المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(أول ما فرضه الله تعالى بعد تصديق نبيه: - فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب - جـ ٩

[محمد نصر الدين محمد عويضة]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب الآداب

- ‌(عملي في هذا الكتاب:

- ‌مقدمة في فضل علم الآداب:

- ‌الآداب أكثر من أن تحصى

- ‌تعريف الأدب

- ‌الباب الأول‌‌ فضل العقلوذم الهوى

- ‌ فضل العقل

- ‌(تعريف العقل:

- ‌(محل العقل:

- ‌(أقسام العقل:

- ‌(العلاقة بين العقل الغريزي والمكتسب:

- ‌(ما يزداد به العاقل من نماء عقله:

- ‌(أول شعب العقل هو لزوم تقوى الله وإصلاح السريرة:

- ‌(ذم الهوى:

- ‌(تعريف الهوى:

- ‌(الفَرْقُ مَا بَيْنَ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ:

- ‌(ذم الهوى وأتباعه:

- ‌(مدح مخالفة الهوى:

- ‌(استحباب مخالفة الهوى وإن كان مباحاً:

- ‌(صرف ما يقع بالقلب من غلبة الشهوة:

- ‌(أحوال الإنسان مع الهوى:

- ‌(أهمية علاج الهوى:

- ‌(كيفية علاج الهوى:

- ‌(وهاك طرق علاج الهوى:

- ‌الباب الثاني أدب العلم

- ‌(المقصود بالعلم:

- ‌(فضل العلم:

- ‌(حكم تعلم العلم:

- ‌(آداب طالب العلم:

- ‌(آداب العالم:

- ‌(فضل بعض العلوم التي يجب على طالب العلم أن يتحلى بها:

- ‌(أولاً فضل علم التوحيد

- ‌(ثانياً فضل علم القرآن

- ‌ آداب قراءة القرآن:

- ‌ آداب حملة القرآن:

- ‌(فضل سورة الفاتحة:

- ‌(فضل سورة البقرة:

- ‌(فضلُ آية الكرسي:

- ‌(فضلُ خواتيم سورة البقرة:

- ‌(فضلُ سورتي البقرة وآل عمران:

- ‌(فضلُ سورة هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون:

- ‌(فضلُ سورة الكهف:

- ‌(فضل سورة الفتح:

- ‌(فضلُ سورتي السجدة والملك:

- ‌(فضل المسبِّحات:

- ‌(فضل سورة التكوير والإنفطار والانشقاق:

- ‌(فضل سورة الكوثر:

- ‌(فضلُ سورة الكافرون:

- ‌(فضل المعوذتين:

- ‌(فضلُ المُعَوِّذات:

- ‌(فضلُ سورة الإخلاص:

- ‌(ثالثاً فضل علم السنة:

- ‌ رابعاً: فضلُ علم الفقه:

- ‌ خامساً: فضلُ علم الهدي والآداب:

- ‌الباب الثالث أدب الدين

- ‌(تكليفُ الخلقِ عبادة الله تعالى تفضلاً منه سبحانه عليهم:

- ‌(بيان مِنَّةُ الله العظيمة في إرسال النبي محمد

- ‌(بيان فضل العلماء:

- ‌(منة الله تعالى على عباده في رفع الحرج فيما تعبدهم به:

- ‌(أقسام التكليف:

- ‌(أقسام التكليف الذي أمرهم الله باعتقاده:

- ‌(أقسام التكليف الذي أمرهم الله بفعله:

- ‌(أقسام التكليف الذي أمرهم بالكفِ عنه:

- ‌(حالتي العبادة «حالة كمال وحالة جواز»:

- ‌(أول ما فرضه الله تعالى بعد تصديق نبيه:

- ‌(أقسام المحرمات التي يمنع منها الشرع:

- ‌(أحوال الناس فِيمَا أُمِرُوا بِهِ وَنُهُوا عَنْهُ:

- ‌(آفات عمل الطاعة ومجانبة المعاصي:

- ‌(أحوال الإنسان في عبادته:

- ‌الباب الرابع أدب الدنيا

- ‌(التحذير من الافتتان بالدنيا والركون إليها:

- ‌(ذم الدنيا:

- ‌(أمرُ الدّنيا في جنب الآخرة قليل:

- ‌(الدنيا عمرها قد قارب على الانتهاء:

- ‌(الآخرة هي الباقية، وهى دار القرار:

- ‌(ومما ورد في ذم التنافس على الدنيا ما يلي:

- ‌(أقسام الناس في حبهم للدنيا:

- ‌(أضرار حب الدنيا:

- ‌(صلاحُ الدنيا:

- ‌الباب الخامس أدب النفس

- ‌(معنى الأدب مع النفس:

- ‌(أهمية أدب النفس:

- ‌(وجوه لزوم التأديب:

- ‌(طريق اكتساب أدب النفس:

- ‌ آداب تلاوة القرآن:

الفصل: ‌(أول ما فرضه الله تعالى بعد تصديق نبيه:

(التكليف الذي أمرهم بالكفِ عنه ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمًا لِإِحْيَاءِ نُفُوسِهِمْ وَصَلَاحِ أَبْدَانِهِمْ، كَنَهْيِهِ عَنْ الْقَتْلِ، وَأَكْلِ الْخَبَائِثِ وَالسُّمُومِ، وَشُرْبِ الْخُمُورِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى فَسَادِ الْعَقْلِ وَزَوَالِهِ. وَقِسْمًا لِائْتِلَافِهِمْ وَإِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ، كَنَهْيِهِ عَنْ الْغَضَبِ، وَالْغَلَبَةِ، وَالظُّلْمِ، وَالسَّرَفِ الْمُفْضِي إلَى الْقَطِيعَةِ، وَالْبَغْضَاءِ. وَقِسْمًا لِحِفْظِ أَنْسَابِهِمْ وَتَعْظِيمِ مَحَارِمِهِمْ، كَنَهْيِهِ عَنْ الزِّنَا وَنِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ. فَكَانَتْ نِعْمَتُهُ فِيمَا حَظَرَهُ عَلَيْنَا كَنِعْمَتِهِ فِيمَا أَبَاحَهُ لَنَا، وَتَفَضُّلُهُ فِيمَا كَفَّنَا عَنْهُ كَتَفَضُّلِهِ فِيمَا أَمَرَنَا بِهِ. فَهَلْ يَجِدُ الْعَاقِلُ فِي رَوِيَّتِهِ مَسَاغًا أَنْ يُقَصِّرَ فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَهُوَ نِعْمَةُ عَلَيْهِ، أَوْ يَرَى فُسْحَةً فِي ارْتِكَابِ مَا نَهَى عَنْهُ وَهُوَ تَفَضُّلٌ مِنْهُ عَلَيْهِ؟ وَهَلْ يَكُونُ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِنِعْمَةٍ فَأَهْمَلَهَا، مَعَ شِدَّةِ فَاقَتِهِ إلَيْهَا، إلا مَذْمُومًا فِي الْعَقْلِ مَعَ مَا جَاءَ مِنْ وَعِيدِ الشَّرْعِ؟ ثُمَّ مِنْ لُطْفِهِ بِخَلْقِهِ وَتَفَضُّلِهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ جَعَلَ لَهُمْ مِنْ جِنْسِ كُلِّ فَرِيضَةٍ نَفْلاً، وَحَمَلَ لَهَا مِنْ الثَّوَابِ قِسْطًا، وَنَدَبَهُمْ إلَيْهِ نَدْبًا، وَجَعَلَ لَهُمْ بِالْحَسَنَةِ عَشْرًا لِيُضَاعِفَ ثَوَابَ فَاعِلِهِ، وَيَضَعَ الْعِقَابَ عَنْ تَارِكِهِ.

‌(حالتي العبادة «حالة كمال وحالة جواز» :

(مِنْ لَطِيفِ حِكْمَة الله تعالى أَنْ جَعَلَ لِكُلِّ عِبَادَةٍ حَالَتَيْنِ: حَالَةُ كَمَالٍ وَحَالَةُ جَوَازٍ، رِفْقًا مِنْهُ بِخَلْقِهِ لِمَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّ فِيهِمْ الْعَجِلَ الْمُبَادِرَ وَالْبَطِيءَ الْمُتَثَاقِلَ، وَمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ عَلَى أَدَاءِ الأكْمَلِ لِيَكُونَ مَا أَخَلَّ بِهِ مِنْ هَيْئَاتِ عِبَادَتِهِ غَيْرَ قَادِحٍ فِي فَرْضٍ، وَلَا مَانِعٍ مِنْ أَجْرٍ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ نِعَمِهِ عَلَيْنَا وَحُسْنِ نَظَرِهِ إلَيْنَا.

‌(أول ما فرضه الله تعالى بعد تصديق نبيه:

ص: 168

أَوَّلُ مَا فَرَضَ بَعْدَ تَصْدِيقِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم عِبَادَاتِ الأبْدَانِ، وَقَدْ قَدَّمَهَا عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالأمْوَالِ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ عَلَى الأمْوَالِ أَشَحُّ وَبِمَا يَتَعَلَّقُ بِالأبْدَانِ أَسْمَحُ، وَذَلِكَ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ. فَقَدَّمَ الصَّلَاةَ عَلَى الصِّيَامِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ أَسْهَلُ فِعْلاً، وَأَيْسَرُ عَمَلاً، وَجَعَلَهَا مُشْتَمِلَةً عَلَى خُضُوعٍ لَهُ وَابْتِهَالٍ إلَيْهِ. فَالْخُضُوعُ لَهُ رَهْبَةٌ مِنْهُ، وَالابْتِهَالُ إلَيْهِ رَغْبَةٌ فِيهِ، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.

((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن المصلي يناجي ربه فلينظر بم يناجيه و لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن.

المناجاة: حديث العبد لربه سرا بالتضرع أو الدعاء أو ما يشاء.

(وأورد الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ اصْفَرَّ لَوْنُهُ مَرَّةً وَاحْمَرَّ أُخْرَى فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: أَتَتْنِي الأمَانَةُ الَّتِي عُرِضَتْ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالارْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلْتهَا أَنَا فَلَا أَدْرِي أَأُسِيءُ فِيهَا أَمْ أُحْسِنُ.

ص: 169

(ثُمَّ جَعَلَ لَهَا شُرُوطًا لَازِمَةً مِنْ رَفْعِ حَدَثٍ، وَإِزَالَةِ نَجَسٍ؛ لِيَسْتَدِيمَ النَّظَافَةَ لِلِقَاءِ رَبِّهِ، وَالطَّهَارَةَ لِأَدَاءِ فَرْضِهِ. ثُمَّ ضَمَّنَهَا تِلَاوَةَ كِتَابِهِ الْمُنَزَّلِ لِيَتَدَبَّرَ مَا فِيهِ، مِنْ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، وَيَعْتَبِرَ إعْجَازَ أَلْفَاظِهِ وَمَعَانِيهِ. ثُمَّ عَلَّقَهَا بِأَوْقَاتٍ رَاتِبَةٍ، وَأَزْمَانٍ مُتَرَادِفَةٍ؛ لِيَكُونَ تَرَادُفُ أَزْمَانِهَا وَتَتَابُعُ أَوْقَاتِهَا سَبَبًا لِاسْتِدَامَةِ الْخُضُوعِ لَهُ وَالابْتِهَالِ إلَيْهِ، فَلَا تَنْقَطِعُ الرَّهْبَةُ مِنْهُ وَلَا الرَّغْبَةُ فِيهِ، وَإِذَا لَمْ تَنْقَطِعْ الرَّغْبَةُ وَالرَّهْبَةُ اسْتَدَامَ صَلَاحُ الْخَلْقِ. وَبِحَسَبِ قُوَّةِ الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ يَكُونُ اسْتِيفَاؤُهَا عَلَى الْكَمَالِ أَوْ التَّقْصِيرِ فِيهَا حَالَ الْجَوَازِ.

(ولله درُّ من قال:

أَقْبِلْ عَلَى صَلَوَاتِك الْخَمْسِ كَمْ مُصْبِحٍ وَعَسَاهُ لَا يُمْسِي

وَاسْتَقْبِلْ الْيَوْمَ الْجَدِيدَ بِتَوْبَةٍ تَمْحُو ذُنُوبَ صَبِيحَةِ الأمْسِ

فَلَيَفْعَلَنَّ بِوَجْهِك الْغَضِّ الْبِلَى فِعْلَ الظَّلَامِ بِصُورَةِ الشَّمْسِ.

(ثُمَّ فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الصِّيَامَ وَقَدَّمَهُ عَلَى زَكَاةِ الأمْوَالِ لِتَعَلُّقِ الصِّيَامِ بِالأبْدَانِ. وَكَانَ فِي إيجَابِهِ حَثٌّ عَلَى رَحْمَةِ الْفُقَرَاءِ وَإِطْعَامِهِمْ وَسَدِّ جَوْعَاتِهِمْ لِمَا عَايَنُوهُ مِنْ شِدَّةِ الْمَجَاعَةِ فِي صَوْمِهِمْ.

ثُمَّ لِمَا فِي الصَّوْمِ مِنْ قَهْرِ النَّفْسِ وَإِذْلَالِهَا وَكَسْرِ الشَّهْوَةِ الْمُسْتَوْلِيَةِ عَلَيْهَا وَإِشْعَارِ النَّفْسِ مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى يَسِيرِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَالْمُحْتَاجُ إلَى الشَّيْءِ ذَلِيلٌ بِهِ، وَبِهَذَا احْتَجَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ اتَّخَذَ عِيسَى ـ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ السَّلَامُ ـ وَأُمَّهُ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِهِ، فَقَالَ:{مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ} [المائدة: 75]

«فَجَعَلَ احْتِيَاجَهُمَا إلَى الطَّعَامِ نَقْصًا فِيهِمَا عَنْ أَنْ يَكُونَا إلَهَيْنِ» .

ص: 170

وَقَدْ وَصَفَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ نَقْصَ الإنْسَانِ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَقَالَ: مِسْكِينُ ابْنُ آدَمَ مَحْتُومُ الأجَلِ، مَكْتُومُ الأمَلِ، مَسْتُورُ الْعِلَلِ. يَتَكَلَّمُ بِلَحْمٍ وَيَنْظُرُ بِشَحْمٍ، وَيَسْمَعُ بِعَظْمٍ. أَسِيرُ جُوعِهِ، صَرِيعُ شِبَعِهِ تُؤْذِيهِ الْبَقَّةُ، وَتُنْتِنُهُ الْعَرَقَةُ وَتَقْتُلُهُ الشَّرْقَةُ. لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرًّا، وَلَا نَفْعًا وَلَا مَوْتًا، وَلَا حَيَاةً، وَلَا نُشُورًا.

فَانْظُرْ إلَى لُطْفِهِ بِنَا، فِيمَا أَوْجَبَهُ مِنْ الصِّيَامِ عَلَيْنَا. كَيْفَ أَيْقَظَ الْعُقُولَ لَهُ، وَقَدْ كَانَتْ عَنْهُ غَافِلَةً أَوْ مُتَغَافِلَةً. وَنَفَعَ النُّفُوسَ بِهِ وَلَمْ تَكُنْ مُنْتَفِعَةً وَلَا نَافِعَةً.

(ثُمَّ فَرَضَ زَكَوَاتِ الأمْوَالِ وَقَدَّمَهَا عَلَى فَرْضِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ فِي الْحَجِّ مَعَ إنْفَاقِ الْمَالِ سَفَرًا شَاقًّا، فَكَانَتْ النَّفْسُ إلَى الزَّكَاةِ أَسْرَعَ إجَابَةً مِنْهَا إلَى الْحَجِّ، فَكَانَ فِي إيجَابِهَا مُوَاسَاةً لِلْفُقَرَاءِ، وَمَعُونَةً لِذَوِي الْحَاجَاتِ، تَكُفُّهُمْ عَنْ الْبَغْضَاءِ وَتَمْنَعُهُمْ مِنْ التَّقَاطُعِ وَتَبْعَثُهُمْ عَلَى التَّوَاصُلِ؛ لِأَنَّ الأملَ وَصُولٌ وَالرَّاجِيَ هَائِبٌ، وَإِذَا زَالَ الأمَلُ وَانْقَطَعَ الرَّجَاءُ وَاشْتَدَّتْ الْحَاجَةُ وَقَعَتْ الْبَغْضَاءُ وَاشْتَدَّ الْحَسَدُ فَحَدَثَ التَّقَاطُعُ بَيْنَ أَرْبَابِ الأمْوَالِ وَالْفُقَهَاءِ، وَوَقَعَتْ الْعَدَاوَةُ بَيْنَ ذَوِي الْحَاجَاتِ وَالأغْنِيَاءِ، حَتَّى تُفْضِيَ إلَى التَّغَالُبِ عَلَى الأمْوَالِ وَالتَّغْرِيرِ بِالنُّفُوسِ. هَذَا مَعَ مَا فِي أَدَاءِ الزَّكَاةِ مِنْ تَمْرِينِ النَّفْسِ عَلَى السَّمَاحَةِ الْمَحْمُودَةِ وَمُجَانَبَةِ الشُّحِّ الْمَذْمُومِ؛ لِأَنَّ السَّمَاحَةَ تَبْعَثُ عَلَى أَدَاءِ الْحُقُوقِ وَالشُّحَّ يَصُدُّ عَنْهَا. وَمَا يَبْعَثُ عَلَى أَدَاءِ الْحُقُوقِ فَأَجْدَرُ بِهِ حَمْدًا، وَمَا صَدَّ عَنْهَا فَأَخْلِقْ بِهِ ذَمًّا، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (

ص: 171

((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: شر ما في رجل شح هالع وجبن خالع.

فَسُبْحَانَ مَنْ دَبَّرَنَا بِلَطِيفِ حِكْمَتِهِ، وَأَخْفَى عَنْ فِطْنَتِنَا جَزِيلَ نِعْمَتِهِ، حَتَّى اسْتَوْجَبَ مِنْ الشُّكْرِ بِإِخْفَائِهَا أَعْظَمَ مِمَّا اسْتَوْجَبَهُ بِإِبْدَائِهَا.

(ثُمَّ فَرَضَ الْحَجَّ فَكَانَ آخِرَ فُرُوضِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ عَمَلاً عَلَى بَدَنٍ وَحَقًّا فِي مَالٍ. فَجَعَلَ فَرْضَهُ بَعْدَ اسْتِمْرَارِ فُرُوضِ الأبدان وَفُرُوضِ الأموال؛ لِيَكُونَ اسْتِئْنَاسَهُمْ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النَّوْعَيْنِ ذَرِيعَةً إلَى تَسْهِيلِ مَا جَمَعَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ. فَكَانَ فِي إيجَابِهِ تَذْكِيرٌ لِيَوْمِ الْحَشْرِ بِمُفَارَقَةِ الْمَالِ والأهل، وَخُضُوعِ الْعَزِيزِ وَالذَّلِيلِ فِي الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاجْتِمَاعِ الْمُطِيعِ وَالْعَاصِي فِي الرَّهْبَةِ مِنْهُ وَالرَّغْبَةِ إلَيْهِ، وَإِقْلَاعِ أَهْلِ الْمَعَاصِي عَمَّا اجْتَرَحُوهُ، وَنَدَمِ الْمُذْنِبِينَ عَلَى مَا أَسْلَفُوهُ، فَقَلَّ مَنْ حَجَّ إلا وَأَحْدَثَ تَوْبَةً مِنْ ذَنْبٍ وَإِقْلَاعًا مِنْ مَعْصِيَةٍ، فإن مِنْ عَلَامَةِ الْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهَا بَعْدَهَا خَيْرًا مِنْهُ قَبْلَهَا.

ص: 172

وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ النَّدَمَ عَلَى الذُّنُوبِ مَانِعٌ مِنْ الإقْدَامِ عَلَيْهَا، وَالتَّوْبَةَ مُكَفِّرَةٌ لِمَا سَلَفَ مِنْهَا. فَإِذَا كَفَّ عَمَّا كَانَ يَقْدُمُ عَلَيْهِ أَنْبَأَ عَنْ صِحَّةِ تَوْبَتِهِ، وَصِحَّةُ التَّوْبَةِ تَقْتَضِي قَبُولَ حَجَّتِهِ. ثُمَّ نَبَّهَ بِمَا يُعَانِي فِيهِ مِنْ مَشَاقِّ السَّفَرِ الْمُؤَدِّي إلَيْهِ عَلَى مَوْضِعِ النِّعْمَةِ بِرَفَاهَةِ الإقَامَةِ وَأَنَسَةِ الأوْطَانِ لِيَحْنُوَ عَلَى مِنْ سُلِبَ هَذِهِ النِّعْمَةَ مِنْ أَبْنَاءِ السَّبِيلِ. ثُمَّ أَعْلَمَ بِمُشَاهَدَةِ حَرَمِهِ الَّذِي أَنْشَأَ مِنْهُ دِينَهُ، وَبَعَثَ فِيهِ رَسُولَهُ. ثُمَّ بِمُشَاهَدَةِ دَارِ الْهِجْرَةِ الَّتِي أَعَزَّ اللَّهُ بِهَا أَهْلَ طَاعَتِهِ، وَأَذَلَّ بِنُصْرَةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ عليه الصلاة والسلام أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ، حَتَّى خَضَعَ لَهُ عُظَمَاءُ الْمُتَجَبِّرِينَ، وَتَذَلَّلَ لَهُ زُعَمَاءُ الْمُتَكَبِّرِينَ. إنَّهُ لَمْ يَنْتَشِرْ عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ الْمُنْقَطِعِ، وَلَا قَوِيَ بَعْدَ الضَّعْفِ الْبَيِّنِ حَتَّى طَبَّقَ الأرْضَ شَرْقًا وَغَرْبًا إلا بِمُعْجِزَةٍ ظَاهِرَةٍ وَنَصْرٍ عَزِيزٍ. فَاعْتَبِرْ ـ أَلْهَمَك اللَّهُ الشُّكْرَ وَوَفَّقَك لِلتَّقْوَى ـ إنْعَامَهُ عَلَيْك فِيمَا كَلَّفَك، وَإِحْسَانَهُ إلَيْك فِيمَا تَعَبَّدَك. فَقَدْ وَكَّلْتُك إلَى فِطْنَتِك وَأَحَلْتُك عَلَى بَصِيرَتِك بَعْدَ أَنْ كُنْتُ لَك رَائِدًا صَدُوقًا، وَنَاصِحًا شَفُوقًا هَلْ تُحْسِنُ نُهُوضًا بِشُكْرِهِ إذَا فَعَلْت مَا أَمَرَك، وَتَقَبَّلْت مَا كَلَّفَك؟ كَلاً إنَّهُ لَا يُوَلِّيك نِعْمَةً تُوجِبُ الشُّكْرَ إذَا وَصَلَهَا قَبْلَ شُكْرِ مَا سَلَفَ بِنِعْمَةٍ تُوجِبُ الشُّكْرَ فِي الْمُؤْتَنَفِ.

وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: نِعَمُ اللَّهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُشْكَرَ إلا مَا أَعَانَ عَلَيْهِ، وَذُنُوبُ ابْنِ آدَمَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُغْفَرَ إلا مَا عَفَا عَنْهُ.

ص: 173

وَإِذَا كُنْت عَنْ شُكْرِ نِعَمِهِ عَاجِزًا فَكَيْفَ بِك إذَا قَصَّرَتْ فِيمَا أَمَرَك، أَوْ فَرَّطْت فِيمَا كَلَّفَك، وَنَفْعُهُ أَعْوَدُ عَلَيْك لَوْ فَعَلْته. هَلْ تَكُونُ لِسَوَابِغِ نِعَمِهِ الا كَفُورًا، وَبِبِدَايَةِ الْعُقُولِ إلا مَزْجُورًا؟ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا} [النحل:83]

قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ يَعْرِفُونَ مَا عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ نِعَمِهِ وَيُنْكِرُونَهَا بِقَوْلِهِمْ أَنَّهُمْ وَرِثُوهَا عَنْ آبَائِهِمْ وَاكْتَسَبُوهَا بِأَفْعَالِهِمْ.

وَقَالَ بَعْضُ صُلَحَاءِ السَّلَفِ: قَدْ أَصْبَحَ بِنَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى مَا لَا نُحْصِيهِ، مَعَ كَثْرَةِ مَا نَعْصِيهِ، فَلَا نَدْرِي أَيَّهُمَا نَشْكُرُ، أَجَمِيلَ مَا يَنْشُرُ، أَمْ قَبِيحَ مَا يَسْتُرُ. فَحَقَّ عَلَى مَنْ عَرَفَ مَوْضِعَ النِّعْمَةِ أَنْ يَقْبَلَهَا مُمْتَثِلاً لِمَا كُلِّفَ مِنْهَا وَقَبُولُهَا يَكُونُ بِأَدَائِهَا، ثُمَّ يَشْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى مَا أَنْعَمَ مِنْ إسْدَائِهَا. فَإِنَّ بِنَا مِنْ الْحَاجَةِ إلَى نِعَمِهِ أَكْثَرَ مِمَّا كَلَّفَنَا مِنْ شُكْرِ نِعَمِهِ. فَإِنْ نَحْنُ أَدَّيْنَا حَقَّ النِّعْمَةِ فِي التَّكْلِيفِ تَفَضَّلَ بِإِسْدَاءِ النِّعْمَةِ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ التَّكْلِيفِ، فَلَزِمَتْ النِّعْمَتَانِ وَمَنْ لَزِمَتْهُ النِّعْمَتَانِ فَقَدْ أُوتِيَ حَظَّ الدُّنْيَا والآخرة، وَهَذَا هُوَ السَّعِيدُ بِالإطْلَاقِ. وَإِنْ قَصَّرْنَا فِي أَدَاءِ مَا كُلِّفْنَا مِنْ شُكْرِهِ قَصَرَ عَنَّا مَا لَا تَكْلِيفَ فِيهِ مِنْ نِعَمِهِ، فَنَفَرَتْ النِّعْمَتَانِ وَمَنْ نَفَرَتْ عَنْهُ النِّعْمَتَانِ فَقَدْ سُلِبَ حَظَّ الدُّنْيَا والآخرة، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْحَيَاةِ حَظٌّ وَلَا فِي الْمَوْتِ رَاحَةٌ، وَهَذَا هُوَ الشَّقِيُّ بِالاسْتِحْقَاقِ. وَلَيْسَ يَخْتَارُ الشِّقْوَةَ عَلَى السَّعَادَةِ ذُو لُبٍّ صَحِيحٍ وَلَا عَقْلٍ سَلِيمٍ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123].

ص: 174