المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب كرامات الأولياء وفضلهم - شرح رياض الصالحين لابن عثيمين - جـ ٦

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب الدعوات

- ‌باب فضل الدعاء

- ‌باب الأمر بالدعاء وفضله

- ‌باب فضل الدعاء بظهر الغيب

- ‌باب في مسائل من الدعاء

- ‌باب كرامات الأولياء وفضلهم

- ‌كتاب الأمور المنهي عنها

- ‌باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان

- ‌باب تحريم سماع الغيبة وأمر من سمع غيبة محرمة بردها

- ‌باب ما يباح من الغيبة

- ‌باب تحريم النميمة وهي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد

- ‌باب النهي عن نقل الحديث وكلام الناس إلى ولاة الأمور إذا

- ‌باب ذم ذي الوجهين

- ‌باب تحريم الكذب

- ‌باب بيان ما يجوز من الكذب

- ‌باب الحث على التثبت فيما يقوله ويحكيه

- ‌باب بيان تغليظ تحريم شهادة الزور

- ‌باب تحريم لعن إنسان بعينه أو دابة

- ‌باب جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين

- ‌باب تحريم سب المسلم بغير حق

- ‌باب تحريم سب الأموات بغير حق أو مصلحة شرعية

- ‌باب النهي عن الإيذاء

- ‌باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر

- ‌باب تحريم الحسد

- ‌باب النهي عن التجسس والتسمع لكلام من يكره استماعه

- ‌باب النهي عن سوء الظن بالمسلمين من غير ضرورة

- ‌باب تحريم احتقار المسلمين

- ‌باب النهي عن إظهار الشماتة بالمسلم

- ‌باب تحريم الطعن في الأنساب الثابتة في ظاهر الشرع

- ‌باب النهي عن الغش والخداع

- ‌باب تحريم الغدر

- ‌باب النهي عن المن بالعطية ونحوها

- ‌باب النهي عن الافتخار والبغي

- ‌باب تحريم الهجران بين المسلمين فوق ثلاثة أيام إلا لبدعة في

- ‌باب النهي عن تناجي اثنين دون الثالث

- ‌باب النهي عن تعذيب العبد والدابة والمرأة والولد بغير سبب شرعي

- ‌باب تحريم التعذيب بالنار في كل حيوان حتى النملة ونحوها

- ‌باب تحريم مطل الغني بحق طلبه صاحبه

- ‌باب كراهية عودة الإنسان في هبة لم يسلمها إلى الموهوب له

- ‌باب تأكيد تحريم مال اليتيم

- ‌باب تحريم الرياء

- ‌باب ما يتوهم أنه رياء وليس رياء

- ‌باب تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية والأمرد الحسن لغير حاجة شرعية

- ‌باب تحريم الخلوة بالأجنبية

- ‌باب تحريم تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال في لباس وحركة وغير

- ‌باب النهي عن التشبه بالشيطان والكفار

- ‌باب نهي الرجل والمرأة عن خضاب شعرهما بسواد

- ‌باب النهي عن القزع وهو حلق بعض الرأس دون بعض وإباحة

- ‌باب كراهية الاستنجاء باليمين ومس الفرج باليمين من غير عذر

- ‌باب كراهة المشي في نعل واحدة أو خف واحد لغير عذر

- ‌باب النهي عن ترك النار في البيت عند النوم ونحوه سواء

- ‌باب النهي عن التكلف وهو فعل وقول ما لا مصلحة فيه

- ‌باب تحريم النياحة على الميت ولطم الخد وشق الجيب ونتف الشعر

- ‌باب النهي عن إتيان الكهان والمنجمين والعراف وأصحاب الرمل والطوارق

- ‌باب النهي عن التطير

- ‌باب تحريم تصوير الحيوان في بساط أو حجر أو ثوب أو

- ‌باب تحريم اتخاذ الكلب إلا لصيد أو ماشية أو زرع

- ‌باب كراهية تعليق الجرس في البعير وغيره من الدواب وكراهية استصحاب

- ‌باب كراهة ركوب الجلالة

- ‌باب النهي عن البصاق في المسجد والأمر بإزالته منه إذا وجد

- ‌باب كراهية الخصومة في المسجد ورفع الصوت فيه ونشد الضالة والبيع

- ‌باب نهي من أكل ثوما أو بصلا أو كراثا أو غيره

- ‌باب كراهية الاحتباء يوم الجمعة والإمام يخطب لأنه يجلب النوم فيفوت

- ‌باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وأراد أن يضحي

- ‌باب النهي عن الحلف بمخلوق كالنبي صلى الله عليه وسلم والكعبة

- ‌باب تغليظ اليمين الكاذبة عمدا

- ‌باب ندب من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها أن

- ‌باب العفو عن لغو اليمين وأنه لا كفارة فيه وهو ما

- ‌باب كراهة الحلف في البيع وإن كان صادقا

- ‌باب كراهة أن يسأل الإنسان بوجه الله عز وجل غير الجنة

- ‌باب كراهة سب الحمى

- ‌باب النهي عن سب الريح وبيان ما يقال عند هبوبها

- ‌باب كراهة سب الديك

- ‌باب النهي عن قول الإنسان مطرنا بنوء كذا

- ‌باب تحريم قوله لمسلم يا كافر

- ‌باب النهي عن الفحش وبذاءة اللسان

- ‌باب كراهة التقعير في الكلام والتشدق فيه وتكلف الفصاحة واستعمال ودقائق

- ‌باب كراهة قوله خبثت نفسي

- ‌باب كراهة تسمية العنب كرما

- ‌باب النهي عن وصف محاسن المرأة لرجل إلا أن يحتاج إلى

- ‌باب كراهة قول الإنسان في الدعاء اللهم اغفر لي إن شئت

- ‌باب كراهة قول ما شاء الله وشاء فلان

- ‌باب كراهة الحديث بعد العشاء الآخرة

- ‌باب تحريم امتناع المرأة من فراش زوجها إذا دعاها ولم يكن

- ‌باب تحريم صوم المرأة تطوعا وزوجها حاضر إلا بإذنه

- ‌باب تحريم رفع المأموم رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام

- ‌باب كراهة وضع اليد على الخاصرة في الصلاة

- ‌باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام ونفسه تتوق إليه أو مع مدافعة

- ‌باب النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة

- ‌باب كراهة الالتفاف في الصلاة لغير عذر

- ‌باب كراهة شروع المأموم في نافلة بعد شروع المؤذن في إقامة

- ‌باب كراهة تخصيص يوم الجمعة بصيام أو ليلته بصلاة من بين

- ‌باب تحريم الوصال في الصوم وهو أن يصوم يومين أو أكثر

- ‌باب تحريم الجلوس على قبر

- ‌باب النهي عن تجصيص القبور والبناء عليها

- ‌باب تغليظ تحريم إباق العبد من سيده

- ‌باب تحريم الشفاعة في الحدود

- ‌باب النهي عن التغوط في طريق الناس وظلهم وموارد الماء ونحوها

- ‌باب النهي عن البول ونحوه في الماء الراكد

- ‌باب كراهة تفضيل الوالد بعض أولاده على بعض في الهبة

- ‌باب تحريم إحداد المرأة على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على

- ‌باب تحريم بيع الحاضر للبادي وتلقي الركبان والبيع على بيع أخيه

- ‌باب النهي عن إضاعة المال في غير وجوهه التي أذن الشرع

- ‌باب النهي عن الإشارة إلى مسلم بسلاح ونحوه سواء أكان جادا

- ‌باب كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان إلا بعذر حتى يصلي

- ‌باب كراهة رد الريحان لغير عذر

- ‌باب كراهة المدح في الوجه لمن خيف عليه مفسدة من إعجاب

- ‌باب كراهة الخروج من بلد وقع فيها الوباء فرارا منه وكراهة

- ‌باب التغليظ في تحريم السحر

- ‌باب النهي عن المسافرة بالمصحف إلى بلاد الكفار إذا خيف وقوعه

- ‌باب تحريم استعمال إناء الذهب وإناء الفضة في الأكل والشرب والطهارة

- ‌باب تحريم لبس الرجل ثوبا مزعفرا

- ‌باب النهي عن صمت يوم إلى الليل

- ‌باب تحريم انتساب الإنسان إلى غير أبيه وتوليه إلى غير مواليه

- ‌باب التحذير من ارتكاب ما نهى الله عز وجل ورسوله صلى

- ‌باب ما يقوله ويفعله من ارتكب منهيا عنه

- ‌باب ما يقوله ويفعله من ارتكب منهيا عنه

- ‌باب المنثورات والملح

- ‌باب: أحاديث الدجال وأشراط الساعة وغيرها

- ‌كتاب الاستغفار

- ‌باب بيان ما أعد الله تعالى للمؤمنين في الجنة

الفصل: ‌باب كرامات الأولياء وفضلهم

‌باب كرامات الأولياء وفضلهم

قال الله تعالى {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم} وقال تعالى {وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي}

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصاحين باب كرامات الأولياء وفضلهم الكرامات هنا معناها هي كل أمر خارق للعادة يظهره الله سبحانه وتعالى على يد متبعي الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الكرامة يعني أمر غير معتاد يظهره الله على يد متبع الرسول إما تكريما له وإما نصرة للحق وهي ثابتة أعني الكرامات ثابتة بالكتاب والسنة والواقع ولكن من هم الأولياء؟ الأولياء هم من بينهم الله في قوله ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون هؤلاء هم الأولياء جمعوا بين الإيمان والتقوى وليس أولياء الله الذين يدعون أنهم أولياءه وهم من أعدائه كما يفعل في بعض البلاد يأتي الرجل يدعي أنه ولي وهو عاص فاسق يدعو الناس إلى أن يعبدوه ويطيعوه في كل شيء ويدعي أن الله قد أحل له كل شيء حتى المحرمات أحلها الله له لأنه بلغ الغاية هؤلاء ليسوا بأولياء الله هؤلاء أعداء الله ولي الله هو المؤمن التقي كما في هذه الآية

ص: 57

الكريمة التي ساقها المؤلف {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون} وسوف يذكر المؤلف إن شاء الله الآيات والأحاديث الدالة على ذلك والواقع أيضا والفرق بين الآية آية النبي صلى الله عليه وسلم وكرامة الولي وشعوذة العدو الفرق بينهم أن آية النبي صلى الله عليه وسلم أمر خارق للعادة يظهره الله تعالى على يد النبي صلى الله عليه وسلم تأييدا له وتصديقا له مثل إحياء عيسى صلى الله عليه وسلم للموتى كان عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم يحيي الموتى بل يخرجهم من القبور بعد الدفن كما قال الله تعالى {وإذ تخرج الموتى بإذني} فيقف على القبر ويدعو صاحبه فيخرج من قبره حيا يبرئ الأكمة والأبرص يخلق من الطين على صورة الطير يعني يصنع شيئا على صورة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طائرا بإذن الله يطير من بين يديه كان بالأول طينا فإذا نفخ فيه طار هذا أيضا من آيات الله إذن فآيات الأنبياء هي أمور خارقة للعادة يظهرها الله تعالى على أيديهم تأييدا لهم أما كرامات الأولياء فهي أمور خارق للعادة ولكنها لا تكون للأنبياء بل تكون لمتبعي الأنبياء مثل ما حدث لمريم بنت عمران {فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فنادها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا} هذه من آيات الله كرامة لمريم امرأة في المخاض تحت نخلة تهز الجذع وهز الجذع ليس سهلا هز رأس النخلة ممكن لكن هز الجذع صعب تهز الجذع ثم يتساقط الرطب من النخلة جنيا

ص: 58

يعني كأنه مخروط خرطا ما يتفصص إذا نزل في الأرض أو يفسد هذه آية من آيات الله كذلك ما حدث لها من الحمل والولادة كلها من آيات الله عز وجل كرامة لها كما قال تعالى {وجعلناها وابنها آية للعالمين} أما الثالث الذي يظهره الله على يد المشعوذين الذين يستخدمون الجن يظهرها الله عز وجل على أيديهم فتنة لهم وفتنة بهم فإنه يوجد من الناس من يأتي بأشياء خارقة للعادة ولكنه ليس وليا فنقول كرامة ومعلوم أيضا أنه ليس بنبي لأنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم إذن فهي من الشياطين الأمر الرابع: ما يكون خارقا للعادة يظهره الله سبحانه وتعالى على يد الكاذب تكذيبا له مثل ما يذكر عن مسيلمة الكذاب مسيلمة رجل ادعى النبوة في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم وقال إنه نبي وتبعه من تبعه من الناس وفي يوم من الأيام أتاه قوم أهل حرب يشكون إليه أن بئرهم قد غار ماؤها ولم يبق فيه إلا القليل فطلبوا منه أن يأتي إلى البئر ويمج فيه من ريقه لعله يعود الماء ففعل فأعطوه ماء فتمضمض به ثم مجه في البئر وكان في البئر شيء من الماء ولما مجه في البئر غار الماء كله ما بقي شيء هذا خارق للعادة ولا شك أنه آية ولكن الله سبحانه وتعالى جعله إهانة لذلك الرجل الكذاب وإظهارا لكذبه فهذه أربعة أشياء آية النبي وكرامة الولي وشعوذة المشعوذ وإهانة الكذاب المفتري كلها أمور خارقة للعادة لكنها تختلف بحسب من أظهرها الله على يديه ويأتي إن شاء الله الكلام على الآيات التي ذكرها المؤلف

ص: 59

قال تعالى {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب}

[الشَّرْحُ]

تقدم لنا الكلام على كرامات الأولياء وأنها أي الكرمات كل أمر خارق للعادة يعني كل ما يخرج عن العادة يظهره الله تعالى على يد الوالي تكريما له أو نصرة لدين الله وذكرنا أن هناك آيات وهناك شعوذة وهناك إهانات أربعة أشياء كلها تخرج عن العادة وبيناها فيما سبق واعلم أن كل كرامة لولي فهي آية للنبي الذي اتبعه لأن هذا الوالي الذي اتبع هذا النبي إذا أكرم بكرامة فهي شهادة من الله سبحانه وتعالى على صحة طريقته وعلى صحة الشرع الذي اتبعه ولهذا نقول كل كرامة لولي فهي آية للنبي الذي اتبعه.

ثم ذكر المؤلف آيات فيها كرامات منها كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب مريم ابنة عمران نذرتها أمها {إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني

ص: 63

محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} فزكريا إذا دخل على مريم المحراب أي مكان صلاتها وجد عندها رزقا أي وجد عندها طعاما لم تجر العادة بوجوده فيقول أنى لك هذا ما جاء به قالت هو من عند الله لم تقل جاء به فلان أو فلان بل هو من عند الله عز وجل والله تعالى على كل شيء قدير يأتي به من عنده لا من سعي البشر ولكنه من عند الله {إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} وعندئذ دعا زكريا ربه وكان قد بلغه الكبر ولم يأته أولاد فقال إن الله على كل شيء قدير واستدل بقدرة الله الذي جاء بهذا الرزق إلى مريم بدون سبب بشري فاستدل بذلك على كمال قدرة الله فدعا ربه أن يأتيه ولدا فجاءه الولد وفيه أيضا كرامات لذلك فمريم رضي الله عنها لها كرامات منها هذه المسألة رزقها يأتيها من عند الله لا يشترى من السوق ولا يأتي به فلان أو فلان من عند الله وكذلك ما ذكرناه بالأمس حين جاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت {يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا} وسبق الكلام على هذا ومن الكرامات أيضا ما وقع لأصحاب الكهف والكهف هو غار فسيح في الجبل وكان هؤلاء القوم سبعة رجال رأوا ما عليه أهل بلدتهم من

ص: 64

الشرك والكفر ولم يرضوا بذلك فاعتزلوا قومهم وهاجروا من بلدهم لأنها بدل شرك وكفر فاعتزلوا قومهم ولجأوا إلى غار كما قال تعالى: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمنوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَا مِن دُونِهِ إِلَهًا لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَاّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ} يعني لما اعتزلوهم وشركهم أمروا أن يأووا إلى الكهف {يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا} فأووا إلى الكهف اذهبوا إلى الكهف وهذا الكهف كما قلنا هو غار في الجبل ذهبوا إليه هذا الغار وجهه إلى الشمال الشرقي بحيث الشمس ما تدخل عليه لا أول النهار ولا آخره يسره الله لهم لأن الله تعالى يقول {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا} وهؤلاء خرجوا يريدون وجه الله فيسر الله أمرهم أوووا إلى الكهف وألقى الله عليهم النوم قال الله تعالى مبينا هذا {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ} يعني ما تدخل عليهم الشمس دخولا كاملا فيصيبهم الحر لكنه تقرضه شيء بسيط يأتيهم من الشمس لكي لا يتبخر الغار فيفسد يدخل عليه من الشمس بقدر الحاجة فقط {وهم في فجوة منه} أي في

ص: 65

مكان متسع كما جاء في الحديث كلما أتى فجوة..

أي شيء متسع هم في مكان متسع في الغار ذلك من آيات الله أن يسر الله لهم هذا المكان لما دخلوا في هذا المكان آمنين متوكلين على الله عز وجل مفوضين أمرهم إليه ألقى الله عليهم النوم فناموا كم ناموا يوما..

يومين

ثلاثة؟ لا ناموا ثلاثمائة سنة وتسع سنين وهم نائمين 309 سنة لا يستيقظون من حر ولا برد ولا جوع ولا عطش هذا من كرامات الله هل يبقى الواحد منا ثلاثة أيام نائما لا يجوع ولا يعطش ولا يحتر ولا يبرد لا هؤلاء بقوا في كهفهم 309 سنة {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} ويقول الله عز وجل {ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال} الله عز وجل هو الذي يقلبهم لماذا يقلبهم الله عز وجل لأن النائم لا فعل له مرفوع عنه القلم حتى لو فعل لن يتم فعله {ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد} عند الباب يحرصهم بإذن الله عز وجل وإنما قلبهم الله تعالى لأنهم لو بقوا هذه المدة الطويلة على جنب واحد لفسد الدم ولم يتحرك لكن يقلبون ذات اليمين وذات الشمال إذا رآهم الإنسان حسبهم أيقاظا يعني ليس على وجههم وجه النوم الذي يراهم يقول هؤلاء أيقاظ وهم رقود نائمون وألقى الله عليهم

ص: 66

المهابة العظيمة {لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا} لوليت منهم فرارا ببدنك ولملئت منهم رعبا بقلبك القلب يفزع والبدن يهرب لأن لا يحوم أحد حولهم فيوقظهم لكن الله عز وجل أكرمهم بهذا وكرامات أصحاب الكهف كثيرة نقتصر منها على هذا ونذكر إن شاء الله الباقي في درس آخر نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أوليائه المكرمين إنه على كل شيء قدير

وقال تعالى {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال}

قال الله تعالى {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال}

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين في باب كرامات الأولياء وفضلهم عدة آيات تشتمل على كرامات الأولياء ومنها قصة أصحاب الكهف وكانوا فتية آمنوا بالله واعتزلوا قومهم وخرجوا من بلدهم فهيأ الله لهم كهفا يعني غارا واسعا في الجبل فدخلوا فيه فألقى الله عليهم النوم فناموا 309 سنة وهم نائمون لم يحتاجوا إلى أكل ولا شرب ولم تتأثر أبدانهم وكان الله تعالى يقبلهم ذات اليمين وذات الشمال وهذه من كرامات الله لهم أن الله تعالى هيأ لهم مقرا آمنا حتى إن الله يقول

ص: 67

لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا ما أحد يحوم حولهم ومن كرامات الله لهم أنهم بقوا هذه المدة 309 سنة ولم يتغير منهم ظفر ولا شعر ولا غيره مع أن العادة أن الشعور تطول والأظفار تطول لكن هؤلاء لم تطل شعورهم ولا أظفارهم وبقوا وكأنهم ناموا بالأمس ولهذا قال الله تعالى {وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم} وإنما قالوا ذلك لأنهم لم يتغير منهم شيء وأما ما ذكر بعض الناس أنهم طالت أظفارهم وشعورهم فهذا خطأ لأنه لو كان كذلك لعرفوا أنهم بقوا مدة طويلة ولكنهم لم يتغيروا ومن كرامات الله لهم أن الله أبقاهم على هذه النومة حتى أبدل الله تعالى ملكهم الظالم بملك صالح ولما استيقظوا بعثوا واحدا منهم إلى البلدة ليأتي بطعام له وكان معهم نقود سابقة من النقود التي لها 309 سنة فلما جاءوا يشترون من البلدة ودفعوا النقود تعجب أهل البلدة من أين هذه النقود حتى أطلع الله الناس عليهم فهذا من كرامات الله لهم ويحسن أن يجمع هذه الآيات وغيرها وتتأمل ويستخرج ما فيها من الكرمات الدالة على قدرة الله عز وجل وعلى أنه تبارك وتعالى أكرم من خلقه إذا تعبد الإنسان له بما يرضى أعطاه الله تعالى ما يرضى والله الموفق

ص: 68

150 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون، فإن يك في أمتي أحد، فإنه عمر.

رواه البخاري، ورواه مسلم من رواية عائشة، وفي روايتهما قال

ص: 78

ابن وهب: محدثون أي: ملهمون.

[الشَّرْحُ]

سبق لنا ما يتعلق بقضية أبي بكر الصديق رضي الله عنه فيما أكرمه الله به من الكرامة، ثم أتى المؤلف رحمه الله بحديث لأبي هريرة في كرامة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: كان فيما كان قبلكم محدثون - يعني: ملهمون للصواب، يقولون قولاً فيكون موافقًا للحق، وهذا من كرامة الله للعبد أن الإنسان إذا قال قولاً، أو أفتى بفتوى، أو حكم بحكم تبين له بعد ذلك أنه مطابق للحق، فعمر رضي الله عنه من أشد الناس توفيقًا للحق، كما سيأتي إن شاء الله تعالى فيما سيذكره المؤلف من أمثلة لذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فإن يكن فيكم محدثون فعمر يعني إن كان فيكم محدثون فعمر، ويحتمل قوله: إن يكن فيكم إنه خطاب لقوم مجتمعين ليس فيهم أبو بكر ويحتمل أنه خطاب إلى الأمة كلها، ومن بينهم أبو بكر رضي الله عنه، فإن كان الأول فلا إشكال، وإن كان الثاني فقد يقول قائل: كيف يكون عمر ملهمًا وأبو بكر ليس كذلك، فيقال: إن أبا بكر رضي الله عنه يوفق للصواب بدون إلهام، بمعنى أنه رضي الله عنه من ذات نفسه بتوفيق الله عز وجل يوفق للصواب ويدل على هذا عدة مسائل، يعني يدل على أن أبا بكر أشد توفيقًا للصواب من عمر عدة مسائل: أولاً: في صلح الحديبية لما اشترطت قريش على النبي صلى الله عليه وسلم شروطاً يبدو أنها ثقيلة عظيمة، عمل عمر رضي الله عنه على إبطالها، وجاء إلى النبي

ص: 79

صلى الله عليه وسلم يراجعه في ذلك ويقول: كيف نعطي الدنية في ديننا؟ كيف نشترط على أنفسنا أن من جاءنا منهم مسلمًا، ردنناه إليهم، ومن جاءهم منا لا يردونه؟ هذا ثقيل ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال له (إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري) ، فذهب عمر رضي الله عنه إلى أبي بكر رضي الله عنه يريد أن يستنجد به في إقناع الرسول صلى الله عليه وسلم فكلم أبا بكر فقال له أبو بكر مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم سواء بسواء قال إنه رسول الله وليس بعاصيه وهو ناصره فاستمسك بعرزه، يعني لا يكن عندك شك في أمر، فهذه واحدة، إذن من الموفق إلى الصواب في هذا؟ أبو بكر لا شك، كذلك أيضًا في موت الرسول صلى الله عليه وسلم، لما شاع الخبر في المدينة أن النبي صلى الله عليه وسلم مات.

قال عمر في الناس وقال إنه لم يمت وإنما صعق وليبعثنه الله، فليقطعن أيدي أقوام وأرجلهم من خلاف، وأنكر أن يكون قد مات، وكان أبو بكر قد خرج ذلك اليوم إلى بستان له خارج المدينة فلما رجع وجد النبي صلى الله عليه وسلم قد مات حقًا، فخرج إلى المسجد وصعد المنبر، وقال كلماته المشهورة التي تكتب بأغلى من ماء الذهب.

قال: أما بعد أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت، ثم قرأ قول الله تعالى إنك ميت وإنهم ميتون وقوله تعالى:{وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم}

ص: 80

قال عمر: فوالله ما إن تلاها أبو بكر حتى عقرت فما تحملني رجلاي، يعني الإنسان إذا خاف واشتد به الشيء ما يقدر أن يقف، هذه الثانية، الثالثة: إنه لما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم ارتد من ارتد من العرب، كفروا والعياذ بالله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جهز جيشًا أميره أسامة بن زيد، ليقاتل أدنى أهل الشام والجيش كان ظاهر المدينة ولكن لم يسيروا بعد، ولما ارتد العرب جاء عمر لأبي بكر، وقال لا ترسل الجيش، نحن في حاجة، فقال له أبو بكر: والله لا أحلن راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيرهم أبو بكر، فكان الصواب مع أبي بكر رضي الله عنه لأن الناس لما سمعوا أن أهل المدينة أرسلوا الجيوش إلى أطراف الشام، قالوا: هؤلاء عندهم قوة ولا يمكن أن نرتد، فامتنع كثير من الناس عن الردة وبقوا في الإسلام، المهم أن أبا بكر رضي الله عنه أبلغ من عمر، رضي الله عنه في إصابة الصواب لاسيما في المواضع الضنكة الضيقة، وعلى كل حال كلا الرجلين رضي الله عنهما كلاهما موفق إلى الصواب، جمعنا الله وإياكم بهما في الجنة، وكلما الإنسان أقوى إيمانًا بالله وأكثر طاعة لله وفقه الله تعالى إلى الحق بقدر ما معه من الإيمان والعلم والعمل الصالح، تجده مثلاً يعمل عملاً يظنه صوابًا بدون ما يكون معه دليل من الكتاب والسنة فإذا راجع أو سأل، وجد أن عمله مطابق للكتاب والسنة، وهذه من الكرامات، فعمر رضي الله عنه قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم إن يكن فيه محدثون فإنه عمر

ص: 81

1505 -

وعن جابر بن سمرة، رضي الله عنهما.

قال: شكا أهل الكوفة سعداً، يعني: ابن أبي وقاص رضي الله عنه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فعزله واستعمل عليهم عمارًا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق، إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي.

فقال: أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أخرم عنها أصلي صلاة العشاء فأركد في الأوليين، وأخف في الأخريين، قال: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق، وأرسل معه رجلاً - أو رجالاً - إلى الكوفة يسأل عنه أهل الكوفة، فلم يدع مسجداً إلا سأل عنه، ويثنون معروفًا، حتى دخل مسجداً لبني عبس، فقام رجل منهم، يقال له أسامة بن قتادة يكنى أبا سعدة، فقال: أما إذ نشدتنا فإن سعداً كان لا يسير بالسرية ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذباً، قام رياء، وسمعة، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن، وكان بعد ذلك إذا سئل يقول، شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد.

قال عبد الملك بن عمير الراوي عن جابر بن سمرة فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق فيغمزهن متفق عليه.

ص: 82

[الشَّرْحُ]

هذه من الكرامات التي نقلها المؤلف رحمه الله في كتابه رياض الصاحين، وهي ما رواه جابر بن سمرة في قصة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وكان سعد معروفاً بإجابة الدعوة (مستجاب الدعاء) يعني أن الله أعطاه كرامة وهو أن الله تعالى يجيب دعوته إذا دعا، وقد جعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أميراً على أهل الكوفة، لأن المسلمين لما فتحوا العراق مصروا الأمصار وجعلوا البصرة والكوفة وهما أشهر ما يكون في العراق، ثم إن أمير المؤمنين جعل لهم أمراء، فأمر سعد بن أبي وقاص على الكوفة، فشكاه أهل الكوفة إلى أمير المؤمنين عمر، حتى قالوا إنه لا يحسن أن يصلي، وهو صحابي جليل شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، فأرسل إليه عمر، فحضر وقال له: إن أهل الكوفة شكوك حتى قالوا: إنك لا تحسن تصلي، فأخبره سعد رضي الله عنه أنه كان يصلي بهم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وذكر صلاة العشاء وكأنها - والله أعلم - هي التي وقع تعيينها من هؤلاء الشكاة، فقال: إني لأصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أخرم عنها يعني لا أدعها، فكنت أطول في العشاء بالأوليين وأقصر في الأخريين، فقال له عمر رضي الله عنه: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق، فزكاه عمر؛ لأن هذا هو الظن به، أنه يحسن الصلاة وانه يصلي بقومه الذين أمر عليهم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ولكن مع ذلك تحرى ذلك عمر رضي الله عنه لأنه يتحمل المسئولية ويعرف قدر المسئولية، أرسل رجالاً إلى أهل الكوفة، يسألونهم عن سعد وعن سيرته، فكان هؤلاء

ص: 83

الرجال، لا يدخلون مسجداً ويسألون عن سعد إلا أثنوا عليه معروفًا.

حتى أتى هؤلاء الرجال إلى مسجد بني عبس، فسألوهم، فقام رجل فقال: أما ناشدتمونا، فإن هذا الرجل لا يعدل في القضية ولا يسير بالسرية ولا يقسم بالسوية، فقوله لا يسير في السرية، يعني لا يخرج في الجهاد، ولا يقسم بالسوية إذا غنم ولا يعدل في القضية إذا حكم بين الناس، فاتهمه هذه التهم، فهي تهم ثلاث، فقال أما إن قلت كذا (المتحدث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ، فلأدعون عليك بثلاث دعوات، دعا عليه أن يطيل الله تعالى عمره وفقره ويعرضه للفتن، نسأل الله العافية، ثلاث دعوات عظيمة، لكنه رضي الله عنه استثنى، قال: إن كان عبدك هذا قام رياء وسمعة يعني لا بحق، فأجاب الله دعاءه، فكان هذا الرجل طويل العمر، عمر طويلاً وشاخ حتى إن حاجبيه سقطت على عينيه من الكبر، وكان فقيراً وعرض للفتن، حتى وهو في هذه الحال وهو كبير إلى هذا الحد كان يتعرض للجواري، يتعرض لهن في الأسواق ليغمزهن والعياذ بالله، وكان يقول عن نفسه شيخ مفتون كبير أصابتني دعوة سعد.

فهذه من الكرامات التي أكرم الله بها سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

وفيه فوائد عديدة منها: أن من تولى أمراً في الناس فإنه لا يسلم منهم مهما كانت منزلته، لابد أن يناله السوء قال ابن الوردي في منظومته المشهورة، التي أولها

اعتزل ذكر الأغاني والغزل

وقل الفصل وجانب من هذل

ودع الذكرى لأيام الصبى

فلأيام الصبى نجم أفل

قال فيها من جملة ما قال من حكم:

ص: 84

إن نصف الناس أعداء لمن

ولي الأحكام، هذا إن عدل

ومن الفوائد أيضاً في هذا الحديث جواز دعاء المظلوم على ظالمه بمثل ما ظلمه كما دعا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه هذه الدعوات على من ظلمه، ومن فوائدها: أن الله تعالى يستجيب دعاء المظلوم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن وأمره أن يأخذ الزكاة من أموالهم، قال: إياك وكزائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب فالمظلوم يستجيب الله دعاءه حتى ولو كان كافراً فلو كان كافراً وظلم ودعا على من ظلمه أجاب الله دعاءه، لأن الله حكم عدل عز وجل، يأخذ بالإنصاف والعدل لمن كان مظلوماً ولو كان كافراً، فكيف إذا كان مسلماً؟ ومن فوائد هذا الحديث، أنه يجوز للإنسان أن يستثني في الدعاء، إذا دعا على شخص يستثني فيقول: اللهم إن كان كذا فافعل به كذا، اللهم إن كان ظلمني فأنصفني منه أو فابتله بكذا وكذا، تدعو بمثل ما ظلمك، وقد جاء الاستثناء في الدعاء في القرآن الكريم فقال تبارك وتعالى: والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادت بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرؤوا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين

ص: 85

ومن فوائد هذا الحديث أيضاً: حرص أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه على الرعية وتحمله المسئولية والإحساس بها وشعوره بها رضي الله عنه ولهذا اشتهر بعدالته وحسن سياسته في الأمور كلها، الحربية والسلمية والدينية والدنيوية، فهو في الحقيقة خير الخلفاء بعد أبي بكر، بل حسنة من حسنات أبي بكر رضي الله عنه؛ لأن الذي ولاه على المسلمين هو أبو بكر رضي الله عنه، فالحاصل أن هذا الحديث فيه فوائد نقتصر منها على ذلك.

(والله الموفق)

1506 -

وعن عروة بن الزبير أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، رضي الله عنه خاصمته أروى بنت أوس إلى مروان بن الحكم، وادعت أنه أخذ شيئاً من أرضها، فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أخذ شبراً من الأرض ظلمًا طوقه إلى سبع أرضين فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا، فقال سعيد: اللهم إن كانت كاذبة، فاعم بصرها، واقتلها في أرضها، قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها، وبينما هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت متفق عليه.

وفي رواية لمسلم عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بمعناه وأنه

ص: 86

رآها عمياء تلتمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد، وأنها مرت على بئر في الدار التي خاصمته فيها، فوقعت فيها، وكانت قبرها.

[الشَّرْحُ]

من كرامات الأولياء أن الله سبحانه وتعالى يجيب دعوتهم، حتى يدركوها بأعينهم فهذا سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، خاصمته امرأة ادعت أنه أخذ شيئاً من أرضها فخاصمته عند مروان، فقال: أنا آخذ من أرضها شيئاً بعد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: وماذا سمعت؟ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول (من اقتطع شبراً من الأرض ظلمًا طوقه الله به يوم القيامة من سبع أرضين - أو - طوقه يوم القيامة من سبع أرضين) يعني فكيف آخذ منها بعد أن سمعت هذا من النبي صلى الله عليه وسلم؟ كل مؤمن يؤمن بالله ورسوله إذا سمع مثل هذا الخبر الصادر عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فإنه لا يمكن أن يظلم أحداً من أرضه ولا شبراً، فالرسول صلى الله عليه وسلم يخبر أنك لو أخذت شبراً من الأرض وقيده بالشبر من باب المبالغة وإلا فإن أخذ أقل من ذلك ولو سنتيمتر واحدًا فإنه يطوق به يوم القيامة من سبع أرضين، إذا كان يوم القيامة جاءت هذه القطعة التي أخذها مطوقة في عنقه من سبع أرضين؛ لأن الأرضين سبع طباق، كما قال الله تعالى الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن.

والإنسان إذا ملك أرضاً، ملك قعرها إلى أسفل السافلين، إلى الأرض السابعة، وإذا ملكها أيضاً ملك هواءها إلى الثريا، لا أحد يستطيع

ص: 87

أن يبني فوقه جسراً أو أن يحفر تحته خندقًا، لأن الأرض له إلى أسفل السافلين، وإلى أعلى السماء، كلها له، إذا كان يوم القيامة وهذا قد اقتطع شبراً من الأرض بغير حق، فإنه يأتي يوم القيامة مطوق به عنقه نسأل الله العافية.

وعند جميع العالم كل شيء محشور يوم القيامة حتى الوحوش تحشر حتى الإبل حتى البقر حتى الغنم كلها تحشر يوم القيامة، وهذا يشاهد حاملاً هذه الأرض والعياذ بالله من سبع أرضين، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (لعن الله من غير منار الأرض) غير منارها: أي غير مراسيمها فأدخل شيئاً ليس له، وفي هذا دليل على أن قصف الأرض أو أخذ شيء بغير الحق من كبائر الذنوب لأن عليه هذا الويل العظيم، اللعن وأنه يحمل به يوم القيامة، فما بالك بقوم اليوم يأخذون أميالاً بل أميال الأميال والعياذ بالله بغير الحق، يأخذونها يضيقون بها مراعي المسلمين، ويحرمون المسلمين من مراعيهم أو من طرقهم أو ما أشبه ذلك، هؤلاء سوف يطوقون ما أخذوا يوم القيامة والعياذ بالله، لأنهم أخذوها بغير الحق، المراعي للمسلمين عموماً، الخطوط الطرقات للمسلمين عمومًا، الأودية أودية الأمطار للمسلمين عموماً، ولهذا قال العلماء: إن الإنسان لا يملك بالأحياء ما قرب من عامر وهو يتعلق بمصلحة هذا العامر، حتى لو أحياها وغرسها يقلع غرسه ويهدم بناؤه إذا كان هذا يتعلق بمصالح البلد، والبلد ليست ملكاً لفلان أو علان بل هي لعموم المسلمين، حتى لو فرضنا أن ولي الأمر أقطع

ص: 88

هذا الرجل من الأرض التي يحتاجها أهل البلد فإنه لا يملكها بذلك لأن ولي الأمر إنما يفعل لمصالح المسلمين، لا يخص أحدًا بمصالح المسلمين دون أحد، وهذه المسألة خطيرة للغاية، ولهذا لما ارتفعت قيم الأراضي صار الناس والعياذ بالله يعتدي بعضهم على بعض، يدعي أن الأرض له وهي ليست له يكون جاراً لشخص ثم يدخل شيئاً من أرضه إلى أرضه، وهذا على خطر عظيم إن العلماء - أقول لكم كلامًا تعجبون منه قالوا: لو أن الإنسان بني جدارًا ثم زاد في لياصته (المحارة) إذا زاد في لياصته دخل على السور سنتيمترًا في اللياصة فإنه يكون ظالمًا ويكون بذلك معاقبًا عند الله يوم القيامة، إلى هذا الحد الناس الآن والعياذ بالله يبلعون أميالاً أو أمتارا مع هذا الوعيد الشديد، سعيد بن زيد رضي الله عنه، لما حدث مروان بهذا الحديث قال الآن لا أطلب عليك بينة، لأنه عارف أن سعيدًا لا يمكن أبدًا أن يأخذ من أرض هذه المرأة بدون حق أما المرأة؟ فقال سعيد رضي الله عنه: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها وأهلكها في أرضها، فماذا كان، كانت هذه المرأة أعماها الله عز وجل قبل أن تموت وبينما هي تمشي في أرضها ذات يوم إذ سقطت في بئر فماتت فكانت البئر قبرها في نفس الأرض التي كانت تخاصم سعيد بن زيد رضي الله عنه فيها، وهذا من كرامة الله عز وجل لسعيد بن زيد أن الله أجاب دعوته وشاهدها حيا قبل أن يموت، وقد سبق لنا أن المظلوم تجاب دعوته ولو كان كافراً إذا كان مظلوماً، لأن الله تعالى ينتصر للمظلوم من الظالم؛ لأن الله تعالى حكم عدل لا يظلم ولا يمكن أحدًا من الظلم وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم إنه لا يفلح الظالمون

ص: 89

فالظالم لا يفلح أبدًا، ولذلك انظر إلى هذه القصة وإلى قصة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه التي ذكرناها سابقاً وكيف أجاب الله الدعوة؟ وهذه هي عادة الله سبحانه وتعالى في عباده نسأل الله أن يحمينا وإياكم من الظلم (والله الموفق)

1507 -

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لما حضرت أحد دعاني أبي من الليل فقال: ما أراني إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإني لا أترك بعدي أعز علي منك غير نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن علي دينا فاقض، واستوص بأخواتك خيرًا: فأصبحنا، فكان أول قتيل، ودفنت معه آخر في قبره، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه، فجعلته في قبر على حدة رواه البخاري.

[الشَّرْحُ]

سبق لنا بيان شيء من كرامات الأولياء التي ذكرها المؤلف رحمه الله في كتابه رياض الصالحين في باب كرامات الأولياء وفضلهم، وذكر في هذا الحديث ما جرى لعبد الله بن حرام رضي الله عنه والد جابر بن عبد الله، فإنه أيقظ ابنه جابراً ليلة من الليالي

ص: 90

وقال: ما أراني إلا أول قتيل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك قبيل غزوة أحد، ثم أوصاه وقال: إني لن أترك من بعدي أحدًا أعز منك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوصاه بأن يقضي ديناً كان عليه وأوصاه بأخواته ثم كانت الغزوة فقاتل رضي الله عنه (عبد الله بن حرام) وقتل، وكان القتلى في ذلك اليوم سبعين رجلاً فكان يشق على المسلمين أن يحفروا لكل رجل قبرًا، فجعلوا يدفنون الاثنين والثلاثة في قبر واحد، فدفن مع أبي جابر (عبد الله بن حرام) رجل آخر، ولكن جابر رضي الله عنه لم تطب نفسه حتى فرق بين أبيه وبين من دفن معه، فحفره بعد ستة أشهر من دفنه فوجده كأنه دفن اليوم، لم يتغير إلا شيء في أذنه، شيئاً يسيرا، ثم أفرده في قبر، أما جابر رضي الله عنه فقد وفى دين أبيه واستوصى بأخواته خيراً حتى إنه تزوج بعد ذلك - أعني جابرًا - فقد تزوج بعد ذلك وتزوج امرأة ثيبًا فسأله النبي صلى الله عليه وسلم هل تزوجت؟ قال: نعم قال: بكرًا أم ثيبًا؟ قال: ثيبًا، قال: فهلا تزوجت بكرًا تلاعبك وتلاعبها، وتضاحكك وتضاحكها فقال: يا رسول الله إن أبي ترك أخوات لي وذكر أنه أخذ الثيب لتقوم عليهن (لتقوم على خدمتهن) .

في هذا الحديث كرامة لأبي جابر وهو عبد الله بن حرام أنه رضي الله عنه صدق الله رؤياه فصار أول قتيل في أحد، دفن ولم تأكل الأرض منه شيئاً إلا يسيراً وقد مضى عليه ستة أشهر وهذا من كراماته.

واعلم أن الإنسان إذا دفن فإن الأرض تأكله لا يبقى إلا عجب الذنب، وعجب الذنب هذا يكون كالنواة لخلق الناس يوم القيامة، تنبت منه الأجساد، إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإن الأرض لا تأكلهم، كما

ص: 91

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) أما غير الأنبياء فإن الأرض تأكل أجسادهم، ولكن قد يمنع الله الأرض أن تأكل أحدًا كرامة له والله الموفق

1508 -

وعن أنس رضي الله عنه: أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجا من عند النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة ومعهما مثل المصباحين بين أيديهما، فلما افترقا، صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله رواه البخاري من طرق، وفي بعضها أن الرجلين أسيد بن حُضير، وعباد بن بشر رضي الله عنهما.

[الشَّرْحُ]

هذان حديثان ذكره النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين في باب كرمات الأولياء وفضلهم وهو حديث الرجلين: أسيد بن حضير وعباد بن بشر رضي الله عنهما كانا عند النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة وكان في ذات الوقت ليس في الأسواق أنوار بل ولا في البيوت مصابيح، فخرجا من عند النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة، الليلة المظلمة، فجعل الله تعالى بين أيديهما مثل المصباحين يعني مثل

ص: 92

لمبة الكهرباء تضيء لهما الطريق، وليس هذا من فعلهما ولا بسبب منهما ولكن الله تعالى خلق نوراً يسعى بين أيديهما حتى تفرقا، وتفرق النور مع كل واحد منهما، حتى بلغا بيوتهما، وهذه كرامة من الله عز وجل، من كرامة الله تعالى أنه يضيء للعبد الطريق، الطريق الحسي وفائدته الحسية، فإن هذين الرجلين رضي الله عنهما وأرضاهما مشيا في إضاءة ونور بينما الأسواق ليس فيها إضاءة ولا أنوار والليلة مظلمة، فقيض الله لهما هذا النور.

هناك أيضًا نور معنوي يقذفه الله تعالى في قلب المؤمن كرامة له، تجد بعض العلماء يفتح الله عليه من العلوم العظيمة الواسعة في كل فن ويرزقه الفهم والحفظ والمجادلة، ومن هؤلاء العلماء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، فإن هذا الرجل من الله به على الأمة الإسلامية، ومازالت الأمة الإسلامية تنتفع بكتبه إلى يومنا هذا وقد توفي رحمه الله سنة 728هـ يعني منذ مئات السنين والأمة تنتفع بكتبه، وقد أعطاه الله تعالى علمًا عظيمًا، وفهمًا ثاقبًا، وقوة في المجادلة ولا أحد يستطيع أن يجادله في شيء أبداً، ما قام له أحد حتى إنه رحمه الله قال: أي إنسان يجادلني بالباطل ويستدل بآية أو حديث فإنني أنا سأجعل الآية والحديث دليلاً عليه وليست دليلاً له.

وهذا من نعمة الله عز وجل أن الله تعالى يعطي الإنسان قدرة إلى هذا الحد، وحتى إنه يتكلم مع المجادلين ويناظرهم ثم يقول لهم: انظروا إلى قول فلان من زعمائهم في كتابه الفلاني مع أن أتباع هذا الرجل الذي يجادلون فيه شيخ الإسلام لا يعلمون عن كتبه شيئاً وهو يعلم ما في كتبه، ومناظرته في العقيدة الواسطية مع القاضي المالكي عجيبة،

ص: 93

كان القاضي المالكي يحاول أن يجعل السلطان يبطش به؛ لكنه هو يقول: هذا لا يمكن ولا يجري على مذهبكم وأنتم أيها المالكية قلتم كذا وكذا.

ولا يمكن أن يدين للوالي في هذا الذي ذكرت بناء على مذهبكم، فيبهت الرجل، كيف يعرف من مذهبنا ما لا نعلم.

وله أيضًا رحمه الله في كل فن يد واسعة، كان عالماً في النحو والعربية والصرف والبلاغة.

حتى إن تلميذه ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد بحث بحثًا دقيقًا جدًا جدًا في الفرق بين مدح وحمد وكيف تفرق اللغة العربية بين المعاني في الكلمات بتقديم حرف أو تأخيره، وأتى ببحث عجيب، ثم قال: وكان شيخنا رحمه الله إذا تكلم في هذا أتى بالعجب العجاب، يعني في مسألة اللغة والصرف، ولكنه كما قال الشاعر:

تألق البرق نجديا فقلت له

إليك عني فإني عنك مشغول

يعني شيخ الإسلام مشتغل بما هو أكبر من مسألة نحوية أو بلاغية أو صرفية، فهو مشغول بأكبر من هذا، وفي يوم من الأيام قدم مصر وكان فيها أبو حيان اللغوي المشهور والمفسر من الكبير في هذا الباب، وكان أبو حيان يمدح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وله في مدحه قصيدة عصماء، منها قوله: قام ابن تيمية في

نشر الدين نصر شرعتنا

مقام سيد تيم إذا عصت مضر

وسيد تيم هو أبو بكر رضي الله عنه، يعني أنه قام في

ص: 94

الإسلام في محنة الإسلام والبدع مقام أبي بكر في يوم المحن ومدحه في قصيدة عصماء، فلما قدم مصر، جاء الناس إلى شيخ الإسلام ابن تيمية يستفيدون من علمه ويناقشونه وكان من بينهم أبو حيان، فناقشه في مسألة نحوية، لأن أبا حيان بحر محيط في النحو ناقشه في مسألة نحوية فقال له شيخ الإسلام: هذا غلط من كلام العرب، فقال له: كيف وسيبويه إمام النحويين ذكر هذا في كتابه، فقال له شيخ الإسلام: وهل سيبويه نبي نحو يجب علينا أن نتبعه؟ لقد أخطأ سيبويه في كتابه في أكثر من ثمانين موضعًا لا تعلمه أنت ولا سيبويه، سيبويه عند النحويين مثل البخاري عند أهل الحديث، فتعجب أبو حيان، كيف يقول هذا الكلام، ثم إنه ذهب عنه فأنشأ فيه قصيدة يذمه والعياذ بالله، بالأمس يمدحه والآن يذمه.

المهم أني أقول: إذا كان الله تعالى يعطي بالكرامات نورًا حسيًا يستضيء به الإنسان كما حدث لهذين الصحابيين، فكذلك يعطي الله نورًا معنويًا يقذفه في قلب العبد المؤمن، نسأل الله يقذف في قلوبنا وإياكم نورًا، يستطيع الإنسان به أن يتكلم في شريعة الله وكأن النصوص بين عينيه، وهذا من نعمة الله على العبد، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من أوليائه المتقين وعباده الصالحين

1509 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهط عينا سرية، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري رضي الله

ص: 95

عنه فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهداة، بين عسفان ومكة، ذكروا لحي من هذيل يقال لهم: بنو لحيان، فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام فاقتصوا آثارهم، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه، لجأوا إلى موضع، فأحاط بهم القوم، فقالوا: انزلوا، فأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدًا.

فقال عاصم بن ثابت: أيها القوم، أما أنا فلا أنزل على ذمة كافر.

اللهم أخبر عنا نبيك صلى الله عليه وسلم فرموهم بالنبل فقتلوا عاصمًا، ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق، منهم خبيب، وزيد بن الدثنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم، فربطوهم بها، قال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن لي بهؤلاء أسوة، يريد القتلى فجروه وعالجوه، فأبى أن يصحبهم، فقتلوه، وانطلقوا بخبيب، وزيد بن الدثنة، حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث ابن عامر بن نوفل بن عبد مناف خبيبًا، وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيراً حتى أجمعوا على قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها فأعارته، فدرج بني لها وهي غافلة حتى أتاه، فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده، ففزعت فزعة عرفها خبيب، فقال: أتخشين أن أقتله، ما كنت لأفعل ذلك، قالت: والله ما رأيت أسيراً خيراً من خبيب، فوالله لقد وجدته يوماً يأكل قطفاً من عنب في يده، وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيباً، فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل، قال لهم خبيب: دعوني أصلي

ص: 96

ركعتين، فتركوه، فركع ركعتين، فقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً.

وقال:

فلست أبالي حين أقتل مسلماً

على أي جنب كان لله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ

يبارك على أوصال شلو ممزع

وكان خبيب هو سن لكل مسلم صبراً الصلاة وأخبر - يعني النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم أصيبوا خبرهم، وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت حين حدثوا أنه قتل أن يؤتوا بشيء منه يعرف وكان قتل رجلاً من عظمائهم، فبعث الله لعاصم مثل الظلة من الدبر، فحمته من رسلهم فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئاً رواه البخاري.

قوله: الهداة: موضع، والظلة: السحاب، والدبر: النحل.

وقوله: اقتلهم بددا بكسر الباء وفتحها، فمن كسر، قال: هو جمع بدة بكسر الباء وهو النصيب، ومعناه اقتلهم حصصاً منقسمة لكل واحد منهم نصيب، ومن فتح، فقال: معناه: متفرقين في القتل واحدًا بعد واحد من التبديد.

وفي الباب أحاديث كثيرة صحيحة سبقت في مواضعها من هذا الكتاب، منها حديث الغلام الذي كان يأتي الراهب والساحر، ومنها حديث جريج، وحديث أصحاب الغار الذين أطبقت عليهم الصخرة، وحديث الرجل الذي سمع صوتًا في السحاب يقول: اسق حديقة فلان،

ص: 97

وغير ذلك والدلائل في الباب كثيرة مشورة، وبالله التوفيق.

:

[الشَّرْحُ]

ساق المؤلف رحمه الله في باب كرامات الأولياء وفضلهم عدة أحاديث، ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة عاصم بن ثابت الأنصاري وصحبه، أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو عشرة عينا سرية، عيناً يعني مثل الجواسيس للعدو، سرية يعني أخفاهم عليه الصلاة والسلام، فلما وصلوا قرب مكة شعر بهم جماعة من هذيل، فخرجوا إليهم في نحو مائة رجل رامٍ، يعني يجيدون الرمي، فاتبعوا آثارهم حتى أحاطوا بهم، ثم طلبوا منهم أي هؤلاء الهذليون طلبوا منهم أن ينزلوا بأمان وأعطوهم عهدًا أن لا يقتلوهم، فأما عاصم فقال: والله لا أنزل على ذمة كافر أي على عهده؛ لأن الكافر قد خان الله عز وجل، ومن خان الله خان عباد الله، ولهذا لما كتب أبو موسى الأشعري رضي الله عنه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كتب إليه أن عنده رجلاً نصرانياً جيدًا في المحاسبة، وطلب من عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يأذن له أن يوظف هذا النصراني على بيت المال؛ لأنه رجل جيد في الحساب، فكتب إليه عمر (إنني لا آمن من خان الله ورسوله) ؛ لأن كل كافر فهو خائن ولا توله على بيت المال، فكتب إليه مرة ثانية (أبو موسى) قال: هذا الرجل قلما يوجد مثله في الحساب والجودة، فكتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: بسم الله الرحمن الرحيم من أمير المؤمنين عبد الله عمر بن الخطاب: مات النصراني، والسلام كلمة واحدة

ص: 98

جملة واحدة، مات النصراني، يعني قدره أنه مات، هل إذا مات تتعطل المحاسبة عندنا في بيت المال، فقطع طمع أبي موسى رضي الله عنه.

المهم أن عاصم بن ثابت رضي الله عنه أبى أن ينزل على عهد الكفار؛ لأنهم لا يؤمنون، كل كافر فهو غير أمين، ثم إنهم رموهم بالنبل، أي هؤلاء الهذليون رموا هؤلاء الصحابة العشرة، فقتلوا عاصماً وقتلوا ستة آخرين، وبقي ثلاثة، بقي هؤلاء الثلاثة وقالوا: ننزل وننظر هل يوفون أم لا؟ فأخذهم الهذليون ثم حلوا قسيهم وربطوهم بها أي ربطوا أيديهم، فقال الثالث: هذا أول الغدر، لا يمكن أن أصحبكم، فحاولوا معه قال: أبدًا فقتلوه، ثم ذهبوا بخبيب وصاحبه إلى مكة فباعوهما، فاشترى خبيباً رضي الله عنه أناس من أهل مكة وقد كان قتل زعيمًا لهم في بدر، ورأوا أن هذه فرصة أن يقتلوه ثم أبقوه عندهم أسيراً مغلولة يداه، وفي يوم من الأيام كان في البيت وكان أسيراً مغلولة يده، فدرج صبي من أهل البيت إلى خبيب رضي الله عنه، فكأنه رق له ورحمه كعادة الإنسان يرحم الصغار ويرق لهم، ولهذا إذا رأيت من نفسك أنك ترق للصغار وترحمهم فهذه من علامة رحمة الله لك، لأن الراحمين يرحمهم الله عز وجل، ولهذا قال الأقرع بن الحابس لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقبل - أظنه الحسن والحسين - قال: إن لي عشرة من الولد ما قبلتهم، قال: أو أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك، إنما يرحم الله من عباده الرحماء.

ص: 99

خبيب أخذ الصبي ووضعه على فخذه وكان قد استعار من أهل البيت موسى (يعني موس) يستحد به أي يحلق به عانته، لما ذهب الصبي يلعب وأمه غافلة عنه، لما تفطنت له إذا هو على فخد خبيب، وخبيب معه الموس فظنت أن هذه فرصة لخبيب، ماذا يصنع، يذبح الولد، الموس معه والولد صبي وهو منفرد به، لكنه رضي الله عنه أمين، صحابي جليل، لما أحس أنها ارتاعت (فزعت) الأم، قال: والله ما كنت لأذبحه، قالت: والله ما رأيت أسيراً خيراً من خبيب، رأيته ذات يوم وفي يده قطف عنب يأكله، ومكة ما فيها ثمر، فعلمت أن ذلك من عند الله عز وجل، الله سبحانه وتعالى هيأ له هذا العنب وهو أسير لا يملك لنفسه شيئاً لا يستطيع أن يخرج إلى السوق يشتري أو يطعم، تحت رحمة هؤلاء، ولكن الله جل وعلا يسر له هذا القطف من العنب، يأكل عنباً وهو في مكة فعلمت أنه من عند الله.

وهذا كقصة مريم رضي الله عنها كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فهذه من كرامة الله تعالى لخبيب رضي الله عنه، أكرمه الله سبحانه وتعالى، تنزل عليه مائدة من العنب يأكلها وهو أسير في مكة، وبقي أسيراً ثم أجمع هؤلاء القوم - الذين قتل والدهم على يد خبيب - أجمعوا على أن يقتلوه، لكنهم لاحترامهم للحرم قالوا: نقتله خارج الحرم، لأن الإنسان إذا قتل أحدًا خارج الحرم ودخل إلى الحرم فإنه لا يجوز أن يقتل

ص: 100

في الحرم قال الله تعالى {ومن دخله كان أمناً} فهذه سنة كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام، على أن الإنسان إذا فعل ما يوجب القتل (يستحق عليه القتل) خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم فإن الحرم يعيذه ولا يجوز أن يقتل فيه، وماذا يصنع به؟ يعني لو قال قائل: لو سلمنا بهذه القاعدة، كان كل إنسان مجرم يذهب إلى الحرم ويلوذ به، قلنا: نحن لا نقتله في الحرم لكن نضيق عليه حتى يخرج، كيف نضيق عليه؟ قال العلماء: لا يؤكل معه ولا يشارب ولا يبايع ولا يشترى منه ولا يكلم، نضيق عليه حتى تضيق عليه الأرض بما رحبت، حينئذ ماذا يفعل؟ يخرج، وإذا خرج أقمنا عليه ما يجب عليه.

المهم أنهم خرجوا بخبيب خارج الحرم إلى الحل ليقتلوه، فطلب منهم، أن يصلي ركعتين؛ لأن أشرف الأعمال البدنية الصلاة، ولأنها صلة بين العبد وبين ربه عز وجل، فأذنوا له أن يصلي ركعتين، انتهى منها وقال: لولا أني أخاف أن تقولوا: إنه فر من القتل أو كلمة نحوها، لزدت، ولكنه رضي الله عنه صلى ركعتين فقط ثم قال: لولا أني أخاف أن تظنوا أن بي جزعاً لزدت؛ لأنه رضي الله عنه، كان حريصًا على الصلاة ويحب أن يكثر منها عند موته ثم دعا عليهم رضي الله عنه بهذه الدعوات الثلاث، اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددا، ولا تبق منهم أحدًا.

فأجاب الله دعوته، وما دار الحول على واحد منهم، كلهم قتلوا وهذا من كرامته.

ثم انشد هذا الشعر:

ولست أبالي حين أقتل مسلمًا

على أي جنب كان لله مصرعي

وذلك في ذات الإله فإن يشأ

يبارك على أوصال شلو ممزع

فصار من الكرامة لهذا الرجل أن الله سبحانه وتعالى كان يرزقه

ص: 101

الفاكهة التي لا توجد في مكة، وأنه كان يأكلها بيده، ويده موثقة بالحديد، وأنه أول من سن الصلاة عند القتل، فإنه فعل ذلك وأقره الله ورسوله، وأنه دعا على هؤلاء القوم، فأجاب الله دعوته أما عاصم بن ثابت الذي قتل رضي الله عنه، فإنه شعر به قوم من قريش، وكان قد قتل رجلاً من عظمائهم فأرسلوا إليه جماعة يأتون بشيء من أعضائه يعرف به حتى يطمئنوا أنه قتل، فلما جاء هؤلاء القوم ليأخذوا شيئاً من أعضائه، أرسل الله سبحانه وتعالى عليه شيئاً مثل الظلة من الدبر (أي من النحل) نحل عظيم، يحميه به الله تعالى من هؤلاء القوم، فعجزوا أن يقربوه ورجعوا خائبين.

وهذا أيضاً من كرامة الله سبحانه وتعالى لعاصم رضي الله عنه، أن الله سبحانه وتعالى حمى جسده بعد موته من هؤلاء الأعداء الذين يريدون أن يمثلوا به.

والكرامات كثيرة ذكر المؤلف منها ما ذكر في هذا الباب وذكر أيضاً أشياء متفرقة في هذا الكتاب.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: من أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله سبحانه وتعالى على أيديهم من أنواع العلوم والمكاشفات، والقدرة والتقديرات، وقال: الكرامات موجودة قبل هذه الأمة، وفي صدر هذه الأمة إلى يوم القيامة.

وذكر شيئاً كثيراً منها في كتابه الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن

ص: 102