الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(كِتَابُ الطَّهَارَةِ)
قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ يُقَالُ الْوُضُوءُ والطُّهُورُ بِضَمِّ أَوَّلِهِمَا إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْفِعْلُ الَّذِي هُوَ الْمَصْدَرُ وَيُقَالُ الْوَضُوءُ وَالطَّهُورُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمَاءُ الَّذِي يتطهر به هكذا نقله بن الْأَنْبَارِيِّ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَذَهَبَ الْخَلِيلُ وَالْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ وَالْأَزْهَرِيُّ وَجَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَحُكِيَ الضَّمُّ فِيهِمَا جَمِيعًا وَأَصْلُ الْوُضُوءِ مِنَ الْوَضَاءَةِ وَهِيَ الْحُسْنُ وَالنَّظَافَةُ وَسُمِّيَ وُضُوءُ الصَّلَاةِ وُضُوءًا لِأَنَّهُ يُنَظِّفُ الْمُتَوَضِّئَ وَيُحَسِّنُهُ وَكَذَلِكَ الطَّهَارَةُ أَصْلُهَا النَّظَافَةُ وَالتَّنَزُّهُ وَأَمَّا الْغُسْلُ فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمَاءُ فَهُوَ مَضْمُومُ الْغَيْنِ وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمَصْدَرُ فَيَجُوزُ بِضَمِّ الْغَيْنِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ إِنْ كَانَ مَصْدَرًا لِغَسَلْتُ فَهُوَ بِالْفَتْحِ كَضَرَبْتُ ضَرْبًا وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الِاغْتِسَالِ فَهُوَ بِالضَّمِّ كَقَوْلِنَا غُسْلُ الْجُمُعَةِ مَسْنُونٌ وَكَذَلِكَ الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ وَاجِبٌ وَمَا أَشْبَهَهُ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ مَنْ صَنَّفَ فِي لَحْنِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُمْ غُسْلُ الْجَنَابَةِ وَغُسْلُ الْجُمُعَةِ وَشِبْهُهُمَا بِالضَّمِّ لَحْنٌ فَهُوَ خَطَأٌ مِنْهُ بَلِ الَّذِي قَالُوهُ صَوَابٌ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَأَمَّا الْغِسْلُ بِكَسْرِ الْغَيْنِ فَهُوَ اسْمٌ لِمَا يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ من خطمى وغيره والله أعلم
(بَاب فَضْلِ الْوُضُوءِ)
قَالَ مُسْلِمٌ رحمه الله (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ حَدَّثَنَا أَبَانٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى أَنَّ زَيْدًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَلَّامٍ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ) هَذَا الْإِسْنَادُ مِمَّا تَكَلَّمَ فِيهِ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ فَقَالُوا سَقَطَ فِيهِ رَجُلٌ بَيْنَ أَبِي سَلَّامٍ وَأَبِي مَالِكٍ وَالسَّاقِطُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ قَالُوا وَالدَّلِيلُ عَلَى
سُقُوطِهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ سَلَّامٍ رَوَاهُ عَنْ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَلَّامٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ عَنْ أبي مالك الأشعري وهكذا أخرجه النسائي وبن مَاجَهْ وَغَيْرُهُمَا وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ لِمُسْلِمٍ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ عَلِمَ سَمَاعَ أَبِي سَلَّامٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَبِي مَالِكٍ فَيَكُونُ أَبُو سَلَّامٍ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي مَالِكٍ وَسَمِعَهُ أَيْضًا مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ فَرَوَاهُ مَرَّةً عَنْهُ وَمَرَّةً عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَكَيْفَ كَانَ فَالْمَتْنُ صَحِيحٌ لَا مَطْعَنَ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ فَبِفَتْحِ الْحَاءِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَأَمَّا أَبَانٌ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ صَرْفُهُ وَتَرْكُ صَرْفِهِ وَأَنَّ الْمُخْتَارَ صَرْفُهُ وَأَمَّا أَبُو سَلَّامٍ فَاسْمُهُ مَمْطُورٌ الْأَعْرَجُ الْحَبَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ نُسِبَ إِلَى حَيٍّ مِنْ حِمْيَرَ مِنَ الْيَمَنِ لَا إِلَى الْحَبَشَةِ وَأَمَّا أَبُو مَالِكٍ فَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَقِيلَ الْحَارِثُ وَقِيلَ عُبَيْدٌ وَقِيلَ كَعْبُ بْنُ عَاصِمٍ وَقِيلَ عَمْرٌو وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي الشَّامِيِّينَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالصَّلَاةُ نُورٌ وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا) هَذَا حَدِيثٌ عَظِيمٌ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْإِسْلَامِ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَى مُهِمَّاتٍ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ فَأَمَّا الطُّهُورُ فَالْمُرَادُ بِهِ الْفِعْلُ فَهُوَ مَضْمُومُ الطَّاءِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَقَوْلِ الْأَكْثَرِينَ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَأَصْلُ الشَّطْرِ النِّصْفُ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم الطهور شطر الْإِيمَانِ فَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَجْرَ فِيهِ يَنْتَهِي تَضْعِيفُهُ إِلَى نِصْفِ أَجْرِ الْإِيمَانِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِيمَانَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْخَطَايَا وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَصِحُّ إِلَّا مَعَ الْإِيمَانِ فَصَارَ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْإِيمَانِ فِي مَعْنَى الشَّطْرِ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ هُنَا الصَّلَاةُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا كَانَ اللَّهُ ليضيع ايمانكم وَالطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَصَارَتْ كَالشَّطْرِ وَلَيْسَ يَلْزَمُ فِي الشَّطْرِ أَنْ يَكُونَ نِصْفًا حَقِيقِيًّا وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْرَبُ الْأَقْوَالِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يكون
مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِيمَانَ تَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ وَانْقِيَادٌ بِالظَّاهِرِ وَهُمَا شَطْرَانِ لِلْإِيمَانِ وَالطَّهَارَةُ مُتَضَمِّنَةٌ الصَّلَاةَ فَهِيَ انْقِيَادٌ فِي الظَّاهِرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ فَمَعْنَاهُ عِظَمُ أَجْرِهَا وَأَنَّهُ يَمْلَأُ الْمِيزَانَ وَقَدْ تَظَاهَرَتْ نُصُوصُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى وَزْنِ الْأَعْمَالِ وَثِقَلِ الْمَوَازِينِ وَخِفَّتِهَا وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَضَبَطْنَاهُ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ فِي تَمْلَآنِ وَتَمْلَأُ وَهُوَ صَحِيحٌ فَالْأَوَّلُ ضَمِيرُ مُؤَنَّثَتَيْنِ غَائِبَتَيْنِ وَالثَّانِي ضَمِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنَ الْكَلَامِ وَقَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ يَجُوزُ تَمْلَآنِ بِالتَّأْنِيثِ وَالتَّذْكِيرِ جَمِيعًا فَالتَّأْنِيثُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَالتَّذْكِيرُ عَلَى إِرَادَةِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الْكَلَامِ أَوِ الذِّكْرَيْنِ قَالَ وَأَمَّا تَمْلَأُ فَمُذَكَّرٌ عَلَى إِرَادَةِ الذِّكْرِ وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ لَوْ قُدِّرَ ثَوَابُهُمَا جِسْمًا لَمَلَأَ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَسَبَبُ عِظَمِ فَضْلِهِمَا مَا اشْتَمَلَتَا عَلَيْهِ مِنَ التَّنْزِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالتَّفْوِيضِ وَالِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم وَالصَّلَاةُ نُورٌ فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا تَمْنَعُ مِنَ الْمَعَاصِي وَتَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَتَهْدِي إِلَى الصَّوَابِ كَمَا أَنَّ النُّورَ يُسْتَضَاءُ بِهِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَكُونُ أَجْرُهَا نُورًا لِصَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِأَنَّهَا سَبَبٌ لِإِشْرَاقِ أَنْوَارِ الْمَعَارِفِ وَانْشِرَاحِ الْقَلْبِ وَمُكَاشَفَاتِ الْحَقَائِقِ لِفَرَاغِ الْقَلْبِ فِيهَا وَإِقْبَالِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَكُونُ نُورًا ظَاهِرًا عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَكُونُ فِي الدُّنْيَا أَيْضًا عَلَى وَجْهِهِ الْبَهَاءُ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ فَقَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ مَعْنَاهُ يَفْزَعُ إِلَيْهَا كَمَا يَفْزَعُ إِلَى الْبَرَاهِينِ كَأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا سُئِلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ مَصْرِفِ مَالِهِ كَانَتْ صَدَقَاتُهُ بَرَاهِينَ فِي جَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ فَيَقُولُ تَصَدَّقْتُ بِهِ قَالَ وَيَجُوزُ أَنْ يُوسَمَ الْمُتَصَدِّقُ بِسِيمَاءَ يُعْرَفُ بِهَا فَيَكُونُ بُرْهَانًا لَهُ عَلَى حَالِهِ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ مَصْرِفِ مَالِهِ وَقَالَ غَيْرُ صَاحِبِ التَّحْرِيرِ مَعْنَاهُ الصَّدَقَةُ حُجَّةٌ عَلَى إِيمَانِ فَاعِلِهَا فَإِنَّ الْمُنَافِقَ يَمْتَنِعُ مِنْهَا لِكَوْنِهِ لَا يَعْتَقِدُهَا فَمَنْ تَصَدَّقَ اسْتُدِلَّ بِصَدَقَتِهِ عَلَى صِدْقِ إِيمَانِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ فَمَعْنَاهُ الصَّبْرُ الْمَحْبُوبُ فِي الشَّرْعِ وَهُوَ الصَّبْرُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالصَّبْرُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ وَالصَّبْرُ أَيْضًا عَلَى النَّائِبَاتِ وَأَنْوَاعِ الْمَكَارِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْمُرَادُ أَنَّ الصَّبْرَ مَحْمُودٌ وَلَا يَزَالُ صَاحِبُهُ مُسْتَضِيئًا مُهْتَدِيًا مُسْتَمِرًّا عَلَى الصَّوَابِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْخَوَاصُّ الصَّبْرُ هُوَ الثَّبَاتُ عَلَى