الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثورة مُحَمَّد بن الشَّيْخ الْمَعْرُوف بزغودة على أَخِيه عبد الله بن الشَّيْخ وَمَا وَقع فِي ذَلِك
قَالَ فِي شرح زهرَة الشماريخ لما رأى أهل بِلَاد الهبط مَا وَقع من افْتِرَاق الْكَلِمَة وتوقد الْفِتَن بَايعُوا مُحَمَّد بن الشَّيْخ الْمَعْرُوف بزغودة على ضريح الشَّيْخ عبد السَّلَام بن مشيش رضي الله عنه وَكَانَ الَّذِي قَامَ بدعوته الشريف أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن الإدريسي المحمدي اليونسي الْمَعْرُوف بِابْن ريسون وَهِي أم جده عَليّ نزيل تاصروت وَبَايَعُوهُ على الْكتاب وَالسّنة وعَلى إحْيَاء الْحق وإماتة الْبَاطِل فَلَمَّا بلغ خَبره أَخَاهُ عبد الله خرج لقتاله فَالتقى الْجَمْعَانِ بوادي الطين واقتتلوا فَانْهَزَمَ عبد الله وَتقدم مُحَمَّد إِلَى فاس فَدَخلَهَا وَاسْتولى عَلَيْهَا فِي شعْبَان سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف وَقبض على بعض عُمَّال عبد الله فَقَتلهُمْ واستصفى أَمْوَالهم
وَفِي آخر شعْبَان الْمَذْكُور وَقعت الْحَرْب بَينهمَا بمكناسة فَانْهَزَمَ مُحَمَّد وَدخل عبد الله فاسا فِي مهل رَمَضَان من السّنة وَأظْهر الْعَفو عَن الْخَاص وَالْعَام ثمَّ قتل أهل فاس قائده ابْن شُعَيْب وَأخذُوا حذرهم من عبد الله ثمَّ وَقع قتال بَين أهل الطالعة وَأهل فاس الْجَدِيد ودام أَيَّامًا عديدة حَتَّى اصْطَلحُوا لتاسع رَجَب من سنة تسع وَعشْرين وَألف ثمَّ إِن عبد الله خرج لقِتَال أَخِيه مُحَمَّد فَوَقَعت المعركة بَينهمَا بوادي بهت فَانْهَزَمَ مُحَمَّد وفر شَرِيدًا إِلَى أَن قَتله ابْن عَمه كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله
وَفِي يَوْم الْجُمُعَة خَامِس ذِي الْقعدَة من سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف قتل الْفَقِيه الْعَالم القَاضِي أَبُو الْقَاسِم بن أبي النَّعيم بعد أَن نزل من صَلَاة الْجُمُعَة
بفاس الْجَدِيد فَقتلته اللُّصُوص بِبَاب الْمدرسَة العنانية وَفِي نشر المثاني قَتله اللمطيون بالزربطانة لأَنهم اتَّهَمُوهُ بالميل إِلَى عبد الله بن الشَّيْخ فَوَقع بِسَبَب قَتله شَرّ عَظِيم بَين أهل العدوتين من فاس
وَلم يزل عبد الله فِي معالجة أهل فاس فَتَارَة يميلون إِلَيْهِ وَتارَة ينحرفون عَنهُ لفساد سيرته وقبح طويته حَتَّى كَانَ قائده مامي العلج ينهب الدّور جهارا وَيُعْطِي عبد الله كل يَوْم على ذَلِك عشرَة آلَاف مِمَّا ينهب من النَّاس من غير جريمة وَلَا ذَنْب
وَقَامَ عَلَيْهِ بمكناسة أَيْضا رجل يُقَال لَهُ الشريف آمغار وَقَامَ عَلَيْهِ بتطاوين الْمُقدم أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد النقسيس وَلم يبْق فِي يَده إِلَّا فاس الْجَدِيد وَأما فاس الْقَدِيم فَتَارَة وَتارَة كَمَا ذكرنَا آنِفا لِأَنَّهُ استولى عَلَيْهَا الشريف أَبُو الرّبيع والفقيه المربوع وَلما قتلا كَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا قَامَ بفاس مُحَمَّد بن سُلَيْمَان اللمطي الْمَدْعُو الْأَقْرَع وَعلي بن عبد الرَّحْمَن فَقتل ابْن سُلَيْمَان
وَقَامَ أَحْمد بن الْأَشْهب مَعَ ابْن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور فَوَقَعت فتن وحروب ثمَّ قَامَ الْحَاج على سوسان وَابْن يعلى وَتَوَلَّى أَيْضا يزرور ومسعود ابْن عبد الله وَغَيرهم من الثوار
وَكَانَت فاس أَيَّام هَؤُلَاءِ على فرق وشيع لَا يَأْمَن التَّاجِر على نَفسه إِلَّا إِن استجار بِأحد من هَؤُلَاءِ وَوَقع من الْفِتَن مَا أظلم بِهِ جو فاس ونتن أفقها العاطر الأنفاس وخلا أَكثر الْمَدِينَة وَاسْتولى عَلَيْهَا الخراب ودام الشَّرّ بَين أهل العدوتين حَتَّى كَادَت فاس تضمحل وَيَعْفُو رسمها
وَحدث غير وَاحِد من الثِّقَات أَنه لما دَامَت الْحَرْب بَين أهل العدوتين وَلم يكن لأهل الأندلس غَلَبَة على اللمطيين قَالَ الشَّيْخ أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن ابْن مُحَمَّد الفاسي لَا يغلب أحد اللمطيين مَا داموا مواظبين على قِرَاءَة الحزب الْكَبِير للْإِمَام الشاذلي رضي الله عنه وَكَانَت طَائِفَة من اللمطيين يقرؤونه كل صباح بزاوية سَيِّدي رضوَان الجنوي من عدوة اللمطيين فَسمع ذَلِك أهل عدوة الأندلس فاحتالوا على إبِْطَال قِرَاءَة ذَلِك الحزب بِأَن بعثوا
أحدا فاحتال على أُولَئِكَ الَّذين يقرؤونه فاستضافهم فَبَاتُوا عِنْده جَمِيعًا فِي منزله فَلَمَّا طلع الْفجْر أَو كَاد زعم أَن مِفْتَاح الدَّار قد سقط مِنْهُ وَتلف وَلم يزل يعاني فتحهَا إِلَى أَن طلعت الشَّمْس فَخَرجُوا وَلم يقرأوا الحزب ذَلِك الْيَوْم وَأخْبر أهل الأندلس بذلك فحملوا على أهل عدوة اللمطيين فهزموهم وتحكموا فيهم مَعَ أَنهم كَانُوا لم يَجدوا إِلَيْهِم سَبِيلا قبل ذَلِك ببركة حزب الشاذلي رضي الله عنه
وَذكر بَعضهم أَن سَبَب هَذِه الفترة مَا حُكيَ أَن عبد الله بن الشَّيْخ عزم على التنكيل بِأَهْل فاس فِي بعض غلباته عَلَيْهِم أَيَّام خُرُوجهمْ عَلَيْهِ فاستشفعوا إِلَيْهِ بالصالحين المجذوبين سَيِّدي جلول بن الْحَاج وسيدي مَسْعُود الشراط وَكَانَ من الملامتية فَلَمَّا وَقفا بَين يَدَيْهِ قَالَ أما وجد أهل فاس شَفِيعًا غير هَؤُلَاءِ الخراءين فِي ثيابهما فَغَضب سَيِّدي جلول وَقَالَ وَالله لَا تصرف فِيهَا يَعْنِي فاسا أحد أَرْبَعِينَ سنة وانصرفا فَيُقَال إِن عبد الله بن الشَّيْخ انقلبت معدته فَخرج غائطه من فَمه أَيَّامًا إِلَى أَن أَتَى بالشيخين فاسترضاهما فَكَانَ أَمر فاس كَمَا قَالَ سَيِّدي جلول لم يُطَأْطِئ رُؤُوس أعيانها سُلْطَان إِلَى أَن جَاءَ الله بالمولى الرشيد بن الشريف السجلماسي رحمه الله كَمَا سَيَأْتِي وَإِنَّمَا كَانَ يتَصَرَّف فِيهَا رُؤَسَاء أهل فاس الَّذين يسمونهم السياب قَالَ اليفرني وَهَذِه حِكَايَة صَحِيحَة سَمعتهَا من غير وَاحِد بفاس ملخصها مَا ذكرنَا
وَلم يزل عبد الله فِي محاربة أهل فاس الْقَدِيم من سنة عشْرين وَألف إِلَى أَن توفّي يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّالِث وَالْعِشْرين من شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف بِسَبَب مرض اعتراه من إسرافه فِي الْخمر وإدمانه عَلَيْهِ وَكَانَ لَا يُفَارِقهُ لَيْلًا وَلَا نَهَارا ويتعاطاه سرا وجهارا
قَالَ فِي شرح زهرَة الشماريخ وَلما توفّي عبد الله ولي بعده أَخُوهُ عبد الْملك فِي شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف وَلم يزل مُقْتَصرا على مَا كَانَ قد صفا لِأَخِيهِ إِلَى أَن توفّي فِي ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف