الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أحاديث في الفتن والحوادث
تأليف: الإمام محمد بن عبد الوهاب
بسم الله الرحمن الرحيم
بَابُ الْفِتَنِ
قال رحمه الله:-
(1)
عن أبِي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بَادِرُوا بالأَعمالِ فِتناً1 كقِطَعِ اللّيل
1 الفتن: جمع فتنة. قال الرّاغب في أصل الفتن: - إدخال الذّهب في النّار لتظهر جودته من رداءته.
ويستعمل في إدخال الإنسان النّار، ويطلق على العذاب. كقوله تعالى: - {ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ} [الذّاريات، من الآية: 14] .
وعلى ما يحصل عند العذاب. كقوله تعالى: - {أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} ، [التّوبة، من الآية: 49] .
وعلى الاختبار. كقوله تعالى: - {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} [طه، من الآية: 40] .
وفيما يدفع إليه الإنسان من شدّة ورخاء، وفي الشّدة أظهر معنىً، وأكثر استعمالاً. قال تعالى:{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} ، [الأنبياء، من الآية: 35] .
ومنه قوله تعالى: - {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ} ، [الإسراء، من الآية: 73]، أي: يوقعونك في بليّةٍ وشدّةٍ في صرفك عن العمل بما أوحي إليك.
وقال أيضاً: الفتنة تكون من الأفعال الصّادرة من الله، ومن العبد، كالبليّة والمصيبة والقتل والعذاب والمعصية، وغيرها من المكروهات؛ فإن كانت من الله فهي على وجه الحكمة. وإن كانت من الإنسان بغير أمر الله فهي مذمومة، فقد ذمّ الله الإنسان بإيقاع الفتنة، كقوله:{وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} ، [البقرة، من الآية: 191] .
وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} ، [البروج، من الآية: 10] .
وقوله: - {مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} ، [الصّافات: 162] .
وقوله: {بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} ، [القلم: 6] .
وكقوله: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ} ، [المائدة، من الآية: 49] .
وقال غيره: أصل الفتنة الاختبار، ثمّ استعملت فيما أخرجته المحنة والاختبار إلى المكروه، ثمّ أطلقت على كل مكروه أو آيل إليه، كالكفر والإثم والتّحريق والفضيحة والفجور وغير ذلك.
المُظْلِم1، يصبحُ الرّجلُ مؤمناً ويُمْسي كافراً، ويُمسِي2
(كقطع اللّيل المظلم) : بكسر القاف وفتح الطّاء: جمع قطعة، وهي طائفة. والمعنى: كقطع من اللّيل المظلم لفرط سوادها وظلمتها وعدم تبين الصَّلاح والفساد فيها.
ومعنى الحديث: الحثّ على المبادرة والمسارعة إلى الأعمال الصّالحة قبل تعذر والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشّاغلة المتكاثرة المتراكمة كتراكم ظلام اللّيل المظلم، لا القمر. ووصف صلى الله عليه وسلم. نوعاً من شدائد تلك الفتن، وهو أنّه يمسي مؤمناً ثمّ يصبح كافراً، أو عكسه. وهذا لعظم الفتن، ينقلب الإنسان في اليوم الواحد هذا الانقلاب. أعاذنا الله من الفتن.
2 وفي مسلم: "أو يمسي مؤمناً بدل ويمسي".
وباقي المخطوطة موافق لرواية التّرمذي. انظر: تحفة الأحوذي جـ 6، كتاب الفتن ص: 438، طبعة الفجالة القاهرة.
مؤمناً ويُصبحُ كافراً، يَبيِعُ دينَهُ بِعَرَضٍ مِن الدّنْيَا". رواه مسلم1.
(2)
وللبُخَارِيِّ2: عنْ زَيْنَبَبنتِ3 جَحْشٍ: أنَّ النّبيَّ – صلى الله عليه وسلم خَرَجَ يوماً فزعاً4.
مُحْمَراً وَجْهُهُ، يَقُولُ: "لا إلهَ إلَاّ اللهُ. ويلٌ للعَرَبَ مِنْ
1 أخرجه مسلم بشرح النّووي جـ 2، كتاب الإيمان، باب الحثّ على المبادرة بالأعمال ص: 133، طبعة المصرية بالأزهر.
وصدره: عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
2 فتح الباري شرح صحيح البخاري: جـ 13 – كتاب الفتن – باب يأجوج ومأجوج ص 106 ط السّلفية.
وأخرجه مسلم بشرح النّووي جـ 18 كتاب الفتن – ص 2 باب اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج. وكذلك التّرمذي، تحفة الأحوذي ج6، أبواب الفتن، باب: يأجوج ومأجوج ص 421 كما أخرجه ابن ماجه جـ 2- كتاب الفتن، باب ما يكون من الفتن ص 1305ط عيسى الحلبي.
3 في البخاري (ابنة جحش) وما في المخطوطة موافق لما في مسلم، وابن ماجه.
4 وفي البخاري: "دخل عليها يوماً فزعاً".
وفي مسلم، وابن ماجه:"استيقظ من نومه".
وفي رواية للبخاري: "استيقظ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم من النّوم محمراً وجهه".
شَر قَدِ اقْتَرَبَ1: فُتِحَ اليومَ مِنرَدْمِ2 يأَجوجَ ومأجُوجَ مِثْلُ هذِه". وحلَّقَ بإِصْبَعَيْهِ3: الإِبْهامِ والتي تَليِها. قالت: فقُلتُ: يا رسولَ الله: أَنَهْلِكُ وفِينَا الصّالِحُون4؟ قال: "نَعَمْ إذا كَثُر الْخَبَث " 5.
1 خصّ العرب بذلك؛ لأنّهم كمانوا حينئذٍ معظم من أسلم. والمراد بالشّرّ: ما وقع بعده، من قتل عثمان، ثم توالت الفتن، حتّى صارت العرب بين الأمم كالقصعة بين الأكلة، كما وقع في حديث:"يوشك أن تَدَاعى عَلَيْكُم الأمَمُ، كَما تَدَاعَى الأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها".
وأنّ المخاطب بذلك العرب.
قال القرطبي: "ويحتمل أن يكون المراد بالشّرّ: ما أشار إليه في حديث أمّ سلمة: ماذَا أُنْزل اللَّيلَة مِنَ الْفِتَنِ، ومَاذَا أُنْزلَ مِنَ الْخَزَائنِ".
فأشار بذلك إلى الفتوح التي فتحت بعده، فكثرت الأموال في أيديهم، فوقع التّنافس الذي جرّ الفتن، وكذلك التّنافس على الإمرة؛ فإ، ّ معظم ما أنكروه على عثمان تولية أقاربه من بني أُمّيّة، وغيرهم؛ حتّى أفضى ذلك إلى قتله، وترتّب على قتله من القتال بين المسلمين ما اشتهر واستمرّ.
2 الرّدم: السّدّ الذي بناه ذو القرنين.
(وحلق بإصبعيه) أي: جعلهما مثل الحلقة.
4 كأنّها أخذت ذلك من قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} ، [الأنفال، من الآية: 33] .
5 الخبث: بفتحتين. فسر بالزِّنا وبأولاد الزِّنا والفسوق والفجور وهو أولى لأنّه قابله بالصّلاح.
قال ابن العربي: فيه البيان: بأنّ الخيِّر يهلك بهلاك الشّرير، إذا لم يغير عليه خبثه، وكذلك إذا غير عليه، لكن حيث لا يجدي ذلك، ويصر الشّرير على عمله السّيء، ويفشو ذلك ويكثر، حتّى يعمّ الفساد، فيهلك حينئذ القليل والكثير، ثمّ يحشر كل أحد على نيته أ. هـ. فتح الباري جـ 13 ص 109.
(3)
وله1: عنْ أُسامةَ: أنّ النّبيّ – صلى الله عليه وسلم أَشْرَفَ عَلَى أُطُمٍ2 مِنْ آطامِ المدينةِ. ثُمَّ قال3: "هل تَروْنَ مَا أًرَى4؟ إني لأَرَى مَوَاقِعَ الفِتَنِ خِلالِ بُيُوتِكمْ كَمَواقِع5 الْقَطْر".
1 فتح الباري شرح البخاري جـ 13- كتاب الفتن – باب قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: ويل للعرب من شر قد اقترب ص:11.
وكذلك في الجزء رقم 4 كتاب فضائل المدينة ص 94.
وفي مسلم بشرح النّووي جـ 18 – كتاب الفتن ص7.
وفي أحمد جـ 5 ص 200.
وما ذكره في المخطوطة هو لفظ مسلم.
2 الأطم ـ بضمّتين ـ: البناء المرتفع. كذا في النّهاية.
وفي في الفتح: هي الحصون التي تُبْنَى بالحجارة.
3 لفظ البخاري: "فقال".
4 لفظ البخاري بعد جملة الاستفهام: "قالوا: لا. قال: فإنِّي".
5 لفظ البخاري: "كوقع القطر"، في كتاب الفتن.
وفي روايات علامات النّبوّة كمواقع القطر.
وإنّما اختصّت المدينة بذلك؛ لأنّ قتل عثمان رضي الله عنه كان بها، ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك. وحسن التّشبيه بالمطر لإرادة التّعميم؛ لأنّه إذا وقع في أرض معيَّنة عمّها، ولو في بعض جهاتها". ا. هـ. من الفتح.
(4)
ولِمسلم1: عن سالم بنِ عبد الله. قال:
يَا أَهْلَ العِراق! مَا أَسْأَلَكُمْ الصَّغيرةَ، وَمَا أَرْكَبَكُم2 الكبيرة. سمعت أبي: عبد الله ابن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"إنَّ الْفِتْنَةَ تَجِيءُ مِنْ هَهُنَا – وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نِحْوَ الْمَشْرِقِ -: مِنْ حَيْثُ يَطلعُ قَرْنُ3 الشَّيطَانِ، وَأَنْتُمْ
1 مسلم بشرح النّووي ج18 – كتاب الفتن – باب الفتنة من المشرق حيث يطلع قرنا الشيطان ص 32.
وفي البخاري بشرح الفتح – كتاب الفتن – باب قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم الفتنة من قبل المشرق ج13 ص 45 مع اختلاف في الألفاظ واختصار.
2 لفظ مسلم: "وأركبكم".
3 لفظ مسلم: "قرنا الشّيطان" بلفظ المثنى، والإفراد موافق لبعض ألفاظ مسلم.
وقرنا الشّيطان: قيل: المراد بهما: حزبه وأتباعه. وقيل: قوته وغلبته، وانتشاره وفساده. وقيل: القرنان: ناحية الرأس. وإنّه على ظاهره، وهذا هو الأقوى. وسمي شيطاناً لتمرده وعتوه، وكل مارد عات: شيطان.
والأظهر: أنّه مشتقٌّ من شطن إذا بعد، لبعده من الخير والرّحمة.
وقيل: مشتقٌّ من شاط إذا هلك واخترق. ا. هـ النّووي على مسلم.
يَضْرِبُ بعضُكم رِقَابَ بَعْضٍ. وَإِنَّمَا قَتَلَ مُوسى الّذي قَتَلَ مِنْ آل فِرْعَونَ خَطَأً. فَقَالَ الله له: {وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} ، [طه، من الآية: 40] .
(5)
وله1: عن معقل بن يَسِارٍ: عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال:
"الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ2 كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ".
1 مسلم بشرح النّووي جـ 18 – كتاب الفتن – باب فضل العبادة في الهرج ص 88.
2 المراد بالهرج هنا: الفتنة واختلاط أمور النّاس.
وسبب كثرة فضل العبادة فيه: أنّ النّاس يغفلون عنها، ويشتغلون بغيرها ولا يتفرّغ لها إلاّ الأفراد. اهـ مسلم.
(6)
ولمسلم1: عن ابن عمرو2: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"إَذَا فُتِحَت عَلَيْكُم فَارِسُ وَالرُّومُ! أَيُّ قَومٍ أَنْتُم؟ "، قال عبد الرَّحْمَن بُن عَوفٍ: نكُون3 كَمَا أَمَرَ الله4. فقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم "أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ تَتَنَافَسُونَ، ثُمَّ تَتَحَاسَدُون. ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ. ثُمَّ تَتَبَاغَضُونَ. أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. ثُمَّ تَنْطَلِقُونَ فِي مَسَاكِنِ الْمُهَاجِرِينَ، فَتَجْعَلُونَ بَعَضَهُم عَلَى رِقَابِ بَعْضٍ"5.
1 مسلم بشرح النّووي جـ18- كتاب الزّهد ص 96.
وأخرجه ابن ماجه جـ 2 – كتاب الفتن – باب فتنة المال ص 1324. تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي.
2 لفظ مسلم وكذلك ابن ماجه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: الحديث.
3 لفظ مسلم وكذلك ابن ماجه"نقول كما أمرنا الله"بدل:"نكون كما أمر الله".
4 معناه: نحمده ونشكره، ونسأله المزيد من فضله.
5 قال العلماء: التّنافس إلى الشّيء: المسابقة إليه، وكراهة أخذ غيرك إيّاه. وهو أوّل درجات الحسد.
وأمّا الحسد: فهو: تمنِّي زوال النِّعمة عن صاحبها والتدابر التقاطع، وقد بقي مع التّدابر شيء من المودة، أو لا يكون مودة ولا بغض.
وأمّا التّباغض: فهو بعد هذا، ولهذا رتبت في الحديث النّووي.
(7)
ولَه1: عن عَمْرُو بن عَوْفٍ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ أبا عُبَيْدَةَ إِلَى الْبَحْرَيْن، فَأَتَى2 بِجِزْيَتِهَا. وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صَالَحَ3 أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهُمُ العَلَاءَ بنَ الْحَضْرمي، فَقَدِمَ أبو عُبَيْدَة بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعْت الأنصار بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَوَافَوا صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا صلّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم انْصَرَفَ. فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حِيْنَ رَآهُم، ثمّ قال:
1 مسلم شرح النّووي جـ18 – كتاب الزّهد والرِّقائق – ص95.
والبخاري بشرح الفتح جـ 6 الجزية ص 257 وأخرجه ابن ماجه الجزء الثّاني – كتاب الفتن – باب فتنة المال ص 1324 والتِّرمذي – تحفة الأوحوذي جـ7 ص 161.
2 لفظ مسلم وابن ماجه والبخاري "يأتي بجزيتها".
3 لفظ مسلم وابن ماجه والبخاري "هو صالح".
"أَظُنُّكُم سَمِعْتُم1 أبا عبيدة قَدِمَ بِشِيْءٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ؟ "، قَالُوا: أَجَل يا رسولَ الله. قال: "فَأَبْشِرُوا، وأَمِّلُوا مِا يَسُرُّكُم، فَوَالله مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُم. وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُم أَنْ تُبْسَطَ عَلَيكُم2 الدُّنْيَا، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُم، فَتَنَافَسُوا3 فِيهَا، كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُم كَمَا أَهْلَكَتْهُم"4.
وفي رواية5: "فَتُلْهِيكُم كَمَا أَلْهَتْهُم".
(8)
وَلَهُما6: عن أُسَامَةَ بن زَيْدٍ: قَالَ رسولُ الله
1 لفظ مسلم وابن ماحه "أظنّكم سمعتم أن أبا عبيدة" وفي البخاري: "أظنّكم قد سمعتم أن أبا عبيدة".
2 لفظ مسلم وابن ماجه:"أن تبسط الدّنيا عليكم"وفي البخاري كما في المخطوط.
3 لفظ مسلم وابن ماجه والبخاري: "فتنافسوها".
4 لفظ مسلم والبخاري: "وتهلككم كما أهلكتهم"، وما في المخطوطة موافق لابن ماجه.
5 مسلم شرح النّووي ج18كتاب الزّهد ص96.واللفظ:"وتلهيكم كما ألهتهم".
6 البخاري بشرح ابن حجر العسقلاني – جـ 9 كتاب النِّكاح – باب ما يتّقي من شؤم المرأة. ومسلم بشرح النّووي جـ 17 – كتاب الرِّقاق – بيان الفتنة بالنِّساء جـ 17 ص 54.
ـ صلى الله عليه وسلم:
"مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ"1.
(9)
وَلِمُسلِمٍ2: من حديث أبي سَعِيدٍ: "إنَّ الدُّنْيَا خَضْرَةٌ حُلْوَةٌ3. وَإِنَّ الله مُسْتَخْلِفُكُم فِيهَا4
1 في الحديث: أنّ الفتنة بالنِّساء أشدّ من الفتنة بغيرهنّ.
ويشهد له قوله تعالى: - {زُيِّن للنّاسِ حبُّ الشّهواتِ منَ النِّساء} . [سورة آل عمران، من الآية: 14] . فجعلهن من حبِّ الشّهوات. وبدأ بهن قبل بقية الأنواع إشارة إلى أنّهن الأصل في ذلك.
2 مسلم بشرح النّووي جـ 17، ص: 55، كتاب الرّقاق، بيان الفتنة بالنّساء.
وفي التّرمذي، تحفة الأحوذي، ج 6، كتاب الفتن، باب ما أخبر النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة ص:428.
وابن ماجه ج 2، كتاب الفتن، باب فتنة النّساء، ص:1325.
3 في مسلم: "إنّ الدّنياء حلوة حضرة"، وما في المخطوطة موافق لما في التّرمذي وابن ماجه.
وقوله: "إنّ الدّنيا خضرة حلوة"، يحتمل أنّ المراد به شيئان:
أحدهما: حسنها للنّفوس ونضارتها ولذّتها: كالفاكهة الخضراء الحلوة؛ فإنّ النّفوس تطلبها طلباً حثيثاً فكذا الدّنيا.
والثّاني: سرعة فنائها، كالشّيء الأخضر في هذين الوصفين.
4 "إنّ الله مستخلفكم فيها" أي: جاعلكم خلفاء من القرون الّذين قبلكم. فينظر هل تعملون بطاعته، أم بمعصيته وشهواتكم.
فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، أَلَا فَاتَّقُوا الله، واتّقوا النِّساء"1.
(10)
وله2: عَنْ حُذَيْفَةَ 3 قال:
والله إِنِّي لأَعْلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ السَّاعَةِ. وَمَا بِيَ أَلَاّ يَكونَ4 رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم أَسَرَّ إِليَّ فِي ذَلِكَ شَيْئاً لَِمْ يُحَدِّثْهُ غَيْرِي، وَلِكَن رسولُ الله– صلى الله عليه وسلم قَالَ، وَهُوَ يُحدِّث
1 في مسلم: "فاتقوا الدّنيا، واتّقوا النِّساء" ثمّ قال: "فإنّ أوّل فِتْنَة بَني إسْرَائٍيلَ كانتْ في النِّساء".
وعند التِّرمذي، وابن ماجه:"ألا فاتقوا الدّنيا واتقوا النِّساء".
ومعنى "فاتقوا الدّنيا واتّقوا النِّساء" تجنبوا الافتتان بها، وبالنِّساء. وتدخل في النِّساء الزّوجات وغيرهن، وأكثرهن فتنة الزّوجات، لدوام فتنتهن وابتلاء أكثر النّاس بهنّ ا. هـ النّووي.
2 مسلم بشرح النّووي جـ 18 – كتاب الفتن وأشراط السّاعة ص15.
3 قال النّووي في شرح مسلم: المشهور في الاستعمال: حذيفة إبن اليمان من غير ياء في آخر اليمان. وهو لغة قليلة. والصّحيح اليماني بالياء – من عون المعبود بشرح سنن أبي داود (جـ 11 – ص 306) .
4 لفظ مسلم: "وما بي إلاّ أن يكون".
مَجْلِساً أنا فِيهِ: عَنِ الْفِتَنِ. فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَعُدُّ الْفِتَنَ: "مِنْهُنّ ثلاثٌ، لا يَكِدْنَ يَذَرْنَ شَيْئاً. وَمِنْهُنَّ فِتَنٌ كَرِيَاحِ الصَّيْفِ. مِنْهَا صِغَارٌ وَمِنْهَا كِبَارٌ". قال حُذَيْفَةُ: فَذَهَبَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ1 كُلُّهُم غَيْرِي.
(11)
وَلَهُ2: عَنْهُ قال: أَخْبَرَنِي رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، فَمَا مِنْهُ شَيْءٌ إِلاّ قَدْ سَأَلْتُهُ، إِلَاّ أَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ: مَا يُخْرِجُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ؟.
1 الرّهط: عشيرة الرّجل وأهله. والرّهط من الرِّجال: مادون العشرة. وقيل: إلى الأربعين، ولا تكون فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه. ويجمع على أرهط، وأرهاط، وأراهط جمع الجمع. النِّهاية في غريب الحديث.
2 مسلم بشرح النّووي جـ 18 – كتاب الفتن وأشراط السّاعة ص 16 – والضّمير في عنه لحذيفة بن اليماني. باب أخبار النّبيّ – صلى الله عليه وسلم – فيما يكون إلى قيام السّاعة.
(12)
وَلَهُ1: عَن أَبِي زَيْدٍ2. قَالَ: صَلَّى بِنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الْفَجْرَ، وَصَعَدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى بِنَا3، ثُمَّ صَعَدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ. ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعَدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرُبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَمَا 4 هُوَ كَائنٌ، فَأَعْلَمُنَا: أَحْفَظُنَا.
(13)
وله5: عَنْ عَمْرو6 بن العاصِ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلاّ كَانَ عَلِيْهِ7 أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهَ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُم،
1 مسلم بشرح النّووي جـ 18 – كتاب الفتن – باب إخبار النّبيّ – صلى الله عليه وسلم – فيما يكون إلى قيام السّاعة ص16.
2 فسّره مسلم بقوله: "يعني عمرو بن أخطب" بالخاء المعجمة. وهو الصّحابي المشهور.
3 لفظ مسلم: "فنَزل فصلّى" بحذف الجار والمجرور.
4 لفظ مسلم: "وبما هو كائن".
5 مسلم بشرح النّووي جـ 12 – كتاب الإمارة – باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء الأوّل فالأوّل ص 232 وللحديث بقية فراجعه.
6 راوي الحديث هو: عبد الله بن عمرو بن العاص. كما في مسلم.
7 لفظ مسلم: "إلاّ كان حقًّا عليه".
وَيُنْذِرُهُم شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُم. وَإِنَّ أُمَّتَكُم هَذِهِ جُعِلَتْ1 عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا. وَسَيُصِيبُ آخرَهَا بَلَاءً، وَأُمُورٌ تُنْكَرُ2 فَتَجِيءُ3 فِتْنَةٌ، فَيُرَقَّقُ4 بَعْضُهَا بَعْضاً، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فيقولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكِتِي5. وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فَيقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ هَذِهِ. فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخِلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بالله
1 لفظ مسلم: "جعل"، بدون التّاء:
2 في مسلم: "وأمور تنكرونها".
3 في مسلم: "وتجيء فتنة"، بالواو بدل الفاء.
4 "فيرقّق" هذه اللفظة: رويت على أوجه:
أحدها: وهو الذي نقله القاضي عن جمهور الرّواة: يُرقّق أي: يصير بعضها رقيقاً. أي: خفيفاً؛ لعظم ما بعده، فالثّاني يجعل الأوّل رقيقاً.
وقيل: معناه: يشبه بعضه بعضاً.
وقيل: يدور بعضها في بعض، ويذهب ويجيء.
وقيل: معناه يسوق بعضها إلى بعض بتحسينها وتسويلها.
والثّاني: فيرقّق بفتح الياء وإسكان الرّاء، بعدها فاء مضمومة.
والثّالث: فيدفق. بالدّال المهملة السّاكنة، وبالفاء المكسورة: أي يدفع ويصب، والدفق: هو الصب.
5 في مسلم: "هذه مهلكتي ثم تنكشف".
وَالْيَوْمِ الآخرِ، وَلْيِأْتِ إِلَى النَّاسِ الذي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ1. وَمَنْ بَايَعَ إِمَاماً، فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ مَا2 اسْتَطَاعَ فَإِنْ جَاءَ آخرُ يُنَازِعُهُ، فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخرِ"3.
(14)
وَلَهُمَا4 عن ابن عَبَّاسٍ: أنّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم قال:
"مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيْرِهِ شيئاً فَلْيَصْبِر
1 "وليأت إلى النّاس الذي يحبّ أن يؤتى إليه" هذا من جوامع كلمه – صلى الله عليه وسلم – وبديع حكمه. وهذه قاعدة مهمّة. فينبغي الاعتناء بها. وإنّ الإنسان يلزمه ألاّ يفعل مع النّاس إلا ما يحب أن يفعلوه معه.
2 في مسلم: "إن استطاع".
3 "فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر".
معناه: ادفعوا الثّاني، فإنّه خارج على الإمام؛ فإن لم يندفع إلاّ بحرب وقتال، فقاتلوه، فإن دعت المقاتلة إلى قتله جاز قتله، ولا ضمان فيه؛ لأنّه ظالم متعدٍ في قتاله.
4 البخاري – شرح الفتح جـ 13 – كتاب الفتن – باب قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: سترون بعدي أموراً تنكرونها ص 5.
ومسلم بشرح النّووي جـ 12 – كتاب الإمارة – باب وجوب ملازمة الجماعة ص 240.
عَلَيهِ1؛ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْراً2، فَمَاتَ، فَمَيْتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ".
(15)
ولأَبِي دَاوُدَ3: عَنِ ابن مَسْعُود: ٍ عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم قال:
"تَدُورُ رَحى4 الإسلام لِخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، أَوْ سِتٍّ وَثَلَاثِيْنَ، أَوْ سَبْعٍ وَثَلَاثِيْنَ. فَإِنْ
1 صدر الحديث لفظ إحدى الرّوايتين عن ابن عبّاس عند مسلم. وعجزه ابتداء من قوله: "فإنّه من فارق الجماعة" الخ لفظ الرِّواية الأخرى عن ابن عبّاس.
ومعنى قوله: "فليصبر عليه"، أي فليصبر على ذلك المكروه ولا يخرخ عن الطّاعة.
(شبراً) أي قدر شبر. كنى به عن الخروج على السّلطان، ولو بأدنى نوع من أنواع الخروج، أو بأقلّ سبب من أسباب الفرقة.
3 سنن أبي داود – عون المعبود جـ 11 كتاب الفتن – باب ذكر الفتن ودلائلها – ص 327- تحقيق عبد الرحمن عثمان.
4 "تدور رحى الإسلام" اختلف العلماء في بيان معنى دوران رحى الإسلام على قولين:
الأوّل: أنّ المراد منه: استقامة أمر الدِّين واستمراره، وهذا قول الأكثرين.
الثّاني: أنّ المراد منه: الحرب والقتال، وشبهها بالرّحى الدوارة التي تطحن الحب؛ لما يكون فيها من تلف الأرواح وهلاك الأنفس.
يَهْلِكُوا فَسِبِيلُ مَنْ هَلَكَ، وَإِنْ يَقُمْ لَهُم دِيْنُهُم، يَقُمْ1 سَبْعِيْنَ عَاماً" قالَ: قُلْتُ: أَمِمَّا بَقِيَ2؟ قال: "مِمَّا مَضَى".
(16)
وَلِلتِّرْمِذِيِّ 3: عن ابن أخي عبد الله بن سلام؟ قال:
"لَمَّا أُرِيدَ عُثْمَانُ4 جَاءَهُ عَبْدُ الله بنُ سَلَامٍ. فقال له عثمان – رضي الله عنه: مَا جَاءَ بِكَ؟ قال: جِئْتُ فِي نَصْرَتِكَ. قال: أُخْرُجْ إلى النَّاسِ فَاطْرُدْهُم عَنِّي. فَإِنَّكَ خَارِجٌ خَيْرٌ لِيَ مِن دَاخِلٌ5.قَالَ قالَ: فَخَرَجَ
1 لفظ أبي داود: "يقم لهم سبعين عاماً".
2 لفظ أبي داود: "أمما بقي أو مما مضى؟ قال: مما مضى".
3 سنن التِّرمذي بشرح تحفة الأحوذي- تحقيق عبد الرّحمن عثمان جـ10 كتاب المناقب. باب مناقب عبد الله بن سلام ص 305.
وأخرجه أيضاً في كتاب التّفسير- سورة الأحقاف ج9 ص 137.
4 "لما أريد عثمان"، أي: لما أريد قتله، كما أريد قتله. كما جاء في رواية المناقب للتِّرمذي.
5 في رواية المناقب (فإنّك خارجاً خير لي منك داخلاً) وما في المخطوطة موافق لرواية الترمذي في التفسير.
عبدُ الله بنُ سلامٍ إلى النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ كَانَ اسْمِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فُلَانٌ. فَسَمَّانِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عبدَ الله. وَنَزَلَتْ فِيَّ آياتٌ مِنْ كِتَابِ الله: نَزَلَ1 فِيّ: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ} ، [الأحقاف، من الآية: 10] الآية2.
وَنَزَلَ فِيّ: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} ، [الرّعد، من الآية: 43]3.
إِنَّ لله سَيْفاً مَغْمُوداً4 عَنْكُم، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ قَدْ جَاوَرَتْكُم فِي بَلَدِكُم هَذَا، الَّذِي نَزَلَ فِيهِ نَبِيُّكُم. فَالله الله في
1 في السّنن (نزلت) بالتّاء في الرِّوايتين.
2 والشّاهد من بني إسرائيل. هو عبد الله بن سلام. كما قال الحسن ومجاهد وقتادة وغيرهم – والسّورة وإن كان كانت مكيّة، إلاّ أنّ هذه الآية مدنية. فيخصص بها عموم القول بأن السّورة كلّها مكيّة. والشّهادة على مثل القرآن من المعاني الموجودة في التّوراة المطابقة له: من إثبات التّوحيد والبعث والنّشور وغير ذلك. والمثلية: هي باعتبار تطابق المعاني، وإن اختلفت الألفاظ.
3 {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} ، قيل: هو عبد الله بن سلَام. وقيل: هم مؤمنو أهل الكتاب.
4 "مغموداً" أي مستوراً في غلافه.
هَذَا الرَّجُلِ. إِنْ تَقْتُلُوهُ، فوا الله إِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَتَطْرُدُنَّ جِيْرَانَكْم: الْمَلَائَكةَ. وَلَيَسَلَنَّ سَيْفُ الله الْمَغْمُودُ عَنْكُم، فَلَا يُغْمَدُ إِلَى يَوْمِ الْقَيَامَةِ. فَقَالُوا: اقْتُلُوا الْيَهُودِيَّ، وَاقْتُلُوا عُثْمَانَ.
قال التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ1.
(17)
وَلَهُمَا2: أنَّ عُمَرَ قَالَ: "أَيُّكُم يَحْفَظُ حَدِيْثَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فِي الْفِتْنَةِ؟ قال حُذَيْفَةُ: فَقُلْتُ: أنا. فقال: إِنَّكَ لَجَرِيءٌ. قَالَ: كَيْفَ؟. قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم يقول: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ، وَوَلَدِهِ، وَجَارِهِ3 تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ، وَالصِّيَامُ، وَالصَّدَقَةُ،
1 في السّنن: هذا حديث غريب.
2 البخاري بشرح الفتح – جـ 13 كتاب الفتن – باب الفتنة التي تموج كموج البحر ص 48.
مسلم بشرح النّووي ج 18، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، ص 16. واللفظ لمسلم مع اختلاف في بعض الألفاظ – وفي كتاب الإيمان جـ 2 ص 170.
3 في مسلم: "فتنة الرّجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره".
وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ". فَقَالَ عُمَرُ: لَيْسَ هَذَا أُرِيْدُ، إنّما أريد الَّتِي تَمُوجُ مَوجَ الْبَحْرَ. قال: مَا لَكَ وَلَهَا يَا أَمِيْرَ الْمُؤْمِنِيْنِ؟ إَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَاباً مُغْلَقاً. قَالَ: أَيُفْتَحُ الْبَابُ أَمْ يُكْسَرُ؟. قَالَ: بَلْ يُكْسَرُ. قال: ذاك أَجْدَرُ أَلَاّ يُغْلَقَ. فَقُلْتُ لِحُذَيْفَةَ: أَكَانَ عُمَرَ يَعْلَمُ مَنَ الْبَابِ؟ قَالَ: كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَة. إِنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثاً لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ1. قال: فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ مَنِ الْبَابُ؟ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ. فَسَأَلَهُ. فَقَالَ: عُمَرُ.
(18)
وَلأَبِي داود2: عَن نَصْرِ بن عاصمِ اللَّيْثِيّ. قَالَ:
1 "الأغاليظ": جمع أغلوطة: وهي الكلام الذي يغلط فيه ويغالط به: لسان العرب.
2 سنن أبي داود بشرح عون المعبود. ج11 – كتاب الفتن والملاحم – باب ذكر الفتنة ودلائلها ص 316 مع اختلاف كثير في اللّفظ واختصار عما في المخطوطة.
ومسند الإمام أحمد جـ 5 ص 386. طبع المكتب الإسلامي وما في المخطوطة قريب مما في المسند
أَتَيْنَا الْيَشْكُرِيَّ فِي رَهْطٍ مِنْ بِنِي لَيْثٍ. فَقَالَ: مَنِ الْقَومُ؟ فَقُلْنَا: بَنُو لَيْثٍ: أَتَيْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ. فَقَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ أَبِي مُوسَى قَافِلِيْنَ، وَغَلَتِ الدَّوَابُ بِالكُوفَةِ. قَالَ: فَسَأَلْتُ أبا مُوسَى أَنَا وَصَاحِبٌ لِي، فَأَذِنَ لَنَا، فَقَدِمْنَا الْكُوفَةَ. فَقُلْتُ لِصَاحِبِي: إنِّي دَاخِلُ الْمَسْجِدَ، إَذَا قَامَتِ السُّوقُ خَرَجْتُ إِلَيْكَ، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا فِيهِ حَلَقَةٌ، كَأَنَّمَا قُطِعَتْ رُؤُوسُهُم، يَسْتَمِعُونَ لِحَدِيثِ رَجُلٍ. قَالَ: فَقُمْتُ عَلَيْهُم، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَقَامَ إِلَى جَنْبِي. قَالَ: فَقُمْتُ عَلَيْهُم، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَقَامَ إِلَى جَنْبِي. قَالَ. فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَبَصْرِيٌّ أَنْتَ؟ قَلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: قَدْ عَرَفْتُ وَلَوْ كُنْتَ كُوفِيّاً لَمْ تَسْأَلْ عَنْ هَذَا. فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَسَمِعْتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ. وَعَرَفْتُ أَنَّ الْخَيْرَ يَسْبِقُنِي1. قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله: أَبَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ فَقَالَ: "يَا حُذَيْفَةُ: تَعَلَّم كِتَابَ الله، واتَّبِعْ مَا فِيهِ". قُلْتُ: يا رسولَ الله: أَبَعْدَ
1 في مسند الإمام أحمد: "وعرفت أن الخيْر لن يسبقني".
هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قال: "فتنة وشرّ". قلت: يا رسول الله! أبعد هذا الشّر خير؟ قال: "يا حذيفة! تعلم كتاب الله واتّبع ما فيه ثلاث مرّات". قلت: يا رسول الله! أبعد هذا الشّر خير؟ قَالَ: "هُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ1 وَجَمَاعَةٌ عَلَى أَقْذَاء2 فِيهَا، أَوْ فِيهِم".
قُلْتُ: يا رسولَ الله: أَبَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قال: "يَا حُذَيْفَةُ: تَعَلَّم كِتَابَ الله عز وجل، واتَّبِعْ مَا فِيهِ".. ثلاث مرّاتٍ. قال: قُلْتُ يا رسولَ الله: هَلْ بَعْدَ الْخَيْر
1 "هدنة على دخن"، أي: على فساد واختلاف، تشبيهاً بدخان الحطب الرطب؛ لما بينهم من الإفساد الباطن تحت الصِّلاح الظّاهر – قاله في النِّهاية.
2 "وجماعة على أقذاء" أي واجتماع على أهواء مختلفة، أو عيوب مؤتلفة.
وفي النِّهاية: أراد: أن اجتماعهم يكون على فساد في قلوبهم فشبهه بقذى العين والماء والشّراب.
شرُّ؟ قال: "فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ صَمْيَاءُ1 عَلَيهَا دُعَاةٌ2 عَلَى أَبْوَابِ النَّارِ3؛ فَإِنْ مُتَّ يَا حُذَيْفَةُ، وَأَنْتَ عَاضٌ عَلَى جَذْلٍ4 خَيْرٌ لَّكَ مِنْ أَنْ تَتْبَعَ أَحْداً مِنْهُم".
(19)
وَلَهُمَا5، عن أبي إِدْرِيس الْخَوْلَانِي: أَنَّهُ سَمِعَ
1 "فتنة عمياء صمياء"، أي: يعمى فيها الإنسان عن أن يرى الحقّ، ويصم أهلها عن أن يسمع فيها كلمة الحقّ أو النّصيحة.
قال القاضي: المراد بكونها عمياء صمياء: أن تكون حيث لا يرى منها مخرجاً، ولا يوجد دونها مستغاث، أو أن يقع النّاس فيها على غرة من غير بصيرة، فيعمون فيها، ويصمون عن تأمّل قول الحقّ، واستماع النّصح.
2 "عليها دعاة"، أي: على تلك الفتنة دعاة: وهي بضمّ الدّال جمع داع. أي: جماعة قائمة بأمرها وداعية للنّاس إلى قبولها.
3 "على أبواب النّار"، أي: كائنون على شفا جرف من النّار، يدعون الخلق إليها حتّى يتفقوا على الدّخول فيها.
4 "على جذل"، أي: أصل شجرة. يعني والحال أنّك على هذا المنوال من اختيار الاعتزال من أن تتبع أحداً منهم، أي من أهل الفتنة، أو من دعاتها.
5 صحيح البخاري بشرح الفتح – جـ 13 – كتاب الفتن – باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة ص 35، وصحيح مسلم بشرح النّووي – جـ 12 – كتاب الإمارة – باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن ص 236 مع اختلاف في بعض الألفاظ، وزيادة أو نقص.
حذيفةَ يقولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ؛ مَخَافَةً أَنْ يُدْرِكَنِي. فَقُلْتُ: يا رسولَ الله إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيِّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا الله بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قال:"نَعَمْ"، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ هَذَا الشَّرِّ مِن خَيْرٍ؟ قال: "نَعَمْ، وَفِيْهِ دَخَنٌ"1، قال:
قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قال: "قَومٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي2، تَعْرِفُ مِنْهُم وَتُنْكِر"، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَاكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: "نَعَمْ: فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ دَعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَن أَجَابَهُم إلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا"،
1 الدخن، بفتحتين: هو الحقد، وقيل: الدغل، وقيل فساد القلب، ومعنى الثّلاثة متقارب.
قال أبو عبيد: يفسر المراد بهذا الحديث: الحديث الآخر: "لا نرجع قلوب قوم على ما كانت عليه". وأصله: أن يكون في لون الدّابة كدورة إلى سواد.
قالوا: والمراد هنا: ألا تصفو القلوب بعضها لعض، ولا يزول حبثها، ولا ترجع إلى ما كانت عليه من الصّفاء.
2 "ويهدون بغير هديي". الهدي: الهيئة والسيرة والطّريقة.
فَقُلْتُ: يا رسولَ الله صِفْهُم لَنَا. قال: "نَعَم، قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا1، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا"، فقلت: يا رسولَ الله مَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قال: "تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِيْنَ وَإِمَامِهِم"، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُم جَمَاعَةُ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: "فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ2 عَلَى أَصْلِ الشَّجَرَةِ، حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ".
1 "قوم من جلدتنا"، أي: من قومنا ومن أهل لساننا وملتنا. وفيه إشارة إلى أنّهم من العرب.
وقيل: معناه أنّهم في الظّاهر على ملتنا، وفي الباطن مخالفون. وجلدة الشيء ظاهره. وهي في الأصل: غشاء البدن.
2 "ولو أن تعض" بفتح العين المهملة وتشديد الضّاد المعجمة. أي ولو كان الاعتزال بالعض. فلا تعدل عنه.
وفي حديث حذيفة هذا: لزوم جماعة المسلمين وإمامهم، ووجوب طاعته وإن فسق وعمل المعاصي من أخذ الأموال وغير ذلك – درءاً للفتن.
وفيه حكمة الله في عباده. كيف أقام كلا منهم فيما شاء- فحبب إلى أكثر الصّحابة السؤال عن وجوه الخير، ليعملوا بها ويبلغوها غيرهم.
وحبب لحذيفة السؤال عن الشّر ليجنّبه، ويكون سبباً في دفعه عمن أراد الله له النّجاة.
(20)
وَفِي رِوَايِةٍ1: "يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَةٌ، لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهُم رِجَالٌ: قُلُوبُهُم قُلُوبُ الشَّيَاطِيْنَ، فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ". قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يا رسولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قال: "تَسْمَعُ وَتُطِيعُ2، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ".
(21)
وَلِمُسْلِمٍ 3: "إِنْ كَانَ لله خَلِيفَةٌ فِي الأَرْضِ، فَضَرَبَ4 عَلَى ظَهْرِكَ، وَأَخَذَ مَالَكَ، فَأَطِعْهُ، وَإِلَاّ، فَمُتْ وَأَنْتَ عَاضُّ بِجِذْلِ شَجِرَةٍ"، قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قال:
1 صحيح مسلم بشرح النّووي جـ 12 – كتاب الإمارة – باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن ص 238.
2 في صحيح مسلم: "وتطيع للأمير". وهذا الأمر من الرّسول – صلى الله عليه وسلم إنما هو درء للفتن – كما في الحديث السّابق.
3 لم يخرج مسلم هذا الحديث – وفد أخرجه أبو داود جـ 11 من عون المعبود – كتاب الفتن والملاحم – باب ذكر الفتن ودلائلها ص 313.
4 في أبي داود: "فضرب ظهرك".
"ثُمَّ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ مَعَهُ نَهَرٌ وَنَارٌ1، فَمَنْ وَقَعَ فِي نَارِهِ، وَجَبَ أَجْرُهُ2 وَحُطَّ وِزْرُهُ. وَمَنْ وَقَعَ فِي نَهْرِهِ، وَجَبَ وِزْرُهُ وَحُطّ أَجْرُهُ"3. قُلْتُ ثُمَّ: مَاذَا؟ قَالَ4: "هِيَ قِيَامُ السَّاعَةِ ".
1 "ومعه نهر ونار" أي: نهر ماء وخندق نار، قيل إنّهما على وجه التخيل من طريق السّحر.
وقيل: ماؤه في الحقيقة، نار وناره؛ ماء.
2 "وجب أجره"، أي: ثبت وتحقّق أجر الواقع. "وحط وزره"، أي: ورفع وسومح.
3 "وحط أجره"، أي: بطل عمله السّابق.
4 في أبي داوود: "ثمّ هي قيام السّاعة".
ومعنى الحديث: إذا لم يكن في الأرض خليفة، فعليك بالعزلة والصّبر على تحمّل شدّة الزّمان، وعض أصل الشّجرة: كناية عن مكابدة المشقّة. كقولهم: فلان يعض الحجارة من شدّة الألم؟ أو المراد اللزوم؛ كقوله في الحديث الآخر؟: "عضوا عليها النّواجذ".