الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَالصَّبَّاغِينَ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَوَاضِعِ، وَهَذِهِ مُصِيبَةٌ أخرى إلى ما بالناس من الجوع والغلاء والفناء، ضعف الناس حتى طغت النار فعملت أعمالها، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وَفِيهَا كَثُرَ الْعَيَّارُونَ بِبَغْدَادَ، وَأَخَذُوا الْأَمْوَالَ جِهَارًا، وَكَبَسُوا الدُّورَ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَكُبِسَتْ دَارُ أَبِي جعفر الطوسي متكلم الشيعة، وأحرقت كتبه ومآثره، ودفاتره التي كان يستعملها في ضلالته وبدعته، ويدعو إليها أهل ملته ونحلته، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَفِيهَا دَخَلَ الْمَلِكُ طُغْرُلْبَكُ بَغْدَادَ عائداً إليها من الموصل فتلقاه الناس والكبراء إلى أثناء الطريق، وأحضر له ريئس الرؤساء خلعة من الخليفة مرصعة بالجوهر فَلَبِسَهَا، وَقَبَّلَ الْأَرْضَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ دَخَلَ دَارَ الْخِلَافَةِ، وَقَدْ رَكِبَ إِلَيْهَا فَرَسًا مِنْ مَرَاكِبِ الْخَلِيفَةِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى الْخَلِيفَةِ إِذَا هُوَ عَلَى سَرِيرٍ طُولُهُ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ، وَعَلَى كتفه البردة النبوية، وبيده القضيب، فقبل الأرض وجلس عَلَى سَرِيرٍ دُونَ سَرِيرِ الْخَلِيفَةِ، ثُمَّ قَالَ الْخَلِيفَةُ لِرَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ: قُلْ لَهُ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ
حَامِدٌ لِسَعْيِكَ شَاكِرٌ لِفِعْلِكَ، آنِسٌ بِقُرْبِكَ، وَقَدْ ولاك جميع ما ولاه الله تعالى مِنْ بِلَادِهِ، فَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَا وَلَّاكَ، وَاجْتَهِدْ فِي عِمَارَةِ الْبِلَادِ وَإِصْلَاحِ الْعِبَادِ وَنَشْرِ الْعَدْلِ، وَكَفِّ الظُّلْمِ، فَفَسَّرَ لَهُ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ مَا قال الخليفة فَقَامَ وَقَبَّلَ الْأَرْضَ وَقَالَ: أَنَا خَادِمُ أَمِيرِ المؤمنين وعبده، ومتصرف على أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَمُتَشَرِّفٌ بِمَا أَهَّلَنِي لَهُ وَاسْتَخْدَمَنِي فِيهِ، وَمِنَ اللَّهِ أَسْتَمِدُّ الْمَعُونَةَ وَالتَّوْفِيقَ.
ثُمَّ أمره الخليفة أَنْ يَنْهَضَ لِلُبْسِ الْخِلْعَةَ فَقَامَ إِلَى بَيْتٍ فِي ذَلِكَ الْبَهْوِ، فَأُفِيضَ عَلَيْهِ سَبْعُ خِلَعٍ وَتَاجٌ، ثُمَّ عَادَ فَجَلَسَ عَلَى السَّرِيرِ بَعْدَ مَا قَبَّلَ يَدَ الْخَلِيفَةِ، وَرَامَ تَقْبِيلَ الْأَرْضِ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ التَّاجِ، فَأَخْرَجَ الْخَلِيفَةُ سَيْفًا فقلده إياه وخوطب بملك الشرق والغرب، وأحضرت ثلاث ألوية فعقد منها الخليفة لواء بيده، وأحضر العهد إلى الملك، وقرئ بين يديه بحضرة الملك وأوصاه الخليفة بتقوى الله والعدل في الرعية، ثم نهض فقبل يد الخليفة ثم وضعها عَلَى عَيْنَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ فِي أُبَّهَةٍ عَظِيمَةٍ إلى داره وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْحِجَابُ وَالْجَيْشُ بِكَمَالِهِ، وَجَاءَ النَّاسُ للسلام عليه، وَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ بِتُحَفٍ عَظِيمَةٍ، مِنْهَا خَمْسُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَخَمْسُونَ غُلَامًا أَتْرَاكًا، بِمَرَاكِبِهِمْ وَسِلَاحِهِمْ وَمَنَاطِقِهِمْ، وَخَمْسُمِائَةِ ثَوْبٍ أَنْوَاعًا، وَأَعْطَى رَئِيسَ الرُّؤَسَاءِ خمسة آلاف دينار، وخمسين قطعة قماش وغير ذلك.
وَفِيهَا قَبَضَ صَاحِبُ مِصْرَ عَلَى وَزِيرِهِ أَبِي محمد الحسن بن عبد الرحمن البازري (1) ، وأخذ خطه بثلاثة آلاف دِينَارٍ، وَأُحِيطَ عَلَى ثَمَانِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَدْ كَانَ هَذَا الْوَزِيرُ فَقِيهًا حَنَفِيًّا، يُحْسِنُ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَهْلِ الْحَرَمَيْنِ، وَقَدْ كَانَ الشَّيْخُ أبو يوسف القزويني يثني عليه ويمدحه.
وممن توفي فيها
من الأعيان
…
(1) في الكامل 9 / 635 ومختصر أخبار البشر 2 / 176: البازوري.
قال أبو الفداء: وهو الحسن بن عبد الله وكان قاضيا في الرملة على مذهب أبي حنيفة ثم تولى الوزارة.
(*)
أحمد بن عبد الله بن سليمان ابن محمد بن سليمان بن أحمد سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنَ الْمُطَهِّرِ بْنِ زِيَادِ بن ربيعة بن الحرث بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أَنْوَرَ بْنِ أَسْحَمَ بْنِ أَرْقَمَ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ غَطَفَانَ بن عمرو بن بريح بن خزيمة (1) بْنِ
تَيْمِ اللَّهِ بْنِ أَسَدِ بْنِ وَبْرَةَ بْنِ تَغَلِبَ بْنِ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ أَبُو الْعَلَاءِ الْمَعَرِّيُّ التَّنُوخِيُّ الشَّاعِرُ، الْمَشْهُورُ بِالزَّنْدَقَةِ، اللُّغَوِيُّ، صَاحِبُ الدَّوَاوِينِ وَالْمُصَنَّفَاتِ فِي الشِّعْرِ وَاللُّغَةِ، وُلِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَأَصَابَهُ جُدَرِيٌّ وَلَهُ أربع سنين أَوْ سَبْعٌ، فَذَهَبَ بَصَرُهُ، وَقَالَ الشِّعْرَ وَلَهُ إحدى أَوْ ثِنْتَا عَشْرَةَ سَنَةً، وَدَخَلَ بَغْدَادَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَأَقَامَ بِهَا سَنَةً وَسَبْعَةَ أشهر، ثم خرج منها طريدا منهزما ولانه سأل سؤالاً بشعر يدل على قلة دينه وعلمه وعقله فقال: تناقض فما لَنَا إِلَّا السُّكُوتُ لَهُ * وَأَنْ نَعُوذَ بِمَوْلَانَا من النار يد بخمس مئين عسجد وديت * ما بالها قطعت في ربع دينار وهذا من إفكه يَقُولُ: الْيَدُ دِيَتُهَا خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ، فَمَا لَكُمْ تَقْطَعُونَهَا إِذَا سَرَقَتْ رُبْعَ دِينَارٍ، وَهَذَا مِنْ قلة عقله وعلمه، وعمى بصيرته.
وذلك أنه إذا جنى عليه يُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ دِيَتُهَا كَثِيرَةً لِيَنْزَجِرَ النَّاسُ عن العدوان، وأما إذا جنت هي بالسرقة فيناسب أن تقل قيمتها وديتها لينزجر الناس عن أموال الناس وتصان أموالهم، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ ثَمِينَةً لَمَّا كَانَتْ أَمِينَةً، فَلَمَّا خَانَتْ هَانَتْ.
وَلَمَّا عَزَمَ الْفُقَهَاءُ على أخذه بهذا وأمثاله هَرَبَ وَرَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ، وَلَزِمَ مَنْزِلَهُ فَكَانَ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ.
وَكَانَ يَوْمًا عِنْدَ الْخَلِيفَةِ وَكَانَ الْخَلِيفَةُ يَكْرَهُ الْمُتَنَبِّي وَيَضَعُ مِنْهُ، وَكَانَ أَبُو الْعَلَاءِ يُحِبُّ الْمُتَنَبِّي وَيَرْفَعُ مِنْ قَدْرِهِ وَيَمْدَحُهُ، فَجَرَى ذِكْرُ الْمُتَنَبِّي فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ فَذَمَّهُ الْخَلِيفَةُ، فَقَالَ أَبُو الْعَلَاءِ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُتَنَبِّي إِلَّا قَصِيدَتُهُ الَّتِي أَوَّلُهَا * لَكِ يَا مَنَازِلُ فِي الْقُلُوبِ مَنَازِلُ * لَكَفَاهُ ذَلِكَ.
فَغَضِبَ الْخَلِيفَةُ وَأَمَرَ بِهِ فَسُحِبَ بِرِجْلِهِ عَلَى وَجْهِهِ وَقَالَ: أَخْرِجُوا عَنِّي هَذَا الْكَلْبَ.
وَقَالَ الْخَلِيفَةُ: أَتَدْرُونَ مَا أَرَادَ هَذَا الْكَلْبُ مِنْ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ؟ وَذِكْرِهِ لَهَا؟ أَرَادَ قَوْلَ الْمُتَنَبِّي فِيهَا: وَإِذَا أَتَتْكَ مَذَمَّتِي مِنْ نَاقِصٍ * فَهْيَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنِّي كَامِلُ وَإِلَّا فَالْمُتَنَبِّي لَهُ قَصَائِدُ أَحْسَنُ مِنْ هَذِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ هَذَا.
وَهَذَا مِنْ فَرْطِ ذَكَاءِ الْخَلِيفَةِ، حَيْثُ تَنَبَّهَ لِهَذَا.
وَقَدْ كَانَ الْمَعَرِّيُّ أَيْضًا مِنَ الْأَذْكِيَاءِ، وَمَكَثَ الْمَعَرِّيُّ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ عُمُرِهِ لا يأكل اللحم ولا اللبن ولا البيض، وَلَا شَيْئًا مِنْ حَيَوَانٍ، عَلَى طَرِيقَةِ الْبَرَاهِمَةِ الفلاسفة، ويقال أنه اجتمع
براهب في بعض الصوامع في مجيئه من بعض السواحل آواه الليل عنده، فشككه في دين الإسلام،
(1) في وفيات الاعيان 1 / 113: جذيمة.
(*)
وكان يتقوت بالنبات وغيره، وَأَكْثَرُ مَا كَانَ يَأْكُلُ الْعَدَسَ وَيَتَحَلَّى بِالدِّبْسِ وبالتين، وكان لا يَأْكُلُ بِحَضْرَةِ أَحَدٍ، وَيَقُولُ: أَكْلُ الْأَعْمَى عَوْرَةٌ، وكان في غاية الذكاء المفرط، وعلى ما ذكروه، وأما ما ينقلونه عنه من الاشياءة المكذوبة المختلقة مِنْ أَنَّهُ وُضِعَ تَحْتَ سَرِيرِهِ دِرْهَمٌ فَقَالَ: إِمَّا إنَّ تَكُونَ السَّمَاءُ قَدِ انْخَفَضَتْ مِقْدَارَ درهم أو الأرض قد ارتفعت مقدار درهم، أي أنه شعر بارتفاع سريره عن الأرض مقدار ذلك الدرهم الذي وضع تحته، فهذا لا أصل له.
وكذلك يذكرون عنه أَنَّهُ مَرَّ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ بِمَكَانٍ فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: أَمَا هنا شجرة؟ قالوا: لا، فنظروا فإذا أصل شجرة كانت هنا في الموضع الذي طأطأ رأسه فيه، وقد قطعت، وكان قد اجتاز بها قديماً مَرَّةً فَأَمَرَهُ مَنْ كَانَ مَعَهُ بِمُطَأْطَأَةِ رَأْسِهِ لمّا جازوا تحتها، فلما مر بها المرة الثانية طأطأ رأسه خوفاً من أن يصيبه شئ منها، فهذا لا يصح.
وقد كَانَ ذَكِيًّا، وَلَمْ يَكُنْ زَكِيًّا، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ كَثِيرَةٌ أَكْثَرُهَا فِي الشِّعْرِ، وَفِي بَعْضِ أَشْعَارِهِ ما يدل على زندقته، وانحلاله من الدين، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يعتذر عنه ويقول: إنه إنما كان يقول ذلك مجوناً ولعباً، ويقول بلسانه ما ليس في قلبه، وقد كان باطنه مسلماً.
قال ابن عقيل لما بلغه: وما الذي ألجأه أَنْ يَقُولَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَا يُكَفِّرُهُ بِهِ النَّاس؟ قَالَ: وَالْمُنَافِقُونَ مَعَ قِلَّةِ عَقْلِهِمْ وعلمهم أجود سياسة منه، لأنهم حافظوا على قبائحهم في الدنيا وستروها، وهذا أظهر الكفر الذي تسلط عليه به الناس وزندقوه، والله يعلم أن ظاهره كباطنه.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَقَدْ رَأَيْتُ لِأَبِي الْعَلَاءِ الْمَعَرِّيِّ كِتَابًا سَمَّاهُ الْفُصُولَ وَالْغَايَاتِ، فِي مُعَارَضَةِ السُّورِ وَالْآيَاتِ، عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ فِي آخِرِ كلماته وهو في غاية الرَّكَاكَةِ وَالْبُرُودَةِ، فَسُبْحَانَ مَنْ أَعْمَى بَصَرَهُ وَبَصِيرَتَهُ.
قَالَ: وَقَدْ نَظَرْتُ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى لُزُومَ مَا لَا يَلْزَمُ، ثُمَّ أَوْرَدَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ من أشعاره الدالة على استهتاره بدين الإسلام أَشْيَاءَ كَثِيرَةً.
فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
إِذَا كَانَ لَا يَحْظَى بِرِزْقِكَ عَاقِلٌ * وَتَرْزُقُ مَجْنُونًا وَتَرْزُقُ أَحْمَقَا فَلَا ذَنْبَ يَا رَبَّ السَّمَاءِ عَلَى امْرِئٍ * رَأَى مِنْكَ مَا لَا يَشْتَهِي فَتَزَنْدَقَا وقوله: ألا إن الْبَرِيَّةَ فِي ضَلَالٍ * وَقَدْ نَظَرَ اللَّبِيبُ لِمَا اعْتَرَاهَا تَقَدَّمَ صَاحِبُ التَّوْرَاةِ مُوسَى * وَأَوْقَعَ فِي الْخَسَارِ مَنِ افْتَرَاهَا فَقَالَ رِجَالُهُ وَحْيٌ أَتَاهُ * وَقَالَ النَّاظِرُونَ بَلِ افْتَرَاهَا وَمَا حَجِّي إِلَى أحجار بيت * كروس الحمر تشرف فِي ذَرَاهَا إِذَا رَجَعَ الْحَلِيمُ إِلَى حِجَاهُ * تهاون بالمذاهب وازدراها وقوله: عفت الحنيفة والنصارى اهتدت * ويهود جارت والمجوس مضلله
اثْنَانِ أَهْلُ الْأَرْضِ ذُو عَقْلٍ بِلَا * دِينٍ وآخر ذو دين ولا عَقْلَ لَهْ وَقَوْلُهُ: فَلَا تَحْسَبْ مَقَالَ الرُّسْلِ حَقًّا * وَلَكِنْ قَوْلُ زُورٍ سَطَّرُوهُ فَكَانَ النَّاسُ في عيش رغيد * فجاؤوا بالمحال فكدروه وقلت أنا معارضة عليه: فلا تحسب مقال الرسل زوراً * وَلَكِنْ قَوْلُ حَقٍّ بَلَّغُوهُ وَكَانَ النَّاسُ فِي جهل عظيم * فجاؤوا بالبيان فأوضحوه وقوله: إِنَّ الشَّرَائِعَ أَلْقَتْ بَيْنَنَا إِحَنًا * وَأَوْرَثَتْنَا أَفَانِينَ الْعَدَاوَاتِ وَهَلْ أُبِيحُ نِسَاءُ الرُّومِ عَنْ عُرُضٍ * لِلْعُرْبِ إِلَّا بِأَحْكَامِ النُّبُوَّاتِ وَقَوْلُهُ:
وَمَا حَمْدِي لِآدَمَ أَوْ بَنِيهِ * وَأَشْهَدُ أَنَّ كُلَّهُمُ خَسِيسُ وقوله: أفيقوا أفيقوا يا غواة فإنما * دياناتكم مكراً من القدما وقوله: صَرْفُ الزَّمَانِ مُفَرِّقُ الْإِلْفَيْنِ * فَاحْكُمْ إِلَهِي بَيْنَ ذاك وبيني نهيت عن قتل النفوس تعمداً * وبعثت تقبضها مع الملكين وَزَعَمْتَ أَنَّ لَهَا مَعَادًا ثَانِيًا * مَا كَانَ أغناها عن الحالين وقوله: ضَحِكْنَا وَكَانَ الضِّحْكُ مِنَّا سَفَاهَةً * وَحُقَّ لِسُكَّانِ الْبَسِيطَةِ أَنْ يَبْكُوا تُحَطِّمُنَا الْأَيَّامُ حَتَّى كَأَنَّنَا * زجاج ولكن لا يعود له سبك وقوله: أُمُورٌ تَسْتَخِفُّ بِهَا حُلُومٌ * وَمَا يَدْرِي الْفَتَى لِمَنِ الثُّبُورُ كِتَابُ مُحَمَّدٍ وَكِتَابُ مُوسَى * وَإِنْجِيلُ ابن مريم والزبور وقوله: قَالَتْ مُعَاشِرُ لَمْ يَبْعَثْ إِلَهُكُمُ * إِلَى الْبَرِيَّةِ عيساها ولا موسى وَإِنَّمَا جَعَلُوا الرَّحْمَنَ مَأْكَلَةً * وَصَيَّرُوا دِينَهُمْ فِي الناس ناموسا
وذكر ابن الجوزي وغير أشياء كثيرة من شعره تدل على كفره، بل كل واحدة من هذه الأشياء تدل على كفره وزندقته وانحلاله، وَيُقَالُ إِنَّهُ أَوْصَى أَنْ يُكْتَبَ عَلَى قَبْرِهِ: هَذَا جَنَاهُ أَبِي عَلَيَّ * وَمَا جَنَيْتُ عَلَى أَحَدْ مَعْنَاهُ أَنَّ أَبَاهُ بِتَزَوُّجِهِ لِأُمِّهِ أَوْقَعَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ، حَتَّى صَارَ بِسَبَبِ ذَلِكَ إِلَى مَا إِلَيْهِ صَارَ، وَهُوَ لَمْ يَجْنِ عَلَى أَحَدٍ بِهَذِهِ الْجِنَايَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ كُفْرٌ وَإِلْحَادٌ قَبَّحَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ أَقْلَعَ عَنْ هَذَا كُلِّهِ وَتَابَ مِنْهُ، وَأَنَّهُ قال قصيدة يعتذر فيها من ذلك كُلِّهِ، وَيَتَنَصَّلُ مِنْهُ، وَهِيَ الْقَصِيدَةُ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا:
يَا مَنْ يَرَى مَدَّ الْبَعُوضِ جَنَاحَهَا * فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ الْبَهِيمِ الْأَلْيَلِ وَيَرَى مَنَاطَ عُرُوقِهَا فِي نَحْرِهَا * وَالْمْخُّ فِي تِلْكَ الْعِظَامِ النُّحَّلِ امْنُنْ عَلَيَّ بِتَوْبَةٍ تَمْحُو بِهَا * مَا كان مني في الزمان الأول تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بِمَعَرَّةِ النُّعْمَانِ، عَنْ سِتٍّ وَثَمَانِينَ سَنَةً إِلَّا أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقَدْ رَثَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَتَلَامِذَتِهِ، وَأُنْشِدَتْ عِنْدَ قَبْرِهِ ثَمَانُونَ مَرْثَاةً، حتى قال بعضهم (1) في مرثاه له: إِنْ كُنْتَ لَمْ تُرِقِ الدِّمَاءَ زَهَاَدَةً * فَلَقَدْ أَرَقْتَ الْيَوْمَ مِنْ جَفْنِي دَمَا قَالَ ابْنُ الجوزي: وهؤلاء الذين رثوه والذين اعتقدوه: إِمَّا جُهَّالٌ بِأَمْرِهِ، وَإِمَّا ضُلَّالٌ عَلَى مَذْهَبِهِ وطريقه.
وَقَدْ رَأَى بَعْضُهُمْ فِي النَّوْمِ رَجُلًا ضَرِيرًا على عاتقه حيتان مدليتان على صدره، رافعتان رأسيهما إليه، وَهُمَا يَنْهَشَانِ مِنْ لَحْمِهِ، وَهُوَ يَسْتَغِيثُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: هَذَا الْمَعَرِّيُّ الْمُلْحِدُ وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ خلكان فرفع في نسبه على عادته في الشعراء، كما ذكرنا.
وقد ذكر له من المصنفات كُتُبًا كَثِيرَةً، وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ وَقَفَ عَلَى الْمُجَلَّدِ الْأَوَّلِ بَعْدَ الْمِائَةِ مِنْ كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بالايك والغصون، وهو المعروف بالهمز وَالرِّدْفِ، وَأَنَّهُ أَخَذَ الْعَرَبِيَّةَ عَنْ أَبِيهِ وَاشْتَغَلَ بِحَلَبَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ النَّحْوِيِّ، وَأَخَذَ عَنْهُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ، وَالْخَطِيبُ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ التِّبْرِيزِيُّ، وَذَكَرَ أَنَّهُ مَكَثَ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ عَلَى طَرِيقَةِ الْحُكَمَاءِ، وَأَنَّهُ أَوْصَى أَنْ يَكْتُبَ عَلَى قَبْرِهِ: هَذَا جَنَاهُ أَبِي عَلَيَّ * وَمَا جَنَيْتُ عَلَى أَحَدْ قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَهَذَا أَيْضًا مُتَعَلِّقٌ باعتقاد الحكماء، فإنهم يقولون اتخاذ الْوَلَدِ وَإِخْرَاجُهُ إِلَى هَذَا الْوُجُودِ جِنَايَةٌ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَتَعَرَّضُ لِلْحَوَادِثِ وَالْآفَاتِ.
قُلْتُ: وَهَذَا يَدُلُّ على أنه لم يتغير عن
(1) وهو أبو الحسن علي بن همام.
(*)