الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حِصَارِ بَغْدَادَ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ السُّلْطَانَ مُحَمَّدَ بن محمود بن ملكشاه أرسل إلى المقتفي يطلب منه أن يخطب له في بغداد، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، فَسَارَ مِنْ هَمَذَانَ إِلَى بَغْدَادَ لِيُحَاصِرَهَا، فَانْجَفَلَ النَّاسُ وَحَصَّنَ الْخَلِيفَةُ الْبَلَدَ، وَجَاءَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ فَحَصَرَ بَغْدَادَ، وَوَقَفَ تُجَاهَ التَّاجِ مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ فِي جَحْفَلٍ عظيم، ورموا نحوه النشاب، وقاتلت العامة مع الخليفة قتالاً شديداً بالنفط وغيره، واستمر القتال مدة، فبينما هم كذلك إذ جاءه الخبر أَنَّ أَخَاهُ قَدْ خَلَفَهُ فِي هَمَذَانَ، فَانْشَمَرَ عن بغداد إليها فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وتفرقت عنه الْعَسَاكِرُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ فِي الْبِلَادِ، وَأَصَابَ النَّاس بعد ذلك الْقِتَالِ مَرَضٌ شَدِيدٌ، وَمَوْتٌ ذَرِيعٌ، وَاحْتَرَقَتْ مَحَالُّ كَثِيرَةٌ مِنْ بَغْدَادَ، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ فِيهَا مُدَّةَ شهرين.
وفيها أطلق أبو الوليد الْبَدْرِ بْنُ الْوَزِيرِ بْنِ هُبَيْرَةَ مِنْ قَلْعَةِ تكريت، وكان معتقلاً فيها من مدة ثَلَاثَ سِنِينَ، فَتَلَقَّاهُ النَّاسُ إِلَى أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، وامتدحه الشعراء، وكان من جملتهم الأبله الشاعر، أنشأ الْوَزِيرَ قَصِيدَةً يَقُولُ فِي أَوَّلِهَا: بِأَيِّ لِسَانٍ لِلْوُشَاةِ أُلَامُ * وَقَدْ عَلِمُوا أَنِّي سَهِرْتُ وَنَامُوا؟ إلى أن قال: ويستكثرون الوصل لي لَيْلَةً * وَقَدْ مَرَّ عَامٌ بِالصُّدُودِ وَعَامُ فَطَرِبَ الوزير عِنْدَ ذَلِكَ.
وَخَلَعَ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ وَأَطْلَقَ لَهُ خمسين ديناراً، وحج بالناس قيماز.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا
مِنَ الْأَعْيَانِ..عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ أَبُو الْحَسَنِ الْغَزْنَوِيُّ الْوَاعِظُ، كَانَ لَهُ قَبُولٌ كَثِيرٌ مِنَ الْعَامَّةِ، وَبَنَتْ لَهُ الْخَاتُونُ زَوْجَةُ الْمُسْتَظْهِرِ رِبَاطًا بِبَابِ الْأَزَجِّ، وَوَقَفَتْ عَلَيْهِ أوقافاً كثيرة، وحصل لَهُ جَاهٌ عَرِيضٌ وَزَارَهُ السُّلْطَانُ.
وَكَانَ حَسَنَ
الْإِيرَادِ مَلِيحَ الْوَعْظِ، يَحْضُرُ مَجْلِسَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ وجم غفير من أصناف الناس.
وقد ذكر ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَشْيَاءَ مِنْ وَعْظِهِ، قَالَ وَسَمِعْتُهُ يَوْمًا يَقُولُ: حُزْمَةُ حُزْنٍ خَيْرٌ مِنْ أَعْدَالِ أَعْمَالِ.
ثُمَّ أَنْشَدَ: كَمْ حَسْرَةٍ لِي فِي الْحَشَا * مِنْ وَلَدٍ إِذَا نَشَا أَمَّلْتُ فِيهِ رشده * فما يشاء كما نشا قَالَ وَسَمِعْتُهُ يَوْمًا يُنْشِدُ: يَحْسُدُنِي قَوْمِي عَلَى صَنْعَتِي * لِأَنَّنِي فِي صَنْعَتِي فَارِسُ سَهِرْتُ فِي لَيْلِي وَاسْتَنْعَسُوا * وَهَلْ يَسْتَوِي السَّاهِرُ وَالنَّاعِسُ؟
قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ: تُوَلُّونَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فَيَسُبُّونَ نبيكم في يوم عيدكم، ثم يصبحون يَجْلِسُونَ إِلَى جَانِبِكُمْ؟ ثُمَّ يَقُولُ: أَلَا هَلْ بلغتُ؟ قَالَ: وَكَانَ يَتَشَيَّعُ، ثُمَّ سُعِيَ فِي مَنْعِهِ مِنَ الْوَعْظِ ثُمَّ أُذِنَ لَهُ، وَلَكِنْ ظهر للناس أمر العبادي، وكان كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَمِيلُونَ إِلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ السلطان يُعَظِّمُهُ وَيَحْضُرُ مَجْلِسَهُ، فَلَمَّا مَاتَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ ولي الْغَزْنَوِيُّ بَعْدَهُ، وَأُهِينَ إِهَانَةً بَالِغَةً، فَمَرِضَ وَمَاتَ في هَذِهِ السَّنَةِ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَبَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَعْرَقُ فِي نَزْعِهِ ثُمَّ يَفِيقُ وَهُوَ يَقُولُ: رِضًى وَتَسْلِيمٌ، وَلَمَّا مَاتَ دُفِنَ فِي رِبَاطِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ.
مَحْمُودُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بن قادوس أبو الفتح الدمياطي، كاتب الإنشا بالديار المصرية، وهو شيخ القاضي الفاضل، كان يُسَمِّيهِ ذَا الْبَلَاغَتَيْنِ، وَذَكَرَهُ الْعِمَادُ الْكَاتِبُ فِي الجريدة.
ومن شعره فيمن يكرر التكبير ويوسوس في نية الصلاة في أولها: وفاتر النية عنينها * مع كثرة الرعدة والهمزة يكبر التسعين في مرة * كأنه يصلي على حمزة الشيخ أبو البيان بنا بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْحَوْرَانِيِّ، الْفَقِيهُ الزَّاهِدُ العابد الفاضل الخاشع، قَرَأَ الْقُرْآنَ وَكِتَابَ
التَّنْبِيهِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَكَانَ حَسَنَ الْمَعْرِفَةِ بِاللُّغَةِ، كَثِيرَ الْمُطَالَعَةِ وَلَهُ كَلَامٌ يُؤْثَرُ عَنْهُ، وَرَأَيْتُ لَهُ كِتَابًا بِخَطِّهِ فيه النظائم التي يَقُولُهَا أَصْحَابُهُ وَأَتْبَاعُهُ بِلَهْجَةٍ غَرِيبَةٍ، وَقَدْ كَانَ مِنْ نَشْأَتِهِ إِلَى أَنْ تُوَفِّيَ عَلَى طَرِيقَةٍ صالحة، وقد زاره الملك نور الدين محمود فِي رِبَاطِهِ دَاخِلَ دَرْبِ الْحَجَرِ، وَوَقَفَ عَلَيْهِ شيئاً، وكانت وفاته يوم الثلاثاء ثالث رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ الباب الصغير، وكان يوم جنازته يَوْمًا مَشْهُودًا.
وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ رحمه الله.
عبد الغافر بن إسماعيل ابن عبد القادر بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، الْفَارِسِيُّ الْحَافِظُ، تَفَقَّهَ بِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَسَمِعَ الْكَثِيرَ عَلَى جَدِّهِ لِأُمِّهِ أَبِي الْقَاسِمِ القشيري، ورحل إلى البلاد وأسمع، وَصَنَّفَ الْمُفْهِمَ فِي غَرِيبِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، وَوَلِيَ خطابة نيسابور، وكان فاضلاً ديناً حافظاً.