الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عليه جاز للآخر منعه مِن الحق الذي يُقابله.
*
موجِب النفقة عند الفقهاء:
موجِب النفقة هو ما يَلزَم عندَ تحققِه إيجابُ النفقة على الزوج. فإذا انتفى
الموجبُ كان ذلك علّةَ إسقاط النفقة.
وللفقهاء مسلكان في بيان موجِب النفقة:
1: فمِنهم مَن يَرَى أن النفقةَ واجبةٌ بالعَقد فقط، وأنها ليست في مقابل منفعةٍ تبذلُها المرأة. وهو قولٌ عند الحنفيّة (1) ، وأحد قولي الشافعية (2) ، وقولٌ عند المالكية (3)، وإحدى الروايتين عن أحمد (4) ، ورأي الظاهرية (5).
وعلّة ذلك عندَهم أن العقد سببُ الوجوب فيرتب الحُكمُ عليه، وما زاد على ذلك إنما هو أثرٌ مِن آثار العقد ولا يلزم من تخلفه سقوطُ باقي الآثار ومنها النفقة.
2: ومِن الفقهاء مَن يَرَى أن النفقة واجبةٌ للمرأة في مُقابل أمرٍ زائدٍ على العقد - وهذا هو رأي جمهور الفقهاء (6) -، إذ العقدُ وحدَه لا يُوجِبُ النَّفقَةَ، بل هو مُوجبٌ للمهر.
(1) الجوهرة النيرة للحدادي 2/ 164.
(2)
التهذيب للبغوي 6/ 337.
(3)
نص عليه الرجراجي في: مناهج التحصيل 3/ 516.
(4)
شرح الزركشي على الخرقي 6/ 18.
(5)
المحلى لابن حزم 10/ 88.
(6)
وهو القول المعتمد في المذاهب الأربعة.
ينظر: العناية للبابرتي 3/ 397 ، مجمع الأنهر لشيخ زاده 1/ 492 ، الكافي لابن عبد البر ص 255 / روضة المستبين لابن بزيزة 1/ 767 ، نهاية المطلب للجويني 15/ 450 ، التهذيب للبغوي 6/ 341، الكافي لابن قدامة 5/ 77 ، الشرح الكبير لابن أبي عمر 21/ 468 ، شرح الزركشي على الخرقي 6/ 18 ، معونة أولي النهى لابن النجار 8/ 58.
فلا بُدّ مِن أثرٍ مِن آثار العقد يكون في مقابل أثر النفقة. واختُلف في تحديد هذا الأمر:
أ/ فقيل: إن النفقة في مُقابل الاحتباس فقط، وهو قول الحنفيّة (1).
ب/ وقيل: إنها في مقابل التمكين (2). وهو قولٌ عند المالكية (3) ، ومذهب الشافعية (4).
ج/ وقيل: بل بمجموع الأمرين; التمكين والاحتباس معًا. وهو قول عند المالكية (5) ، ومذهب الحنابلة (6) ويُعبّرون عنه بـ (التمكين التام) ، وهذا القول هو الأقرب -والله أعلم-.
وبناءً على ذلك فإن الإخلال بهذا الموجِب يُعدُّ مُسقِطًا للنفقة، ويُسمّى
(1) الهداية للمرغيناني (مع حاشية اللكنوي) 3/ 375 ، العناية للبابرتي 3/ 397 ، مجمع الأنهر لشيخ زاده 1/ 492 ، الاختيار في تعليل المختار 4/ 5، البحر الرائق 4/ 193.
والمراد بـ (الاحتباس): اللبث والمُقام في بيت الزوجيّة، وعدم الخروج منه حقيقةً أو حكمًا. [مجمع الأنهر 2/ 493].
ولذا عندَ الحنفية النشوز الحُكمي، بأن يكون البيت ملكًا للزوجة فتَمنع الزوجَ مِن دخوله [مجمع الأنهر 2/ 496 ، والمصادر السابقة].
(2)
وقد ناقش هذا القول بعض الحنفيّة. الهداية للمرغيناني (مع حاشية اللكنوي) 3/ 378.
والفرق بينه وبين علّة الاحتباس تظهر في صورة ما لو امتنعت المرأة من التمكين في بيت الزوج، فإن الحنفية القائلين بالاحتباس لا يسقطون النفقة، بخلاف هذا الرأي.
(3)
التلقين للقاضي عبد الوهاب 1/ 299 ، الكافي لابن عبد البر ص 255 ، روضة المستبين لابن بزيزة 1/ 767 ، البهجة للتسولي 1/ 502.
(4)
نهاية المطلب للجويني 15/ 450 ، التهذيب للبغوي 6/ 341 وصححه.
(5)
مناهج التحصيل، للرجراجي 3/ 515.
(6)
الكافي لابن قدامة 5/ 77 ، الشرح الكبير لابن أبي عمر 21/ 468 ، شرح الزركشي على الخرقي 6/ 18 ، معونة أولي النهى لابن النجار 8/ 58.
"نشُوزًا"، فإذا نشزت المرأةُ بتركها التمكين أو الاحتباس سقطت نفقتها. وهذا التقريرٌ واضحٌ تفريعًا على الرأي الثاني.
وأمّا أصحابُ القول الأول (وهم القائلون بأن موجِب النفقة هو العقد) فإنّ منهم مَن يَرَى أن النشوز لا يكون مُسقِطًا للنفقة -وهم الظاهرية-; لتحقق الموجِب (1).
وأمّا مَن عدا الظاهرية فيرون أن العقد موجِبٌ للنفقة، وأن النشوز مُسقِط لها (2).
أو يقولون: إن وجوب النفقةِ مشروطٌ بعدم النشوز (3). وعلى ذلك فإنهم يوافقون أصحاب الرأي الثاني في كون النشوزِ علّةَ إسقاط النفقة، ويَرون أن إخلال المرأة بهذا الأمر (وهو التمكين، أو الاحتباس) وتقصيرَها في أدائِه يُعدُّ نشوزًا (4).
وَبذا يَتبيّن أن علّة إسقاط النفقة عند الفقهاء هي (النشوز) وهذا معنى قولِهم: إن نفقة المرأة لا تسقط عن زوجها بشيءٍ غير النشوز (5).
(1) المحلى لابن حزم 10/ 88. وسيأتي الخلاف في المسألة.
(2)
ينظر: الوسيط للغزالي 6/ 214 ، المهمات للإسنوي 8/ 77.
(3)
نهاية المطلب للجويني 15/ 447 ، الجوهرة النيرة للحدادي 2/ 164.
(4)
ولذا فإن جمهور الفقهاء عندما يذكرون ثمرة الخلاف في كون موجب النفقة هل هو العقد أم الاحتباس والتمكين، لا يذكرون أن مِن آثاره سقوط نفقة الناشز.
فذكر الإسنوي في (المهمات 8/ 78) أن فائدة الخلاف في الضمان، وفيما لو حلف ما له مال. وذكر الآمدي من الحنابلة أنه إن قيل: إنها وجبت بالعقد واختلفا في النشوز فالقول قولها. وإن قيل: وجبت بالتمكين فالقول قوله [الفروع لابن مفلح 9/ 302].
(5)
الكافي لابن عبد البر ص 255.