الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
زوج الحرة، وقد حدَّث عنه الخطيب، وكان ثبتاً كثير السَّمَاعِ، كَثِيرَ الذِّكْرِ وَالتِّلَاوَةِ، مُمَتَّعًا بِحَوَاسِّهِ وَقُوَاهُ، إلى أن توفي في جمادى الأولى عن ست وتسعين سنة.
ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين وخمسمائة فِيهَا قُتِلَ الْخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ الْمَخْلُوعُ
، وَذَلِكَ أَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَهُ الْمَلِكُ دَاوُدُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ كِبَارِ الْأُمَرَاءِ، فَقَصَدُوا قِتَالَ مَسْعُودٍ بِأَرْضِ مَرَاغَةَ فَهَزَمَهُمْ وبدد شملهم، وقتل منهم خلقاً صبراً، مِنْهُمْ صَدَقَةُ بْنُ دُبَيْسٍ، وَوَلَّى أَخَاهُ مُحَمَّدًا مَكَانَهُ عَلَى الْحِلَّةِ، وَهَرَبَ الْخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ الْمَخْلُوعُ، فدخل أصبهان فقتله رجل ممن كَانَ يَخْدُمُهُ مِنَ الْخُرَاسَانِيَّةِ، وَكَانَ قَدْ بَرَأَ مِنْ وَجَعٍ أَصَابَهُ، فَقَتَلُوهُ فِي الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، وَدُفِنَ بِشَهْرَسْتَانَ ظَاهِرَ أَصْبَهَانَ.
وَقَدْ كَانَ حَسَنَ اللَّوْنِ مَلِيحَ الْوَجْهِ شَدِيدَ الْقُوَّةِ مهيباً، أمه أم ولد.
وفيها كسى الْكَعْبَةَ رَجُلٌ مِنَ التُّجَّارِ يُقَالُ لَهُ رَاسَتُ (1) الْفَارِسِيُّ، بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لم تأتها كسوة في هذا العام لأجل اختلاف الْمُلُوكِ.
وَفِيهَا كَانَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ بِبِلَادِ الشَّامِ والجزيرة والعراق، فانهدم شئ كثير من البيوت، وماتت تحت الهدم خلق كثير.
وَفِيهَا أَخَذَ الْمَلِكُ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي مَدِينَةَ حِمْصَ فِي الْمُحَرَّمِ، وَتَزَوَّجَ فِي رَمَضَانَ بِالسِّتِّ زُمُرُّدَ خَاتُونَ، أُمِّ صَاحِبِ دِمَشْقَ، وَهِيَ الَّتِي تُنْسَبُ إِلَيْهَا الْخَاتُونِيَّةُ الْبَرَّانِيَّةُ.
وَفِيهَا مَلَكَ صَاحِبُ الرُّومِ مَدِينَةَ بُزَاعَةَ، وَهِيَ عَلَى سِتَّةِ فَرَاسِخَ مِنْ حَلَبَ، فَجَاءَ أَهْلُهَا الَّذِينَ نَجَوْا مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ يَسْتَغِيثُونَ بِالْمُسْلِمِينَ بِبَغْدَادَ، فَمُنِعَتِ الْخُطْبَةُ بِبَغْدَادَ، وَجَرَتْ فِتَنٌ طَوِيلَةٌ.
وَفِيهَا تَزَوَّجَ السُّلْطَانُ مسعود بسفرى بِنْتَ دُبَيْسِ بْنِ صَدَقَةَ وَزُيِّنَتْ بَغْدَادُ لِذَلِكَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فَحَصَلَ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَسَادٌ عَرِيضٌ طَوِيلٌ مُنْتَشِرٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَ ابْنَةَ عَمِّهِ فَزُيِّنَتْ بَغْدَادُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَيْضًا.
وفيها ولد للسلطان الناصر صلاح يوسف بن أيوب بن شاري بقلعة تكريت.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا
مِنَ الْأَعْيَانِ..أَحْمَدُ بْنُ محمد أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْفَتْحِ الدِّينَوَرِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الْخَطَّابِ الْكَلْوَذَانِيِّ وأفتى ودرس وناظر، كان أسعد الميهني يقول عنه: مَا اعْتَرَضَ أَبُو بَكْرٍ الدِّينَوَرِيُّ عَلَى دَلِيلِ أحد إلا ثلمه، وقد تخرج به ابن الجوزي، وأنشد: تمنيت أن يمسي فقيهاً مناظراً * بغير عياء والجنون فُنُونُ وَلَيْسَ اكْتِسَابُ الْمَالِ دُونَ مَشَقَّةٍ * تَلَقَّيْتَهَا، فالعلم كيف يكون؟
(1) في الكامل 11 / 65: رامشت.
(*)
عبد المنعم بن عبد الكريم ابن هَوَازِنَ، أَبُو الْمُظَفَّرِ الْقُشَيْرِيُّ، آخِرُ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، سَمِعَ أَبَاهُ وَأَبَا بَكْرٍ الْبَيْهَقِيَّ وَغَيْرَهُمَا، وَسَمِعَ مِنْهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الْأَنْمَاطِيُّ، وَأَجَازَ ابْنَ الْجَوْزِيِّ، وَقَارَبَ التِّسْعِينَ.
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ابن محمد بن عمر، أبو الحسن الكرخي (1) ، سَمِعَ الْكَثِيرَ فِي بِلَادٍ شَتَّى، وَكَانَ فَقِيهًا مفتياً، تفقه بأبي إسحاق وغيره من الشافعية، وكان شَاعِرًا فَصِيحًا، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا الْفُصُولُ فِي اعْتِقَادِ الْأَئِمَّةِ الْفُحُولِ، يَذْكُرُ فِيهِ مَذَاهِبَ السَّلَفِ فِي بَابِ الِاعْتِقَادِ، وَيَحْكِي فِيهِ أَشْيَاءَ غَرِيبَةً حَسَنَةً، وَلَهُ تَفْسِيرٌ وَكِتَابٌ فِي الْفِقْهِ، وَكَانَ لَا يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ، وَيَقُولُ: لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ، وَقَدْ كَانَ إِمَامُنَا الشافعي يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي، واضربوا بقولي الْحَائِطَ.
وَقَدْ كَانَ حَسَنَ الصُّورَةِ جَمِيلَ الْمُعَاشَرَةِ، ومن شعره قوله: تَنَاءَتْ دَارُهُ عَنِّي وَلَكِنْ * خَيَالُ جَمَالِهِ فِي الْقَلْبِ سَاكِنْ إِذَا امْتَلَأَ الْفُؤَادُ بِهِ فَمَاذَا * يضر إذا خلت منه الأماكن توفى وقد قارب التسعين (2) .
الخليفة الراشد منصور بن المسترشد، قتل بأصبهان بَعْدَ مَرَضٍ أَصَابَهُ، فَقِيلَ إِنَّهُ سُمَّ، وَقِيلَ قَتَلَتْهُ الْبَاطِنِيَّةُ، وَقِيلَ قَتَلَهُ الْفَرَّاشُونَ الَّذِينَ كَانُوا يَلُونَ أَمْرَهُ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصُّولِيِّ أَنَّهُ قَالَ: النَّاسُ يَقُولُونَ كُلُّ سَادِسٍ يَقُومُ بِأَمْرِ النَّاسِ مِنْ أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لَا بدَّ أَنْ يُخْلَعَ (3) .
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فَتَأَمَّلْتُ ذَلِكَ فَرَأَيْتُهُ عَجَبًا قيام رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ علي ثم الحسن فخلعه معاوية ثمَّ يزيد وَمُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ وَمَرْوَانُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ، ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَخُلِعَ وَقُتِلَ (4) ، ثُمَّ الْوَلِيدُ ثمَّ سُلَيْمَانُ ثُمَّ عُمَرُ بْنُ عبد العزيز ثمَّ يزيد ثمَّ هشام ثمَّ الوليد بن يزيد فخلع
(1) في تذكرة الحفاظ 4 / 1277 الكرجي وضبطها في شذارت الذهب 4 / 100 الكرجي بكاف وراء مفتوحتين وبالجيم.
(2)
في الكامل 11 / 66: مولده سنة 458 هـ فيكون عمره عند وفاته 74 سنة (انظر شذرات الذهب) .
(3)
زيد في رواية ابن الاثير عن الصولي: وربما قتل.
(4)
قال ابن الأثير: وفي هذا - أي في قول الصولي - نظر لان البيعة لابن الزبير كانت قبل البيعة لعبد الملك وكونه جعله بعده لا وجه له.
والصولي إنما ذكر إلى أيام المقتدر بالله ومن بعده ذكره غيره.
(11 / 63) .
(*)
وَقُتِلَ، وَلَمْ يَنْتَظِمْ لِبَنِي أُمَيَّةَ بَعْدَهُ أَمْرٌ حَتَّى قَامَ السَّفَّاحُ الْعَبَّاسِيُّ ثُمَّ أَخُوهُ الْمَنْصُورُ ثُمَّ الْمَهْدِيُّ ثُمَّ الْهَادِي ثُمَّ الرَّشِيدُ ثُمَّ الْأَمِينُ فَخُلِعَ وَقُتِلَ، ثُمَّ الْمَأْمُونُ وَالْمُعْتَصِمُ وَالْوَاثِقُ والمتوكل والمنتصر ثم المستعين فخلع ثم قتل، ثُمَّ الْمُعْتَزُّ وَالْمُهْتَدِي وَالْمُعْتَمِدُ وَالْمُعْتَضِدُ وَالْمُكْتَفِي ثُمَّ الْمُقْتَدِرُ فَخُلِعَ ثُمَّ أُعِيدَ فَقُتِلَ، ثُمَّ الْقَاهِرُ وَالرَّاضِي وَالْمُتَّقِي وَالْمُكْتَفِي وَالْمُطِيعُ ثُمَّ الطَّائِعُ فَخُلِعَ، ثُمَّ الْقَادِرُ وَالْقَائِمُ وَالْمُقْتَدِي وَالْمُسْتَظْهِرُ وَالْمُسْتَرْشِدُ ثُمَّ الراشد فخلع وقتل.
أنو شروان بن خالد (1) ابن محمد القاشاني القيني، من قرية قين مِنْ قَاشَانَ، الْوَزِيرُ أَبُو نَصْرٍ، وَزَرَ لِلسُّلْطَانِ مَحْمُودٍ وَلِلْخَلِيفَةِ الْمُسْتَرْشِدِ، وَكَانَ عَاقِلًا مَهِيبًا عَظِيمَ الْخِلْقَةِ، وَهُوَ الَّذِي أَلْزَمَ أَبَا مُحَمَّدٍ الْحَرِيرِيَّ بِتَكْمِيلِ
الْمَقَامَاتِ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا محمد كان جالساً في مسجد بني حرام في محلة مِنْ مَحَالِّ الْبَصْرَةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ شَيْخٌ ذُو طِمْرَيْنِ فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ أَنَا رَجُلٌ مِنْ سَرُوجَ، يُقَالُ لِي: أَبُو زَيْدٍ.
فَعَمِلَ الْحَرِيرِيُّ الْمَقَامَةَ الْحَرَامِيَّةَ وَاشْتُهِرَتْ فِي النَّاسِ، فَلَمَّا طَالَعَهَا الْوَزِيرُ أَنُوشِرْوَانُ أُعْجِبَ بِهَا وَكَلَّفَ أَبَا محمد الحريري أن يزيد عليها غيرها فزاد عليها غيرها إلى تَمَامَ خَمْسِينَ مَقَامَةً، فَهِيَ هَذِهِ الْمَشْهُورَةُ الْمُتَدَاوَلَةُ بين الناس، وقد كان الوزير أنوشروان كريماً، وقد مدحه الحريري صاحب المقامات: ألا ليت شعري والتمني لعله * وَإِنْ كَانَ فِيهِ رَاحَةٌ لِأَخِي الْكَرْبِ أَتَدْرُونَ أَنِّي مُذْ تَنَاءَتْ دِيَارُكُمْ * وَشَطَّ اقْتِرَابِي مِنْ جنابكم الرحب أكابد شوقاً ما أزال أداره * يُقَلِّبُنِي فِي اللَّيْلِ جَنْبًا عَلَى جَنْبِ وَأَذْكُرُ أَيَّامَ التَّلَاقِي فَأَنْثَنِي * لِتِذْكَارِهَا بَادِي الْأَسَى طَائِرَ اللُّبِّ وَلِي حَنَّةٌ فِي كُّلِّ وَقْتٍ إِلَيْكُمُ * ولا حنة الصادي إلى البارد العذب فو الله لَوْ أَنِّي كَتَمْتُ هَوَاكُمُ * لَمَا كَانَ مَكْتُومًا بِشَرْقٍ وَلَا غَرْبِ وَمِمَّا شَجَا قَلْبِي الْمُعَنَّى وَشَفَّهُ * رِضَاكُمْ بِإِهْمِالِ الْإِجَابَةِ عَنْ كُتْبِي وَقَدْ كُنْتُ لَا أَخْشَى مَعَ الذَّنْبِ جَفْوَةً * فَقَدْ صِرْتُ أَخْشَاهَا وَمَا لِيَ مِنْ ذَنْبِ وَلَمَّا سَرَى الْوَفْدُ الْعِرَاقِيُّ نَحْوَكُمْ * وَأَعْوَزَنِي الْمَسْرَى إِلَيْكُمْ مع الركب جعلت كتابي نائباً عن ضرورتي * ومن لم يجد ماء تيمم بالترب ويعضد أيضاً بضعة من جوارحي * تنبيكم عن سر حالي وتستنبي ولست أرى أذكاركم بعد خيركم * بمكرمة، حسبي اعتذاركم حسبي
(1) ذكرت وفاته سنة 533 هـ (انظر الكامل 11 / 70 الوافي ترجمة 4363) .
(*)