الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل السادس: الصفات الخبرية
تمهيد:
تسمى هذه الصفات خبرية، لأن طريق إثباتها لله تعالى الخبر الصادق الذي جاء به الكتاب، أو السنة الصحيحة، أما العقول فليس لها دور في إثإت هذه الصفات سوى التصديق بها بعد ثبوتها بطريق الوحي.
وقد وردت نصوص قرآنية بإثبات بعض الصفات، ثم جاءت السنة الصحيحة بإثبات ما أثبته القرآن الكريم، وبإثبات صفات أخرى لم يتعرض القرآن الكريم لها، إلا أن الكل وحي فيجب علينا إثبات ذلك كله لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أوتي القرآن ومثله معه فهو لا ينطق عن الهوى.
وهذه الصفات الخبرية كسالفتها قسمان:
(أ) ذاتيّة.
(ب) فعليّة.
فالذاتيّة منها: كالوجه، واليدين، والعين، والقدم، والنفس والإصبع، والساق، وغير ذلك.
والفعليّة: مثل النزول، والاستواء، والإتيان، والمجيء، والمحبة، والرضا، والغضب، والضحك، وغيرها.
والناس فيها فريقان:
(أ) فريق المثبتين.
(ب) فريق النفاة.
كما هو الحال في الصفات العقلية السالفة.
(أ) أما المثبتون فقسمان:
أحدهما: يجرون هذه الصفات على ظاهرها، ولكن دون تمييز بين صفات الخالق وصفات المخلوق، فهؤلاء طائفة المشبهة، وهم أصناف شتى وقد ذكر أهل العلم مقالاتهم تفصيلاً، مثل الشيخ عبد القاهر البغدادي، وأبي الحسن الأشعري، وغيرهما.
وأشهر هؤلاء المشبهة الهاشمية أصحاب هشام بن الحكم الرافضي وأصحاب هشام بن سالم الجواليقي1. وداود الجواربي، ومقاتل بن سليمان2.
ومن هذه الطائفة أيضاً الكرامية، أصحاب أبي عبد الله محمّد بن كرام السجستاني، الذين غالوا في الإثبات إلى حد التجسيم.
وأول من أظهر عقيدة التشبيه طائفة من الرافضة تسمى السبئية أتباع عبد الله بن سبأ، اليهودي الذي أظهر الإسلام، من أجل الكيد لأهله، مع بقائه على يهوديته إذ إن هذه الفرقة الضالة ألهّت علياً رضي الله عنه، وشبهوه بذات الإله الحق، فلما أحرق قوماً منهم لهذا السبب قالوا له: الآن علمنا أنك إله، لأن النار لا يعذب بها إلا الله كما ذكر ذلك عنهم البغدادي3.
1 انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري1/106-109.
2 المصدر نفسه ص: 283.
3 الفرق بين الفرق، ص: 233، تحقيق محمّد عبد الحميد.
وثانيهما: يجرون هذه الصفات على ظاهرها أيضاً فيثبتونها على حقيقتها لله سبحانه وتعالى كما أثبتوا غيرها من الصفات، إلا أنهم يجرونها على ظاهرها اللائق بجلال الله، فلا يشبهونه بخلقه لأنهم يثبتون لله تعالى ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، إثباتاً لا تمثيل فيه، ولا تشبيه وينزهونه عن مشابهة خلقه تنزيهاً بريئاً عن التعطيل، فاتخذوا طريقاً وسطاً بين المؤولة المعطلة والمشبهة المجسمة، وهؤلاء هم السلف، الذين اتبعوا طريق الوحي من كتاب وسنة، إثباتاً ونفياً، فالإثبات طريقهم لأنه الذي صرح به الوحي، والتنزيه كذلك، لأنه ملازم لذلك الإثبات، عملاً بقوله تعالى في جانب التنزيه:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وقوله في تمام الآية عن جانب الإثبات: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} 1 وقوله سبحانه في جانب التنزيه أيضاً: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} 2 وقوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} 3 فكان إثباتهم للصفات عملاً بآيات الإثبات، كما كان تنزيههم له سبحانه عملاً بآيات التنزيه.
وبذلك وفق أهل السنة للعمل بجميع النصوص الواردة في الصفات، نفياً وإثباتاً، فأصابوا الحق والسداد.
وسيأتي عند الكلام عن مذهب البيهقي في هذه الصفات زيادة إيضاح لمذهب السلف إن شاء الله.
1 سورة الشورى آية: 11.
2 سورة مريم آية: 65.
3 سورة الإخلاص آية: 4.
(ب) فريق النفاة:
ويتمثل هؤلاء في الجهمية والمعتزلة، وبعضه الأشاعرة.
1 -
الجهمية:
وقد تقدم القول عنهم بأنهم قد نفوا جميع الصفات العقلية منها والخبرية، بحجّة أن في إثباتها تشبيهاً لله بخلقه، فلم يروا حلاً لذلك إلا النفي المحض، وهذه الفرقة - كما هو ظاهر من أمرها - هي أكثر الفرق تطرفاً في باب القول في الصفات.
2 -
المعتزلة:
ويذهب هؤلاء إلى نفي الصفات الخبرية، وتأويل النصوص الواردة بها، لأنهم يرون أن الأدلة التي ثبتت بها وهي النصوص الشرعية من كتاب وسنة، يرون هذه الأدلة أدلة ظنية، وما لم يقم عليها دليل عقلي - الذي هو الدليل القطعي عندهم - فلا يجوز إثباتها، ويرون أيضاً أن تلك الأدلة الظنية - في زعمهم - معارضة بالدليل القطعي وهو دليل العقل القائم على أن الله ليس جسماً، وإثباتها يرونه تجسيماً، لذلك أولوا الاستواء بالاستيلاء، والعين بالعلم، والوجه بالذات، واليد بالقوة والجنب بالطاعة والساق بالشدة، إلى غير ذلك من التأويلات الباطلة التي طرحوها لأمثال هذه الصفات1.
1 انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبّار ص:226-229، والمختصر في أصول الدين للقاضي عبد الجبّار أيضاً، ضمن رسائل العدل والتوحيد1/185-190.
3 -
الأشاعرة:
وبالرغم من اتفاق هؤلاء على إثبات الصفات العقلية، كما عرفنا ذلك في الفصل السابق إلا أنهم يختلفون في إثبات الصفات الخبرية.
فالمتأخرون منهم: كأبي المعالي الجويني، والغزالي والرازي لا يثبتونها، ويؤولون ما ورد فيها من آيات وأحاديث صحيحة لأمرين هما عين السبب الذي دفع المعتزلة إلى نفيها.
الأول منهما: أن إثباتها يقتضي تشبيه الله تعالى بخلقه ويؤدي إلى التجسيم.
وثانيهما: أن الأدلة عليها ظنية، لأنها تتمثل في مجرد ظواهر شرعية، وهذه معارضة عندهم بما يعتبرونه أدلة قطعية وهي الأدلة العقلية. وبناء على هذا اختلفت نظرتهم حيال الأدلة الشرعية الدالة على الصفات الخبرية على رأيين:
الأوّل: تفويض العلم بمعانيها إلى الله جل شأنه.
الثاني: أو تأويل تلك النصوص، بصرفها عن ظواهرها إلى معان تليق بالله تعالى حسب زعمهم.
وفي بيان هذين المسلكين يقول سعد الدين التفتازاني:
"
…
أما ظواهر الشرع فكقوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ} 1، و {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ} 2. و {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 3 {وَيَبْقَى
1 سورة الفجر آية: 22.
2 سورة البقرة آية: 210.
3 سورة طه آية: 5.
وَجْهُ رَبِّكَ} 1. و {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} 2، و {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ} 3
…
إلى غير ذلك.
وكقوله عليه السلام للجارية الخرساء: "أين الله؟ فأشارت إلى السماء، فلم ينكر عليها، وحكم بإسلامها
…
" إلى أن قال:
والجواب: أنها ظنيات سمعية في معارضة قطعيات عقلية، فيقطع بأنها ليست على ظواهرها، ويفوض العلم بمعانيها إلى الله تعالى، مع عتقاد حقيقتها جرياً على الطريق الأسلم، الموافق للوقف على لفظ الجلالة في قوله تعالى:{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ اللَّهُ} 4، أو تؤول تأويلات مناسبة، موافقة لما عليه، الأدلة العقلية، على ما ذكر في كتب التفاسير، وشروح إلأحاديث سلوكاً للطريق الأحكم الموافق للعطف في:{إِلَاّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} 5.
ويبدو من هذا أن علماء الأشاعرة لم يتفقوا على تأويل نصوص الصفات الخبوية، بل منهم من ذهب إلى القول بالتفويض فيها، كما أن منهم من انتهى في آخو أمره إلى الرجوع إلى مذهب السلف، وهو الإثبات كما ذكر ذلك ابن القيم وابن تيمية عن الجويني إمام الحرمين"6.
1 سورة الرحمن آية: 27.
2 سورة طه آية: 39.
3 سورة ص آية: 75.
4 سورة آل عمران آية: 7.
5 شرح المقاصد للتفتازاني2/67.
6 انظر: مدارج السالكين لابن القيم4/311، والحمويّة الكبرى لابن تيمية ضمن مجموع الفتاوى5/100.
هذا عن مذهب المتأخرين من الأشاعرة.
أما المتقدمون: مثل رئيسهم أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري الذي ينتسبون إليه، ويدعون أنهم على مذهبه وأبي بكر الباقلاني، فإنهم يثبتون الصفات الخبرية من الاستواء، والوجه واليدين، وغيرها مما وصف الله تعالى به نفسه، وما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم في السنة الصحيحة الصريحة. كما ذكر ذلك في كتاب الإبانة حيث قال:
"
…
قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب ربنا عز وجل، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمّد بن حنبل نضر الله وجهه، ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، عند ظهور الضلال، ورفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدعة المبتدعات
…
وجملة قولنا
…
إن الله مستو على عرشه كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وأن له وجهاً كما قال: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ} وأن له يدين بلا كيف كما قال: {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} وكما قال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} وإن له عيناً بلا كيف كما قال: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} 1
…
"
إلى آخر ما ذكره في كتاب الإبانة مما يتفق مع مذهب السلف. وقد ذكر مثل هذا في كتابه مقالات الإسلاميين2.
1 أبو الحسن الأشعري، الإبانة عن أصول الدين ص: 8، 9.
2 1/345.
وأما الباقلاني، أبو بكر محمّد بن الطيب، الذي وصفه ابن تيمية رحمه الله بأنه أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري ليس فيهم مثله، لا قبله، ولا بعده1. فإنه ذكر في كتاب التمهيد أنه يثبت جميع الصفات الذاتية والفعلية العقلية والخبرية2.
وقد نقل عنه ابن تيمية وابن القيم من كتاب الإبانة له مايشبه كلامه في التمهيد، وذكر ابن القيم عنه ما كتبه في "رسالة الحيرة" مما يطابق كلامه في كتابيه التمهيد والإبانة3.
وبعد عرضنا للآراء حول الصفات الخبرية، ننتقل إلى عرض رأي البيهقي فيها، حتى يمكننا أن نقف على حقيقة موقفه منها، وإلى أي هذه المذاهب انتهى.
ولنبدأ أولاً ببيان مذهبه في صفات الذات الخبرية الذي يمثل المبحث الأول من هذا الفصل.
1 مجموع الفتاوى5/98.
2 راجع كتاب التميهيد للباقلاني ص:258، وما بعدها طبع المكتبة الشرقية ببيروت 1957م.
3 ابن تيمية، مجموع الفتاوى5/98، 99، وابن القيم، اجتماع الجيوش الإسلامية، ص: 212، 213، طبع مكتبة الرياض الحديثة، بدون تاريخ.