المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الكتلة العربية الآسيوية - فكرة الإفريقية الآسيوية

[مالك بن نبي]

الفصل: ‌الكتلة العربية الآسيوية

‌الكتلَة العَرَبيَّة الآسيَوية

ليس مؤتمر باندونج ظاهرة ذات تكوين فجائي تلقائي، فلئن كان يعدّ- من ناحية- نقطة انطلاق لاطراد اجتماعي وسياسي معين، فهو في الوقت نفسه نهاية لاطراد آخر. والتطور التاريخي الذي ولد فيه هو نتيجة ليقظة الرجل الأفرسيوي أمام المشكلات التي يواجهه بها ظرفه الخاص، وتواجهه بها الحالة العالمية.

ولقد غذت الأحداث في الواقع هذا التطور على محور طنجة - جاكرتا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وميزته بمراحل إعدادية سبقت باندونج. وإحدى هذه المراحل كانت (الكتلة العربية الآسيوية) فوراء المؤتمر الآفرسيوي، وراء كولومبو وبوجور، هنالك ماض وتاريخ، أعني: تراثاً معيناً يحمل كل مقومات الفكرة، ومظاهر ضعفها أيضاً. ولقد كان المشروع الأولي الذي رأى النور في كولومبو ثمرة لجوهر الفكرة العربية الآسيوية، ولقشورها التافهة مرة واحدة. فهو يلخصها بخيرها وشرها. فقد كان أولاً ثمرة الإرادات الطيبة التي التقت في هيئة الأمم المتحدة، في نطاق مجموعة من الأمم التي تشترك لما بعض المصالح والمشاعر، ولكن كان بين أفرادها أيضاً بعض مظاهر الاختلاف والشقاق، تلك التي قد تجلت بين الدول الخمس نفسها في مؤتمر كولومبو، وهذه المظاهر تعكس لنا التعارض الذي ظهر قليلاً أو كثيراً في باندونج.

والواقع أن صفة الكتلة العربية الآسيوية المميزة، أنها كانت تدين بوجودها لصدفة حدثت خلال مناقشة بالأمم المتحدة عن المشكلة الإندونيسية (1)، ويرجع

(1) حاول الأمين العام للجامعة العربية منذ عام 1945م أن يتشاور مع حواهر لال نهرو في موضوع استقلال إندونيسيا التي كانت تكافح ضد الاحتلال الإنجليزي- الهولندي، ويمكننا أن نرى في هذه المحاولة العمل الدبلوماسي الأول للكتلة العربية الآسيوية، التي بلغت في سبتمبر 1949م تسعة عشر صوتاً، تجمعت في قضية ليبيا.

ص: 121

الفضل في ذلك بقدر ما إلى وزير الخارجية المصرية آنذاك، وإلى المساعي الحميدة التي قام بها مندوب الهند وإلى الإرادة الطيبة التي دفعت دول أمريكا اللاتينية إلى تأييدهما.

ولقد تبودلت بعض الابتسامات الدبلوماسية آنذاك، حتى بين الجامعة العربية وإسبانيا، فكانت ابتسامات تلوح من خلالها، في غموض، بعض المشاريع (الدفاعية)، وهي لا تتطلب سوى أن تتحدد معالمها في مواثيق عسكرية في نطاق تنظيم للمنطقة، قائم على أساس شكل من أشكال حلف الأطلنطي، تغذي روحه أخوة بين البلاد الواقعة على البحر الأبيض.

وإذن. فالفكرة في أصلها غامضة، وهي لا تقوم على أي ضرورة أساسية مدركة بوضوح، ولا على أي نظرية محددة للغايات والوسائل، فلو أردنا أن نعتبرها تعبيراً عن السياسة العربية آنذاك فسنجد فيها فعلاً الفكر المستسلم الذي ميزته تلك السياسة في قضية فلسطين، حيث توج وظيفته التاريخية كفكر يخضع للأحداث، وترابطها الاتفاقي أكثر من أن يحضع لدقة نظرية، ونظام تطبيقها.

فالفكرة في ذاتها كانت إذن مصابة ببعض العقم في صميمها، إذ لم يكن لها ما يبررها في أصلها، وهي لم تكن تصدر عن أي أساس حيوي أو رئيسي أو جوهري. وبهذا لم تكن تعبر عن أي إلزام، سياسي أو أخلاقي، يمكن أن يتجلى داخل نطاقها، بقدر ما، في صورة رقابة على أعمال الحكومات، أو المسؤولين من أعضاء الكتلة العربية الآسيوية.

فكان من المستطاع أن يذهب أحد هؤلاء الأعضاء مثل نوري السعيد رغم عضويته، إلى ما يتنافى مع أهدافها وتوجيهها، دون أن يخشى أي جزاء أخلاقي أو سياسي تستتبعه هذه المخالفة. وبذلك كان من الممكن أن تؤثر عوامل خارجية على التوتر في الكتلة، وبهذا أصبحت تخضع لقوى التحليل نفسها التي كانت تضغط على الجامعة العربية لتسيير بعض أعضائها نحو حلف بغداد، واحداً بعد آخر، لعزلهم عن بقية الأعضاء

الذين كانوا يساقون إلى حلف

ص: 122

جنوبي شرق آسيا ( S.E.A.T.O) ولم يكن للفكرة العربية الآسيوية أن تقاوم بسهولة هذه المؤمرات التي تهدف إلى تضليلها. إذ لم يكن بناؤها الداخلي قادرا على أن يقاوم الضغوط الخارجية، أي إنها لم يكن لها مضمون نظري يكوِّن مقياسها، ويحدد خطها، الخط الذي يمكن في ضوئه أن نحكم على بعض الاتجاهات، وعلى بعض المحاولات المنحرفة.

في هذه الظروف، وفي غيبة المقياس الخلقي والسياسي، كانت الكتلة العربية الآسيوية إذن مفتوحة لجميع المؤامرات من الخارج، من جهة، وعاجزة من جهة أخرى عن أي عمل منظم هادف لحل جميع المشكلات العضوية التي تعانيها الكتلة، ومشكلات توجيهها. فكانت بذلك تابعة أكثر من أن تكون متبوعة، تخضع للصدف الطارئة في هيئة الأمم المتحدة وتقلبات الجامعة العربية التي كانت تشكل عناصر قيادتها الجوهرية، فاتبعت الطريق المعوج الذي تسنه الظروف المفاجئة؛ توجهها تارة نحو محور عدم العنف، في الظروف التي يظفر صوت الهند فيها بنفوذ كبير؛ وتارة أخرى نحو محور القوة، عندما يلوح بعض الأعضاء بالعصا لتوجيهها في هذا السبيل. فإذا تصورنا الكتلة العربية الآسيوية هكذا أي كرباط سياسي يتفق مع ظروف الساعة، ومع حوادث الطريق فهمنا أنه لم يكن لديها إذن (بوصلة) خاصة تتيح لها أن تحتفظ باتجاه معين بالنسبة إلى الأهداف البعيدة.

ومن ناحية أخرى، فإنها لم يكن لديها أي جذر متأصل في نفس الشعوب العربية الآسيوية، أي اتصال مباشر بضمائرها ولا أي امتداد ودي أو أخلاقي في حياتها تستمد منه إلهامها وحيويتها.

وبانعدام هذا الاتصال الروحي؛ انعدم لديها العامل العاطفي، وسائر العناصر الودية والنفسية، وهي العناصر التي تقر الصلة الحيوية بين النفس الشعبية؛ والعمل السياسي؛ كما هو حاصل فعلاً بين منظمة حلف الأطلنطى وشعوب الغرب، أو بين حلف وارسو والشعوب التي تنطوي تحته. ولأنها كانت مخصصة

ص: 123

لمواجهة مجرد الطوارئ التي قد تطرأ في هيئة الأمم المتحدة بالنسبة إلى بعض المشكلات؛ كمشكلة شمالي إفريقية أو غيرها؛ فإن لم يفكر في أن يضع لها قاعدة نفسية متينة عميقة، ولا هدفاً سياسياً بعيداً.

وكل ما في الأمر أن محركيها كانوا يهدفون إلى تكوين أداة للمناقشات، يتحكمون بها في كمية من الأصوات اللازمة في هيئة الأمم، لموازنة تأثير الدول الكبرى؛ دون أن يبينوا لها بصورة مدققة مراكز التقل؛ التي يتحدد بها ويتحقق ذلك التوازن.

حتى كانت الكتلة تفقد خارج هذا النطاق كل معنى؛ وكل تأتير وتذوّق للعمل والنشاط. ولم يكن بين أعضائها إلا قدر كاف من الاهتمام السامي لمواجهة مشكلة خاصة؛ ولكنه لم يكن كافياً لأن يدفعهم إلى أهداف بعيدة؛ وإلى الاشتراك في علاج المشكلات العضوية أو مشكلات التوجيه. إن اتفاق الآراء في الكتلة كان يمكن أن يحدث بصدد مشكلة ثانوية، لا بصدد مشكلة جوهرية يتوقف عليها بقاء الرجل الذي يعيش ما بين طنجة وجاكرتا. حتى إذا نشأت مناقشات خارج أروقة هيئة الأمم بعيداً عن صدفها وتقلباتها، كان يوجد دائماً من يعلقها بسؤال تافه ليحول بينها وبين اتخاذ قرار في مسألة هامة. ولقد حدث- على ما نذكر- مثل هذا التعليق في كولومبو، حيث أوشك أن يعرقل فكرة المؤتمر الأفرسيوي، لأن المناقشات قد صارت في لحظة ما، إلى مسائل ثانوية متنازع عليها؛ مثل مسألة كشمير.

وكانت هذه- بصورة ما- المرحلة الصبيانية، فإن المشكلات لم تكن تواجه فيها طبقاً للمصاع العليا؛ بل كانت مواجهة الموضوعات خاضعة للمصالح الخاصة، بل حتى في بعض الحالات، خاضعة للمصالح الشخصية؛ كما رأينا في باندونج نفسها، وكانت هذه المصالح، تظهر طبعاً نقط الضعف التي تعانيها الكتلة، ومفاصلها التي تتجه أعمال التخريب من الخارج إلى فصمها، وأن الكتلة لتدين بهذا البناء المتقطع الأوصال للطريقة التي كوِّنت بها عن طريق الصدفة،

ص: 124

كتلفيق مناسب دبر، لا ليواجه حالة تطور، أي مجموعة من المشكلات، بل ليواجه أمراً طارئاً، ومشكلة معينة دون أي اهتمام حق باتجاه التاريخ.

ولم يكن لهذا النقص أن يغيب عن أذهان القادة، ولذا فإن الدعوة الموجهة من المؤتمر التحضيري لدول كولومبو تدل على الرغبة الملحة في رأب الصدع، الذي بدأ في البناء الواهن وعلى الأخص منذ تعطلت الكتلة بسبب الأحداث التي قلبت الوضع في طهران بتنحية مصدق، ومنذ أحداث دمشق.

وعليه فإن فكرة إعادة دفعها قد خلقت في نيودلهي، كما خلقت في العواصم العربية، فكان شهر إبريل 1954م هو الذي سجل بمناقشات كولومبو دخول فكرة الكتلة العربية الآسيوية في التاريخ، وقد تحولت إلى فكرة أفرسيوية. وهو تاريخ يسجل منعطفاً يلتقي مع أزمة النمو حين يبلغ ذروتها، وبصورة أخرى سجلت نهاية الكتلة العربية الآسيوية نهاية المرحلة الصبيانية في هذا التطور.

وفي هذا التاريخ كانت التجربة ناضجة لكي نستخلص منها بعض النتائج الموضوعية، فلقد اجتازت الفكرة إمتحاناً رهيباً، وكشفت خلال ذلك عن عناصر قوتها، ونقط ضعفها. فكان في ميزانها عناصر إيجابية، وعناصر سلبية، وبقي أن توجد الطريقة الفعالة لإعادة تكوينها، ودفعها إلى الأمام بقوة جديدة، وعزم جديد مع تزويدها بما يخصب مضمونها الروحي والسياسي.

ولقد كان يمكن تحديد هذا المنهج بطريقتين، لكي نأخذ في حسابنا تاريخ الفكرة من جانبين: في نجاحها، وفي إخفاقها، أي باعتبار ما فيها من عناصر النجاح والخيبة.

وكان من اللازم أولاً أن تزول عن الكتلة العربية الآسيوية صفة الارتجال، وأن يخلصها التنقيح من كونها مجرد تلفيق مناسب ومؤقت يمضي بمضي الحالة الخاصة التي خلقته في إطار محدود، وفي زمن معين حتى يزول عنها ذلك الطابع الذي لازمها من أنها مجرد اصطناع دبلوماسي يخضع لتغيرات الظروف الدولية. ويخضع لمؤامرات الكبار، وتخريب تلاميذهم الصغار، هذا من ناحية، ومن ناحية

ص: 125

أخرى، من وجهة النظر الموضوعية كان يجب تزويد الكتلة العربية الآسيوية بمغزى تاريخي وأخلاقي، وإعطاؤها روحاً وخطة مستقبل تنطلق من فكرة عامة، بحيث تصلح هذه الفكرة العامة لأن تترجم عن مصلحة عليا، ولأن تكون مقياسها الأساسي، ولأن ترشد إلى اتجاه روحي وسياسي معين، تأخذ في ضوئه الأفكار والمحاولات وألوان النشاط طريقها على نطاق أكثر اتساعاً، وفي إطار زمن غير محدود. أو بتعبير آخر، يجب أن تتجاوز بصورة ما (وحدة المأساة الكلاسيكية) أي وحدة الزمان، والمكان، والعمل، التي وقفت عندها الكتلة العربية الآسيوية في إطار الأمم المتحدة، حتى يكون عملها أكثر عمقاً واتساعاً في الإطار الذي تثور فيه مشكلات البقاء على المحور الأفرسيوي. ولم يكن يكفي أن يوضع لها مجرد تخطيط نظري يهم قليلاً أو كثيراً الزعماء والقادة، بل أن يحقق لها هيكلاً عضوياً تغوص جذوره في أعماق نفسية الشعوب، وفي مشاعرها الكريمة، كيما تعبر هذه الفكرة عن امتداد لروحية الشعوب، وفضائل نفسها في الميدان السياسي.

وفي هذا السبك، وإعادة التكوين للفكرة المعبرة عن الكتلة العربية الآسيوية، يجب أن يودع مضمون جديد يحمل قيمة فكرة شعبية مشتركة بين جميع الشعوب التي تعيش على محور طنجة - جاكرتا، بحيث تتعرف فيها هذه الشعوب حقيقةً من بنائها العقلي، ونموذجاً من فلسفتها الشعبية، كما أن كلمة (الغرب) ليست مجرد لفظ، أو صناعة لغوية أو دبلوماسية، أو تلفيقاً يدين بوجوده لبعض الملابسات، وإنما هي قاعدة لعقلية رجل الغرب وثقافته، واستمرار شخصيته، فهي التعبير المركز عن دور حضارة بأكملها، وهي تلخيص لألفين من سني التاريخ المنطبع في ذاته، وهي في النهاية كلمة تحمل عبء مصيره.

وإذن، فمن الوجهة النظرية كان يجب أن تهدف إعادة تكوين الكتلة العربية الآسيوية ودفعها الجديد إلى أن تسير في اتجاه حضارة، لا أن تكون مجرد إجراء سياسي.

ص: 126

ولكي يتاح لها أن تحدث تأثيراً أكثر، فإن من الواجب أن تعاد صياغة فكرتها في مصطلحات (البقاء) كي تعبر عن اهتمام بالمشكلات العضوية للإنسان نفسه، وبمشكلة توجيهه في عالم تفرض عليه (القوة) فيه قانونها الصارم.

فقد كان على الكتلة العربية الآسيوية إذن أن تجتاز تحولاً عميقاً، وأن تتعرض لتغير في جوهرها لكي تصبح نواة حضارة، ومنبع تيار تاريخي، يحمل مصير الإنسان الذي يعيش على محور طنجة - جاكرتا.

ونحن ندرك زيادة على ذلك، كم تتوافق هذه النتائج النظرية مع واقع هذا الإنسان، ذلك الواقع الذي ربما انكشف للزائر السماوي كما بينا. إن الذين وضعوا مؤتمر كولومبو لم يذكروا فيه هذه الاعتبارات النظرية، فقد اقتصر البيان على موضوعات المؤتمر فحسب، ولكنهم حين وضعوا مبدأ مؤتمر أفرسيوي، قد حققوا ضمناً تحول الكتلة العربية الآسيوية الضروري إلى تيار مثقل بالتاريخ وبالمصائر، وبهذا تحمل القادة الذين اتخذوا هذا القرار أخطر المسؤوليات، لأن قرارهم قد غيَّر تغييراً أسياسياً عناصر مشكلتين رئيسيتين، حين صاغ أولاً مشكلات الشعوب الأفرسيوية بلغة (الحضارة)، لا بلغة (السياسة)، وحين ترجم ثانياً الحالة العالمية بصورة غير مباشرة بلغة (البقاء)، لا بلغة (القوة).

***

ص: 127