدٍ وَالْمَخْزُومِيِّ، وَهُوَ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَرَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ. وَذَكَرَهُ فِي الْمَدَارِكِ فِي أَوَّلِ الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَابْنِ شَبْلُونٍ هُوَ أَبُو مُوسَى بْنُ مُنَاسٍ ذَكَرَهُ عِيَاضٌ فِي الطَّبَقَةِ السَّادِسَةِ مِنْ الْمَدَارِكِ وَابْنُ شَعْبَانَ هُوَ صَاحِبُ الزَّاهِي، وَهُوَ ابْنُ الْقُرْطِيِّ بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَبَعْدَ الرَّاءِ طَاءٌ مُهْمَلَةٌ مَكْسُورَةٌ، ثُمَّ يَاءُ نَسَبٍ (ص) وَاَللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ مَنْ كَتَبَهُ أَوْ قَرَأَهُ أَوْ حَصَّلَهُ.

ــ

[حاشية العدوي]

(قَوْلُهُ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ) هُوَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إسْمَاعِيلَ تَفَقَّهَ بِابْنِ الْمُعَذَّلِ وَكَانَ يَقُولُ أَفْخَرُ عَلَى النَّاسِ بِرَجُلَيْنِ بِالْبَصْرَةِ ابْنُ الْمُعَذَّلِ يُعَلِّمُنِي الْفِقْهَ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ يُعَلِّمُنِي الْحَدِيثَ رَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ جَمَعَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ وَآثَارَ الْعُلَمَاءِ وَالْفِقْهَ وَالْكَلَامَ وَالْمَعْرِفَةَ بِعِلْمِ اللِّسَانِ وَكَانَ مِنْ نُظَرَاءِ الْمُبَرِّدِ فِي عِلْمِ كِتَابِ سِيبَوَيْهِ وَكَانَ الْمُبَرِّدُ يَقُولُ لَوْلَا اشْتِغَالُهُ بِرِيَاسَةِ الْفِقْهِ وَالْقَضَاءِ لَذَهَبَ بِرِيَاسَتِنَا فِي النَّحْوِ وَالْأَدَبِ وُلِّيَ قَضَاءَ بَغْدَادَ قَالَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ وُلِّيَ إسْمَاعِيلُ الْقَضَاءَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَفِي تَارِيخِ الْخَطِيبِ أَقَامَ إسْمَاعِيلُ عَلَى الْقَضَاءِ نَيِّفًا وَخَمْسِينَ سَنَةً فَمَا عُزِلَ إلَّا سَنَتَيْنِ وَمَرَّ إسْمَاعِيلُ بِالْمُبَرِّدِ فَوَثَبَ إلَيْهِ وَقَبَّلَ يَدَهُ وَأَنْشَدَهُ

فَلَمَّا بَصَرْنَا بِهِ مُقْبِلًا

حَلَلْنَا الْحُبَا وَابْتَدَرْنَا

الْقِيَامَا

فَلَا تُنْكِرَنَّ قِيَامِي لَهُ

فَإِنَّ الْكَرِيمَ يُجِلُّ الْكِرَامَا

مَوْلِدُهُ سَنَةَ مِائَتَيْنِ وَتُوُفِّيَ، وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً رحمه الله (قَوْلُهُ وَابْنِ الْقَصَّارِ) هَكَذَا فِي النُّسَخِ وَابْنِ بِالْوَاوِ، وَهُوَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ وَالْمُنَاسِبُ وَالْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْقَصَّارِ كَمَا أَفَادَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي دِيبَاجِهِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ وَابْنِ مُحْرِزٍ) بِكَسْرِ الرَّاءِ.

(قَوْلُهُ وَالْقَاضِي سَنَدٌ) هُوَ إسْكَنْدَرَانِيٌّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ مِصْرِيًّا بِاعْتِبَارِ الْإِقْلِيمِ فَإِنَّ إسْكَنْدَرِيَّةَ مِنْ إقْلِيمِ مِصْرَ كَمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمَقْرِيزِيِّ فِي خُطَطِهِ، وَهُوَ سَنَدُ بْنُ عِنَانٍ كُنْيَتُهُ أَبُو عَلِيٍّ سَمِعَ مِنْ شَيْخِهِ أَبِي بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيِّ وَكَانَ مِنْ زُهَّادِ الْعُلَمَاءِ وَكُبَرَاءِ الصَّالِحِينَ فَقِيهًا فَاضِلًا تَفَقَّهَ بِالشَّيْخِ أَبِي بَكْرِ الطُّرْطُوشِيِّ وَجَلَسَ لِإِلْقَاءِ الدَّرْسِ بَعْدَ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيِّ وَانْتَفَعَ النَّاسُ بِهِ وَأَلَّفَ كِتَابًا حَسَنًا سَمَّاهُ الطِّرَازَ فِي الْفِقْهِ شَرَحَ بِهِ الْمُدَوَّنَةَ فِي نَحْوِ ثَلَاثِينَ سِفْرًا وَتُوُفِّيَ قَبْلَ إكْمَالِهِ وَلَهُ تَأْلِيفٌ فِي الْجَدَلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ تَمِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَادِشِيُّ وَكَانَ مِنْ الْفُقَهَاءِ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَنَامِ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ اُكْتُبْ لِي بَرَاءَةً مِنْ النَّارِ فَقَالَ امْضِ إلَى الْفَقِيهِ سَنَدٍ يَكْتُبُ لَك بَرَاءَةً فَقُلْت لَهُ مَا يَفْعَلُ فَقَالَ قُلْ لَهُ بِأَمَارَةِ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَانْتَبَهْت فَمَضَيْت إلَى الْفَقِيهِ سَنَدٍ فَقُلْت لَهُ اُكْتُبْ لِي بَرَاءَةً مِنْ النَّارِ فَبَكَى وَقَالَ مَنْ يَكْتُبُ لِي بَرَاءَةً مِنْ النَّارِ فَقُلْت لَهُ الْأَمَارَةَ فَكَتَبَ لِي رُقْعَةً وَلَمَّا أَدْرَكَتْ تَمِيمًا الْوَفَاةُ أَوْصَى أَنْ تُجْعَلَ الرُّقْعَةُ فِي حَلَقَةٍ وَتُدْفَنَ مَعَهُ وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَخْلُوفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّهُ رَأَى الْفَقِيهَ أَبَا عَلِيٍّ سَنَدَ بْنَ عِنَانٍ بَعْدَ مَوْتِهِ فَقُلْت لَهُ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِك فَقَالَ عُرِضْتُ عَلَى رَبِّي فَقَالَ لِي أَهْلًا بِالنَّفْسِ الطَّاهِرَةِ الزَّكِيَّةِ الْعَالِمَةِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ كَانَ فَاضِلًا مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ تُوُفِّيَ رحمه الله بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ سَنَةَ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ وَدُفِنَ بِجَبَّانَةِ بَابِ الْأَخْضَرِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الدِّيبَاجِ وَكَانَ يُمْكِنُ ذِكْرُ تَرَاجِمِ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ لَكِنْ خِفْنَا مِنْ التَّطْوِيلِ.

(فَائِدَةٌ) وَجَدْت فِي خَطِّهِ عَلَى نُسْخَتِهِ مَا نَصُّهُ وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمِصْرِيُّونَ وَالْمَدَنِيُّونَ قُدِّمَ الْمِصْرِيُّونَ غَالِبًا وَالْمَغَارِبَةُ وَالْعِرَاقِيُّونَ قُدِّمَتْ الْمَغَارِبَةُ كَذَا نَقَلَهُ الْفِيشِيُّ قَالَ عج تَقْدِيمُ الْمِصْرِيِّينَ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْلَامُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ مِنْهُمْ ابْنَ وَهْبٍ وَقَدْ عَلِمْت جَلَالَتَهُ وَابْنَ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَكَذَا تَقْدِيمُ الْمَدَنِيِّينَ عَلَى الْمَغَارِبَةِ إذْ مِنْهُمْ الْأَخَوَانِ وَيَظْهَرُ تَقْدِيمُ الْمَغَارِبَةِ عَلَى الْعِرَاقِيِّينَ إذْ مِنْهُمْ الشَّيْخَانِ (قَوْلُهُ وَذَكَرَهُ فِي الْمَدَارِكِ) أَيْ ذَكَرَهُ عِيَاضٌ فِي الْمَدَارِكِ، وَهُوَ كِتَابٌ ذَكَرَ فِيهِ عُلَمَاءَ الْمَذْهَبِ (قَوْلُهُ وَابْنُ شَبْلُونٍ) هُوَ عَبْدُ الْخَالِقِ قَيْرَوَانِيٌّ تُوُفِّيَ سَنَةَ إحْدَى وَتِسْعِينَ وَقِيلَ سَنَةَ تِسْعِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ، وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ حَاصِلُهُ أَنَّنَا نَرَاهُمْ يَقُولُونَ ابْنُ شَبْلُونٍ ابْنُ شَعْبَانَ مَنْ هُوَ ابْنُ شَبْلُونٍ مَنْ هُوَ ابْنُ شَعْبَانَ إلَّا أَنَّهُ يَرِدُ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِ هَذَيْنِ بِالذِّكْرِ (قَوْلُهُ وَابْنُ شَعْبَانَ إلَخْ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ شَعْبَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ كَانَ أَرْأَسَ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ بِمِصْرَ فِي وَقْتِهِ وَأَحْفَظَهُمْ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ مَعَ التَّفَنُّنِ فِي سَائِرِ الْعُلُومِ مِنْ الْخَبَرِ وَالتَّارِيخِ وَالْأَدَبِ إلَى التَّدَيُّنِ وَالْوَرَعِ وَكَانَ يُلْحِنُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَصِيرَةٌ بِالْعَرَبِيَّةِ مَعَ غَزَارَةِ عِلْمِهِ وَكَانَ وَاسِعَ الرِّوَايَةِ كَثِيرَ الْحَدِيثِ مَلِيحَ التَّأْلِيفِ شَيْخَ الْفَتْوَى حَافِظَ الْبَلَدِ وَإِلَيْهِ انْتَهَتْ رِيَاسَةُ الْمَالِكِيِّينَ بِمِصْرَ وَوَافَقَ مَوْتُهُ دُخُولَ بَنِي عُبَيْدٍ الرَّوَافِضِ وَكَانَ شَدِيدَ الذَّمِّ لَهُمْ وَكَانَ يَدْعُو عَلَى نَفْسِهِ بِالْمَوْتِ قَبْلَ دَوْلَتِهِمْ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ أَمِتْنِي قَبْلَ دُخُولِهِمْ مِصْرَ فَكَانَ ذَلِكَ وَأَلَّفَ كِتَابَ الزَّاهِي الشَّعْبَانِيِّ الْمَشْهُورِ فِي الْفِقْهِ وَكِتَابًا فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَكِتَابَ: مُخْتَصَرُ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَغَيْرَ ذَلِكَ وَتُوُفِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ لِأَرْبَعَ عَشَرَةَ بَقِيَتْ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ وَدُفِنَ يَوْمَ الْأَحَدِ وَقَدْ جَاوَزَ سِنُّهُ ثَمَانِينَ سَنَةً.

(قَوْلُهُ: وَهُوَ ابْنُ الْقُرْطِيِّ) كَانَ يُعْرَفُ بِهِ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مِصْرِيٌّ لَا مَغْرِبِيٌّ وَيَنْبَغِي إتْمَامُ الْفَائِدَةِ بِذِكْرِ مَا يَقَعُ كَثِيرًا فَنَقُولُ وَالْقَرِينَانِ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ فَقَرَنَ أَشْهَبَ مَعَ ابْنِ نَافِعٍ لِعَدَمِ بَصَرِهِ وَالْأَخَوَانِ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونَ وَسِيَّمَا بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ وَمُلَازَمَتِهِمَا وَالْقَاضِيَانِ ابْنُ الْقَصَّارِ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ وَالْمُحَمَّدَانِ ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ سَحْنُونَ وَإِذَا قِيلَ مُحَمَّدٌ فَهُوَ ابْنُ الْمَوَّازِ (قَوْلُهُ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ) لَمْ يَقُلْ النَّفْعَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ أَخْصَرَ؛ لِأَنَّ

ص: 49

أَوْ سَعَى فِي شَيْءٍ مِنْهُ (ش) هَذَا دُعَاءٌ مِنْ الْمُؤَلِّفِ رحمه الله وَابْتِهَالٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَنْ يَنْفَعَ بِمُخْتَصَرِهِ هَذَا مَنْ كَتَبَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ أَوْ قَرَأَهُ بِدَرْسٍ أَوْ مُقَابَلَةٍ أَوْ مُطَالَعَةٍ أَوْ حَصَّلَهُ بِمِلْكٍ أَوْ بِحِفْظٍ أَوْ فَهْمٍ أَوْ بِهِمَا أَوْ سَعَى فِي شَيْءٍ مِنْهُ يُحْتَمَلُ ضَمِيرٌ مِنْهُ أَنْ يَعُودَ عَلَى جُمْلَةِ الْمُخْتَصَرِ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ بِمَا قَبْلَ هَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِ كُلِّهِ وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِهِ فِي وَاحِدٍ مِنْ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ أَوْ فِي جُمْلَتِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ وَهَذَا أَبْلَغُ وَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَسَلَكَ سُنَنَ الْأَئِمَّةِ فِي الدُّعَاءِ بِالِانْتِفَاعِ بِتَآلِيفِهِمْ لِتَحْصُلَ الثَّمَرَةُ عَاجِلًا بِالِانْتِفَاعِ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَآجِلًا بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ وَالظَّنُّ بِجَمِيلِ صُنْعِ اللَّهِ قَبُولُ دَعْوَتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ نَشَرَ ذِكْرَهُ فِي الْآفَاقِ وَجَبَلَ قُلُوبَ كَثِيرٍ مِنْ الْخَلْقِ عَلَى مَحَبَّتِهِ وَالِاشْتِغَالِ بِهِ وَهِيَ مِنْ عَلَامَاتِ الْقَبُولِ وَتَعْجِيلِ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ وَإِلَّا فَكَمْ مِنْ تَأْلِيفٍ حَسَنٍ طُوِيَ ذِكْرُهُ وَلَمْ يُشْتَغَلْ بِهِ وَالرَّجَاءُ مِنْهُ تَعَالَى أَنْ يُتِمَّ الْإِنْعَامَ بِالْإِحْسَانِ الْأُخْرَوِيِّ إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَقَدَّمَ لَفْظَ الْجَلَالَةِ مَنْصُوبًا بِأَسْأَلُ لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ أَيْ لَا أَسْأَلُ ذَلِكَ الْأَمْرَ إلَّا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ الْقَادِرُ عَلَيْهِ وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَرَقَّبْ عَلَيْهِ مَنْفَعَةٌ مِنْ مَخْلُوقٍ وَلَا قَصَدَ بِتَأْلِيفِهِ التَّوَسُّلَ إلَى الْقُرْبِ مِنْهُ كَعَادَةِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُصَنَّفِينَ لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ بَلَّغَهُ مُرَادَهُ بِحُسْنِ نِيَّتِهِ وَالسُّؤَالُ لُغَةً الطَّلَبُ وَاصْطِلَاحًا طَلَبُ الْأَدْنَى مِنْ الْأَعْلَى.

(ص) وَاَللَّهُ يَعْصِمُنَا

ــ

[حاشية العدوي]

السُّؤَالَ مُحَادَثَةٌ مَعَ الْمَوْلَى وَالْمُحَادَثَةُ مَعَ الْمَوْلَى الْكَرِيمِ يَنْبَغِي فِيهَا التَّطْوِيلُ وَالنَّفْعُ إيصَالُ الْخَيْرِ أَوْ دَفْعُ الضَّرَرِ وَقَوْلُهُ مِنْ كُتُبِهِ إلَخْ أَوْقَعَ هَذِهِ الْأَفْعَالَ الْمَاضِيَةَ مَوْضِعَ الْمُسْتَقْبَلِ تَحْقِيقًا لَهُ وَتَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْوَاقِعِ عَلَى تَقْدِيرِ وَضْعِ الْخُطْبَةِ قَبْلَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَضَعَ الْخُطْبَةَ أَوَّلًا وَاسْتَحْضَرَهُ فِي ذِهْنِهِ (قَوْلُهُ وَابْتِهَالٌ إلَى اللَّهِ) أَيْ وَتَضَرُّعٌ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ (قَوْلُهُ كَتَبَهُ لِنَفْسِهِ) أَيْ وَلَوْ لَمْ يَقْرَأْهُ وَلَمْ يَفْهَمْ مَا فِيهِ (قَوْلُهُ أَوْ لِغَيْرِهِ) أَيْ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ (قَوْلُهُ أَوْ حَصَّلَهُ بِمِلْكٍ) صَادِقٍ بِالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالشِّرَاءِ وَلَوْ لِلتِّجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَأَرَادَ بِالْمِلْكِ مَا يَشْمَلُ مِلْكَ الذَّاتِ وَمِلْكَ الْمَنْفَعَةِ (قَوْلُهُ أَوْ بِحِفْظٍ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ أَوْ قَرَأَهُ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ تَصْدُقُ بِهِ وَبِمُجَرَّدِ قِرَاءَةٍ بِدُونِ حِفْظٍ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْحِفْظِ حِفْظًا حَصَلَ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ (قَوْلُهُ أَوْ فَهْمٍ) أَيْ لِمَعَانِيهِ.

(قَوْلُهُ أَوْ سَعَى فِي شَيْءٍ مِنْهُ) أَيْ شَيْءٍ يَنْتَفِعُ بِهِ احْتِرَازٌ عَنْ كِتَابَةٍ أَوْ قِرَاءَةِ كَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَتَيْنِ مَثَلًا (قَوْلُهُ وَهَذَا أَبْلَغُ) أَيْ أَحْسَنُ، ثُمَّ يُقَالُ لَا وَجْهَ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ قَبْلُ وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِوَاحِدٍ إلَخْ وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِأَنَّ الْأَبْلَغِيَّةَ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ قَابِلٌ؛ لَأَنْ يُخَصَّ بِمَا عَدَا ذَلِكَ الْوَجْهِ إلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ عَدَمُ جَرَيَانِ الضَّمَائِرِ عَلَى سَنَنٍ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ سَنَنَ الْأَئِمَّةِ) أَيْ طَرِيقَ الْأَئِمَّةِ (قَوْلُهُ بِالِانْتِفَاعِ إلَخْ) أَيْ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى (قَوْلُهُ بِالِانْتِفَاعِ) أَيْ الثَّمَرَةِ الْمُصَوَّرَةِ بِالِانْتِفَاعِ وَكَذَا فِي قَوْلِهِ بِالثَّوَابِ (قَوْلُهُ وَالظَّنُّ) مُبْتَدَأٌ بِمَعْنَى الْمَظْنُونِ وَقَوْلُهُ قَبُولُ دَعْوَتِهِ خَبَرٌ وَالْبَاءُ فِي بِجَمِيلٍ بِمَعْنَى مِنْ وَإِضَافَةُ جَمِيلٍ لِمَا بَعْدَهُ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ وَالتَّقْدِيرُ وَالْمَظْنُونُ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ الْجَمِيلِ قَبُولُ دَعْوَتِهِ أَيْ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ وَقَوْلُهُ فَإِنَّ اللَّهَ إلَخْ أَشَارَ إلَى قَبُولِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِالْمُشَاهَدَةِ، فَإِنْ قُلْت لَا وَجْهَ لِلتَّعْبِيرِ بِالظَّنِّ قُلْت يُمْكِنُ أَنَّهُ عَبَّرَ بِالظَّنِّ بِاعْتِبَارِ الْمَجْمُوعِ نَظَرًا لِلثَّانِيَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ (قَوْلُهُ الْآفَاقِ) جَمْعُ أُفُقٍ بِضَمَّتَيْنِ بِمَعْنَى النَّاحِيَةِ مِنْ الْأَرْضِ وَمِنْ السَّمَاءِ (قَوْلُهُ وَجَبَلَ) أَيْ فَطَرَ أَيْ خَلَقَ (قَوْلُهُ وَتَعْجِيلِ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْقَبُولِ (قَوْلُهُ وَإِلَّا فَكَمْ إلَخْ) أَيْ، وَإِنْ لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ مِنْ عَلَامَاتِ الْقَبُولِ فَالْأَمْرُ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّا وَجَدْنَا غَيْرَهُ انْطَوَى، وَهُوَ لَمْ يَنْطَوِ، فَإِنْ لَمْ نَقُلْ مِنْ عَلَامَاتِ الْقَبُولِ لَحَصَلَتْ الْحِيرَةُ فِي كَوْنِ كِتَابِهِ لَمْ يَنْطَوِ وَكِتَابُ غَيْرِهِ انْطَوَى.

(قَوْلُهُ وَالرَّجَاءُ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى النِّعْمَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ أَيْ وَالْمَرْجُوُّ، فَإِنْ قُلْت مَنْ الثَّمَرَتَانِ لَهُ قُلْت لِلْمُشْتَغِلِ بِهِ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ إنَّمَا هُوَ ثَمَرَةٌ لَهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا كَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَى تَأْلِيفِهِ الثَّمَرَتَانِ لِغَيْرِهِ يَكُونُ دَالًّا عَلَى الْخَيْرِ وَقَدْ قَالَ عليه السلام «الدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ» (قَوْلُهُ إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ) أَيْ مَوْلَى ذَلِكَ أَيْ مُعْطِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ مَنْصُوبًا إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ اللَّهُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ أَسْأَلُ لِيُفِيدَ التَّجَدُّدَ فِي السُّؤَالِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَقَوْلُهُمْ إنَّ الْجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ تَدُلُّ عَلَى الثُّبُوتِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ خَبَرُهَا اسْمًا أَمَّا لَوْ كَانَ فِعْلًا فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى التَّجَدُّدِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ (فَإِنْ قُلْت) يَلْزَمُ عَلَى الرَّفْعِ حَذْفُ الْعَائِدِ بِخِلَافِ النَّصْبِ (قُلْت) حَذْفُ الْعَائِدِ جَائِزٌ (فَإِنْ قُلْت) فَيَفُوتُ الِاخْتِصَاصُ (قُلْت) صُدُورُ السُّؤَالِ مِنْ الْمُوَحِّدِ قَاضٍ بِهِ كَذَا قِيلَ (أَقُولُ) الْفِعْلُ الْمُضَارِعُ مُفِيدٌ لِلتَّجَدُّدِ وَالْحُدُوثِ، وَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ خَبَرًا مَعَ إفَادَةِ الْحَصْرِ صَرِيحًا فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ وَلَا قَصْدَ إلَخْ) مَعْطُوفٌ عَلَى يَتَرَقَّبُ عَطْفُ سَبَبٍ عَلَى مُسَبَّبٍ؛ لِأَنَّ التَّوَسُّلَ لِلْقُرْبِ مِنْهُ إنَّمَا هُوَ لِتِلْكَ الْمَنْفَعَةِ وَلَا زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أَيْ لَمْ يَتَرَقَّبْ وَلَمْ يَقْصِدْ (قَوْلُهُ كَعَادَةِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ) كَالسَّعْدِ لَمَّا وَضَعَ الْمُطَوَّلَ وَمُخْتَصَرَهُ عَلَى تَلْخِيصِ الْمِفْتَاحِ فَإِنَّهُ قَصَدَ بِهِ الْقُرْبَ مِنْ الْمَلِكِ لِيَشْتَهِرَ بِذَلِكَ عِلْمُهُ لِيُؤْخَذَ عَنْهُ، وَهُوَ مَنْدُوبٌ هَكَذَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ مَقَاصِدُ الْعُظَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ هَذَا الْقُرْبُ الْمُتَوَسَّلُ إلَيْهِ صُورَةً لَا حَقِيقَةً (فَإِنْ قُلْت) كَيْفَ يَتْرُكُ الْمُؤَلِّفُ الْمَنْدُوبَ، وَهُوَ أَوْلَى بِفِعْلِهِ.

(قُلْت) لَعَلَّ وَجْهَ النَّدْبِ إذَا لَمْ يُوجَدْ بَاعِثٌ رُوحَانِيٌّ يُحْمَلُ عَلَى تَرْكِهِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَّا فَتَرْكُهُ أَوْلَى وَيَعْتَمِدُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى (قَوْلُهُ لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ إلَخْ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ وَقَوْلُهُمْ لَا جَرَمَ قَالَ الْفَرَّاءُ هِيَ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى لَا بُدَّ وَلَا مُحَالَةَ، ثُمَّ كَثُرَتْ فَحُوِّلَتْ إلَى مَعْنَى الْقَسَمِ وَصَارَتْ بِمَعْنَى حَقًّا وَلِهَذَا تُجَابُ بِاللَّامِ نَحْوَ لَا جَرَمَ لَأَفْعَلَنَّ اهـ.

وَمُرَادُهُ الثَّمَرَتَانِ إمَّا الدُّنْيَوِيَّةُ فَظَاهِرَةٌ وَإِمَّا الْأُخْرَوِيَّةُ فَلِأَنَّ حُصُولَ الدُّنْيَوِيَّةِ عِنْوَانٌ عَلَى حُصُولِ الْأُخْرَوِيَّةِ خُصُوصًا وَالْمَرْجُوُّ كَرِيمٌ غَايَةَ الْكَرَمِ (قَوْلُهُ بِحُسْنِ نِيَّتِهِ) أَيْ بِسَبَبِ حُسْنِ نِيَّتِهِ (قَوْلُهُ وَاَللَّهُ) بِالرَّفْعِ وَيُقَالُ فِيهِ مَا قِيلَ فِي.

ص: 50

مِنْ الزَّلَلِ وَيُوَفِّقُنَا فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ (ش) هَذَا دُعَاءٌ آخَرُ بِأَنْ يَمْنَعَهُ اللَّهُ وَيَحْفَظَهُ مِنْ الْعُدُولِ عَنْ الْحَقِّ الَّذِي هُوَ شَبِيهٌ بِالزَّلِقِ فِي طِينٍ أَوْ وَحْلٍ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الْمُخَالَفَةِ وَلِذَا أَرْدَفَهُ بِطَلَبِ التَّوْفِيقِ إلَى الِاسْتِقَامَةِ فِي أَقْوَالِهِ اللِّسَانِيَّةِ وَأَفْعَالِهِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْجَوَارِحِيَّةِ غَيْرِ اللِّسَانِ وَالْعِصْمَةُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنْ لَا يَخْلُفَ اللَّهُ فِي الْعَبْدِ ذَنْبًا وَعِنْدَ الْحُكَمَاءِ مَلَكَةٌ تَمْنَعُ الْفُجُورَ وَيَصِحُّ تَفْسِيرُهَا عَلَى طَرِيقِ أَهْلِ السُّنَّةِ بِالْمَلَكَةِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ إرَادَةِ أَنَّهَا مَلَكَةٌ أَيْ كَيْفِيَّةٌ يَخْلُقُهَا اللَّهُ تَعَالَى تَمْنَعُ الْفُجُورَ بِطَرِيقٍ جَرْيِ الْعَادَةِ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ عَادَةً وُقُوعُ الْفُجُورِ مَعَهَا وَأَصْلُ زَلَلْت زَلَّ يَزِلُّ، وَهُوَ الزَّلِقُ فِي الطِّينِ أَوْ الْمَنْطِقُ أُرِيدَ بِهِ لَازِمُهُ مِنْ النَّقْصِ؛ لِأَنَّ مَنْ زَلَّ فَقَدْ نَقَصَ فِي الْعَرَضِ أَوْ الْمَالِ أَوْ الدَّيْنِ

ــ

[حاشية العدوي]

قَوْلِهِ وَاَللَّهُ أَسْأَلُ فَهِيَ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ خَبَرِيَّةً لَفْظًا إنْشَائِيَّةً مَعْنًى وَلِذَا تَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلَى الْجُمْلَةِ الْإِنْشَائِيَّةِ الدِّعَائِيَّةِ وَلَوْ تَجَرَّدَتْ لِلْخَبَرِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ الْعَطْفُ بِاتِّفَاقٍ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعَانِي وَبِاخْتِلَافٍ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ (فَإِنْ قُلْت) لَوْ نُصِبَ اللَّهُ بِأَسْأَلُ هَلْ يَصِحُّ عَطْفُ وَاَللَّهُ يَعْصِمُنَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ (قُلْت) يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْعَطْفُ عَلَى مَعْمُولَيْ عَامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَالْعَاطِفُ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْوَاوُ وَسِيبَوَيْهِ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ (قَوْلُهُ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ) قَابَلَ الْمُؤَلِّفُ الْقَوْلَ بِالْعَمَلِ لِلْعُرْفِ الشَّائِعِ وَلِقَوْلِهِ عليه السلام «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ» ، وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا يَتَنَاوَلُهُ كَقَوْلِهِ عليه السلام «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (قَوْلُهُ وَيَحْفَظُهُ) مَعْطُوفٌ عَلَى يَمْنَعُهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ أَيْ فَالْمُرَادُ مِنْ الْعِصْمَةِ الْحِفْظُ (قَوْلُهُ الَّذِي هُوَ شَبِيهٌ) صِفَةٌ لِلْعُدُولِ فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ مُصَرِّحَةٌ وَتَقْرِيرُهَا أَنْ تَقُولَ شَبَّهَ الْعُدُولَ عَنْ الْحَقِّ بِالزَّلْقِ فِي الطِّينِ وَالْوَحْلِ وَاسْتَعَارَ اسْمَ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ عَلَى طَرِيقِ التَّصْرِيحِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ فَهُوَ كِنَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ فَهُوَ عِبَارَةٌ (قَوْلُهُ أَوْ وَحْلٍ) الْوَحْلُ بِالسُّكُونِ اسْمٌ وَجَمْعُهُ وُحُولٌ مِثْلَ فَلْسٍ وَفُلُوسٍ وَيَجُوزُ فَتْحُهُ لِيُجْمَعَ عَلَى أَوْحَالٍ مِثْلَ سَبَبٍ وَأَسْبَابٍ، وَهُوَ الطِّينُ الرَّقِيقُ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ فَهُوَ إذَنْ عَطْفُ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ بِأَوْ فَالْمُخَلِّصُ أَنْ يُرَادَ بِالطِّينِ الثَّخِينُ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْمُغَايِرِ.

(قَوْلُهُ وَلِذَا أَرْدَفَهُ) أَيْ لِكَوْنِهِ دُعَاءً بِالْحِفْظِ يَكُونُ مِنْ بَابِ التَّخْلِيَةِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالتَّخْلِيَةُ يُطْلَبُ بَعْدَهَا التَّحْلِيَةُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَرْدَفَهُ بِطَلَبِ التَّوْفِيقِ إلَخْ الَّذِي هُوَ مِنْ بَابِ التَّحْلِيَةِ؛ لِأَنَّهُ خَلْقُ الطَّاعَةِ فِي الْعَبْدِ إلَّا أَنَّ هَذَا ظَاهِرُهُ وَلَوْ تَأَمَّلْت لَوَجَدْتهَا تَحْلِيَةً مُتَضَمِّنَةً لِتَخْلِيَةٍ وَكَذَلِكَ تَجِدُ التَّوْفِيقَ تَحْلِيَةً مُتَضَمِّنَةً لِتَخْلِيَةٍ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْمُتَلَازِمَيْنِ (قَوْلُهُ وَأَفْعَالِهِ الْقَلْبِيَّةِ إلَخْ) أَيْ الْمُشَارِ لَهَا بِقَوْلِهِ وَالْعَمَلِ (قَوْلُهُ والجوارحية) مَعْطُوفٌ عَلَى الْقَلْبِيَّةِ (قَوْلُهُ غَيْرِ اللِّسَانِ) إنَّمَا أَخْرَجَ اللِّسَانَ لِدَفْعِ التَّكْرَارِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْعَمَلَ يُطْلَقُ عَلَى فِعْلِ اللِّسَانِ كَمَا بَيَّنَّا (قَوْلُهُ أَنْ لَا يَخْلُقَ اللَّهُ) أَيْ فَهِيَ عَدَمُ تَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ بِوُجُودِ ذَنْبٍ فِي الْعَبْدِ فَظَهَرَ أَنَّ الْعِصْمَةَ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ لَا وُجُودِيٌّ وَقَوْلُهُ ذَنْبًا أَيْ أَيَّ ذَنْبٍ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، ثُمَّ إنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ نُقِضَ بِكَثِيرٍ مِنْ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ بَلَغُوا وَمَاتُوا قَرِيبَ بُلُوغِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْصُوا أَيْ مِنْ غَيْرِ إمْكَانِ الْمَعْصِيَةِ وَقَدْ صَدَقَ مَعْنَى الْعِصْمَةِ فِي حَقِّهِمْ مَعَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مَعْصُومِينَ وَكَذَلِكَ الْمَيِّتُ وَمَنْ مَنَعَهُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ مَانِعٌ فَالْأَوْلَى مَا فَسَّرَهَا بِهِ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ عَدَمُ خَلْقِ اللَّهِ الذَّنْبَ فِي الْعَبْدِ مَعَ بَقَاءِ الْقُدْرَةِ وَالِاخْتِيَارِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ نَفْيَ الذَّنْبِ فَرْعٌ عَنْ إمْكَانِهِ فَهُوَ مُحْرِزٌ لِقَيْدِ الْقُدْرَةِ وَالِاخْتِيَارِ (قَوْلُهُ وَعِنْدَ الْحُكَمَاءِ) مُقَابِلُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَهُمْ قَوْمٌ كُفَّارٌ (قَوْلُهُ مَلَكَةٌ) أَيْ كَيْفِيَّةٌ رَاسِخَةٌ فِي النَّفْسِ (قَوْلُهُ تَمْنَعُ الْفُجُورَ) أَيْ الْمَعَاصِيَ عَقْلًا أَيْ بِحَيْثُ تَكُونُ هِيَ الْمُؤَثِّرَةُ فِي ذَلِكَ.

(قَوْلُهُ بِطَرِيقِ جَرْيِ الْعَادَةِ) هَذَا هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحُكَمَاءِ وَسَكَتَ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُمْ عُصَاةٌ وَالْقَوْلُ بِالْمَنْعِ الْعَقْلِيِّ يَقْتَضِي الْكُفْرَ فَيَظْهَرُ أَنَّهُمْ مُوَافِقُونَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ، ثُمَّ إذَا عَلِمْت ذَلِكَ أَقُولُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَقُولَ تُمْنَعُ عَقْلًا وَالْمُؤَثِّرُ هُوَ اللَّهُ عز وجل وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ كَوْنِهِ مُخْتَارًا بِأَنْ يُقَالَ إنَّ الْمَوْلَى تَعَالَى إنْ شَاءَ أَبْقَى الْمَلَكَةَ الْمَذْكُورَةَ فَلَا تَقَعُ الْمَعْصِيَةُ قَطْعًا، وَإِنْ شَاءَ أَزَالَهَا فَتَقَعُ الْمَعْصِيَةُ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الِاخْتِيَارَ فِي بَقَاءِ الْمَلَكَةِ وَالطَّاعَةِ أَوْ إزَالَتِهَا كَمَا قِيلَ فِي الْجَوْهَرِ وَالْعَرَضِ إنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ عَقْلًا وَلَا يَمْنَعُ اخْتِيَارَ الْمَوْلَى تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ إنْ شَاءَ أَوْجَدَهُمَا مَعًا، وَإِنْ شَاءَ أَعْدَمَهُمَا مَعًا وَكَمَا قَالُوا فِي التَّلَازُمِ بَيْنَ النَّتِيجَةِ وَالْقِيَاسِ عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ بِالتَّلَازُمِ الْعَقْلِيِّ بَيْنَهُمَا (قَوْلُهُ وَأَصْلُ زَلَلْت إلَخْ) أَيْ إنَّهُ إذَا أَسْنَدَ إلَى الضَّمِيرِ يُفَكُّ مِنْ الْإِدْغَامِ أَيْ وَأَصْلُهُ قَبْلَ الْإِسْنَادِ إلَى الضَّمِيرِ زَلَّ بِدُونِ إدْغَامٍ (قَوْلُهُ يَزِلُّ) مِنْ بَابِ ضَرَبَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الزَّلْقُ فِي الطِّينِ أَوْ الْمَنْطِقِ) أَيْ النُّطْقِ إلَخْ لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا وَمَجَازٌ فِي الزَّلْقِ فِي الْفِعْلِ غَيْرِ النُّطْقِيِّ فَإِذَنْ يَكُونُ مُنَافِيًا لِصَدْرِ الْعِبَارَةِ مِنْ أَنَّهُ مَجَازٌ فِي النُّطْقِ وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ زَلَّ فِي مَنْطِقِهِ أَوْ فِعْلِهِ اهـ.

وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ الْفِعْلَ أَعَمُّ فَهِيَ عِبَارَاتٌ ثَلَاثَةٌ مُتَنَافِيَةٌ إنْ كَانَ كَلَامُ الْمِصْبَاحِ مُفَسِّرًا لِلْحَقِيقَةِ وَوَقَفْت عَلَى نُسْخَةٍ فِي الْأَسَاسِ وَقَعَ فِي ظَنِّي أَنَّ فِيهَا سَقْطًا وَعَلَيْهِ فَتَكُونُ مُؤَيِّدَةً لِلتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ الْمُصَرِّحِ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الزَّلْقِ فِي الطِّينِ وَحْدَهُ (قَوْلُهُ أُرِيدَ بِهِ لَازِمُهُ) أَيْ فَهُوَ كِنَايَةٌ لِجَوَازِ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ.

(قَوْلُهُ فِي الْعَرَضِ) مَوْضِعُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ مِنْ الْإِنْسَانِ وَأَوْ فِي ذَلِكَ مَانِعَةُ خُلُوٍّ تُجَوِّزُ الْجَمْعَ (قَوْلُهُ أَوْ الْمَالِ) كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ مِنْ كَوْنِ الْإِنْسَانِ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا ذَهَابُ مَالِهِ بَلْ يَتَرَتَّبُ ذَهَابُ نَفْسِهِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ النَّقْصَ فِي الْعَرْضِ يَتَرَتَّبُ عَلَى الزَّلْقِ فِي الْمَنْطِقِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ وَكَذَا الزَّلْقُ فِي الطِّينِ إذَا تَعَاطَى أَسْبَابَهُ وَالنَّقْصُ فِي الْمَالِ تَرَتُّبُهُ عَلَى الزَّلْقِ فِي الْمَنْطِقِ ظَاهِرٌ وَكَذَا فِي الطِّينِ مِنْ حَيْثُ تَلَوُّثُ ثِيَابِهِ الَّتِي يُنْقِصُ قِيمَتَهَا الْغَسْلُ وَلَا بُدَّ مِنْهُ أَوْ يَكُونُ مَعَهُ شَيْءٌ يَسْقُطُ فِي الطِّينِ فَيَتْلَفُ، وَأَمَّا الدَّيْنُ فَتَرَتُّبُهُ عَلَى الزَّلْقِ فِي الْمَنْطِقِ ظَاهِرٌ وَكَذَا فِي الطِّينِ إذَا تَعَاطَى أَسْبَابَهُ وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ فَوَاتُ طَاعَةٍ

ص: 51

أَوْ الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَهِيَ حِينَئِذٍ عِصْمَةٌ مُطْلَقَةٌ سَأَلَهَا الْمُؤَلِّفُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْجَوَازِ لِذَلِكَ وَالتَّوْفِيقُ جَعْلُ الْأَسْبَابِ مُتَوَافِقَةٌ أَوْ اسْتِعْدَادُ الْإِقْدَامِ عَلَى الشَّيْءِ وَقِيلَ جَعَلَ اللَّهُ فِعْلَ الْعَبْدِ مُوَافِقًا لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَقِيلَ هُوَ الْأَمْرُ الْمُقَرِّبُ إلَى السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ وَالنِّعَمِ السَّرْمَدِيَّةِ وَالْهِدَايَةُ هِيَ الدَّلَالَةُ عَلَى طَرِيقٍ يُوَصِّلُ إلَى الْمَطْلُوبِ سَوَاءٌ حَصَلَ الْوُصُولُ وَالِاهْتِدَاءُ أَمْ لَمْ يَحْصُلْ وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ الدَّلَالَةُ الْمُوَصِّلَةُ إلَى الْمَطْلُوبِ وَضِدُّ التَّوْفِيقِ الْخِذْلَانُ، وَهُوَ خَلْقُ قُدْرَةِ الْمَعْصِيَةِ فِي الْعَبْدِ وَالْمُخْتَصُّ بِالْمُتَعَلِّمِ مِنْ التَّوْفِيقِ أَرْبَعَةٌ شِدَّةُ الْعِنَايَةِ وَذَكَاءُ الْقَرِيحَةِ وَمُعَلِّمٌ ذُو نَصِيحَةٍ وَاسْتِوَاءُ الطَّبِيعَةِ أَيْ خُلُوُّهَا مِنْ الْمَيْلِ لِغَيْرِ مَا يُلْقَى إلَيْهَا قَالَ بَعْضُهُمْ إذَا جَمَعَ الْعَالِمُ ثَلَاثًا تَمَّتْ النِّعْمَةُ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ الصَّبْرَ

ــ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ أَوْ الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ) أَيْ مَنْ زَلَّ فِي مَنْطِقِهِ فَقَدْ نَقَصَ فِي قَوْلِهِ أَوْ فِي فِعْلِهِ وَقَوْلُهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ كَعِلْمِهِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ التَّكَلُّمَ بِمَا لَا يَنْبَغِي يُوجِبُ كَسَلًا عَنْ الطَّاعَاتِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ النَّقْصِ فِي الدِّينِ النَّقْصُ فِي الْعَرَضِ وَكَذَا يَلْزَمُ مِنْ نَقْصِهِ فِي قَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ النَّقْصُ فِي الدِّينِ وَعَلَيْك بِالتَّأَمُّلِ فِي بَقِيَّةِ أَطْرَافِ الْكَلَامِ فَإِنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ يُنَبِّهُ عَلَى الْبَاقِي (قَوْلُهُ فَهِيَ) أَيْ الْعِصْمَةُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ يَعْصِمُنَا (قَوْلُهُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ قُلْنَا أُرِيدَ بِهِ لَازِمُهُ مِنْ النَّقْصِ؛ لِأَنَّ مَنْ زَلَّ فَقَدْ إلَخْ (قَوْلُهُ وَفِيهِ) أَيْ سُؤَالِ الْمُؤَلِّفِ (قَوْلُهُ لِذَلِكَ) أَيْ لِسُؤَالِ الْعِصْمَةِ الْمُطْلَقَةِ أَيْ لَمْ تُقَيَّدْ بِذَنْبٍ مَخْصُوصٍ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا؛ لِأَنَّ الْمُؤَلِّفَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ الَّذِينَ يُقَلِّدُونَ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَمُقَابِلُ ذَلِكَ عَدَمُ جَوَازِ سُؤَالِهَا؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ إنَّمَا هِيَ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ.

وَالْجَوَابُ أَنَّهَا فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَاجِبَةٌ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِمْ جَائِزَةٌ وَسُؤَالُ الْجَائِزِ جَائِزٌ وَأَنَّ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وُقُوعُهَا لَهُمْ لَا طَلَبُهَا إلَّا أَنَّ الْأَدَبَ سُؤَالُ الْحِفْظِ وَالْحِفْظُ فِي حَقِّنَا الْعِصْمَةُ وَقَدْ يَكُونُ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ هُنَا اهـ.

وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَالْوَجْهُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ إنْ قَصَدَ التَّوَقِّيَ مِنْ جَمِيعِ الْمَعَاصِي وَالرَّذَائِلِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ امْتَنَعَ؛ لِأَنَّهُ سُؤَالُ مَقَامِ النُّبُوَّةِ أَوْ التَّحَفُّظُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَالتَّحَصُّنُ مِنْ أَفْعَالِ السُّوءِ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ وَيَبْقَى الْكَلَامُ حَالَ الْإِطْلَاقِ قَالَ بَعْضٌ وَالْمُتَّجَهُ الْجَوَازُ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ لِلْمَحْذُورِ وَاحْتِمَالِهِ الْوَجْهَ الْجَائِزَ أَشَارَ لِذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ (قَوْلُهُ مُتَوَافِقَةً) أَيْ جَعْلُ أَسْبَابِ الشَّيْءِ مُجْتَمِعَةً وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ تَحْصِيلُ أَسْبَابِ الشَّيْءِ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ وَلَوْ دُنْيَوِيًّا (قَوْلُهُ أَوْ اسْتِعْدَادَ إلَخْ) يَرْجِعُ لِلْمَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ تَحْصِيلَ أَسْبَابِ الشَّيْءِ اسْتِعْدَادٌ لِلْإِقْدَامِ عَلَيْهِ وَيَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ هَذَانِ الْمَعْنَيَانِ لُغَوِيَّيْنِ، وَإِنْ كَانَ فِي عِبَارَةِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ فِي اللُّغَةِ التَّأْلِيفُ سَائِقًا لَهُ بَعْدَ تَفْسِيرِهِ بِمَا يُؤْذِنُ أَنَّهُ بِالْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ شَرْعِيٌّ (قَوْلُهُ جَعَلَ اللَّهُ فِعْلَ الْعَبْدِ مُوَافِقًا إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ لِمَنْ يُفَسِّرُهُ بِأَنَّهُ خَلْقُ الطَّاعَةِ بَلْ وَيَرْجِعُ لِمَنْ فَسَّرَهُ بِخَلْقِ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ (فَإِنْ قُلْت) الْقُدْرَةُ عَلَى الطَّاعَةِ تَتَحَقَّقُ فِي كُلِّ مُكَلَّفٍ فَلَا يَصِحُّ الثَّانِي (قُلْت) يُرَادُ بِالْقُدْرَةِ الْعَرْضُ الْمُقَارِنُ لِلْفِعْلِ وَبَعْدُ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّوْفِيقَ مَا بِهِ الْوِفَاقُ، وَهُوَ يَكُونُ بِخَلْقِ الطَّاعَةِ، وَإِنْ صَاحَبَهَا خَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا.

(قَوْلُهُ وَيَرْضَاهُ) عَطْفٌ عَلَى يُحِبُّهُ أَمَّا مَذْهَبُ السَّلَفِ فَمَعْنَى الْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا مُفَوَّضٌ إلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الْخَلَفِ فَيَرْجِعَانِ لِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ الْإِنْعَامُ أَوْ إرَادَةُ الْإِنْعَامِ (قَوْلُهُ هُوَ الْأَمْرُ الْمُقَرِّبُ) ، وَهُوَ التَّوْفِيقُ الْمَذْكُورُ أَوْ يُقَدَّرُ مُضَافٌ وَالتَّقْدِيرُ هُوَ خَلْقُ الْأَمْرِ الْمُقَرِّبِ وَيُرَادُ بِهِ الطَّاعَاتُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّوْفِيقَ صِفَةُ الْمَوْلَى تَعَالَى وَالْأَمْرُ الْمُقَرِّبُ عَلَى هَذَا صِفَةُ الْعَبْدِ وَلَا يَصِحُّ تَفْسِيرُ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي (قَوْلُهُ السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ) أَيْ الْمَنْسُوبَةِ لِلْأَبَدِ، وَهُوَ الدَّهْرُ الطَّوِيلُ الَّذِي لَيْسَ بِمَحْدُودٍ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ فَالْمَعْنَى السَّعَادَةُ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَهِيَ الْحُلُولُ فِي الْجَنَّةِ (قَوْلُهُ وَالنِّعَمِ السَّرْمَدِيَّةِ) أَيْ الْمَنْسُوبَةِ لِلسَّرْمَدِ، وَهُوَ الدَّوَامُ أَيْ النِّعَمِ الدَّائِمَةِ الَّتِي لَا تَنْقَضِي أَيْ النِّعَمِ الَّتِي يُتَنَعَّمُ بِهَا فِي الْجِنَانِ وَعَلَى هَذَا فَالنِّعَمُ غَيْرُ السَّعَادَةِ إلَّا أَنَّهَا أَمْرٌ لَازِمٌ لَهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ مِنْهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ الْحُلُولُ فِي الْجَنَّةِ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ النِّعَمِ الْأُخْرَوِيَّةِ جَعَلَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَالْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ بِدُونِ سَابِقَةِ عَذَابٍ وَلَا مِحْنَةٍ وَلَا عِتَابٍ فَإِنَّهُ جَوَّادٌ كَرِيمٌ وَرَبٌّ رَحِيمٌ.

(قَوْلُهُ حَصَلَ الْوُصُولُ) أَيْ الْوُصُولُ لِلْمَطْلُوبِ وَقَوْلُهُ وَالِاهْتِدَاءُ أَيْ كَوْنُهُ مَهْدِيًّا الَّذِي هُوَ الْمَطْلُوبُ فَهُوَ مُغَايِرٌ لِمَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْوُصُولَ لِلشَّيْءِ غَيْرُ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَإِنْ تَلَازَمَا (قَوْلُهُ وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ الدَّلَالَةُ الْمُوَصِّلَةُ) أَيْ فَهِيَ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ أَخَصُّ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ كُلًّا مِنْ التَّعْرِيفَيْنِ مَنْقُوضٌ الْأَوَّلُ مَنْقُوضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56] وَبِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي» مَعَ أَنَّهُ بَيَّنَ الطَّرِيقَ وَدَعَاهُمْ إلَى الِاهْتِدَاءِ وَالثَّانِي مَنْقُوضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17] فَالْأَوْلَى تَفْسِيرُهَا فِي كُلِّ مَحَلٍّ بِمَا يُنَاسِبُهُ.

(قَوْلُهُ: وَهُوَ خَلْقُ قُدْرَةِ الْمَعْصِيَةِ) أَيْ أَوْ خَلْقُ الْمَعْصِيَةِ لَمْ يَأْتِ بِأَقْوَالٍ فِي الْخِذْلَانِ عَلَى طِبْقِ مَا ذَكَرَ فِي التَّوْفِيقِ مَعَ أَنَّهُ ضِدُّهُ فَمَا جَرَى فِي التَّوْفِيقِ مِنْ الْأَقْوَالِ يَأْتِي هُنَا لَكِنْ عَلَى الضِّدِّ وَلَعَلَّ اقْتِصَارَهُ عَلَى ذَلِكَ يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمَعْنَيَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فِي التَّوْفِيقِ لُغَوِيَّانِ خِلَافُ مَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ الشَّارِحِ مِنْ أَنَّهُمَا شَرْعِيَّانِ (قَوْلُهُ مِنْ التَّوْفِيقِ) أَيْ مِنْ آثَارِ التَّوْفِيقِ (قَوْلُهُ شِدَّةُ الْعِنَايَةِ) أَيْ الِاهْتِمَامِ (قَوْلُهُ الْقَرِيحَةِ) أَيْ إنَّ الْقَرِيحَةَ أَوَّلُ مَا يُسْتَنْبَطُ مِنْ الْبِئْرِ، ثُمَّ نُقِلَتْ لِأَوَّلِ مُسْتَنْبَطٍ مِنْ الْعِلْمِ، ثُمَّ نُقِلَتْ لِلْعَقْلِ مَجَازًا مُرْسَلًا مِنْ قَبِيلِ إطْلَاقِ اسْمِ الْحَالِ عَلَى الْمَحَلِّ وَقَوْلُهُ وَمُعَلِّمٌ ذُو نَصِيحَةٍ بِأَنْ يُتْقِنَ مَا قَرَأَهُ مِنْ الْعُلُومِ وَيُبَلِّغَ الْمَقْصُودَ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ (قَوْلُهُ مِنْ الْمَيْلِ) أَيْ خُلُوِّ الطَّبِيعَةِ مِنْ أَنْ تَمِيلَ إلَى غَيْرِ مَا يُلْقَى إلَيْهَا، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الطَّبِيعَةَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ مِزَاجُ الْإِنْسَانِ الْمُرَكَّبُ مِنْ الْأَخْلَاطِ اهـ.

فَإِذَنْ يَكُونُ إسْنَادُ الْمَيْلِ إلَيْهَا مَجَازٌ عَقْلِيٌّ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَصْفٌ لِلنَّفْسِ فَالْإِسْنَادُ إلَيْهَا حَقِيقِيٌّ (قَوْلُهُ الصَّبْرَ إلَخْ) أَيْ عَلَى الْإِلْقَاءِ وَعَلَى أَسْئِلَةِ.

ص: 52

وَالتَّوَاضُعَ وَحُسْنَ الْخُلُقِ وَإِذَا جَمَعَ الْمُتَعَلِّمُ ثَلَاثًا تَمَّتْ النِّعْمَةُ عَلَى الْعَالِمِ الْعَقْلَ وَالْأَدَبَ وَحُسْنَ الْفَهْمِ فَمَنْ أَرَادَ الرِّفْعَةَ فَلْيَتَوَاضَعْ لِلَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ الْعِزَّةَ لَا تَقَعُ إلَّا بِقَدْرِ النُّزُولِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَاءَ لَمَّا نَزَلَ إلَى أَصْلِ الشَّجَرَةِ صَعِدَ إلَى أَعْلَاهَا فَكَأَنَّ سَائِلًا سَأَلَهُ مَا صَعِدَ بِكَ هَاهُنَا أَعْنِي فِي رَأْسِ الشَّجَرَةِ وَأَنْتَ قَدْ نَزَلْت فِي أَصْلِهَا فَكَأَنَّ لِسَانَ حَالِهِ يَقُولُ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ.

(ص) ، ثُمَّ أَعْتَذِرُ لِذَوِي الْأَلْبَابِ مِنْ التَّقْصِيرِ الْوَاقِعِ فِي هَذَا الْكِتَابِ (ش) لِمَا أَعْلَمُ بِمَا سَأَلَ مِنْ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِمَا يُرِيدُهُ مِنْ الْخَلْقِ، وَهُوَ أَنَّهُ اعْتَذَرَ إلَى ذَوِي الْأَلْبَابِ أَيْ أَصْحَابِ الْعُقُولِ الرَّاجِحَةِ مِنْ التَّقْصِيرِ الْوَاقِعِ مِنْهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَمَعْنَى أَعْتَذِرُ أَيْ أَطْلُبُ مِنْهُمْ أَنْ يَعْذِرُونِي أَيْ يَقْبَلُوا اعْتِذَارِي إلَيْهِمْ فَيَجُوزُ فِي

ــ

[حاشية العدوي]

الطَّلَبَةِ وَأَحْوَالِهِمْ الَّتِي تَقْتَضِي التَّغْيِيرَ وَقَوْلُهُ وَالتَّوَاضُعَ أَيْ لِلْعِبَادِ أَوْ الطَّلَبَةِ؛ لِأَنَّ بِالتَّوَاضُعِ يُقْبَلُ عَلَيْهِ لِلتَّعْلِيمِ وَالْأَخْذِ عَنْهُ وَبِالْكِبْرِ تَنْفِرُ النَّاسُ مِنْهُ وَمِنْ عِلْمِهِ (فَائِدَةٌ) قِيلَ التَّوَاضُعُ الِانْكِسَارُ وَالتَّذَلُّلُ وَقِيلَ هُوَ خَفْضُ الْجَنَاحِ لِلْخَلْقِ وَلِينِ الْجَانِبِ لَهُمْ وَقَالَ الْفُضَيْلُ يَخْضَعُ لِلْحَقِّ وَيَنْقَادُ لَهُ وَيَقْبَلُهُ مِمَّنْ قَالَهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا شَرِيفًا أَوْ وَضِيعًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (قَوْلُهُ وَحُسْنَ الْخُلُقِ) فَقَدْ نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ مَا شَيْءٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ عَالِمٍ مَعَهُ حِلْمٌ إنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِعِلْمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ بِحِلْمٍ يَقُولُ الشَّيْطَانُ إنَّ سُكُوتَهُ عَلَيَّ أَشَدُّ مِنْ كَلَامِهِ اهـ.

وَمِنْ ذَلِكَ يُسْتَفَادُ أَنَّ الْأَوْلَى لِلْعَالِمِ أَنْ يَكُونَ قَلِيلَ الْكَلَامِ جِدًّا إلَّا فِيمَا يُعْنِي وَمِنْ حِكَمِ إمَامِنَا نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ مَنْ صَدَقَ فِي حَدِيثِهِ مُتِّعَ بِعَقْلِهِ وَلَمْ يُصِبْهُ مَا يُصِيبُ النَّاسَ مِنْ الْهَرَمِ وَالْخَرَفِ وَقَالَ لَا يَصْلُحُ الرَّجُلُ حَتَّى يَتْرُكَ مَا لَا يَعْنِيهِ وَيَشْتَغِلُ بِمَا يَعْنِيهِ وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ يُوشِكُ أَنْ يُفْتَحَ لَهُ قَلْبُهُ وَقَالَ كَثْرَةُ الْكَلَامِ تَمُجُّ الْعَالِمَ وَتُذِلُّهُ وَتُنْقِصُهُ وَمَنْ عَمِلَ هَذَا ذَهَبَ بَهَاؤُهُ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ إلَّا فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَكَانَ يَقُولُ نِعْمَ الرَّجُلُ فُلَانٌ لَوْلَا أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ شَهْرٍ فِي يَوْمٍ وَقَالَ طَلَبُ الرِّزْقِ فِي شُبْهَةٍ خَيْرٌ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى النَّاسِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَوَاضُعَ الْعَالِمِ لِلَّهِ وَصَبْرَهُ وَحُسْنَ خُلُقِهِ يُحَصِّلُ نَفْعَ الطَّالِبِ بَلْ حُسْنُ الْخُلُقِ مُسْتَلْزِمٌ لِلصَّبْرِ بَلْ وَلِلتَّوَاضُعِ فَهُوَ مَعْنًى جَامِعٌ.

(قَوْلُهُ الْعَقْلَ) أَيْ كَمَالَ الْعَقْلِ وَمِنْ لَوَازِمِهِ الْأَدَبُ فَعَطَفَ الْأَدَبَ عَلَيْهِ مِنْ عَطْفِ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ (قَوْلُهُ وَالْأَدَبَ) أَيْ التَّخَلُّقَ بِالْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ مِنْ امْتِثَالِهِ أَمْرَ شَيْخِهِ وَرُؤْيَتِهِ إيَّاهُ بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ وَعَدَمِ اعْتِرَاضِهِ عَلَيْهِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَمِنْ اعْتِقَادِهِ صَلَاحَ شَيْخِهِ وَإِذَا رَأَى مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ الشَّرْعِ أَوَّلَهُ بِتَأْوِيلٍ حَسَنٍ وَقَدْ وَرَدَ عَنْ الثِّقَاتِ قِيرَاطٌ مِنْ الْأَدَبِ خَيْرٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ قِيرَاطًا مِنْ الْعِلْمِ وَاجْعَلْ أَدَبَك دَقِيقًا وَعِلْمَك مِلْحًا، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ مُرَادَهُ بِالْعَقْلِ الْعَقْلُ الْكَامِلُ فَإِذَنْ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالْأَدَبِ التَّلَازُمُ (قَوْلُهُ وَحُسْنَ الْفَهْمِ) أَيْ وَالْفَهْمِ الْحَسَنِ الْحَاصِلِ بِسُهُولَةِ الْوَاقِفِ عَلَى الْحَقِيقَةِ (قَوْلُهُ فَمَنْ أَرَادَ الرِّفْعَةَ) أَيْ دُنْيَا وَأُخْرَى انْتِقَالٌ قَصَدَ بِهِ إرْشَادَ النَّاسِ عُمُومًا وَلِأَهْلِ الْعِلْمِ خُصُوصًا (قَوْلُهُ فَلْيَتَوَاضَعْ لِلَّهِ تَعَالَى) فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَتَعَلَّمُوا لِلْعِلْمِ السَّكِينَةَ وَالْوَقَارَ وَتَوَاضَعُوا لِمَنْ تَعَلَّمُونَ مِنْهُ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ تَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ فَحُذِفَتْ إحْدَى التَّاءَيْنِ لِلتَّخْفِيفِ فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يُنَالُ إلَّا بِالتَّوَاضُعِ وَإِلْقَاءِ السَّمْعِ وَتَوَاضُعُ الطَّالِبِ لِشَيْخِهِ رِفْعَةٌ وَذُلُّهُ لَهُ عِزٌّ وَخُضُوعُهُ لَهُ فَخْرٌ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ التَّوَاضُعَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْوَالِدِ وَالشَّيْخِ وَالسُّلْطَانِ وَاجِبٌ وَلِلْمُسْلِمِينَ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُمْ مُسْلِمِينَ مَنْدُوبٌ وَلِأَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ حَيْثُ دُنْيَاهُمْ حَرَامٌ كَمَا أَفَادَهُ الْعُلَمَاءُ.

فَإِذَنْ قَوْلُهُ لِلَّهِ لَا مَفْهُومَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ أَوْ يُجَابُ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مُتَوَاضِعًا لِلَّهِ التَّوَاضُعُ لِهَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّ رَبَّنَا أَمَرَ بِالتَّوَاضُعِ لَهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَتَوَاضَعْ لَهُمْ فَلَا يَكُونُ مُتَوَاضِعًا لِلَّهِ فَتَدَبَّرْ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ لِلَّهِ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ فَلْيَتَوَاضَعْ لِلْعِبَادِ وَلِلَّهِ لِأَجْلِ اللَّهِ (قَوْلُهُ صَعِدَ) فِي الْمِصْبَاحِ صَعِدَ فِي السُّلَّمِ وَالدَّرَجَةِ يَصْعَدُ مِنْ بَابِ تَعِبَ صُعُودًا اهـ.

(قَوْلُهُ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ إلَخْ) اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ أَوْ لِلتَّعْدِيَةِ

1 -

(قَوْلُهُ: ثُمَّ أَعْتَذِرُ) إنَّمَا عَطَفَ الْمُؤَلِّفُ هَذِهِ الْجُمْلَةَ بِثُمَّ؛ لِأَنَّهُ طَلَبٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَتَعَاظَمَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا فَهَرَبَ مِنْ الْعَطْفِ بِالْوَاوِ لِمَا تُوهِمُهُ مِنْ التَّشْرِيكِ امْتِثَالًا لِمَا فِي الصَّحِيحِ «لَا يَقُلْ أَحَدٌ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ وَلَكِنْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ مَا شَاءَ فُلَانٌ» لِمَا تُعْطِيهِ مِنْ تَرَاخِي الثَّانِي عَنْ الْأَوَّلِ وَعَطَفَ الَّتِي قَبْلَهَا بِالْوَاوِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ اللَّهِ وَاَلَّتِي بَعْدَ هَذِهِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْعَبِيدِ وَلِذَوِي الْأَلْبَابِ وَمِنْ التَّقْصِيرِ مُتَعَلِّقَانِ بِأَعْتَذِرُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ اللَّامَ لِلِانْتِهَاءِ وَمِنْ لِلتَّعْلِيلِ ك (قَوْلُهُ التَّقْصِيرِ) هُوَ عَدَمُ بَذْلِ الْوُسْعِ فِي تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ أَيْ مِنْ خَلَلِ التَّقْصِيرِ أَوْ عَيْبِهِ أَوْ لَوَاحِقِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ إنْ كَانَ وَحَاشَاهُ قَائِمٌ بِهِ لَا بِالْكِتَابِ، ثُمَّ الْمُرَادُ مَا يَظُنُّ أَنَّهُ تَقْصِيرٌ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ لِلشَّخْصِ ارْتِكَابُ الْخَطَأِ، ثُمَّ يَعْتَذِرُ عَنْهُ وَقَوْلُهُ الْوَاقِعِ فِيهِ كَمَالُ هَضْمِ النَّفْسِ حَيْثُ نَزَّلَ ظَنَّ التَّقْصِيرِ مَنْزِلَةَ الْوَاقِعِ الْمُحَقَّقِ الْوُقُوعِ فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمُبَالَغَةُ وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ الشَّيْخِ الْفَقِيهِ الْفَاضِلِ نَاصِرِ الدِّينِ الْإِسْحَاقِيِّ الْمِصْرِيِّ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ هَذَا الْمُخْتَصَرَ إنَّمَا لَخَصَّ مِنْهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ إلَى النِّكَاحِ وَبَاقِيهِ وُجِدَ فِي تَرِكَتِهِ مُفَرَّقًا فِي أَوْرَاقٍ مُسَوَّدَةٍ فَجَمَعَهُ أَصْحَابُهُ وَضَمُّوهُ إلَى مَا لُخِّصَ فَكَمُلَ وَنَفَعَ اللَّهُ بِهِ ك.

(قَوْلُهُ أَيْ أَصْحَابِ)، فَإِنْ قُلْت لِمَ عَدَلَ عَنْ أَصْحَابِ إلَى ذَوِي قُلْت إنَّمَا عَدَلَ إلَيْهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى عِظَمِ مَدْخُولِهَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 243] إنَّ إدْخَالَ ذُو يَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ فَضْلِهِ وَكَثْرَتِهِ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْخَطِيبِ (قَوْلُهُ الْعُقُولِ الرَّاجِحَةِ) اعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ الْقَامُوسِ فَسَّرَ اللُّبَّ بِالْعَقْلِ وَيُمْكِنُ تَمْشِيَةُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ وَيَكُونُ الْوَصْفُ بِالرُّجْحَانِ أَخَذَهُ الشَّارِحُ مِنْ جَعْلِ أَلْ فِي الْأَلْبَابِ لِلْكَمَالِ وَصَرِيحُ كَلَامِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ اللُّبَّ الْعَقْلُ الرَّاجِحُ فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْعَقْلِ فَيَكُونُ الْوَصْفُ بِالرُّجْحَانِ مِنْ تَمَامِ تَفْسِيرِ اللُّبِّ لَا مِنْ جَعْلِ أَلْ لِلْكَمَالِ (قَوْلُهُ فَيَجُوزُ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ الَّذِي يَتَفَرَّعُ عَلَى الْحَلِّ الْمَذْكُورِ إنَّمَا هُوَ الْإِنْشَائِيَّةُ لَا الْخَبَرِيَّةُ الْمُشَارُ لَهَا بِقَوْلِهِ وَالْخَبَرُ

ص: 53

أَعْتَذِرُ الْإِنْشَاءُ أَيْ أَسْأَلُ قَبُولَ الْعُذْرِ وَالْخَبَرُ أَيْ أَبُثُّ اعْتِذَارِي وَأَقُولُ لِذَوِي الْأَلْبَابِ، وَقَبُولُ الْعُذْرِ مِنْ الْمُعْتَذِرِينَ شَأْنُ كِرَامِ النَّاسِ وَالْكِرَامُ أَهْلُ التَّقْوَى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] وَهُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ} [الرعد: 19]{فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ} [المائدة: 100] وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُنْذَرِينَ وَالْمُبَشِّرِينَ وَإِنَّمَا خَصَّصَ ذَوِي الْأَلْبَابِ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ وَانْظُرْ تَعْرِيفَ الْعَقْلِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِمَرْجِعِ الْإِشَارَةِ فِي شَرْحِنَا الْكَبِيرِ.

(ص) وَأَسْأَلُ بِلِسَانِ التَّضَرُّعِ وَالْخُشُوعِ وَخِطَابِ التَّذَلُّلِ

ــ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ أَيْ أَسْأَلُ قَبُولَ الْعُذْرِ) فَالْعُذْرُ وَالِاعْتِذَارُ شَيْءٌ وَاحِدٌ (قَوْلُهُ أَيْ أَبُثُّ) أَيْ أُظْهِرُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَكُونُ إخْبَارًا عَنْ شَيْءٍ حَاصِلٍ بِهَذَا اللَّفْظِ كَمَا فِي قَوْلِهِ أَتَكَلَّمُ مُخْبِرًا عَنْ تَكَلُّمٍ حَصَلَ بِهَذَا اللَّفْظِ (قَوْلُهُ وَأَقُولُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ وَالْكِرَامُ أَهْلُ التَّقْوَى) أَتَى بِهِ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّهُمْ الْبَاذِلُونَ الدُّنْيَا، وَإِنْ كَانُوا عُصَاةً (قَوْلُهُ {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] دَلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَالْكِرَامُ أَهْلُ التَّقْوَى (قَوْلُهُ وَهُمْ) أَيْ أَهْلُ التَّقْوَى (قَوْلُهُ أُولُو الْأَلْبَابِ) أَيْ أَصْحَابُ الْعُقُولِ الرَّاجِحَةِ.

(قَوْلُهُ {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ} [الرعد: 19] أَتَى بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ أَهْلَ التَّقْوَى أُولُو الْأَلْبَابِ؛ لِأَنَّهُ أَسْنَدَ التَّذَكُّرَ لِأُولِي الْأَلْبَابِ وَطَلَبَ التَّقْوَى مِنْهُمْ وَلَا يَتَذَكَّرُ إلَّا الْمُتَّقِي وَلَا يُخَاطَبُ بِالتَّقْوَى خِطَابًا نَافِعًا إلَّا أَهْلُ التَّقْوَى فَإِذَنْ يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ} [الطلاق: 10] دُومُوا عَلَى التَّقْوَى أَوْ زِيدُوا فِي التَّقْوَى لِمَا عُلِمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ مِنْ أَنَّ لَهَا مَرَاتِبَ ثَلَاثَةً فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ وَلَا أَحَدَ أَحَبَّ إلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ) أَحَدَ اسْمُهَا وَأَحَبَّ صِفَتُهُ وَالْعُذْرُ فَاعِلٌ بِأَحَبَّ وَإِلَيْهِ حَالٌ مِنْ الْعُذْرُ وَأَحَبَّ بِمَعْنَى مَحْبُوبِيَّةً وَمِنْ بِمَعْنَى بَدَلَ نَحْوُ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ أَيْ بَدَلَ الْآخِرَةِ فَالْمَعْنَى لَا أَحَدَ مَوْصُوفٌ بِأَنَّ الْعُذْرَ أَحَبُّ الْأَشْيَاءِ إلَيْهِ بَدَلَ اللَّهِ أَيْ غَيْرَ اللَّهِ أَيْ بَلْ اللَّهُ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِأَنَّ الْعُذْرَ أَشَدُّ الْأَشْيَاءِ حُبًّا إلَيْهِ أَيْ مَحْبُوبِيَّةً لَهُ فَظَهَرَ أَنَّ مِنْ خَبَرُ لَا (قَوْلُهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَا أَحَدَ أَحَبَّ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَوْلَى فَاعِلٌ مُخْتَارٌ مَالِكٌ لِلْخَلْقِ بِأَجْمَعِهِمْ فَلَوْ عَذَّبَ الْخَلْقَ بِدُونِ إرْسَالِ رُسُلٍ لَمَا لَحِقَهُ لَوْمٌ؛ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ الْحَقِيقِيُّ يَتَصَرَّفُ فِي مُلْكِهِ كَيْفَ شَاءَ فَبَعْثَتُهُ الرُّسُلَ لِلْخَلْقِ وَلَمْ يُعَذِّبْهُمْ إلَّا بِالْمُخَالَفَةِ بَعْدَهَا قَطْعًا لِعُذْرِهِمْ مَعَ أَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُمْ وَلَوْ لَمْ يُرْسِلْ رُسُلًا لَمَا تَقَدَّمَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا أَحَدَ أَحَبَّ مِنْ اللَّهِ لِقَبُولِ الْعُذْرِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ) عَطْفُ الرَّحْمَةِ عَلَى مَا قَبْلَهُ تَفْسِيرٌ أَيْ وَأَهْلُ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَوَاهِبَ وَالْمَزَايَا مِنْ اللَّهِ وَأَنَّ مَقَامَ الْعَبْدِ حَيْثُ أَقَامَهُ فَيَلْتَمِسُونَ لِلْأَئِمَّةِ وَلَا يَتَّبِعُونِ الْهَوَى.

(قَوْلُهُ وَانْظُرْ تَعْرِيفَ الْعَقْلِ إلَخْ) قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْإِرْشَادِ هُوَ عُلُومٌ ضَرُورِيَّةٌ بِهَا يَتَمَيَّزُ الْعَاقِلُ مِنْ غَيْرِهِ إذَا اتَّصَفَ بِهِ، وَهُوَ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ الْوَاجِبَاتِ وَاسْتِحَالَةِ الْمُسْتَحِيلَاتِ وَجَوَازِ الْجَائِزَاتِ إلَى آخَرِ كَلَامِهِ الطَّوِيلِ وَأَخْصَرَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّنُوسِيُّ أَنَّهَا مَعْرِفَةُ الْوَاجِبِ وَالْجَائِزِ وَالْمُسْتَحِيلِ فَالْوَاجِبُ هُوَ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الِانْتِفَاءَ وَالْمُسْتَحِيلُ هُوَ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الثُّبُوتَ وَالْجَائِزُ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ الثُّبُوتَ وَالِانْتِفَاءَ وَكُلُّ عَاقِلٍ مَرْكُوزٍ فِي قَلْبِهِ ذَلِكَ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ التَّعْبِيرِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُدْرِكُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا لَا يَقْبَلُ الثُّبُوتَ وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَى الْمُسْتَحِيلِ وَيُدْرِكُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا لَا يَقْبَلُ الِانْتِفَاءَ وَذَلِكَ مَعْنَى الْوَاجِبِ وَيَعْلَمُ أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا يَقْبَلُهُمَا، وَهُوَ الْجَائِزُ وَقِيلَ إنَّهُ نُورٌ رُوحَانِيٌّ بِهِ تُدْرِكُ النَّفْسُ الْعُلُومَ الضَّرُورِيَّةَ وَالنَّظَرِيَّةَ وَابْتِدَاءَ وُجُودِهِ عِنْدَ اجْتِنَانِ الْوَلَدِ، ثُمَّ لَا يَزَالُ يَنْمُو إلَى أَنْ يَكْمُلَ عِنْدَ الْبُلُوغِ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ قَائِلًا إنَّ تَفْسِيرَهُ بِذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ قَالَ مُحَشِّي تت اجْتِنَانُ بِالْجِيمِ وَالنُّونِ بَعْدَ التَّاءِ أَيْ حِينَ يَكُونُ جَنِينًا وَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ مِنْ أَنَّ كَمَالَهُ عِنْدَ الْبُلُوغِ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّ كَمَالَهُ عِنْدَ الْأَرْبَعِينَ؛ وَلِذَلِكَ بُعِثَتْ الْأَنْبِيَاءُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ اهـ.

(قَوْلُهُ وَمَرْجِعُ الْإِشَارَةِ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ ذَكَرَ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ كَلَامًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ قَابِلٌ لِلْبَحْثِ وَفِيهِ تَطْوِيلٌ فَنَذْكُرُ لَك لُبَّ مَا قَالُوهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ مُسَمَّى الْكُتُبِ الْأَلْفَاظُ الْمَخْصُوصَةُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ، وَهِيَ أَعْرَاضٌ تَنْقَضِي بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِهَا فَالْإِشَارَةُ إذَنْ لِمَا فِي الذِّهْنِ تَقَدَّمَتْ الْخُطْبَةُ عَلَى التَّأْلِيفِ أَوْ تَأَخَّرَتْ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ أَسْمَاءَ الْكُتُبِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَبِيلِ عَلَمِ الْجِنْسِ مَعَ أَنَّ مَا فِي ذِهْنِ الْمُصَنِّفِ جُزْئِيٌّ شَخْصِيٌّ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَيْضًا أَنَّ مَا فِي الذِّهْنِ مُجْمَلٌ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ وَمُسَمَّى الْكُتُبِ الْأُمُورُ الْمُفَصَّلَةُ فَإِذَنْ يَحْتَاجُ لِتَقْدِيرِ مُضَافَيْنِ أَيْ مُفَصِّلُ نَوْعِ هَذِهِ أَوْ نَوْعُ مُفَصِّلِ هَذِهِ، وَأَمَّا إنْ قُلْنَا إنَّ أَسْمَاءَ الْكُتُبِ مِنْ قَبِيلِ عَلَمِ الشَّخْصِ فَلَا يَحْتَاجُ لِتَقْدِيرِ نَوْعٍ وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ لِتَقْدِيرِ مُفَصِّلٍ، فَإِنْ قُلْنَا مَا فِي الذِّهْنِ مُفَصِّلٌ فَيَحْتَاجُ لِتَقْدِيرِ نَوْعٍ فَقَطْ عَلَى جَعْلِهَا مِنْ عَلَمِ الْجِنْسِ وَلَا يَحْتَاجُ لِتَقْدِيرٍ أَصْلًا عَلَى تَقْدِيرِ جَعْلِهَا مِنْ عَلَمِ الشَّخْصِ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ وَأَسْأَلُ إلَخْ) قَضِيَّةُ حَلِّ الشَّارِحِ أَنْ يَكُونَ وَأَسْأَلُ مُتَعَلِّقًا بِمَفْعُولٍ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ ضَمِيرُ ذَوِي الْأَلْبَابِ السَّابِقُ ذِكْرُهُ وَحَذَفَهُ اخْتِصَارًا أَوْ اقْتِصَارًا لِقَرِينَةِ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِمْ وَالْأَصْلُ وَأَسْأَلُهُمْ إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يُعَلَّقَ بِمَفْعُولٍ تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ لِيَعُمَّ كُلَّ مَنْ يَصْلُحُ مِنْهُ السُّؤَالُ مِنْ النَّاظِرِينَ فِي كِتَابِهِ وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ النَّاظِرِينَ فِيهِ يَنْظُرُونَهُ بِعَيْنِ الْكَمَالِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَمَا كَانَ إلَخْ يُقَوِّي إرَادَتَهُ سُؤَالَ النَّاظِرِينَ فِي كِتَابِهِ أَفَادَهُ فِي ك وَأَفَادَ أَيْضًا أَنَّ التَّضَرُّعَ وَالْخُشُوعَ وَالتَّذَلُّلَ وَالْخُضُوعَ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ أَوْ كَالْمُتَرَادِفَةِ.

(قَوْلُهُ بِلِسَانِ التَّضَرُّعِ إلَخْ) فِيهِ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ حَيْثُ شَبَّهَ تَضَرُّعَهُ وَخُشُوعَهُ بِإِنْسَانٍ وَإِثْبَاتُ اللِّسَانِ تَخْيِيلٌ أَوْ يُقَدَّرُ مُضَافٌ أَيْ بِلِسَانِ ذِي التَّضَرُّعِ وَالْخُشُوعِ أَوْ يُؤَوَّلُ التَّضَرُّعُ وَالْخُشُوعُ بِالْمُتَضَرِّعِ الْخَاشِعِ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدُ قَالَ فِي ك وَلَا يَظْهَرُ كَبِيرُ فَرْقٍ لِإِضَافَةِ اللِّسَانِ لِلتَّضَرُّعِ وَالْخُشُوعِ وَالْخِطَابُ لِلتَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعُ مِنْ قُرْبِ مَعَانِي الْأَلْفَاظِ (قَوْلُهُ وَخِطَابُ التَّذَلُّلِ) الْخِطَابُ مَصْدَرُ خَاطَبَهُ بِالْكَلَامِ مُخَاطَبَةً

ص: 54

وَالْخُضُوعِ أَنْ يُنْظَرَ بِعَيْنِ الرِّضَا وَالصَّوَابِ فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ كَمَّلُوهُ وَمِنْ خَطَأٍ أَصْلَحُوهُ (ش) مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ سَأَلَ ذَوِي الْأَلْبَابِ بِلِسَانِ تَضَرُّعِهِ وَخُشُوعِهِ وَخِطَابِ تَذَلُّلِهِ وَخُضُوعِهِ، فَإِنَّ أَلْ فِي تِلْكَ الْكَلِمَاتِ نَائِبَةٌ عَنْ الضَّمِيرِ أَنْ يَنْظُرَ كِتَابَهُ بِعَيْنِ الرِّضَا وَالصَّوَابِ لَا بِعَيْنِ السُّخْطِ وَالْخَطَأِ فَمَا وُجِدَ فِيهِ مِنْ نَقْصِ لَفْظٍ يُخِلُّ بِالْمَعْنَى الْمَقْصُودِ كَمَّلُوا ذَلِكَ النَّقْصَ لِمَا يُتِمُّهُ حَتَّى يُفْهَمَ الْمَعْنَى الْمُرَادُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ نَقْصِ أَحْكَامٍ وَمَسَائِلَ وَفُرُوعٍ لَمْ تُذْكَرْ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا غَايَةَ لَهُ وَلَا يَقْدِرُ بَشَرٌ عَلَى تَكْمِيلِ ذَلِكَ النَّقْصِ وَمَا وُجِدَ مِنْ خَطَأٍ فِي الْمَعَانِي وَالْأَحْكَامِ وَفِي إعْرَابِ الْأَلْفَاظِ أَصْلَحُوهُ فَكَانَ تَامَّةٌ وَفَاعِلُهَا ضَمِيرٌ عَائِدٌ عَلَى مَا وَهِيَ شَرْطِيَّةٌ مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِدَاءِ وَجَوَابُهَا كَمَّلُوهُ وَمِنْ لِبَيَانِ الْجِنْسِ وَالْمُبَيَّنُ فَاعِلُ كَانَ وَيُحْتَمَلُ نُقْصَانُهَا وَخَبَرُهَا مِنْ نَقْصٍ وَمِنْ لِلِابْتِدَاءِ وَمِنْ خَطَأٍ أَصْلَحُوهُ عَلَى تَقْدِيرِ وَمَا كَانَ مِنْ خَطَأٍ أَصْلَحُوهُ كَالْأَوَّلِ وَفِي كَلَامِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ كَمَّلُوهُ وَأَصْلَحُوهُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَاللَّامِ عَلَى أَنَّهُمَا أَمْرَانِ قَالَ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ فِي الْأَمْرَيْنِ لِذَوِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ قَالَ وَيَجُوزُ فَتْحُهُمَا عَلَى الصِّفَةِ لِمَا قَبْلَهُمَا انْتَهَى وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ

ــ

[حاشية العدوي]

وَخِطَابًا، وَهُوَ عِنْدَ أُصُولِ الْفِقْهِ الْكَلَامُ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْإِفْهَامُ وَقِيلَ الَّذِي يَصْلُحُ لِلْإِفْهَامِ وَعَلَيْهِمَا الْخِلَافُ فِي تَسْمِيَةِ الْكَلَامِ فِي الْأَزَلِ خِطَابًا فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يُسَمَّى بِهِ إذْ لَيْسَ هُنَاكَ مَخْلُوقٌ يُقْصَدُ إفْهَامُهُ وَعَلَى الثَّانِي يُسَمَّى بِهِ لِصَلَاحِيَّتِهِ لِلْإِفْهَامِ بِتَقْدِيرِ الْوُجُودِ ك (قَوْلُهُ أَنْ يَنْظُرَ) أَيْ مِنْ ذِكْرِ مِنْ أُولِي الْأَلْبَابِ (قَوْلُهُ بِعَيْنِ الرِّضَا) أَيْ بِعَيْنِ ذِي الرِّضَا وَذِي الصَّوَابِ أَوْ الرَّاضِي وَالْمُصِيبِ أَوْ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ بِتَشْبِيهِ الرِّضَا وَالصَّوَابِ بِإِنْسَانٍ وَإِثْبَاتُ الْعَيْنِ تَخْيِيلٌ أَوْ الْإِضَافَةُ تَأْتِي لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ؛ لِأَنَّ الرِّضَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الْعَيْنِ وَكَذَا الصَّوَابُ وَالرِّضَا ضِدُّ السُّخَطِ الَّذِي هُوَ تَصَوُّرُ الْحَقِّ بِصُورَةِ الْبَاطِلِ وَالصَّوَابُ ضِدُّ الْخَطَأِ وَفِيهِ أَنَّ الصَّوَابَ صِفَةُ الْآمِرِ الَّذِي يَرْضَى بِهِ لَا صِفَةُ النَّاظِرِ كَالرِّضَا وَيُجَابُ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ وَاعْتِقَادُ الصَّوَابِ.

(قَوْلُهُ فَإِنَّ أَلْ فِي تِلْكَ الْكَلِمَاتِ نَائِبَةٌ إلَخْ) أَيْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ النِّيَابَةِ فَيُقَدِّرُ مِنْهُ أَيْ التَّضَرُّعِ مِنْهُ (قَوْلُهُ لَا بِعَيْنِ السُّخَطِ) الَّذِي هُوَ ضِدُّ الرِّضَا فَهُوَ تَصَوُّرُ الْحَقِّ بِصُورَةِ الْبَاطِلِ وَقَوْلُهُ وَالْخَطَأُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الصَّوَابِ.

(قَوْلُهُ مِنْ نَقْصِ لَفْظٍ) أَيْ مِنْ لَفْظٍ نَاقِصٍ نَقْصًا يُخِلُّ بِالْمَعْنَى وَقَوْلُهُ كَمِّلُوهُ أَيْ كَمِّلُوا ذَلِكَ اللَّفْظَ النَّاقِصَ بِمَا يُتِمُّهُ وَأَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ إسْقَاطَ حَرْفٍ مِنْ كَلِمَةٍ كَمِيمِ حَرَمٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ إسْقَاطُ كَلِمَةٍ مِنْ جُمْلَةٍ فَأَرَادَ بِاللَّفْظِ مَا يَشْمَلُ الْمُفْرَدَ وَالْجُمْلَةَ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّ النَّقْصَ هُوَ التَّرْكُ وَالتَّكْمِيلُ إنَّمَا يَكُونُ لِلْمَوْجُودِ وَحَاصِلُ مَا أُجِيبُ بِهِ أَنَّ النَّقْصَ يُطْلَقُ تَارَةً عَلَى الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ، وَهُوَ مَا ذَكَرْت وَتَارَةً عَلَى الْمَحْذُوفِ وَتَارَةً عَلَى الْمَحْذُوفِ مِنْهُ وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَإِطْلَاقُ النَّقْصِ عَلَيْهِ مِنْ إطْلَاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى الْمَفْعُولِ أَوْ الْفَاعِلِ أَيْ الْمَنْقُوصِ أَوْ النَّاقِصِ أَفَادَ ذَلِكَ الْحَاصِلُ فِي ك (قَوْلُهُ أَحْكَامٍ) جَمْعُ حُكْمٍ بِمَعْنَى النِّسْبَةِ التَّامَّةِ وَقَوْلُهُ وَمَسَائِلَ جَمْعُ مَسْأَلَةٍ إنْ أُرِيدَ مِنْهَا الْقَضِيَّةُ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الدَّالِّ عَلَى الْمَدْلُولِ، وَإِنْ أُرِيدَ مِنْهَا النِّسْبَةُ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْمُرَادِفِ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ تُطْلَقُ عَلَى الْقَضِيَّةِ وَعَلَى نِسْبَتِهَا (قَوْلُهُ وَفُرُوعٍ) جَمْعُ فَرْعٍ هُوَ لُغَةً مَا بُنِيَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ بُنِيَ عَلَى غَيْرِهِ فَخَرَجَ أَدِلَّةُ الْفِقْهِ مِنْ حَيْثُ يَنُبْنِي عَلَيْهَا الْفِقْهُ إذْ هِيَ بِذَلِكَ أُصُولٌ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حَيْثُ تُبْنَى عَلَى عِلْمِ التَّوْحِيدِ فُرُوعًا لَا أُصُولًا وَاصْطِلَاحًا مَا انْدَرَجَ تَحْتَ أَصْلٍ كُلِّيٍّ فَالْفُرُوعُ هِيَ الْقَضَايَا الَّتِي تَحْتَ الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ وَقَدْ تُطْلَقُ الْفُرُوعُ مَجَازًا عَلَى إفْرَادِ الْمَفْهُومِ الْكُلِّيِّ كَذَا فِي ك وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْفُرُوعَ هِيَ الْمَسَائِلُ الَّتِي بِمَعْنَى الْقَضَايَا فَعَطْفُهَا عَلَى الْأَحْكَامِ مِنْ عَطْفِ الدَّالِّ عَلَى الْمَدْلُولِ وَيُطْلَقُ الْفَرْعُ عَلَى الْحُكْمِ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْمُرَادِفِ وَيَكُونُ مُرَادِفًا لِلْمَسْأَلَةِ بِمَعْنَى الْحُكْمِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ رحمه الله تَفْسِيرَ التَّمْهِيدِ حِينَ ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فَقَالَ وَالتَّمْهِيدُ التَّوْطِئَةُ لِلْمَقْصُودِ لِيَكُونَ فَهْمُهُ بَعْدَهَا أَتَمُّ انْتَهَى.

(قَوْلُهُ وَالْأَحْكَامُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ بِاعْتِبَارِ خُصُوصِ مَا نَحْنُ فِيهِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَإِنْ كَانَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ (قَوْلُهُ فِي إعْرَابِ الْأَلْفَاظِ) الْأَوْلَى جَعْلُ ذَلِكَ مِنْ أَفْرَادِ النَّاقِصِ (قَوْلُهُ فَكَانَ تَامَّةٌ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ فَمَا وُجِدَ إذْ مِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهَا تَامَّةٌ (قَوْلُهُ وَالْمُبِينُ فَاعِلٌ) وَالتَّقْدِيرُ فَأَيُّ شَيْءٍ وُجِدَ فِي حَالِ كَوْنِهِ نَقْصًا أَيْ لَفْظًا نَاقِصًا كَمِّلُوهُ أَيْ أَذِنْت لَهُمْ فِي تَكْمِيلِهِ (قَوْلُهُ وَمِنْ لِلِابْتِدَاءِ) أَيْ وَمَا كَانَ نَاشِئًا مِنْ نَقْصٍ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُرَادُ بِالنَّقْصِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ وَيُرَادُ بِالنَّاشِئِ مِنْهُ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ الْمُكَمِّلُ وَجَعْلُهُ نَاشِئًا مِنْ النَّقْصِ بِاعْتِبَارِ تَفَرُّدِهِ وَحْدَهُ دُونَ الْمَتْرُوكِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَتْرُوكُ وَمَعْنَى كَمِّلُوهُ أَتَوْا بِهِ وَهَذَا التَّوْجِيهُ لَا يَتِمُّ فِي قَوْلِهِ وَمِنْ خَطَأٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ أَرَادَ بِالْخَطَأِ الْأَخْطَاءَ الَّذِي هُوَ مَصْدَرُ أَخْطَأَ قِيَاسًا وَالنَّاشِئُ عَنْهُ الْخَطَأُ، ثُمَّ أَقُولُ وَإِنَّمَا قَدَّرَ الشَّارِحُ وَمَا كَانَ لِدَفْعِ مَا يَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ مِنْ خَطَأٍ مَعْطُوفٌ عَلَى مِنْ نَقْصٍ وَالْعَامِلُ فِيهِ كَائِنًا الْمَحْذُوفُ وَأَصْلِحُوهُ مَعْطُوفٌ عَلَى كَمِّلُوهُ وَالْعَامِلُ فِيهِ مَا فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ الْعَطْفُ عَلَى مَعْمُولَيْ عَامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ وَحَاصِلُ جَوَابِ الشَّارِحِ أَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ لَا مِنْ عَطْفِ الْمُفْرَدَاتِ حَتَّى يَلْزَمَ مَا ذَكَرَ لَا يُقَالُ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَنْ جَوَّزَهُ بِشَرْطِ تَقَدُّمِ الْمَجْرُورِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ عِنْدَهُ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ إعَادَةِ الْجَارِ فِي الثَّانِي نَعَمْ يَتَوَجَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا.

(قَوْلُهُ وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ لَا يَصِحُّ) أَيْ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا شَرْطِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ وَالْأَمْرُ لَا يَكُونُ جَوَابَ الشَّرْطِ إلَّا إذَا قُرِنَ بِالْفَاءِ وَحَذْفُهَا فِي مِثْلِهِ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي الشِّعْرِ وَلَيْسَ قَبْلَ جُمْلَتَيْ كَمِّلُوهُ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِهِمَا وَلَوْ سَلِمَ عَلَى فَسَادِهِ لَزِمَ بَقَاءُ الشَّرْطِ مِنْ غَيْرِ جَوَابٍ وَالْمُبْتَدَأُ بِلَا خَبَرٍ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْخَبَرَ هُوَ الْجَزَاءُ نَعَمْ يَصِحُّ الْأَمْرُ عَلَى جَعْلِ مَا مَوْصُولَةً مَفْعُولَةً بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ كَمِّلُوهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاشْتِغَالِ وَيُقَدَّرُ مَعَ وَمِنْ خَطَأٍ وَمَا كَانَ وَيُعْرَبُ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَلَا يُقَالُ يَمْتَنِعُ لِمَا فِيهِ مِنْ حَذْفِ الْمَوْصُولِ لِوُرُودِ مِثْلِهِ نَحْوَ وَقُولُوا آمَنَّا بِاَلَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنَا وَأُنْزِلَ إلَيْكُمْ

ص: 55

لَا يَصِحُّ وَانْظُرْ وَجْهَهُ فِي شَرْحِنَا الْكَبِيرِ.

قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ فِي شَرْحِهِ وَمَا أَذِنَ الْمُؤَلِّفُ فِيهِ مِنْ تَكْمِيلِ النَّقْصِ الْوَاقِعِ فِي كِتَابِهِ وَإِصْلَاحِ الْخَطَأِ الْكَائِنِ فَمَحْمَلُهُ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَرَادَ تَكْمِيلَهُ بِالتَّنْبِيهِ عَلَى النَّقْصِ وَالْخَطَأِ وَإِصْلَاحِ ذَلِكَ بِأَلْفَاظِهِمْ حَالَ الْإِقْرَاءِ وَالْفَتْوَى بِمَا فِيهِ أَوْ التَّنْبِيهِ عَلَى ذَلِكَ بِكِتَابَةٍ فِي الشُّرُوحَاتِ لِمَنْ تَصَدَّى لِلْوَضْعِ عَلَيْهِ أَوْ بِالْكِتَابَةِ فِي حَوَاشِي كِتَابِهِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ حَاشِيَةٌ، وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ أَذِنَ فِي إصْلَاحِ ذَلِكَ بِالتَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ بِالْكِتَابَةِ فِي أَصْلِ كِتَابِهِ بِحَيْثُ يُكْشَطُ يَعْنِي أَلْفَاظَهُ وَيُؤْتَى بِبَدَلِهَا أَوْ يُزَادُ فِيهَا أَوْ يُنْقَصُ فَمَا أَظُنُّهُ يَأْذَنُ فِي هَذَا وَلَا أَظُنُّ جَوَازَهُ؛ لِأَنَّ فَتْحَ هَذَا الْبَابِ يُؤَدِّي إلَى نَسْخِ الْكِتَابِ بِالْكُلِّيَّةِ.

وَرُبَّمَا ظَنَّ النَّاسِخُ أَنَّ الصَّوَابَ مَعَهُ مَعَ كَوْنِ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِخِلَافِهِ وَمَا قَالَهُ هَذَا السَّيِّدُ الْعَظِيمُ فَمِنْ بَابِ تَوَاضُعِهِ الَّذِي رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ مَعَ أَنَّ مَا أُتِيَ بِهِ عَيْنُ الْكَمَالِ فِي نَوْعِهِ وَغَايَةُ الْمَرَامِ فِي جَمْعِهِ وَهَكَذَا الْفُضَلَاءُ الْعَارِفُونَ لَا يَرَوْنَ لِأَنْفُسِهِمْ وَلَا لِأَعْمَالِهِمْ مَزِيَّةً وَلَا يَتَكَبَّرُونَ {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 262](ص) فَقَلَّمَا يَخْلُصُ مُصَنِّفٌ مِنْ الْهَفَوَاتِ أَوْ يَنْجُو مُؤَلِّفٌ مِنْ الْعَثَرَاتِ (ش) لَمَّا اعْتَذَرَ الْمُؤَلِّفُ مِنْ التَّقْصِيرِ الْوَاقِعِ فِي تَصْنِيفِهِ مَعَ ظُهُورِ الْكَمَالِ فِيمَا أَتَى بِهِ فِيهِ عَلَّلَ ذَلِكَ الِاعْتِذَارَ بِهَذَا الْكَلَامِ.

وَالْمُرَادُ بِقَلَّمَا النَّفْيُ أَيْ لَا يَخْلُصُ وَلَا يَنْجُو أَيْ إنَّمَا اعْتَذَرْت لِأَنِّي مُصَنِّفٌ وَكُلُّ مُصَنِّفٍ لَا يَخْلُصُ مِنْ خَطَأِ طَرِيقِ الصَّوَابِ، وَهُوَ مُرَادُهُ بِالْهَفَوَاتِ

ــ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ وَإِصْلَاحِ) مَعْطُوفٌ عَلَى التَّنْبِيهِ وَقَوْلُهُ بِأَلْفَاظِهِمْ تَنَازَعَ فِيهِ تَنْبِيهٌ وَإِصْلَاحٌ (قَوْلُهُ بِأَلْفَاظِهِمْ حَالُ الْإِقْرَاءِ) مُرْتَبِطٌ بِكُلٍّ مِنْ التَّنْبِيهِ وَإِصْلَاحِ أَيْ التَّنْبِيهِ عَلَى النَّقْصِ وَالْخَطَأِ بِأَلْفَاظِهِمْ حَالَ الْإِقْرَاءِ وَالْفَتْوَى أَيْ الْإِفْتَاءِ وَإِصْلَاحِ ذَلِكَ بِأَلْفَاظِهِمْ حَالَ الْإِقْرَاءِ وَالْفَتْوَى بِمَا فِيهِ أَيْ بِأَنْ يَقُولَ هَذَا فِيهِ نَقْصٌ هَذَا فِيهِ خَطَأٌ وَالصَّوَابُ كَذَا وَكَذَا فَقَوْلُهُ هَذَا فِيهِ نَقْصٌ هَذَا فِيهِ خَطَأٌ وَالصَّوَابُ كَذَا وَكَذَا تَنْبِيهُ عَلَى النَّقْصِ وَالْخَطَأِ وَإِصْلَاحٍ بِأَلْفَاظِهِمْ.

(تَنْبِيهٌ) : اعْلَمْ أَنَّ التَّنْبِيهَ بِحَاشِيَةِ عَلَى الْخَطَأِ أَوْ النَّقْصِ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ عَلَى أَنَّ اتِّهَامَهُمْ أَنْفُسَهُمْ أَوْلَى بِهِمْ، وَأَمَّا أَهْلُ الْغَبَاوَةِ وَخُصُوصًا أَهْلَ هَذَا الزَّمَانِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ السُّكُوتُ كَمَا أَفَادَ ذَلِكَ أَهْلُ الْعِرْفَانِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ فِي غَابِرِ الْأَزْمَانِ وَاَللَّهُ الْمُلْهِمُ لِلصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.

(قَوْلُهُ أَوْ التَّنْبِيهُ) مُقَابِلٌ لِلتَّنْبِيهِ وَالْإِصْلَاحِ بِالْأَلْفَاظِ (قَوْلُهُ أَوْ بِالْكِتَابَةِ) مَعْطُوفٌ عَلَى بِكِتَابِهِ أَيْ أَوْ التَّنْبِيهِ عَلَى ذَلِكَ بِالْكِتَابَةِ فِي حَوَاشِي كِتَابِهِ (قَوْلُهُ وَالتَّغْيِيرِ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ بِالْكِتَابَةِ) الْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ أَوْ أَرَادَ بِالْكِتَابَةِ الْمَكْتُوبَ (قَوْلُهُ يَعْنِي أَلْفَاظَهُ) أَيْ دَالَّ أَلْفَاظِهِ وَهِيَ النُّقُوشُ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُكْشَطُ هُوَ النُّقُوشُ (قَوْلُهُ أَوْ يُزَادُ فِيهَا) يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا فَاتَهُ مِنْ الْمَسَائِلِ مِمَّا بُيِّضَ لَهُ وَلَمْ يُكْمِلْهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ، وَإِنْ ادَّعَتْ اسْتَكْرَاهَا عَلَى غَيْرِ لَائِقٍ بِلَا تَعَلُّقٍ حَدَثَ لَهُ وَمِنْ الْأَبْوَابِ مِمَّا بُيِّضَ لَهُ كَذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرْ، وَهُوَ بَابُ الْمُقَاصَّةِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ كَمَّلَهُ الْأَقْفَهْسِيُّ وَالثَّانِي أَلَّفَهُ بَهْرَامُ (قَوْلُهُ وَرُبَّمَا ظَنَّ إلَخْ) الْوَاوُ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا ظَنَّ إلَخْ (قَوْلُهُ فَمِنْ بَابِ تَوَاضُعِهِ) أَيْ فَمِنْ بَابٍ هُوَ تَوَاضُعُهُ فَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ (قَوْلُهُ مَعَ أَنَّ) لِلتَّعْلِيلِ أَيْ؛ لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ (قَوْلُهُ عَيْنُ الْكَمَالِ) أَيْ الْكَامِلِ مِنْ نَوْعِهِ أَوْ هُوَ مُبَالَغَةٌ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِنَوْعِهِ تَأْلِيفٌ فِي الْفِقْهِ جَامِعٌ (قَوْلُهُ وَغَايَةُ الْمَرَامِ فِي جَمْعِهِ) أَيْ وَغَايَةُ الْمَقْصُودِ مِنْ جَمْعِهِ (قَوْلُهُ الَّذِينَ) أَيْ وَهُمْ الَّذِينَ مَدَحَهُمْ اللَّهُ بِقَوْلِهِ {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ} [آل عمران: 134] إلَخْ أَيْ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الَّذِي لَا يَرَى لِعَمَلِهِ مَزِيَّةً وَلَا يَتَكَبَّرُ أَيْ عِنْدَ إنْفَاقِهِ لَا يُتْبِعُهُ مَنًّا وَلَا أَذًى {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62] وَمِنْ شَأْنِ مَنْ يَرَى لِنَفْسِهِ وَعَمَلِهِ مَزِيَّةً وَيَتَكَبَّرُ أَنَّهُ يَمُنُّ وَيُؤْذِي مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ مُصَنَّفٌ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ التَّأْلِيفَ يَسْتَلْزِمُ الْأُلْفَةَ بَيْنَ أَشْخَاصِ الْمَسَائِلِ فَضْلًا عَنْ أَنْوَاعِهَا وَأَجْنَاسِهَا الْقَرِيبَةِ وَالتَّصْنِيفُ مُرَاعَاتُهُ بَيْنَ الْأَصْنَافِ وَيَلْزَمُ مِنْهُ مُرَاعَاتُهُ فِي الْأَجْنَاسِ رُوعِيَ فِي الْأَشْخَاصِ أَمْ لَا فَالتَّأْلِيفُ أَخَصُّ فَكُلُّ مُؤَلَّفٍ مُصَنَّفٌ وَلَا عَكْسُ وَالتَّأْلِيفُ أَخَصُّ مِنْ التَّرْكِيبِ بِعَيْنِ مَا ذَكَرَ فِي التَّصْنِيفِ أَوْ بِقَرِيبٍ مِنْهُ كَذَا فِي ك.

(أَقُولُ) هَذَا بِحَسَبِ الْأَصْلِ وَإِلَّا فَفِي الْمَقَامِ الْمُؤَلَّفُ وَالْمُصَنَّفُ شَيْءٌ وَاحِدٌ (قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِقَلَّمَا النَّفْيُ) أَيْ بِقَلَّ مِنْ قَلَّمَا فَلَا دَخْلَ لِمَا فِي النَّفْيِ سَوَاءٌ جُعِلَتْ مَا كَافَّةً أَوْ مَصْدَرِيَّةً (قَوْلُهُ أَيْ إنَّمَا اعْتَذَرْت إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ قِيَاسًا مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ حُذِفَتْ صُغْرَاهُ وَنَتِيجَتُهُ وَالشَّارِحُ ذَكَرَ الْقِيَاسَ وَحَذَفَ نَتِيجَتَهُ وَالتَّقْدِيرُ إنَّمَا اعْتَذَرْت لِأَنِّي مُصَنِّفٌ وَكُلُّ مُصَنِّفٍ لَا يُخْلَصُ مِنْ الْهَفَوَاتِ فَأَنَا لَا أَخْلُصُ مِنْهَا (قَوْلُهُ طَرِيقَ الصَّوَابِ) أَيْ طَرِيقٍ هُوَ الصَّوَابُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مُرَادُهُ بِالْهَفَوَاتِ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى هَذَا الْحَلِّ يَكُونُ الْمَعْنَى الْمُرَادُ مِنْ الْهَفَوَاتِ مُغَايِرًا لِلْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنْ الْعَثَرَاتِ وَعَلَيْهِ فَالتَّعْبِيرُ فِي الْأَوَّلِ بِمُصَنَّفٍ وَيَخْلُصُ وَبِالثَّانِي بِمُؤَلَّفٍ وَيَنْجُو تَفَنُّنٌ إذْ لَوْ اتَّحَدَ التَّعْبِيرُ فِيهِمَا أَوْ عُكِسَ لَصَحَّ وَحَاصِلُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِالْهَفْوَةِ الْعُدُولَ عَنْ الصَّوَابِ كَأَنْ يَذْكُرَ فِي مَسْأَلَةٍ حُكْمُهَا الْجَوَازُ مَثَلًا الْوُجُوبُ وَأَرَادَ بِالْعَثْرَةِ الْوُقُوعُ فِي السَّقْطِ كَأَنْ يَذْكُرَ بَعْضَ الْكَلِمَةِ أَوْ بَعْضَ الْجُمْلَةِ (وَأَقُولُ) وَلَوْ عَكَسَ لَصَحَّ وَاعْلَمْ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمُحْكَمِ أَنَّ الْهَفْوَةَ السَّقْطَةُ وَالزَّلَّةُ اهـ. فَإِذَا عَلِمْت مَا ذَكَرَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرَ حَقِيقَةً فِي السُّقُوطِ إلَى الْأَرْضِ وَالزَّلَلِ فِي الْمُدْحِضِ كَالطِّينِ فَيَكُونُ اسْتِعْمَالُ الْهَفْوَةِ فِي خَطَأٍ طَرِيقُ الصَّوَابِ كَانَ فِي رَأْيٍ أَوْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ مَجَازًا أَوْ كِنَايَةً وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي خَطَأِ طَرِيقِ الصَّوَابِ فَقَطْ أَوْ حَقِيقَةً فِيهِمَا فَيَكُونُ تَعْبِيرُ الْمُؤَلِّفِ حَقِيقَةً وَالْعَثَرَاتُ جَمْعُ عَثْرَةٍ وَهِيَ الزَّلَّةُ فَيَجْرِي فِيهِ مِنْ الْأَوْجُهِ مَا جَرَى فِي الْهَفْوَةِ.

(قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ خَطَأُ طَرِيقِ الصَّوَابِ (قَوْلُهُ مُرَادُهُ بِالْهَفَوَاتِ) ، فَإِنْ قُلْت الْهَفَوَاتُ جَمْعٌ

ص: 56

وَلِأَنِّي مُؤَلِّفٌ وَكُلُّ مُؤَلِّفٍ لَا يَنْجُو مِنْ السُّقُوطِ فِي التَّحْرِيفِ، وَهُوَ مُرَادُهُ بِالْعَثَرَاتِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فَقَلَّمَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهُ اعْتِذَارُك مِنْ التَّقْصِيرِ الْوَاقِعِ فِي كِتَابِك يَقْتَضِي أَنَّك عَالِمٌ بِهِ وَإِلَّا فَمِنْ أَيْنَ لَك ذَلِكَ حَتَّى تَعْتَذِرَ وَإِذَا عَلِمْته فَأَصْلِحْهُ وَلَا تَعْتَذِرْ وَتَطْلُبْ مِنْ غَيْرِك بِهَذَا التَّذَلُّلِ فَقَالَ لَهُ لَمْ أَعْلَمْ بِهِ عَلَى التَّعْيِينِ وَلَكِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ التَّصْنِيفَ مَظِنَّةُ ذَلِكَ فَقَلَّمَا إلَخْ وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَقَلَّمَا وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ لَامِ التَّعْلِيلِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ قَلَّمَا يَخْلُصُ، وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ أَعْتَذِرُ لِذَوِي الْأَلْبَابِ وَيَجُوزُ فِي مُصَنِّفٍ وَمُؤَلِّفٍ الْكَسْرُ وَالْفَتْحُ.

ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَا كَافَّةً لِقَلَّ عَنْ الطَّلَبِ لِلْفَاعِلِ وَحِينَئِذٍ تُكْتَبُ مُتَّصِلَةً بِقَلَّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةٌ فَيَجُوزُ فِيهَا الِاتِّصَالُ وَالِانْفِصَالُ وَالْفَاعِلُ الْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْهَا وَمِنْ الْفِعْلِ بَعْدَهَا، وَهُوَ يَخْلُصُ مُصَنَّفٌ أَيْ خَلَاصُ مُصَنَّفٍ وَقَدِيمًا خَافَ النَّاسُ سَقْطَةَ التَّأْلِيفِ وَخَافُوا زَلَّةَ التَّأْلِيفِ كَمَا ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ حَتَّى قِيلَ مَنْ صَنَّفَ فَقَدْ اسْتَهْدَفَ وَمَنْ أَلَّفَ فَقَدْ اسْتَقْذَفَ وَمَعْنَى اسْتَهْدَفَ جَعَلَ نَفْسَهُ هَدَفًا أَيْ غَرَضًا لِمَنْ يَرْمِيهِ بِالْعَيْبِ كَمَا يُرْمَى الْغَرَضُ بِالنَّبْلِ وَاسْتَقْذَفَ أَيْ طَلَبَ أَنْ يُقْذَفَ أَيْ يُرْمَى، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْأَوَّلِ وَكَانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ كَثِيرًا مَا يَقُولُ مَنْ صَنَّفَ فَقَدْ اسْتَهْدَفَ، فَإِنْ أَحْسَنَ فَقَدْ اسْتَعْطَفَ، وَإِنْ أَسَاءَ فَقَدْ اسْتَقْذَفَ قِيلَ مَعْنَى اسْتَهْدَفَ ارْتَفَعَ عَلَى أَقْرَانِهِ.

فَإِنْ أَحْسَنَ فِيهِ فَقَدْ مَيَّلَ الْقُلُوبَ إلَيْهِ، وَإِنْ قَصَّرَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلْقَذْفِ وَالْمَعْنَيَانِ صَحِيحَانِ.

ــ

[حاشية العدوي]

وَخَطَأُ طَرِيقِ الصَّوَابِ مُفْرَدٌ فَكَيْفَ يَكُونُ الْمُفْرَدُ مَعْنَى الْجَمْعِ قُلْت مُرَادُهُ هَذِهِ الْمَادَّةُ أَيْ مَادَّةُ هَفْوَةٍ (قَوْلُهُ وَيُحْتَمَلُ إلَخْ) هَذَا مُقَابِلٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ جَعْلِ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ فَقَلَّ لِلتَّعْلِيلِ مَعَ أَنَّهُ مَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ هِيَ لِلتَّعْلِيلِ أَيْضًا وَالْمُعَلَّلُ هُوَ قَوْلُهُ وَلَكِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ التَّصْنِيفَ مَظِنَّةُ ذَلِكَ فَالسُّؤَالُ وَالْجَوَابُ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ مَحْذُوفَانِ وَهِيَ لِلتَّعْلِيلِ فَالْفَارِقُ بَيْنَ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ تَقْدِيرُ السُّؤَالِ وَالْجَوَابُ فِي هَذَا دُونَ مَا قَبْلَهُ وَهِيَ لِلتَّعْلِيلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ (قَوْلُهُ وَإِلَّا إلَخْ) أَيْ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَالِمًا بِهِ فَلَا يَصِحُّ اعْتِذَارُك؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَيْنَ لَك ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَإِذَا عَلِمْته) أَيْ وَحَيْثُ عَلِمْته كَمَا تَبَيَّنَ بِقَوْلِنَا وَإِلَّا إلَخْ (قَوْلُهُ وَتَطْلُبْ إلَخْ) تَفْسِيرٌ لِتَعْتَذِرَ (قَوْلُهُ بِهَذَا التَّذَلُّلِ) أَيْ طَلَبًا مُلْتَبَسًا بِهَذَا التَّذَلُّلِ أَوْ طَلَبًا مُصَوَّرًا بِهَذَا التَّذَلُّلِ (قَوْلُهُ وَبِعِبَارَةٍ إلَخْ) هُوَ عَيْنُ الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ الْكَسْرُ وَالْفَتْحُ) فِيهِ أَنَّ الْهَفْوَةَ وَالْعَثْرَةَ مِنْ صِفَاتِ الشَّخْصِ لَا الْمُصَنَّفِ بِفَتْحِ النُّونِ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلشَّخْصِ وَالْمَعْنَى الْهَفْوَةُ مِنْهُ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمُصَنَّفِ وَالْمَعْنَى الْهَفْوَةُ فِيهِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَا كَافَّةً لِقَلَّ إلَخْ) وَالْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُصُ مُصَنَّفٌ كَمَا هُوَ صَرِيحُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ خَلَاصُ مُصَنَّفٍ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ قَلَّ خَلَاصُ مُصَنَّفٍ وَالْمَعْنَى عَلَى النَّفْيِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُصُ إلَخْ.

اعْلَمْ أَنَّ حَاصِلَ مَا قِيلَ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ قَلَّ إذَا كَانَتْ لِلْإِثْبَاتِ ضِدَّ كَثُرَ فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ فَاعِلٍ مَعَ غَيْرِ مَا وَكَذَا مَعَ مَا وَهِيَ مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ أَوْ حَرْفِيَّةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ مَوْصُولًا اسْمِيًّا أَوْ مَوْصُوفَةً فَهِيَ الْفَاعِلُ وَإِلَّا فَالْمُنْسَبِكُ مِنْ الْجُمْلَةِ، وَإِنْ كَانَتْ لِلنَّفْيِ فَلَهَا فَاعِلٌ إنْ لَمْ تَتَّصِلْ بِمَا وَتَرْفَعُ الْفَاعِلَ مَوْصُوفًا بِجُمْلَةٍ نَحْوِ قَلَّ رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ أَيْ مَا رَجُلٌ يَقُولُهُ وَقَلَّ رَجُلَانِ يَقُولَانِهِ وَرِجَالٌ يَقُولُونَهُ وَإِلَّا كَانَتْ مَا كَافَّةً لَهَا عَنْ طَلَبِ الْفَاعِلِ فِي الْأَشْهَرِ لِإِجْرَائِهَا مَجْرَى حَرْفِ النَّفْيِ وَلَا يَتَّصِلُ بِهَا غَيْرُهَا أَيْ غَيْرُ مَا الْكَافَّةِ وَمِثْلُ قَلَّ طَالَ وَكَثُرَ وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ لَا فَاعِلَ لَهَا إذَا اتَّصَلَتْ بِهَا مَا الْكَافَّةُ وَمِثْلُهَا الْفِعْلُ الْمُؤَكَّدُ فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ وَيُحْتَمَلُ إلَخْ لَا يَظْهَرُ مَعَ فَرْضِ مَا لَاحَظَهُ مِنْ أَنَّ قَلَّ لِلنَّفْيِ وَإِنَّمَا جَعَلَهَا لِلنَّفْيِ لِتَوَقُّفِ بَسْطِ عُذْرِهِ عَلَى ذَلِكَ إذْ مَعَ قِلَّةِ النَّجَاةِ يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا (قَوْلُهُ وَقَدِيمًا) أَيْ وَزَمَنًا قَدِيمًا أَوْ خَوْفًا قَدِيمًا فَهُوَ اسْمُ زَمَانٍ أَوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ (قَوْلُهُ سَقْطَةَ التَّأْلِيفِ) أَيُّ سَقْطَةٍ مِنْهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْعَثْرَةِ وَقَوْلُهُ وَخَافُوا إلَخْ عِبَارَةٌ عَنْ الْهَفْوَةِ وَيَجُوزُ الْعَكْسُ كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ (قَوْلُهُ حَتَّى قِيلَ) لَيْسَ مَقْصُودُهُ التَّضْعِيفَ بَلْ مُرَادُهُ حِكَايَةُ مَا قَالُوهُ (قَوْلُهُ جَعَلَ نَفْسَهُ هَدَفًا) أَيْ طَلَبَ عَلَى أَنَّ السِّينَ وَالتَّاءَ لِلطَّلَبِ أَوْ عَلَى حَقِيقَتِهِ إنْ لَمْ يُجْعَلَا كَذَلِكَ.

(قَوْلُهُ أَيْ غَرَضًا) أَيْ كَالْغَرَضِ الَّذِي يُرْمَى بِالنَّبْلِ وَأَنَا أَسْأَلُ بِلِسَانِ التَّذَلُّلِ وَالْخُشُوعِ وَخِطَابِ الِاحْتِرَامِ وَالْخُضُوعِ مِنْ الْمُتَصَفِّحِينَ لِهَذِهِ الْحَوَاشِي أَنْ يَنْظُرُوهَا بِعَيْنِ الرِّضَا وَالصَّوَابِ فَمَا كَانَ مِنْ صَوَابٍ حَسَّنُوهُ وَبَيَّنُوهُ وَمَا كَانَ مِنْ خَطَأٍ أَزَالُوهُ وَغَيَّرُوهُ؛ لِأَنَّهُ قَلَّمَا يَخْلُصُ مُصَنَّفٌ مِنْ هَفْوَةٍ أَوْ يَنْجُو مُؤَلَّفٌ مِنْ عَثْرَةٍ خُصُوصًا مَعَ الْبَاحِثِينَ عَنْ الْعَثَرَاتِ قَالَ صلى الله عليه وسلم «مَنْ طَلَبِ عَثْرَةَ أَخِيهِ لِيَهْتِكَهُ طَلَبَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ فَيَهْتِكُهُ» وَأَنْشَدُوا

لَا تَلْتَمِسْ مِنْ عُيُوبِ النَّاسِ مَا سَتَرُوا

فَيَهْتِكُ اللَّهُ سِتْرًا عَنْ مَسَاوِيكَا

وَاذْكُرْ مَحَاسِنَ مَا فِيهِمْ إذَا ذُكِرُوا

وَلَا تَعِبْ أَحَدًا مِنْهُمْ بِمَا فِيكَا

(قَوْلُهُ بِالنَّبْلِ) السِّهَامِ الْعَرَبِيَّةِ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا بَلْ الْوَاحِدُ سَهْمٌ فَهِيَ مُفْرَدَةُ اللَّفْظِ مَجْمُوعَةُ الْمَعْنَى كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمِصْبَاحِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْأَوَّلِ) يُشْعِرُ بِوُجُودِ الْمُغَايَرَةِ وَبِوُجُودِ الْقُرْبِ وَوَجْهُ الْمُغَايَرَةِ ظَاهِرٌ وَوَجْهُ الْقُرْبِ أَنَّ مَنْ طَلَبَ الْقَذْفَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ نَفْسَهُ هَدَفًا وَمَنْ جَعَلَ نَفْسَهُ هَدَفًا يَلْزَمُهُ أَنْ يَطْلُبَ أَنْ يُقْذَفَ (قَوْلُهُ مَا) تَأْكِيدٌ لِمَعْنَى الْكَثْرَةِ أَيْ كَأَنْ يَقُولَ قَوْلًا كَثِيرًا (قَوْلُهُ ارْتَفَعَ عَلَى أَقْرَانِهِ) أَيْ إنَّهُ حِينَ يَظْهَرُ تَأْلِيفُهُ يَثْبُتُ لَهُ ارْتِفَاعٌ عَلَى أَقْرَانِهِ فَلَا يُنَافِي زَوَالَهُ بَعْدَ حِينٍ يَظْهَرُ تَقْصِيرُهُ وَيَصِيرُ مُعَرَّضًا لِلْقَذْفِ (قَوْلُهُ فَقَدْ مَيَّلَ) أَيْ طَلَبَ مَيْلَ الْقُلُوبِ إلَيْهِ إنْ جُعِلَتْ السِّينُ وَالتَّاءُ لِلطَّلَبِ أَوْ مَيَّلَ بِالْفِعْلِ إنْ جُعِلَتَا زَائِدَتَيْنِ وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلْقَذْفِ (قَوْلُهُ وَالْمَعْنَيَانِ صَحِيحَانِ) أَيْ كَوْنُ اسْتَهْدَفَ جَعَلَ نَفْسَهُ هَدَفًا أَيْ غَرَضًا أَوْ ارْتَفَعَ عَلَى أَقْرَانِهِ هَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى

ص: 57