المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[باب نفقة الأقارب والمماليك] - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف - ت الفقي - جـ ٩

[المرداوي]

الفصل: ‌[باب نفقة الأقارب والمماليك]

[بَابُ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيكِ]

ِ قَوْلُهُ (يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ نَفَقَةُ وَالِدَيْهِ وَوَلَدِهِ بِالْمَعْرُوفِ، إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ، وَلَهُ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، فَاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ، وَامْرَأَتِهِ) وَرَقِيقِهِ أَيْضًا (وَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ سَائِرِ آبَائِهِ وَإِنْ عَلَوْا، وَأَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلُوا) . اعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ: وُجُوبُ نَفَقَةِ أَبَوَيْهِ وَإِنْ عَلَوَا، وَأَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلُوا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ بَعْضِهَا إنْ كَانَ الْمُنْفِقُ عَلَيْهِ قَادِرًا عَلَى الْبَعْضِ. وَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ لَهُمْ الْكِسْوَةُ وَالسُّكْنَى، مَعَ فَقْرِهِمْ. إذَا فَضَلَ عَنْ نَفْسِهِ وَامْرَأَتِهِ. وَكَذَا رَقِيقُهُ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَيَأْتِي حُكْمُ اخْتِلَافِ الدِّينِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ قَرِيبًا. وَعَنْهُ: لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَرِثَهُمْ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ، كَبَقِيَّةِ الْأَقَارِبِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ الشَّرْحُ. فَإِنَّهُ قَالَ: يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْإِنْفَاقِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ.

الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُنْفِقُ وَارِثًا. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا لِعَدَمِ الْقَرَابَةِ: لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ. وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا فِي الْجُمْلَةِ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ " فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا لِعَدَمِ الْقَرَابَةِ ". وَعَنْهُ: تَخْتَصُّ الْعَصَبَةُ مُطْلَقًا بِالْوُجُوبِ. نَقَلَهَا جَمَاعَةٌ.

ص: 392

فَيُعْتَبَرُ أَنْ يَرِثَهُمْ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ فِي الْحَالِ. فَلَا تَلْزَمُ بَعِيدًا مُوسِرًا يَحْجُبُهُ قَرِيبٌ مُعْسِرٌ. وَعَنْهُ: بَلْ إنْ وَرِثَهُ وَحْدَهُ لَزِمَتْهُ مَعَ يَسَارِهِ. وَمَعَ فَقْرِهِ تَلْزَمُ بَعِيدًا مُعْسِرًا. فَلَا تَلْزَمُ جَدًّا مُوسِرًا مَعَ أَبٍ فَقِيرٍ عَلَى الْأُولَى. وَتَلْزَمُ عَلَى الثَّانِيَةِ عَلَى مَا يَأْتِي. وَيَأْتِي أَيْضًا ذِكْرُ الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ بَعْدَ هَذِهِ. وَيَأْتِي تَفَارِيعُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَمَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا.

تَنْبِيهَانِ

أَحَدُهُمَا: شَمِلَ قَوْلُهُ " وَأَوْلَادُهُ وَإِنْ سَفَلُوا " الْأَوْلَادَ الْكِبَارَ الْأَصِحَّاءَ الْأَقْوِيَاءَ إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ.

الثَّانِي: قَوْلُهُ " فَاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَامْرَأَتِهِ وَرَقِيقِهِ " يَعْنِي يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ. كَمَا تَقَدَّمَ. صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ. مِنْ كَسْبِهِ أَوْ أُجْرَةِ مِلْكِهِ وَنَحْوِهِمَا. لَا مِنْ أَصْلِ الْبِضَاعَةِ وَثَمَنِ الْمِلْكِ وَآلَةِ عَمَلِهِ.

قَوْلُهُ (وَتَلْزَمُهُ نَفَقَةُ مَنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ مِمَّنْ سِوَاهُمْ سَوَاءٌ وَرِثَهُ الْآخَرُ أَوْ لَا، كَعَمَّتِهِ وَعَتِيقِهِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. قَطَعَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَصَحَّحَهُ فِي الْبُلْغَةِ، وَغَيْرِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.

ص: 393

قَالَ ابْنُ مُنَجَّا: هَذَا الْمَذْهَبُ. وَصَرَّحُوا بِالْعَتِيقِ. وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَخْتَصُّ الْعَصَبَةُ مِنْ عَمُودَيْ النَّسَبِ وَغَيْرِهِمْ. نَقَلَهَا جَمَاعَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ. فَلَا تَجِبُ عَلَى الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَنَحْوِهَا. فَعَلَيْهَا: هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَرِثَهُمْ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ فِي الْحَالِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِي، وَالزَّرْكَشِيِّ.

إحْدَاهُمَا: يُشْتَرَطُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ. فَلَا نَفَقَةَ عَلَى بَعِيدٍ مُوسِرٍ يَحْجُبُهُ قَرِيبٌ مُعْسِرٌ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَغَيْرُهُمْ.

وَالْأُخْرَى: يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ. لَكِنْ إنْ كَانَ يَرِثُهُ فِي الْحَالِ أُلْزِمَ بِهَا مَعَ الْيَسَارِ دُونَ الْأَبْعَدِ. وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا: جُعِلَ كَالْمَعْدُومِ. وَلَزِمَتْ الْأَبْعَدَ الْمُوسِرَ. فَعَلَى هَذَا: مَنْ لَهُ ابْنٌ فَقِيرٌ وَأَخٌ مُوسِرٌ، أَوْ أَبٌ فَقِيرٌ وَجَدٌّ مُوسِرٌ: لَزِمَتْ الْمُوسِرَ مِنْهُمَا النَّفَقَةُ. وَلَا تَلْزَمهُمَا عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا. وَعَلَى اشْتِرَاطِ الْإِرْثِ فِي غَيْرِ عَمُودَيْ النَّسَبِ خَاصَّةً: تَلْزَمُ الْجَدَّ دُونَ الْأَخِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهُوَ الظَّاهِرُ. وَقَالَ فِي الْبُلْغَةِ، وَالتَّرْغِيبِ: لَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ يُسْقِطُ بَعْضًا، لَكِنَّ الْوَارِثَ مُعْسِرٌ وَغَيْرَ الْوَارِثِ مُوسِرٌ، فَهَلْ تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الْبَعِيدِ الْمُوسِرِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.

الثَّالِثُ: إنْ كَانَ مِنْ عَمُودَيْ النَّسَبِ: وَجَبَ، وَإِلَّا فَلَا. انْتَهَى. وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ تَوَارَثَهُمَا. اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ. فَلَا تَجِبُ النَّفَقَةُ لِعَمَّتِهِ وَلَا لِعَتِيقِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ. وَأَطْلَقَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى: فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ.

ص: 394

فَائِدَةٌ:

وُجُوبُ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْأَقَارِبِ غَيْرَ عَمُودَيْ النَّسَبِ: مُقَيَّدٌ بِالْإِرْثِ، لَا بِالرَّحِمِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ. وَهُوَ مِنْهَا.

تَنْبِيهٌ:

شَمِلَ قَوْلُهُ " وَعَتِيقُهُ " لَوْ كَانَ الْعَتِيقُ فَقِيرًا وَلَهُ مُعْتِقٌ، أَوْ مَنْ يَرِثُهُ بِالْوَلَاءِ. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِعَتِيقِهِ مَعَ عَمَّتِهِ: صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُصَنِّفِ، وَالشَّارِحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ.

قَوْلُهُ (فَأَمَّا ذَوَوْا الْأَرْحَامِ: فَلَا نَفَقَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ. رِوَايَةً وَاحِدَةً. ذَكَرَهُ الْقَاضِي) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ. نَقَلَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَنْصُوصُ وَالْمَجْزُومُ بِهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ. وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ: تَجِبُ لِكُلِّ وَارِثٍ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله. لِأَنَّهُ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ. وَهُوَ عَامٌّ، كَعُمُومِ الْمِيرَاثِ فِي ذَوِي الْأَرْحَامِ. بَلْ أَوْلَى. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى: يَخْرُجُ فِي وُجُوبِهَا عَلَيْهِمْ رِوَايَتَانِ. قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ وُجُوبَهَا عَلَى تَوْرِيثِهِمْ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ قَوِيٌّ. وَقَالَ فِي الْبُلْغَةِ: وَأَمَّا ذَوُو الْأَرْحَامِ: فَهَلْ يَلْزَمُ بَعْضَهُمْ نَفَقَةُ بَعْضٍ عِنْدَ عَدَمِ ذَوِي الْفُرُوضِ وَالْعَصَبَاتِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

ص: 395

وَقِيلَ: تَلْزَمُ رِوَايَةً وَاحِدَةً. انْتَهَى. وَلَعَلَّهُ: وَقِيلَ: لَا تَلْزَمُ بِزِيَادَةٍ " لَا ".

تَنْبِيهٌ:

قَدْ يُقَالُ: عُمُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا أَنَّ أَوْلَادَ الْبَنَاتِ وَنَحْوَهُمْ: لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّهُمْ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ. وَعُمُومُ كَلَامِهِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ: أَنَّ عَلَيْهِمْ النَّفَقَةَ. وَهُوَ قَوْلُهُ " وَكَذَلِكَ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ سَائِرِ آبَائِهِ وَإِنْ عَلَوْا، وَأَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلُوا " أَوْ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا الثَّانِي. وَأَنَّ النَّفَقَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمْ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْحَاوِي، وَغَيْرِهِمْ. فَإِنَّهُمْ قَالُوا " وَلَا نَفَقَةَ عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ مِنْ غَيْرِ عَمُودَيْ النَّسَبِ نَصَّ عَلَيْهِ ". فَعُمُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا: مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ مَنْ هُوَ مِنْ عَمُودَيْ النَّسَبِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ. وَأَدْخَلَهُمْ فِي الْفُرُوعِ فِي الْخِلَافِ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَأَوْجَبَهَا جَمَاعَةٌ لِعَمُودَيْ نَسَبِهِ فَقَطْ. يَعْنِي مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ فَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ: أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهُمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ لِلْفَقِيرِ وَارِثٌ: فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ إرْثِهِمْ مِنْهُ. فَإِذَا كَانَ أُمٌّ وَجَدٌّ: فَعَلَى الْأُمِّ الثُّلُثُ، وَالْبَاقِي عَلَى الْجَدِّ) . وَكَذَا ابْنٌ وَبِنْتٌ. فَإِنْ كَانَتْ أُمٌّ وَبِنْتٌ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا عَلَيْهِمْ أَرْبَاعًا. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَخَرَّجُ وُجُوبُ ثُلُثَيْ النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ بِإِرْثِهِمَا فَرْضًا.

قَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا حِسَابُ النَّفَقَاتِ. إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ أَبٌ: فَتَكُونُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ) .

ص: 396

هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي الْوَاضِحِ: هَذَا مَا دَامَتْ أُمُّهُ أَحَقَّ بِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ: الْقِيَاسُ فِي أَبٍ وَابْنٍ: يَلْزَمُ الْأَبَ السُّدُسَ فَقَطْ. لَكِنْ تَرَكَهُ أَصْحَابُنَا لِظَاهِرِ الْآيَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ: الْوَلَدُ مِثْلُ الْأَبِ فِي ذَلِكَ. وَعَنْهُ: الْجَدُّ وَالْجَدَّةُ كَالْأَبِ فِي ذَلِكَ. ذَكَرَهُمَا ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي الْإِقْنَاعِ.

فَائِدَةٌ:

لَوْ كَانَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ مُوسِرًا: لَزِمَهُ بِقَدْرِ إرْثِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: هَذَا الْمَذْهَبُ. قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ مِقْدَارِ إرْثِهِ مِنْهُ. وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ كُلُّ النَّفَقَةِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالزَّرْكَشِيِّ. وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي الْإِقْنَاعِ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ خَاصَّةً. وَأَمَّا سَائِرُ الْأَقَارِبِ: فَلَا تَلْزَمُ الْغَنِيَّ مِنْهُمْ النَّفَقَةُ إلَّا بِالْحِصَّةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ. [وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي الْإِقْنَاعِ: فِي الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ رِوَايَتَانِ. هَلْ يَكُونَانِ كَالْأَبِ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ كَامِلَةً عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَ أَوْ كَسَائِرِ الْأَقَارِبِ] .

قَوْلُهُ (وَمَنْ لَهُ ابْنٌ فَقِيرٌ، وَأَخٌ مُوسِرٌ: فَلَا نَفَقَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا) . هَذَا الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ. وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ، وَصَاحِبُ الْمُذْهَبِ، وَالْوَجِيزِ. وَغَيْرُهُمْ.

ص: 397

وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّفْرِيعِ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ. قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا الظَّاهِرُ. وَعَنْهُ: تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الْأَخِ. وَهُوَ تَخْرِيجُ وَجْهٍ لِلْمُصَنِّفِ. وَاخْتَارَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ (وَمَنْ لَهُ أُمٌّ فَقِيرَةٌ، وَجَدَّةٌ مُوسِرَةٌ: فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهَا) . يَعْنِي: عَلَى الْجَدَّةِ. وَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَذَكَرَهُ أَيْضًا فِي أَبٍ مُعْسِرٍ، وَجَدٍّ مُوسِرٍ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: هَذَا الظَّاهِرُ. وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي كِفَايَةِ الْمُفْتِي وَاخْتَارَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ. وَعَنْهُ: لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِمَا. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَعَلَى رِوَايَةٍ اشْتِرَاطُ الْإِرْثِ فِي عَمُودَيْ النَّسَبِ: يَلْزَمُ النَّفَقَةُ الْجَدَّ، دُونَ الْأَخِ وَتَقَدَّمَ بِنَاءُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ عَلَى رِوَايَاتٍ تَقَدَّمَتْ. فَلْيُعَاوَدْ.

قَوْلُهُ (وَمَنْ كَانَ صَحِيحًا مُكَلَّفًا، لَا حِرْفَةَ لَهُ سِوَى الْوَالِدَيْنِ: فَهَلْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . قَالَ الْقَاضِي: كَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله يَحْتَمِلُ رِوَايَتَيْنِ. وَهُمَا وَجْهَانِ فِي الْمُذْهَبِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ.

إحْدَاهُمَا: تَجِبُ لَهُ لِعَجْزِهِ عَنْ الْكَسْبِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ النَّاظِمُ: وَهُوَ أَوْلَى.

ص: 398

وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمُصَنِّفُ، وَغَيْرُهُمَا. وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ فِي الْأَوْلَادِ. وَهُوَ مِنْهَا، كَمَا تَقَدَّمَ.

وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تَجِبُ.

تَنْبِيهَانِ

أَحَدُهُمَا: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " سِوَى الْوَالِدَيْنِ " أَنَّهُمَا إذَا كَانَا صَحِيحَيْنِ مُكَلَّفَيْنِ لَا حِرْفَةَ لَهُمَا: تَجِبُ نَفَقَتُهُمَا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِيهِ. وَهُوَ أَحَدُ الطُّرُقِ. وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ: ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَالْقَاضِي. نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْقَوَاعِدِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا خِلَافَ فِيهِمَا فِيمَا عَلِمْت. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّلَاثِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ: وَفَرَّقَ الْقَاضِي فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ مِنْ الْمُجَرَّدِ بَيْنَ الْأَبِ وَغَيْرِهِ. وَأَوْجَبَ النَّفَقَةَ لِلْأَبِ بِكُلِّ حَالٍ. وَشَرَطَ فِي الِابْنِ وَغَيْرِهِ الزَّمَانَةَ. انْتَهَى. وَهِيَ الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ.

وَالطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ: فِيهِمَا رِوَايَتَانِ، كَغَيْرِهِمَا. وَتَقَدَّمَ الْمَذْهَبُ مِنْهُمَا.

الثَّانِي: مَفْهُومُ كَلَامِهِ: أَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ، كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، وَغَيْرَ الصَّحِيحِ: يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمَا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ. وَهُوَ صَحِيحٌ.

فَائِدَتَانِ

إحْدَاهُمَا هَلْ يَلْزَمُ الْمُعْدَمَ الْكَسْبُ لِنَفَقَةِ قَرِيبِهِ؟ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى. قَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ.

ص: 399

وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ يَلْزَمُهُ. ذَكَرُوهُ فِي إجَارَةِ الْمُفْلِسِ وَاسْتِطَاعَةِ الْحَجِّ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَأَمَّا وُجُوبُ النَّفَقَةِ عَلَى أَقَارِبِهِ مِنْ الْكَسْبِ: فَصَرَّحَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَالْمُجَرَّدِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ، وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَالْأَكْثَرُونَ: بِالْوُجُوبِ. قَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله: لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَوْلَادِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأَقَارِبِ. وَخَرَّجَ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. انْتَهَى.

الثَّانِيَةُ: الْقُدْرَةُ عَلَى الْكَسْبِ بِالْحِرْفَةِ: تَمْنَعُ وُجُوبَ نَفَقَتِهِ عَلَى أَقَارِبِهِ. صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ. ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَافِي وَغَيْرُهُ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْقَوَاعِدِ.

قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عِنْدَهُ إلَّا نَفَقَةَ وَاحِدٍ: بَدَأَ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، ثُمَّ الْعَصَبَةُ، ثُمَّ التَّسَاوِي. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: يُقَدَّمُ وَارِثٌ مَعَ التَّسَاوِي. قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ: وَقِيلَ: يُقَدَّمُ مَنْ امْتَازَ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ. فَإِنْ تَعَارَضَتْ الْمَرْتَبَتَانِ، أَوْ فُقِدَتَا: فَهُمَا سَوَاءٌ.

فَائِدَةٌ:

لَوْ فَضَلَ عِنْدَهُ نَفَقَةً لَا تَكْفِي وَاحِدًا: لَزِمَهُ دَفْعُهَا.

قَوْلُهُ (فَإِنْ كَانَ لَهُ أَبَوَانِ جَعَلَهُ بَيْنَهُمَا) . هَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ. اخْتَارَهُ الشَّارِحُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَمَالَ إلَيْهِ النَّاظِمُ. وَقِيلَ: تُقَدَّمُ الْأُمُّ. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْهِدَايَةِ. وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْأَبُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ.

ص: 400

وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَالْفُرُوعِ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ.

قَوْلُهُ (فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا ابْنٌ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: يَقْسِمُهُ بَيْنَهُمْ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُقَدِّمُهُ عَلَيْهِمَا) .

نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: الِابْنُ أَحَقُّ بِالنَّفَقَةِ. وَهِيَ أَحَقُّ بِالْبِرِّ. قَالَ فِي الْوَجِيزِ: فَإِنْ اسْتَوَى اثْنَانِ بِالْقُرْبِ: قُدِّمَ الْعَصَبَةُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ. وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْأَبَوَانِ عَلَى الِابْنِ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ. وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ بَيْنَ الْأَبِ وَالِابْنِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ.

فَائِدَةٌ: وَكَذَا الْحُكْمُ وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا اجْتَمَعَ جَدٌّ وَابْنُ ابْنٍ. وَقَدَّمَ الشَّارِحُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ.

قَوْلُهُ (فَإِنْ كَانَ أَبٌ وَجَدٌّ، أَوْ ابْنٌ وَابْنُ ابْنٍ: فَالْأَبُ وَالِابْنُ أَحَقُّ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: الْأَبُ وَالْجَدُّ سَوَاءٌ. وَكَذَا الِابْنُ وَابْنُ الِابْنِ. وَهُوَ احْتِمَالٌ لِلْقَاضِي. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، لِتَسَاوِيهِمْ فِي الْوِلَايَةِ وَالتَّعْصِيبِ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هَذَا سَهْوٌ مِنْ الْقَاضِي. لِأَنَّ أَحَدَهُمَا غَيْرُ وَارِثٍ.

فَوَائِدُ

الْأُولَى: يُقَدَّمُ أَبُو الْأَبِ عَلَى أَبِي الْأُمِّ.

ص: 401

وَلَوْ اجْتَمَعَ أَبُو أَبِي الْأَبِ مَعَ أَبِي الْأُمِّ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ. قَالَ الْقَاضِي: الْقِيَاسُ تَسَاوِيهِمَا، لِتَعَارُضِ قُرْبِ الدَّرَجَةِ وَمِيزَةِ الْعُصُوبَةِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: يُقَدَّمُ أَبُو الْأُمِّ لِقُرْبِهِ. وَاخْتَارَهُ فِي الْمُحَرَّرِ. وَفِي الْفُصُولِ: احْتِمَالُ تَقْدِيمِ أَبِي أَبِي الْأَبِ. وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ.

الثَّانِيَةُ: لَوْ اجْتَمَعَ ابْنٌ وَجَدٍّ، أَوْ أَبٌ وَابْنُ ابْنٍ: قُدِّمَ الِابْنُ عَلَى الْجَدِّ. وَقُدِّمَ الْأَبُ عَلَى ابْنِ الِابْنِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. اخْتَارَهُ الشَّارِحُ، وَغَيْرُهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَيَحْتَمِلُ التَّسَاوِي.

الثَّالِثَةُ: لَوْ اجْتَمَعَ جَدٌّ وَأَخٌ: قُدِّمَ الْجَدُّ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَصَحَّحَاهُ. وَيَحْتَمِلُ التَّسْوِيَةَ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ.

الرَّابِعَةُ: قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: يُقَدَّمُ الْأَحْوَجُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ عَلَى غَيْرِهِ. وَاعْتَبَرَ فِي التَّرْغِيبِ بِإِرْثٍ. وَأَنَّ مَعَ الِاجْتِمَاعِ: يُوَزَّعُ لَهُمْ بِقَدْرِ إرْثِهِمْ. وَنَقَلَ الْمُصَنِّفُ، وَمَنْ تَابَعَهُ عَنْ الْقَاضِي فِيمَا إذَا اجْتَمَعَ الْأَبَوَانِ وَالِابْنُ إنْ كَانَ الِابْنُ صَغِيرًا، أَوْ مَجْنُونًا: قُدِّمَ. وَإِنْ كَانَ الِابْنُ كَبِيرًا وَالْأَبُ زَمِنًا: فَهُوَ أَحَقُّ. وَيَحْتَمِلُ تَقْدِيمَ الِابْنِ.

قَوْلُهُ (وَلَا تَجِبُ نَفَقَةُ الْأَقَارِبِ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَهَذَا تَخْصِيصُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَوَّلَ الْبَابِ. وَقِيلَ: فِي عَمُودَيْ النَّسَبِ رِوَايَتَانِ.

ص: 402

قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ: وَعَنْهُ تَجِبُ فِي عَمُودَيْ النَّسَبِ خَاصَّةً. قَالَ الْقَاضِي: فِي عَمُودَيْ النَّسَبِ رِوَايَتَانِ. وَقِيلَ: تَجِبُ لَهُمْ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ. ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ رِوَايَةً. وَفِي الْمُوجِزِ رِوَايَةً: تَجِبُ لِلْوَالِدِ دُونَ غَيْرِهِ. قَالَ فِي الْوَجِيزِ: وَلَا تَجِبُ نَفَقَةٌ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ. إلَّا أَنْ يُلْحِقَهُ بِهِ قَافَّةٌ. وَكَذَا قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَزَادَ: وَيَرِثُهُ بِالْوَلَاءِ

قَوْلُهُ (وَإِنْ تَرَكَ الْإِنْفَاقَ الْوَاجِبَ مُدَّةً: لَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهُ) هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: أَطْلَقَهُ الْأَكْثَرُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ قَدْ فَرَضَهَا: فَيَنْبَغِي أَنْ تَلْزَمَهُ. لِأَنَّهَا تَأَكَّدَتْ بِفَرْضِ الْحَاكِمِ، فَلَزِمَتْهُ. كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ. قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: وَمَنْ تَرَكَ النَّفَقَةَ عَلَى قَرِيبِهِ مُدَّةً: سَقَطَتْ إلَّا إذَا كَانَ فَرَضَهَا حَاكِمٌ. وَقِيلَ: وَمَعَ فَرْضِهَا، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ الْحَاكِمُ فِي الِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ أَوْ الْقَرْضِ. زَادَ فِي الْكُبْرَى: أَوْ الْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِهَا لِتَرْجِعَ بِهِ عَلَيْهِ لِغَيْبَتِهِ أَوْ امْتِنَاعِهِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله: مَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ بِإِذْنِ حَاكِمٍ: رَجَعَ عَلَيْهِ، وَبِلَا إذْنٍ فِيهِ خِلَافٌ. وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَأَمَّا نَفَقَةُ أَقَارِبِهِ: فَلَا تَلْزَمُهُ لِمَا مَضَى. وَإِنْ فُرِضَتْ إلَّا أَنْ تَسْتَدِينَ عَلَيْهِ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ مَا اخْتَارَهُ شَيْخُنَا: وَتَسْتَدِينُ عَلَيْهِ. فَلَا يَرْجِعُ إنْ اسْتَغْنَى بِكَسْبٍ، أَوْ نَفَقَةِ مُتَبَرِّعٍ.

فَائِدَةٌ:

قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا: تَأْخُذُ بِلَا إذْنِهِ إذَا امْتَنَعَ، كَالزَّوْجَةِ إذَا امْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنْ النَّفَقَةِ عَلَيْهَا.

ص: 403

نَقَلَ صَالِحٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَالْجَمَاعَةُ: يَأْخُذُ مِنْ مَالِ وَالِدِهِ بِلَا إذْنِهِ بِالْمَعْرُوفِ. إذَا احْتَاجَ. وَلَا يَتَصَدَّقُ.

قَوْلُهُ (وَمَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَةُ رَجُلٍ، فَهَلْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي.

إحْدَاهُمَا: تَلْزَمُهُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.

وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تَلْزَمُهُ. وَتَأَوَّلَهَا الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَعَنْهُ: تَلْزَمُهُ فِي عَمُودَيْ النَّسَبِ لَا غَيْرُ. وَعَنْهُ: تَلْزَمُهُ لِامْرَأَةِ أَبِيهِ لَا غَيْرُ. وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ الْإِعْفَافِ.

فَائِدَةٌ:

يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ إعْفَافُ مَنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ وَالْأَبْنَاءِ وَأَبْنَائِهِمْ وَغَيْرِهِمْ، مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ. وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا. وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ إعْفَافُ غَيْرِ عَمُودَيْ النَّسَبِ. فَحَيْثُ قُلْنَا: يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، لَزِمَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ بِحُرَّةٍ تُعِفُّهُ، أَوْ بِسُرِّيَّةٍ. وَتَقَدَّمَ تَعْيِينُ قَرِيبٍ إذَا اتَّفَقَا عَلَى مِقْدَارِ الْمَهْرِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَجَزَمَ فِي الْبُلْغَةِ، وَالتَّرْغِيبِ: أَنَّ التَّعْيِينَ لِلزَّوْجِ. لَكِنْ لَيْسَ لَهُ تَعْيِينُ رَقِيقِهِ. وَلَا لِلِابْنِ تَعْيِينُ عَجُوزٍ قَبِيحَةِ الْمَنْظَرِ أَوْ مَعِيبَةٍ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ اسْتِرْجَاعَ أَمَةٍ أَعَفَّهُ بِهَا مَعَ غِنَاهُ.

ص: 404

جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ. قُلْت: يُحْتَمَلُ أَنْ يُعَايِيَ بِهَا وَيُصَدَّقُ بِأَنَّهُ تَأَثَّقَ بِلَا يَمِينٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَوَجْهٌ: أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ إلَّا بِيَمِينِهِ. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَاجِزًا عَنْ مَهْرِ زَوْجَةٍ أَوْ ثَمَنِ أَمَةٍ. وَيَكْفِي إعْفَافُهُ بِوَاحِدَةٍ. وَيَعِفُّ ثَانِيًا إنْ مَاتَتْ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: لَا. كَمُطْلَقٍ لِعُذْرٍ. فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَيَلْزَمُهُ إعْفَافُ أُمِّهِ كَأَبِيهِ. قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ سَلَّمَ، فَالْأَبُ آكَدُ. وَلِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ. لِأَنَّ الْإِعْفَافَ لَهَا بِالتَّزْوِيجِ. وَنَفَقَتُهَا عَلَى الزَّوْجِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ تَلْزَمُهُ نَفَقَةٌ إنْ تَعَذَّرَ تَزْوِيجٌ بِدُونِهَا. وَهُوَ ظَاهِرُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ. وَهُوَ ظَاهِرُ الْوَجِيزِ. فَإِنَّهُ قَالَ: وَيَلْزَمُهُ إعْفَافُ كُلِّ إنْسَانٍ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ

قَوْلُهُ (وَلَيْسَ لِلْأَبِ مَنْعُ الْمَرْأَةِ مِنْ رِضَاعِ وَلَدِهَا، إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ) هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ: الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ الْكَبِيرِ، وَأَصْحَابُهُ. قَالَهُ ابْنُ رَجَبٍ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ

ص: 405

وَالْمُغْنِي، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ، إذَا كَانَتْ فِي حِبَالِهِ بِأُجْرَةٍ وَبِغَيْرِهَا. اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ. نَقَلَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي مَسْأَلَةِ مُؤْنَةِ الرَّضَاعِ لَهُ كَخِدْمَتِهِ نَصَّ عَلَيْهِ. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ إرْضَاعِ وَلَدِهَا " وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا

قَوْلُهُ (وَإِنْ طَلَبَتْ أُجْرَةَ مِثْلِهَا، وَوُجِدَ مَنْ يَتَبَرَّعُ بِرَضَاعِهِ فَهِيَ أَحَقُّ) . هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَصِحَّةُ عَقْدِ الْإِجَارَةِ عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهَا مِنْ أَبِيهِ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَتَقَدَّمَ صِحَّةُ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي " بَابِ الْإِجَارَةِ " حَيْثُ قَالَ " وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ وَلَدِهِ لِخِدْمَتِهِ، وَامْرَأَتِهِ لِرَضَاعِ وَلَدِهِ وَحَضَانَتِهِ " وَقَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ لِلشِّيرَازِيِّ: إنْ اسْتَأْجَرَ مَنْ هِيَ تَحْتَهُ لِرَضَاعِ وَلَدِهِ: لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ نَفْعَهَا كَاسْتِئْجَارِهَا لِلْخِدْمَةِ شَهْرًا. ثُمَّ اسْتَأْجَرَهَا فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ لِلْبِنَاءِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُهَا. كَمَا تَقَدَّمَ وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ رحمه الله: لَا أُجْرَةَ لَهَا مُطْلَقًا. فَيُحَلِّفُهَا: أَنَّهَا أَنْفَقَتْ عَلَيْهِ مَا أَخَذَتْ مِنْهُ. وَقَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَإِرْضَاعُ الطِّفْلِ وَاجِبٌ عَلَى الْأُمِّ، بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ مَعَ الزَّوْجِ. وَلَا تَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ زِيَادَةً عَلَى نَفَقَتِهَا وَكِسْوَتِهَا. وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي

ص: 406

فِي الْمُجَرَّدِ. وَتَكُونُ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا وَاجِبَةٌ بِشَيْئَيْنِ. حَتَّى لَوْ سَقَطَ الْوُجُوبُ بِأَحَدِهِمَا. ثَبَتَ بِالْآخَرِ. كَمَا لَوْ نَشَزَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا. فَلَهَا النَّفَقَةُ لِلْإِرْضَاعِ، لَا لِلزَّوْجِيَّةِ.

فَوَائِدُ

الْأُولَى: لَوْ طَلَبَتْ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهَا وَلَوْ بِيَسِيرٍ: لَمْ تَكُنْ أَحَقَّ بِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ فِي الْوَاضِحِ: لَهَا أَخْذُ فَوْقَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ مِمَّا يَتَسَامَحُ بِهِ.

الثَّانِيَةُ: لَوْ طَلَبَتْ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهَا، وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يُرْضِعُهُ إلَّا بِمِثْلِ تِلْكَ الْأُجْرَةِ: فَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَغَيْرُهُ: الْأُمُّ أَحَقُّ. لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْأُجْرَةِ وَمُيِّزَتْ الْأُمُّ.

الثَّالِثَةُ: لَوْ كَانَتْ مَعَ زَوْجٍ آخَرَ، وَطَلَبَتْ رِضَاعَهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا، وَوُجِدَ مَنْ يَتَبَرَّعُ بِرَضَاعِهِ: كَانَتْ أَحَقَّ بِرَضَاعِهِ إذَا رَضِيَ الزَّوْجُ الثَّانِي بِذَلِكَ.

الرَّابِعَةُ: لِلسَّيِّدِ إجْبَارُ أُمِّ وَلَدِهِ عَلَى رَضَاعِهِ مَجَّانًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي: لَهُ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنْ إرْضَاعِ وَلَدِهَا، فَأَمَتُهُ أَوْلَى. وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْمُجَرَّدِ أَيْضًا.

الْخَامِسَةُ: لَوْ عَتَقَتْ أُمُّ الْوَلَدِ عَلَى السَّيِّدِ: فَحُكْمُ رَضَاعِ وَلَدِهَا مِنْهُ: حُكْمُ الْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي الْإِقْنَاعِ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ رَجَبٍ. وَلَوْ بَاعَهَا، أَوْ وَهَبَهَا، أَوْ زَوَّجَهَا: سَقَطَتْ حَضَانَتُهَا، عَلَى ظَاهِرِ مَا ذَكَرَهُ. ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ. وَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ حَقُّهَا مِنْ الرَّضَاعِ أَيْضًا. قَالَهُ ابْنُ رَجَبٍ

قَوْلُهُ (وَإِذَا تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ فَلِزَوْجِهَا مَنْعُهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَيْهَا) .

ص: 407

هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. نَصَّ عَلَيْهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَنَقَلَ مُهَنَّا: لَهُ مَنْعُهَا، إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَيْهَا، أَوْ تَكُونَ قَدْ شَرَطَتْهُ عَلَيْهِ. وَتَقَدَّمَ هَذَا أَيْضًا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، فِي " بَابِ عِشْرَةِ النِّسَاءِ " فَوَائِدُ

إحْدَاهَا: لَا يُفْطَمُ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ إلَّا بِرِضَى أَبَوَيْهِ. مَا لَمْ يَنْضَرَّ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ هُنَا: يَحْرُمُ رَضَاعُهُ بَعْدَهُمَا، وَلَوْ رَضِيَا بِهِ. وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: لَهُ فِطَامُ رَقِيقِهِ قَبْلَهُمَا، مَا لَمْ يَنْضَرَّ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَبَعْدَهُمَا مَا لَمْ تَنْضَرَّ الْأُمُّ.

الثَّانِيَةُ: قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي بَابِ النَّجَاسَةِ اللَّبَنُ طَاهِرٌ مُبَاحٌ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ: يُبَاحُ مِنْ امْرَأَةٍ. وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ وَغَيْرِهِ: الْقِيَاسُ تَحْرِيمُهُ. تُرِكَ لِلضَّرُورَةِ ثُمَّ أُبِيحَ بَعْدَ زَوَالِهَا وَلَهُ نَظَائِرُ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: إبَاحَتُهُ مُطْلَقًا.

الثَّالِثَةُ: تَلْزَمُهُ خِدْمَةُ قَرِيبِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ كَزَوْجَةٍ

قَوْلُهُ (وَعَلَى السَّيِّدِ الْإِنْفَاقُ عَلَى رَقِيقِهِ قَدْرَ كِفَايَتِهِمْ وَكُسْوَتِهِمْ) بِلَا نِزَاعٍ. وَلَوْ كَانَ آبِقًا، أَوْ كَانَتْ نَاشِزًا. ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. وَاخْتَلَفَ كَلَامُ أَبِي يَعْلَى فِي الْمُكَاتَبِ.

ص: 408

فَائِدَةٌ:

يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ وَلَدِ أَمَتِهِ دُونَ زَوْجِهَا. وَيَلْزَمُ الْحَرَّةُ نَفَقَةَ وَلَدِهَا مِنْ عَبْدٍ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ. وَيَلْزَمُ الْمُكَاتَبَةُ نَفَقَةَ وَلَدِهَا. وَكَسْبُهُ لَهَا. وَيُنْفِقُ عَلَى مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ بِقَدْرِ رِقِّهِ، وَبَقِيَّتِهِ عَلَى نَفْسِهِ.

قَوْلُهُ (وَتَزْوِيجُهُمْ إذَا طَلَبُوا ذَلِكَ إلَّا الْأَمَةَ إذَا كَانَ يَسْتَمْتِعُ بِهَا) بِلَا نِزَاعٍ فِيهِمَا. لَكِنْ لَوْ قَالَتْ " إنَّهُ مَا يَطَأُ " صُدِّقَتْ لِلْأَصْلِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: صُدِّقَتْ عَلَى الْأَصَحِّ وَوُجُوبُ تَزْوِيجِ الْعَبْدِ إذَا طَلَبَهُ لِأَجْلِ الْإِعْفَافِ: مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَكَذَا وُجُوبُ بَيْعِهِ إذَا لَمْ يُعِفَّهُ: مِنْ الْمُفْرَدَاتِ.

فَائِدَةٌ:

قَالَ الْقَاضِي: لَوْ كَانَ السَّيِّدُ غَائِبًا غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً، وَطَلَبَتْ أَمَتُهُ التَّزْوِيجَ أَوْ كَانَ سَيِّدُهَا صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا: احْتَمَلَ أَنْ يُزَوِّجَهَا الْحَاكِمُ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَهَذَا الْمَعْنَى لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَغَيْرِهِنَّ، لِلِاشْتِرَاكِ فِي وُجُوبِ الْإِعْفَافِ. وَكَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ: أَنَّ سَيِّدَ الْأَمَةِ إذَا غَابَ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً، وَطَلَبَتْ أَمَتُهُ التَّزْوِيجَ: زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ. وَقَالَ: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا. وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ. وَكَذَا ذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ: أَنَّ السَّيِّدَ إذَا غَابَ: زَوَّجَ أَمَتَهُ مَنْ يَلِي مَالَهُ وَقَالَ: أَوْمَأَ إلَيْهِ فِي رِوَايَةِ بَكْرٍ بْنِ مُحَمَّدٍ. انْتَهَى. ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ.

تَنْبِيهٌ:

ظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ وَطْءَ الْمُكَاتَبَةِ، وَطَلَبَتْ التَّزْوِيجَ: لَا يَلْزَمُ السَّيِّدُ إذَا كَانَ يَطَأُ وَهُوَ صَحِيحٌ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ.

ص: 409

قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ. لَمَا فِيهِ مِنْ إسْقَاطِ حَقِّ السَّيِّدِ وَإِلْغَاءِ الشَّرْطِ. وَقَالَ ابْنُ الْبَنَّا: يَلْزَمُهُ تَزْوِيجُهَا بِطَلَبِهَا، وَلَوْ كَانَ يَطَؤُهَا وَأُبِيحَ بِالشَّرْطِ. ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَكَأَنَّ وَجْهَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ اكْتِسَابِ الْمَهْرِ فَمَلَكْته كَأَنْوَاعِ التَّكَسُّبِ. قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ وَجْهَهُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُتَرَتِّبَ لَهَا عَلَى الزَّوْجِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ: يُعَايَى بِهَا.

فَائِدَةٌ:

لَوْ غَابَ عَنْ أُمِّ وَلَدِهِ، وَاحْتَاجَتْ إلَى النَّفَقَةِ: زُوِّجَتْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: زُوِّجَتْ فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ: لَا تُزَوَّجُ. وَلَوْ احْتَاجَتْ إلَى الْوَطْءِ: لَمْ تُزَوَّجْ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ: وَيُتَوَجَّهُ الْجَوَازُ عِنْدَ مَنْ جَعَلَهُ كَنَفَقَةٍ. قُلْت: وَهَذَا عَيْنُ الصَّوَابِ. وَالضَّرَرُ اللَّاحِقُ بِذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ الضَّرَرِ اللَّاحِقِ بِسَبَبِ النَّفَقَةِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابٍ لَهُ سَمَّاهُ " الْقَوْلُ الصَّوَابُ، فِي تَزْوِيجِ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِ الْغِيَابِ " ذَكَرَ فِيهِ أَحْكَامَ زَوَاجِهَا وَزَوَاجَ الْإِمَاءِ، وَامْرَأَةَ الْمَفْقُودِ. وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ وَأَجَادَ. وَاسْتَدَلَّ لِصِحَّةِ نِكَاحِهَا بِكَلَامِ الْأَصْحَابِ. وَنُصُوصِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ: إذَا عَجَزَ السَّيِّدُ عَنْ النَّفَقَةِ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ، وَعَجَزَتْ هِيَ أَيْضًا: لَزِمَهُ عِتْقُهَا لِيُنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

قَوْلُهُ (وَيُدَاوِيهِمْ إذَا مَرِضُوا)

ص: 410

يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ: الْوُجُوبُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُدَاوِيه وُجُوبًا. قَالَهُ جَمَاعَةٌ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِي كَفَنِ زَوْجَةِ الْعَبْدِ لَا مَالَ لَهُ فَالسَّيِّدُ أَحَقُّ بِنَفَقَتِهِ وَمُؤْنَتِهِ. وَلِهَذَا النَّفَقَةُ الْمُخْتَصَّةُ بِالْمَرَضِ مِنْ الدَّوَاءِ وَأُجْرَةِ الطَّبِيبِ تَلْزَمُهُ، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ. انْتَهَى وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِذَلِكَ الِاسْتِحْبَابُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: يُسْتَحَبُّ. وَهُوَ أَظْهَرُ. انْتَهَى. قُلْت: الْمَذْهَبُ أَنَّ تَرْكَ الدَّوَاءِ أَفْضَلُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ " كِتَابِ الْجَنَائِزِ " وَوُجُوبُ الْمُدَاوَاةِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ

قَوْلُهُ (وَلَا يُجْبَرُ الْعَبْدُ عَلَى الْمُخَارَجَةِ) بِلَا نِزَاعٍ. وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَيْهَا جَازَ بِلَا خِلَافٍ. لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ كَسْبِهِ فَأَقَلَّ بَعْدَ نَفَقَتِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: إنْ قَدَّرَ خَرَاجًا بِقَدْرِ كَسْبِهِ: لَمْ يُعَارِضْ. قُلْت: وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مَا قَالَهُ الْأَوَّلُونَ.

فَائِدَةٌ:

قَالَ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ: يُؤْخَذُ مِنْ الْمُغْنِي: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْعَبْدِ الْمُخَارَجُ هَدِيَّةُ طَعَامٍ، وَإِعَارَةُ مَتَاعٍ، وَعَمَلُ دَعْوَةٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ هَذَا: أَنَّهُ كَعَبْدٍ مَأْذُونٍ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ. قَالَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا فَائِدَةُ الْمُخَارَجَةِ تَرْكُ الْعَمَلِ بَعْدَ الضَّرِيبَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رحمه الله فِي الْهَدْيِ: لَهُ التَّصَرُّفُ فِيمَا زَادَ عَلَى خَرَاجِهِ. وَلَوْ مُنِعَ مِنْهُ كَانَ كَسْبُهُ كُلُّهُ خَرَاجًا، وَلَمْ يَكُنْ لِتَقْدِيرِهِ فَائِدَةٌ. بَلْ مَا زَادَ تَمْلِيكٌ مِنْ سَيِّدِهِ لَهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَمَا أَرَادَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ

ص: 411

قَوْلُهُ (وَمَتَى امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، وَطَلَبَ الْعَبْدُ الْبَيْعَ: لَزِمَهُ بَيْعُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ كَفُرْقَةِ الزَّوْجَةِ. وَقَالَهُ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ، وَغَيْرِهِ: فِي أُمِّ الْوَلَدِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ. يَعْنِي: فِي أُمِّ الْوَلَدِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله: وَلَوْ لَمْ تُلَائِمْ أَخْلَاقَ الْعَبْدِ أَخْلَاقَ سَيِّدِهِ: لَزِمَهُ إخْرَاجُهُ عَنْ مِلْكِهِ. وَكَذَا أَطْلَقَ فِي الرَّوْضَةِ: يَلْزَمُهُ بَيْعُهُ بِطَلَبِهِ

قَوْلُهُ (وَلَهُ تَأْدِيبُ رَقِيقِهِ بِمَا يُؤَدِّبُ بِهِ وَلَدَهُ وَامْرَأَتَهُ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالُوا. قَالَ: وَالْأَوْلَى مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَذَكَرَ أَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ ضَرْبَ الرَّقِيقِ أَشَدُّ مِنْ ضَرْبِ الْمَرْأَةِ. وَنَقَلَ حَرْبٌ: لَا يَضْرِبُهُ إلَّا فِي ذَنْبٍ، بَعْدَ عَفْوِهِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَلَا يَضْرِبُهُ ضَرْبًا شَدِيدًا. وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يَضْرِبُهُ إلَّا فِي ذَنْبٍ عَظِيمٍ وَيُقَيِّدُهُ بِقَيْدٍ إذَا خَافَ عَلَيْهِ. وَيَضْرِبُهُ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ. وَنَقَلَ غَيْرُهُ: لَا يُقَيِّدُهُ. وَيُبَاعُ أَحَبُّ إلَيَّ. وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد رحمه الله: يُؤَدَّبُ عَلَى فَرَائِضِهِ.

فَائِدَةٌ:

لَا يَشْتِمُ أَبَوَيْهِ الْكَافِرَيْنِ. لَا يُعَوِّدُ لِسَانَهُ الْخَنَا وَالرَّدَى. وَإِنْ بَعَثَهُ لِحَاجَةٍ فَوَجَدَ مَسْجِدًا يُصَلِّي فِيهِ: قَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ صَلَّى. وَإِنْ صَلَّى فَلَا بَأْسَ. نَقَلَهُ صَالِحٌ. وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: إنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ مَسْجِدًا يُصَلِّي فِيهِ: صَلَّى، وَإِلَّا قَضَاهَا.

ص: 412

تَنْبِيهٌ:

أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ جَوَازَ تَأْدِيبِ الْوَلَدِ وَالزَّوْجَةِ. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَقَالَهُ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: يُؤَدَّبُ الْوَلَدُ، وَلَوْ كَانَ كَبِيرًا مُزَوَّجًا مُنْفَرِدًا فِي بَيْتٍ. كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنهما. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: الْوَلَدُ يَضْرِبُهُ الْوَالِدُ وَيُعَزِّرُهُ، وَإِنَّ مِثْلَهُ عَبْدٌ وَزَوْجَةٌ

قَوْلُهُ (وَلِلْعَبْدِ أَنْ يَتَسَرَّى بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) هَذَا إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ. وَهِيَ الصَّحِيحَةُ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ. وَهِيَ طَرِيقَةُ الْخِرَقِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى، وَأَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقِلَا. ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي الْوَاضِحِ. وَرَجَّحَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّارِحِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: وَهِيَ أَصَحُّ. فَإِنَّ نُصُوصَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله لَا تَخْتَلِفُ فِي إبَاحَةِ التَّسَرِّي لَهُ. وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَنَصَرَهُ وَقِيلَ: يَنْبَنِي عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ بِالتَّمْلِيكِ. وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي، وَالْأَصْحَابِ بَعْدَهُ. قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ. قَالَ الْقَاضِي: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله فِي تَسَرِّي الْعَبْدِ وَجْهَانِ مَبْنَيَانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَالْفُرُوعِ وَهِيَ الْمَذْهَبُ عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ فِي الْخُطْبَةِ. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ " كِتَابِ الزَّكَاةِ " فَعَلَى الْأُولَى: لَا يَجُوزُ تَسَرِّيهِ بِدُونِ إذْنِ سَيِّدِهِ. كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ. وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ. كَنِكَاحِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْقَوَاعِدِ.

ص: 413

وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ، وَابْنُ هَانِئٍ: يَتَسَرَّى الْعَبْدُ فِي مَالِهِ. كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَتَسَرَّى عَبِيدُهُ فِي مَالِهِ. فَلَا يَعِيبُ عَلَيْهِمْ. قَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ هَذَا: أَنَّهُ يَجُوزُ تَسَرِّيه مِنْ غَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ. لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُ قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلُ نَصُّ اشْتِرَاطِهِ عَلَى التَّسَرِّي مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ إذَا كَانَ مَأْذُونًا لَهُ. وَنَصُّهُ تَقَدَّمَ عَلَى اشْتِرَاطِ تَسَرِّيه فِي مَالِ نَفْسِهِ الَّذِي يَمْلِكُهُ. وَقَدْ أَوْمَأَ إلَى هَذَا فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ. قَالَ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فِي فَوَائِدِ الْقَوَاعِدِ. فَلْيُعَاوَدْ وَتَقَدَّمَ فِي الْمُحَرَّمَاتِ فِي النِّكَاحِ بَعْدَ قَوْلِهِ " وَلَا يَحِلُّ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْنِ " هَلْ يَجُوزُ لَهُ التَّسَرِّي بِأَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْنِ أَمْ لَا؟ . فَوَائِدُ

إحْدَاهَا: لَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّسَرِّي مَرَّةً، فَتَسَرَّى: لَمْ يَمْلِكْ سَيِّدُهُ الرُّجُوعَ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَقَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالنَّاظِمُ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالتَّسَرِّي هُنَا: التَّزْوِيجَ، وَسَمَّاهُ تَسَرِّيًا مَجَازًا. يَكُونُ لِلسَّيِّدِ الرُّجُوعُ فِيمَا مَلَكَ عَبْدُهُ. وَرَدَّهُ الْمُصَنِّفُ، وَغَيْرُهُ.

الثَّانِيَةُ: لَوْ تَزَوَّجَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ: وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ وَنَفَقَةُ الزَّوْجَةِ عَلَى السَّيِّدِ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي " كِتَابِ الصَّدَاقِ "

الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ (وَعَلَيْهِ إطْعَامُ بَهَائِمِهِ وَسَقْيُهَا) بِلَا نِزَاعٍ. لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ فِي الْغُنْيَةِ: يُكْرَهُ إطْعَامُ الْحَيَوَانِ فَوْقَ طَاقَتِهِ، وَإِكْرَاهُهُ عَلَى الْأَكْلِ عَلَى مَا اتَّخَذَهُ النَّاسُ عَادَةً لِأَجْلِ التَّسْمِينِ.

ص: 414

الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ (وَلَا يُحَمِّلُهَا مَا لَا تُطِيقُ) . قَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي سَفَرِ النُّزْهَةِ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: لَا يَحِلُّ أَنْ يُتْعِبُ دَابَّةً، وَلَا أَنْ يُتْعِبَ نَفْسَهُ بِلَا غَرَضٍ صَحِيحٍ.

الْخَامِسَةُ: يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِالْبَهَائِمِ فِي غَيْرِ مَا خُلِقَتْ لَهُ. كَالْبَقَرِ لِلْحَمْلِ أَوْ الرُّكُوبِ، وَالْإِبِلِ وَالْحَمِيرِ لِلْحَرْثِ. ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَغَيْرُهُ فِي الْإِجَارَةِ. لِأَنَّ مُقْتَضَى الْمَلِكِ جَوَازُ الِانْتِفَاعِ بِهِ فِيمَا يُمْكِنُ. وَهَذَا مُمْكِنٌ كَاَلَّذِي خُلِقَ لَهُ. وَجَرَتْ بِهِ عَادَةُ بَعْضِ النَّاسِ. وَلِهَذَا يَجُوزُ أَكْلُ الْخَيْلِ، وَاسْتِعْمَالُ اللُّؤْلُؤِ وَغَيْرِهِ فِي الْأَدْوِيَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَقْصُودُ مِنْهَا ذَلِكَ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. «وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَنْ الْبَقَرَةِ لَمَّا رُكِبَتْ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا. إنَّمَا خُلِقْت لِلْحَرْثِ» أَيْ مُعْظَمِ النَّفْعِ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ (فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا: أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهَا، أَوْ إجَارَتِهَا، أَوْ ذَبْحِهَا إنْ كَانَ مِمَّا يُبَاحُ أَكْلُهُ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَفِي عَدَمِ الْإِجْبَارِ احْتِمَالَانِ لِابْنِ عَقِيلٍ.

فَائِدَةٌ:

لَوْ أَبَى رَبُّهَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِ: فَعَلَى الْحَاكِمِ الْأَصْلَحُ، أَوْ اقْتَرَضَ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ: لَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى بَهَائِمِهِ: أُجْبِرَ عَلَى الْإِنْفَاقِ، أَوْ الْبَيْعِ. أَطْلَقَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: إنْ أَبَى بَاعَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ

ص: 415