المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فكرة الأفرسيوية والتعايش - فكرة الإفريقية الآسيوية

[مالك بن نبي]

الفصل: ‌فكرة الأفرسيوية والتعايش

‌فكرة الأفرسيَوية وَالتَّعَايش

لقد رفعت الحضارة الغربية طاقة الإنسان إلى مستوى غير مألوف، وعندما وصلت هذه الطاقة إلى درجتها تلك، قلبت كل حقائق التاريخ، وأدخلت فيه عنصر قوة يطبعه بطابع الشمول، وبذا وجدت الشعوب جميعاً نفسها وكأنما تقلها سفينة واحدة إلى مصير واحد فهي تشعر شيئاً فشيئاً بفضل التطورات الصناعية الحديثة، خاصة في الميدان الذري، بأن عليها أن تجتاز مجتمعة بعض المراحل الحاسمة، وأن تعالج مشتركة بعض المشكلات الجوهرية وهكذا نرى أن عهد تحلل المادة يتفق مع عهد التجمع الإنساني، إذ لم تعد هنالك جزيرة الفردوس التي يمكن للإنسان أن يعيش فيها منعزلاً عن تيارات الأحداث. لقد صنعت الحضارة الغربية عالماً يترابط الناس فيه ويتعارفون على الخير وعلى الشر، وقد يؤثر عامل القوة في كلا الاتجاهين دون تمييز كأنه قوة عمياء لم يتحدد توجيهها. بينما غذى أثرها خيال الأجيال في العالم منذ عهد جولس فيرن ( Jules Verne) إلى عهد ولس ( Welles) مقدماً لأسلوب القصص العلمي مادة لا تنفد من التصور والإلهام في الوقت الذي كان يسجل في الأنفس نتائجه المتناقضة.

وهو بقلبه للأوضاع التي سبق أن خلقها، لم يكف عن أن ينمي في تاريخ القرن العشرين عجيبته الهائلة، حيث أوجد فيه جميع عناصر الأزمة النفسية والزمنية الراهنة في الوقت الذي يفرض فيه جميع ظروف حلها.

وإنما ترجع هذه الغرابة إلى أن عنصر القوة- حين يحقق نتائجه على المحورين في وقت واحد، ينشئ بينهما أفعالاً وردود أفعال متبادلة تتسجل في تطور العالم الراهن كأثر مباشر وأثر مضاد ناتجين عن تلك الحضارة.

ص: 177

تلك هي (القوة) التي حددت- بلا جدال- خلال القرن الماضي علاقات الإنسان على محور طنجة - جاكرتا بالإنسان على محور واشنطن - موسكو، كعلاقات بين مستعمَر ومستعمِر.

ولكن بينما كان من المتوقع بالنسبة إلى هؤلاء الخصمين بقاؤهما مسيرين كل منهما إلى ما قسم له، بحيث يسيران في وضع (تواز) مستمر يمثله خطا القابلية للاستعمار والاستعمار. إذا بهما ينتهيان إلى ميدان تتقاطع فيه قوى التطور، وسبب ذلك هو الانقلاب المفاجئ الذي طرأ على الحالة بفعل ما أسميناه بالتأثير المضاد الناتج عن القوة.

ومن الطبيعي أن تظهر نقطة التقاطع لعيني الخبير الاقتصادي في الميدان الذي تتحكم فيه القوى الاقتصادية، ففي فرنسا مثلاً يرى ألفريد سوفي ( Alfred Sauvy) أن نقطة الالتقاء

إنما هي في (الجنوب البائس) أي في الاتجاه الذي يحدد التيار الاقتصادي العالمي الراهن الذي يتجه من مناطق (الإنتاج) في الشمال إلى مناطق (الاستهلاك) في الجنوب.

وهناك عوامل ثقافية واجتماعية يمكن أن تحتم أيضاً هذا الاتصال. كان يحدث هذا أحياناً في صورة طفرة ثورية، ومن الأمثلة على ذلك ثورة (القصر) التي أسقطت ملوك الشوجون ( Shoguns) عن العرش ونصبت عليه الميكادو ( Mikado) فتخلصت اليابان هكذا من حالة القرون الوسطى والقابلية للاستعمار، فدخلت في حلبة الاستعمار؛ لأن الاتصال في القرن الأخير لم يكن ليتم إلا هكذا، أي على محور (القوة) طبقاً للوضع الغربي، وإن الظاهرة لتستمر في تتابعها مع تحول هذا الوضع بصورة معجلة إلى وضع عالمي، وها هي الصين تجتاز اليوم المرحلة نفسها بثورتها الشعبية طبقاً لقانونه.

فالظاهرة هي عالمية الحضارة الغربية التي تطرد بدافع من (قوتها) الخاصة، ومن تطور الشعوب التي تعيش على المحور الآخر ((ولكن الاتجاهين لا يتضايفان، بل إنهما في حالة معينة يتطارحان، فالأثر يحد أحياناً بالآثر المضاد، أي إن القوة

ص: 178

التي خلقت في القرن الماضي الامبراطورية الاستعمارية، هي في طريقها إلى أن تفقد اليوم سلطتها على المستعمرات في اللحظة نفسها التي تبلغ فيها القمة باكتشاف الطاقة الذرية.

ولكن الخسارة في مجال السيطرة يعادلها تماماً كسب في مجال الاتصال الإنساني، فإن التطور غير المتقاطع (المتوازي) للاستعمار والقابلية للاستعمار، كان ينطبق على الانفراد (بالقوة) التي كانت في حوزة أوروبا تتيح لها تلك الفتوحات المخيبة للآمال؛ لأنها كانت عارية عن أية أهمية إنسانية، حيث كانت منذ عشر سنوات فحسب لا زالت توحي بموضوعات تترجم عن خيبة الظن، كذلك الموضوع الذي كتبه كاتب إفريقي مشهور تحت عنوان معبر هو ((اللقاء المستحيل)) (1) وهو أن تطوراً متقاطعاً بدأ يتحقق شيئاً فشيئاً خلف هذا التطور، حيث يقرب بين المحورين اتجاه مشترك، ولقد تجلى هذا الاتجاه المشترك في صورة إرادة بعث جديد على كلا المحورين، وكان ذلك عندما شعر أحدهما بالسقوط ألاجتماعي الذي يعانيه وشعر الآخر بالسقوط الروحي الذي كاد يرديه. وإن هذه الارادة التي لم تع تماماً حقيقة نفسها في مجموعها لتعتبر ضمان النجاح النفسي الأكيد للتعايش، وهو الهدف الجوهري الذي تتجه إليه سائر التطورات الأخلاقية والاجتماعية التي تجري في العالم الآن. ولقد تخفي هذه الظاهرة الأساسية للتعايش بعض الظواهر السطحية السياسية الناتجة عن المرحلة الثورية التي نمر بها ولا شك، فإنه من الصعب علينا أن نفسر الانقسامات السياسية التي تتوالى منذ عشر سنوات في نطاق (اللإمبراطورية الاستعمارية) على أنها أعراض للتقارب بين الشعوب المستعمِرة والمستعمَرة، فلو أننا اقتنعنا بالبرهان المؤقت، فقد يكون من الصعب أن نبرهن على أن تلك الانقسامات السياسية التي منحت الهند وأندونيسيا استقلالهما قد أنتجت حركة تقرب هذين البلدين من إنجلترا وهولندا على وجه الخصوص.

(1) نشير بهذا إلى الدراسة المضنية الهامة التي ظهرت عام 1948م للكاتب أميه سيزير Aime Césàire في مجلة باريسية تحت عنوان (اللقاء المستحيل).

ص: 179

أما بصفة عاجلة فإننا نرى فيها ما يشبه حركة تدفع عن المركز، بحيث يدفع أثرها عناصر العالم. مما يشبه الانفجار الذي يبعد بعضها عن بعض. ولكن هذا المظهر السياسي المؤقت يندمج- في سياق التاريخ- مع شروط أولية لحركة إعادة تركيب العالم، على أسس منزهة عن الاستعمار والقابلية للاستعمار. وبذا يبدو التحلل الذي يعانيه العالم اليوم في هذا الاتجاه، وكأنه مرحلة أولى ضرورية لحركة مركبة يجب أن تنتهي إلى وحدة العالم، تلك التي يفرضها عامل (القوة) كقدر محتوم جار على تطوره. ولكن معنى هذه الوحدة إنما يتمثل في المضمون الذي يمكن أن تصوغه القوى الروحية والقوى المادية التي تصنع تاريخ القرن العشرين.

(فالقوة) المسيطرة، و (الروح) المحررة المطلقة هما هنا طبعاً في صراع، والتركيب الحيوي النهائي إنما يكون نتيجة مساهمتهما في هذا الصراع. بحيث يؤدي هذا الصراع إلى عهد جديد من عهود السيطرة، بطلاه هما الرجل المستعمِر والمستعمَر، أو إلى عهد من عهود التحرير ونهوض الرجل الحر.

أياً ما كان الأمر فإننا أمام عملية (تحلل وجمع) على كلا المحورين في وقت واحد مع احتفاظها بخصائصها في كليهما. إن التاريخ الذي فقد توازنه في الحقبة الراهنة بفعل الحربين العالميتين جاد في أن يجد مركز ثقله الجديد. ولكننا نجد على محور واشنطن - موسكو، حيث إن القوة كانت قد حددت مركز ثقله التقليدي في القرن التاسع عشر، نجد الآن عوامله الجوهرية المحركة التي تفسر لنا تقلبات الحالة الراهنة في العالم، مع أن هذه العوامل لا تكفي وحدها في تفسير هذه التقلبات، فالواقع أنه يجب أن نأخذ في اعتبارنا بعض العوامل الأخرى التي تؤثر منذ عشر سنوات على اتجاه العالم في صورة دوافع أخلافية، ترد إليه من المحور الآخر، وهي تترجم عموماً عن رد الفعل لديه إزاء عامل ((القوة)) وهذا التعارض بين (أثر القوة) و (أثرها المضاد) هو الذي عقد تطور هذه الحقبة، وعقد الحالة الراهنة بدرجة كبيرة.

ص: 180

فالأزمة من أساسها قد انعقدت على تناقضها، وهي تصل بهذا التناقض إلى قمتها أي بالأثر والأثر المضاد عندما يصلان إلى منتهى الشوط في النمو الطفري المفاجئ للحضارة، باكتشاف الصناعة الذرية. فأصبحت نتائج هذه الصناعة وآثارها في الإطار النفسي تكون من ناحيتها بوادر حل الأزمة.

فالأسلحة الذرية بأثرها المباشر كانت الحجة البالغة لكل ما يتصل بالناحية الاستراتيجية، ولكنها بوساطة نوع من الأثر المضاد قد أصبحت أقوى حجة في موضوعات السلام، فقد برهنت في الواقع بطريق الإحالة على استحالة قيام حرب عالمية ثالثة. التي كانت تعد النهاية الطبيعية (للحرب الباردة). ولكن هذه الاستحالة- التي ندركها في الإطار المادي- ستكون قليلة الأهمية إذا لم تمس في الوقت نفسه النظام الأخلاقي أي إذا لم تكن سوى واقع مادي، تسجله النظريات الاستراتيجية والسياسية في ميدانها الخاص، والواقع أننا نرى هذه الاستحالة تتسجل أيضاً في نفسية العصر، مؤكدة في ضميره ضمناً وبصورة درامية، النقطة التي يلتقي فيها المحوران لقاءً فكرياً.

وهكذا تجد وحدة العالم قاعدتها الفكرية في هذه الاستحالة التي لا تدع للإنسانية أدنى قسط من الاختيار، حيث تفرض عليها فكرة (التعايش) الجديدة. فالتعايش ضرورة؛ لأنه لا يوجد مخرج غيره من الأزمة. هذه الفكرة التي تعدّ من الناحية التاريخية إجابة الضمير الإنساني على تحدي (القوة) تشير إلى أن التطور النفسي على محور واشنطن - موسكو قد انتهى عملياً إلى مبدأ عدم العنف. ذلك المبدأ الذي ألهم دون شك اجتماع باندونج. وهو أيضاً المبدأ الذي تتضمنه فكرة (التعايش) إذ هي تعني في مفهوم السياسة أن الكبار تنازلوا عن اللجوء إلى العنف لحل منازعاتهم. هذا الالتقاء لم يحدث اعتباطاً، بل هو دفعة من دفعات اللاشعور، تدل دلالة عارضة في الواقع السياسي على التأثير الغامض الشائع الذي يتمتع به مبدأ غاندي في العالم الراهن.

ص: 181

إن لعدم العنف قصته وتاريخه، أما قصته فإنها تغوص في أعماق الجائينية ( Jainisme) التي صنعت مبادئها الجوهرية قبل التاريخ المسيحي بثمانية قرون على يد المشروع الثالث والعشرين لسلالة تيرتانكرا ( Tirthankaras)(1) المشهورة، الذي نمَّى الفكرة الجائينية حتى عهد المهافيرا ( Mahavira) الزعيم الأخير لتلك الديانة، وهو المعاصر لجوتاما بودا ( Gautama Bouda) صاحب البوذية.

فالمبدأ الأولي في القانون الذي سنه هذا المشرع كان على وجه التحديد مبدأ (الحمسا Ahimsa) ، الذي نعرفه في اللغات الحديثة بمبدأ عدم العنف.

وأما تاريخه فإنه يتصل بالعالم الحديث، وقد بدأ مهمته مع بدء هذا القرن في قرية صغيرة من قرى جنوب إفريقية. والحق أن كثيراً من التيارات الروحية يبدو أنها قد انتهت إلى ضمير غاندي في تلك القرية الصغيرة، فمؤرخو (عدم العنف) لا يفتؤون يذكرون هذه التيارات بأحمائها، حين يتحدثون عن أن غاندي يدين بأفكار هنري داود تورو ( Henry David Thoreau)(2) المبسوطة في مؤلفه (العصيان المدني Civil Disobedience) ، من ناحية، ولأفكار تولستوي ( Tolstoi) من ناحية أخرى.

وتبعاً لهذه النظرية يمكننا أن نضع تخطيطين تاريخيين لتباين التاريخ الحديث لفكرة عدم العنف، فإما أن نعدّ تخطيط تورو- غاندي- ساتياجراها (طريق الحقيقة)، وإما أن نعدّ تخطيط تولستوي- غاندي- ساتياجراها، وإما أن نضمهما معاً في تخطيط واحد، وهناك من المؤرخين لسيرة غاندي من أخذ بهذه الطريقة.

ومع ذلك فيبدو لنا أن من الأولى هناك أن نطبق تخطيطاً نفسياً يحل محل التخطيط التاريخي مهما كانت قيمته. فتاريخ عدم العنف إنما يفسر في الواقع بطريقتين، فإما أن نفسره بتيار روحي على احتمال أنه مر بضمير تورو، ولكنه

(1) هذا اللفظ يعني في اللغة السنسكريتية (الشيخ).

(2)

شاعر أمريكى، انعزل عن المجتمع، وكان يعيش في بدء القرن التاسع عشر.

ص: 182

تخلق من البهاجافاد- جيتا، حيث إن الشاعر الأمريكي قد قرأها، وتمثل روحيتها، كما تمتلها غاندي نفسه. وإما أن نفسر بتيار روحي آخر يمكن أن نسجل ميلاده في ضمير تولستوي في تلك المطامح التي عبر عنها في كتاب (الحرب والسلام)، ولكن يجب أن نذكر في هذه الحالة أن الفكرة لم تصبح واقعاً تاريخياً إلا في بيئة الحمسا ( Ahimsa) التي أحتضنتها، ومن خلال ضمير غاندي الذي تغذى بالبهاجافاد- جيتا.

وإذن، فإن التخطيط النفسي يشرح لنا من كل وجه عناصر التخطيط التاريخي أو يكملها، وربما استطعنا أن نوفق بين التخطيطين بالتوفيق بين إجابات غاندي نفسها وبين ملاحظات أولئك الذين يريدون أن يروا في مبدأ الساتياجراها تأثير تورو أو تولستوي. ولقد بيَّن غاندي بنفسه، وأكد تاريخه بعد ذلك، هذا البيان، وهو أنه قد خط بنفسه طريقه في هذا الميدان تم اتبعه.

فتاريخ عدم العنف على كل حال يتصل بالعالم الحديث. فلم يقم عبثاً غاندي خلال نصف قرن بصلواته وبصيامه المتكرر أمام العالم، فلقد كانت هذه الدراما أروع الشاهد تأثيراً وإنشاء في القرن العشرين، لأنها غذت بلا جدال نفسيته وروحيته وضميره بما أوحت لرواده مثل رومان رولاند ( R. Roland). والحق أن القصص المؤثرة في مجموعة مواقف المهاتما، حتى قصة موته المؤلمة لتعدّ تتابعاً لتاريخ (الضمير) المعاصر على شاشته الخاصة: أي تتابعاً لملحمة عدم العنف التي ترجم عليها كبار الكتاب.

ولا شك أن هناك سبباً عميقاً لما حدث في شهر أغسطس 1939م في صبيحة إعلان الحرب العالمية، فقد تحول دير غاندي ( Ashram de Sevagram) إلى مقر للقيادة العليا لمبدأ عدم العنف. حيث استقبل من كل فج في العالم إشارات تطلب النجدة المستيئسة لانقاذ آخر فرصة من فرص السلام، ولقد كانت دعوة سيدتين أمريكيتين معبرة تماماً بلهجتها الإنسانية السامية. لقد ذكرت هذه الرسالة المهاتما بأن (العالم) في حاجة إلى قيادة وحيث كان في نظر السيدتين من

ص: 183

اختصاص غاندي أن يتخذ قراراً في هذا الموضوع، فإنهما قد توسلتا إليه في ((أن يعبر لقادة العالم، ولشعوبه عن ثقته التي لا تتزعزع في حكم العقل- لا في استخدام القوة

)).

فقد امتد إذن إشعاع (عدم العنف) إلى أبعد من دير المهاتما، وعبر الحدود متمثلاً في تيار ثقافي عالمي، منحدراً في (لا شعور) الإنسانية، متدفقاً في أفعالها وأفكارها، في تلك الظروف الرهيبة التي أعلنت فيها الحرب العالمية الثانية. ولا شك في أن من الصعب أن نتتبع مسير هذا التيار النفسي دون تردد لكي نقول ببساطة أن فكرة (التعايش) ليست إلا تدفقاً لعدم العنف على محور القوة، في الظروف الحساسة التي تحيط (بالحرب الباردة) ولكن فكرة (عدم العنف) قد رحمت طريقها في العالم ببعض السمات والمعالم، فإذا بنا نجد هذه السمات في أماكن غير متوقعة، وذلك حينما تتدفق في صورة انبثاق سياسي من لا شعور الأفراد أو الشعوب. كما رأينا في اليابان، ذلك البلد الذي كان مثله الأعلى في الحرب متمثلاً في أقصى صوره في سمات ساموري ( Samourai)، ( البطل التقليدي في اليابان)، لقد كشفت استفتاء حديث عن مظهر سياسي جديد تماماً، إذ تمنى بعض اليابانيين حين أخذت آراؤهم في إعادة تسليح بلادهم لإقحامها في جهاز الدفاع عن منطقة الباسفيك وعن ما يتوقعونه لهذا العمل، تمنوا ألا تلجأ بلادهم في الدفاع عن نفسها إلى سلاح غير (عدم العنف).

وكذلك فعل الألمان عندما نوقش (اتفاف باريس) على قبول ألمانيا في منظمة حلف الأطلنطي، لقد أبدوا التحفظات نفسها، والأماني نفسها، التي تدل على أن الطبقات الشعبية ليس لديها أي حماس لإعادة تسليح بلادهم.

ففكرة (عدم العنف) تبرز إذن في محيط السياسة الدولية وفي محيط السياسة القومية. يظهرها ضغط عناصر القوة، كما يظهرها تحدي هذه القوة، حتى كأنها إجابة اللاشعور على مرارة ظرف خطير ذي ملابسات قاسية. وإن شبحها لهو الذي بدا على ذلك المنعطف الحاسم في الحرب الباردة لكي يجيب

ص: 184

على أخطر تحد وجهته القوة لضمير الإنسانية. ولقد كان (التعايش) صورتها السياسية على محور واشنطن - موسكو، حتى كأنها شبح جديد للحمسا خارج مسقط رأسها. فالرسالة العالمية لفكرة (الأفرسيوية) تبدأ إذن في ظل هذا التحول الذي يحمل إشعاع روحها الأخلاقي إلى محور القوة. وستبدأ عملياً طريقها مع تأكيد مبدأ (الحياد) الذي التزمته الهند، تلك التي أثرت تأتيراً حاسماً على مجرى الأحداث خلال السنوات العشر الماضية، فيما يتصل باتجاه السياسة الدولية، وبالتطور الذي قاد الشعوب الآفرسيوية إلى مؤتمر باندونج أي إلى قاعدة الفكرة الأفرسيوية، وقاد محور القوة إلى مؤتمر جنيف أي قاعدة فكرة (التعايش).

ومن الوجهتين الأخلاقية والسياسية يعدّ حدوث هذين المؤتمرين امتداداً لمبدأ (عدم العنف) في صورته الأخلاقية على محور طنجة - جاكرتا، في باندونج، وتطبيقاً له على محور واشنطن - موسكو، في جنيف، في صورة سياسية. فقد سجل المبدأ إذن تطوراً مزدوجاً يهدف من ناحية إلى خلق أصول حضارة، ويهدف من ناحية أخرى إلى التقريب بين مقاييس العالم الرأسمالي والعالم الشيوعي، وربما بقي لدينا بعض الريب فيما يتصل بهذا التقريب، إذا ما لاحظنا حالة التوتر العصبي التي تعانيها الأفكار على محور القوة بتأثير (الحرب الباردة) حيث نرى أن نظرية (التعايش) لا تمثل لدى المسؤولين الرسميين، أي لدى الرجال الذين يحكمون، تنازلاً حقيقياً عن فكرة العنف، بل هي تمثل مجرد عجز بيّن عن إيجاد المبررات لاستخدام القوة. فالأمر لا يعني لدى هؤلاء المسؤولين تحولاً عن مبدئهم وإنما مجرد تغيير في التكتيك. وربما لاحظنا في هذا المجال قدراً أقل من الشك والريبة عند الجانب الشيوعي. فهم يؤمنون- بسبب اتجاه الفكر الماركسي- بحدوث التغير دائماً، لأنهم يؤمنون- كما يقال- بالتاريخ.

ولكن مقدار الشك لدى قادة الكتلتين كاف في تشويه فكرة التعايش إذ يرى البعض أنها نوع من الاتفاق على وضع استقرار يصون مصالح معينة أمام

ص: 185

الستار الحديدي وخلفه، اتفاقاً يتضمن في نظرهم علاقات الكبار وجهاً لوجه بالشعوب الأفرسيوية طبقاً لمصالح الأولين، في عالم مسير يقره هذا الاتفاق في وضع الثالوث الجغرافي السياسي، أي في صميم أزمته. وتحت هذا الشكل السطحي يفقد مفهوم التعايش تأثيره وقيمته التاريخية بفقدانه لمعناه الأخلاقي، وربما يخفي هكذا داخل غلافه المفهوم القديم لـ (مناطق النفوذ) تلك الفكرة القديمة للميثاق الاستعماري، ولكنها فريدة ومنقحة في صورة (الاستعمار المشترك) ولقد ظهر هذا الاتجاه بوضوح في قضية تسليم الأسلحة التشيكوسلوفاكية لمصر، حيث فسر هذا الحدث في بعض الأوساط على أنه خيانة لفكرة (جنيف) - كما سبق أن بينا- وربما خامرت أفكارهم نية إثارة مشكلة الشرق الأوسط من جديد، كما أوحت بذلك الصحافة بين الأسطر لولا أنهم لا يرغبون في إدخال شريك مخالف غير مرغوب فيه في قطاع هو (منطقة النفوذ الأنجلوسكسوني) في لغة الدبلوماسية في القرن التاسع عشر.

إن مافهوم (التعايش) الجامد لا يمكن أن يكون ذا تأتير فعال في العالم الذي يجتاز أزمة لا تحل- مهما كان الأمر- دون تغييرات فعلية تنافي كل جمود، ودون تحولات واقعية وعميقة في التكوينات العالمية الموروثة عن القرن التاسع عشر.

ولو لم يكن هناك سوى الخوف الذري. فمن المؤكد أن مفهوم فكرة جنيف لا تكون بهذا المضمون سوى صورة من صور الجبن الدولي، وهو أبعد شيء عن فكرة (عدم العنف) وعن وصية غاندي الروحية.

والواقع أن التعايش يتجاوز التأويل الرحسي، والتفسيرات السياسية، فإن تأثيره على الحالة العالمية لا ينبثق من هذه التفسيرات، بل من طبيعة الأشياء نفسها، وفيما يتوقع لهذه الأزمة التي يجتازها العالم يعدّ التعايش في الواقع الإمكان الوحيد لحلها. وفي هذه الصورة من التعايش الديناميكي (الإيجابي) التعايش الذي يتبع

ص: 186

حركة التاريخ، تقترب فكرة جنيف من فكرة عدم العنف، حتى كأنها ظلها على محور القوة.

ولقد سبق أن دخل هذا الظل في الحياة العقلية على هذا المحور، بحيت أنتج أدباً كاملاً يبدأ من القصة التي تحتوي تكهنات عن الحياة الأرضية وحيث نجد موضوع التعايش يحوطه القليل أو الكثير من التشاؤم، كما أنتج أيضاً دراسات قانونية مضنية يريد القائمون بها تعريف أسس (المعايشة) التشريعية. ففكرة جنيف تنمو إذن مع هذه الحركة العقلية التي تمتد تدريجاً من الميدان السياسي، إلى الميدان الفكري الخالص في الفلسفة، والقانون، والاجتماع، والأخلاق. وكلما امتدت هذه الحركة، يضيف موضوع التعايش إلى مضمونه ثروة، ويزداد مفهومه تحديداً وعمقاً بحيث يتجاوز المعنى السطحي الذي خلعه عليه التفسير الرسمي. وربما لا يكون من الغريب أن يمتد إلهامه إلى الميدان الفني، وأن يجد الفنان العبقري مثل (بيكاسو Picasso) ليترجمه في أسلوب الوجودية السياسية.

إن سبل التاريخ تمر بفكر البشر، وسيمر (التعايش) ضرورة بهذه السبل، كيما يصير واقعاً تاريخياً.

ومن اللازم ضرورة أن يمر بجميع المناطق، حيث الذكاء الإنساني على قدم الاستعداد ليصوغ الاجابة على تحدي القوة، وسيساعده على ذلك، ريح التاريخ المواتية، فلقد نزع موت ستالين من طريقه أخطر عقبة كانت تلقاه في مهمته السياسية، فلقد حال حكم الفرد زمنا طويلاً دون اتصال الشعوب على محور واشنطن - موسكو. وذلك بسبب حقيقته نفسها أو بسبب الأوهام المرعبة التي خلقها. فمع اختفاء ستالين تختفي النواة التي انعقد حولها (ذهان) الحرب الباردة، بحيث يبدأ من تصفية هذا الذهان عهد من التحرر النفسي، يسجل نقطة تحول في الظروف الدولية. لقد بدأ عهد التعايش- بصورة ما- رسمياً في عام 1954م مع العيد السابع والثلاثين لتورة أكتوبر في موسكو. وسجلت هذه الملابسات في خطبة نائب رئيس وزراء السوفييت (سابوروف Sabourov) الذي

ص: 187

عرض الامكانيات التاريخية (للتعايش) والنتيجة العاجلة المتعلقة بإعادة إنشاء العلاقات العادية مع يوغوسلافيا قبل كل شيء. وكانت هذه هي قنبلة (التعايش) الحقة، ونفخته التي قلبت دبلوماسية الحرب الباردة كلها، فلقد حطمت الثلج بالنسبة إلى يوغوسلافيا أولاً، وأجاب تيتو ( Tito) على استهلال سابوروف، بأن أرسل برقية تهنئة إلى فورشيلوف.

وبينما كانت مشاهد الأفراح تتتابع في ذكرى الثورة، كان الممثلون الدبلوماسيون للشرق والغرب يتعاطون الأنخاب في موسكو. وفي خلال مهرجان من تلك المهرجانات رجا المسؤولون السوفييت أحد أعضاء الكونجرس الأمريكي في أن ينقل تمنياتهم إلى أمريكا، وبدأ حوار، كانت ألفاظه مخدرة بجو الحرب الباردة، مكبلة ولا شك بقيودها ولكن بدأ بالرغم من كل شيء ذلك الحوار على محور واشنطن - موسكو، وبدأت تهب رياح (عدم العنف) على هذا المحور، ونحن ندين لها بتلك البراعم النابتة في صورة التعايش التي رأوها فجأة تزدهر وتتفتح في مناخ ثلجي حتى في ضمير الرجل الذي كان داعية الحرب الباردة على الجانب الغربي، تشرشل نفسه صاحب خطبة فولتون

لقد تراجع فجأة إلى الظرف الجديد، فأمده باقتناع الرجل الصلب العنيد، الذي يعلن فجأة:((أنه لا يستطيع أن يؤمن بأن الجنس البشري لن يجد طريق النجاة)) فلو كان (التعايش) هو هذا الطريق لدى ذلك الفكر الموضوعي، فمن المقطوع به أن الوضع الدولي هو الذي فرض عليه هذا الاقتناع. فإن من الصعب فعلاً أن نرد دوافع هذا الرجل الكبير المسؤول إلى مجرد مبدأ أخلاقي.

إذ لا شك في أن الأسباب السياسية العليا هي التي أوحت إليه بما قال، إن في تحوله إلى فكرة عدم العنف عوامل أخرى أكثر تعقيداً من مجرد المثل الأعلى الإنساني أو حب الإنسان لأخيه الإنسان، فلقد لعبت العوامل الزمنية في اقتناعه بلا جدال دوراً حاسماً. إذ إن النقصان في الخطر الستاليني، والزيادة في الخطر الذري بنمو الصناعة النووية قد مثلا فكرة التعايش في عقل تشرشل كنتيجة

ص: 188

لتوازن القوى الاستراتيجية بين الكتلتين، أي إنها كانت أولاً نتيجة سياسية ناشئة عن عنصر (القوة)، فبما أن فرص البقاء قد أصبحت ضئيلة حتى بعد إحراز نصر ذري، فلقد صار من المستحيل دون إعمال فكر الاستمرار في تطبيق نظريات كلوزوفيتز ( Clausewitz) لحل المشكالات المستعصية على الحل بالطرف السياسية، وتلك هي الاستحالة التي حولت الزعيم الإنجليزي وأقنعته بأن الجانب العسكري سقط حقه حين منحت الظروف السلطة المطلقة للسياسة، لكن هذا الاقتناع لم يتكون دون اعتبار جميع عناصر التطور السياسي الذي أدى إلى هذا السقوط ((فقد كان على تشرشل أن يأخذ في اعتباره عنصر (القوة) من ناحية، ومن ناحية أخرى: التيار الحيادي الذي سيطر بصورة سلبية- إن صح التعبير- على المشكلة الاستراتيجية، ولكنه تجلى أخيراً في صورة إيجابية في جميع نظريات السلام، التي صيغت تحت عنوان أو آخر منذ عام 1945م)).

ففكرة التعايش قد دخلت إذن ضمير رجل كتشرشل من طريق مزدوج أي على الأقل من طريق يمكن تعريفه (بعدم العنف) الذي ينطبق على التيار الحيادي وعلى مصدره الروحي.

وإن فكرة التيار، الذي كان في بدايته قومياً كنهر الجانج ( Gange) قد امتد من طنجة إلى جاكرتا مندمجاً بالمحور الروحي للفكرة الأفرسيوية باعتبارها تعبيراً أساسياً عن روحها الأخلاقي، تم إنه قد تعاظم بفروع هامة فاضت به على محور القوة، وحياد يوغوسلافيا أحد هذه الأفرع، ويظهر أنه قد كسب أرضاً جديدة في اليونان أيضاً، ولقد نمت اتجاهات حيادية في بلاد أخرى كانت ولا تزال مرتبطة بسياسة الكتلتين (1).

(1) إن الخطبة التي ألقاها الرئيس هنري سباك في المجلس الأوروبي في 14/ 3/ 1956م لتبين عن هذه الاتجاهات الجديدة في أوساط قادة أوروبا نفسها، كما دلت التصريحات التي صرح بها المسيو بيير كوت ( Pierre Cot) أثناء زيارته الأخيرة إلى مصر - ديسمبر 1957م أن الاتجاهات الحيادية بدأت تظهر حتى في فرنسا حيث يمكن أن تجد فكرة الحياد الايجابي أخصب مؤهل لهم من حيث النهوض الثقاقي.

ص: 189

وهكذا كلما تعاظم التيار الحيادي، تحولت عناصر القوة إلى عناصر عدم عنف، وتحولت وسائل الحرب التي تنفق وتخصص لها إلى اقتصاد للمسلام. وإذا اعتبرنا أن الحياد قد غير تغييراً سلبياً المشكلة الاستراتيجية على محور القوة نرى في الوقت نفسه أنه قد أتاح فرصاً إيجابية كثيرة للسلام. حين نقل عناصر القوة من الكتل البشرية والمواقع الجغرافية، والمواد من الميزانيات الاستراتيجية إلى ميزانيات التشييد الاجتماعي. وهو بإحداثه للفراغ النسبي من وسائل القوة في (منطقة الحرب) كوّن منها (منطقة رهو) وانخفاض في الضغط الجوي، قد تدع المجال إلى نسمة فكر جديد.

وهكذا نرى التيار الحيادي- وهو أساساً (فكرة باندونج) - قد هيّأ بقدر ما الظروف السياسية والأخلاقية لجو دولي جديد، وهكذا تسجل طابع الروح الأخلاقي الأفرسيوي شيئاً فشيئاً، وبخاصة منذ مؤتمر باندونج في الظروف الدولية الجديدة، وإن التعايش ليدين له في الواقع بأكثر من كونه مجرد دافع روحي، وتوجيه أخلاقي غامض يشتمل على تنازل صوري عن اللجوء إلى القوة، بل إنه يدين له بعناصر أكثر تحديداً، ومن بين هذه العناصر نجد مضموناً نظرياً يجب أن يكون بصورة عملية المقياس الأساسي الذي تقوم عليه أعمال الدول في السياسة الخارجية. ولقد صيغت هذه النظرية في خطوطها العريضة على الأقل، في المبادئ الخمسة ( Panch Shila) وهي التي كانت موضوع البيان النهائي الصادر عن محادثات نهرو وشواين لاي (يونيه 1954 م) في نيودلهي. والبيان الذي أكد عباراته في بكين في شهر أكتوبر التالي المتفاوضان ذاتهما هو في جملته نص أساسي لميثاق التعايش الدولي الموضح في خمس نقاط هي: الاحترام المتبادل لسيادة الدولة على أراضيها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر، والمساواة في الحقوق، وفي المنفعة المتبادلة، والتعايش السلمي. ولقد صار هذا (المتن) نموذجاً وإطاراً للمناقشات الدولية خاصة في باندونج

ثم إن الفكرة قد اكتسبت حيوية جديدة على محور واشنطن - موسكو، حين تكيفت لا تبعاً للجو السياسي في الوسط الجديد فحسب- ولكن تبعاً لحياته

ص: 190

العقلية المتنورة بسبب فيضانها واختمارها. فمما لا جدال فيه أنها قد وجدت هنا الأرض الصالحة لنموها العقلي حين استفادت من النضج الذي يوجد في هذا الميدان.

ونحن لا زلنا نجهل ما سيأتي به هذا التطور وهذا الدافع العقلي من عناصر إيجابية؛ لتدعيم الحلول السياسية لمشكلات الساعة، ونجهل أيضاً ما سيأتيان به من عناصر نهائية في حل الأزمة، لأنه لا يمكن حتى الآن تحديد طبيعة هذه الحلول السياسية، أو طبيعة ذلك الحل النهائي. ولو أن متكهناً حاول أن يكشف لنا عنها مقدماً، فمن المؤكد أنه سيكون معرضاً لسخريتنا في محاولته هذه، إذ يكون من الصعب علينا في الحالة الراهنة بسبب ما لدينا من أفكار مكتسبة، وعادات عقلية مستعدة أن ندرك أن حلاً نهائياً أو حلولاً سياسية كهذه تكون ممكنة أو محتملة. ويمكن هكذا أن ندرك ونحن في طريقنا نوع هذه الكراهية الذي يلقاه التيار الحيادي على محور القوة، حيث نقدر الأشياء طبق الأفكار السائدة والمصالح العاجلة. وهذا يبين أيضاً لماذا لا يمكن للتعايش أن يتبع في الميدان السياسي الطريق الأقصر، أي الطريق المستقيم، فإن طريقه ليس مستقيماً، بل هو كأسنان المنشار ينمو تارة إلى فوق وتارة إلى أسفل وفي بعض الظروف نرى أن (فكرة جنيف) تضل الطريق في سيرها مع التيار. ولقد كان هذا الشعور سائداً أوان سفر بولجانين وخروتشيف إلى آسيا. حيث كان هذا السفر يفسر في بعض الأوساط السياسية على أنه (تحدّ جديد للعالم الحر)، حتى إنهم تحدتوا آنذاك خلال الدورة العادية لمنظمة حلف الأطلنطي عن (مرحلة جديدة من مراحل الحرب الباردة).

ومن التوفيق في هذه الظروف أن تعديل الاتجاه كأن يأتي عن طريق محور طنجة - جاكرتا حيث تتكون المبادره التي تعود بفكرة التعايش إلى طريقها الصحيح، ولقد حدث هذا فعلاً في نيودلهي حيث كان يُتوقع رد الفعل الرسمي بعد سفر الزائرين السوفييتيين، ولقد اغتنم نهرو الفرصة ليذكّر الرأي العام

ص: 191

الهندي بمعنى الصداقة الدولية، وبالتزامات فكرة التعايش، ولكن على الرغم من هذه المصادمات المفاجئة فإن (التعايش) قد تابع طريقه، وكأنما تتدخل في توجيهه العناية الإلهية، فإن العقبة التي توقفه لحظة تدفعه إلى الأمام بحيوية وسرعة متزايدة، والحق أن العناية تتدخل هنا في صورة قانون:((العقبة الخلاقة المخصبة)) فقد لاقت فكرة التعايش في تحولها العقلي على محور واشنطن - موسكو أكثر من عقبة من هذا النوع فيما يمكن أن يطلق عليه اسم (دورتها الأدبية) فظهرت في أمريكا قصة من قصص التكهن بالمستقبل، حوالي نهاية عام (1954م) وهي تقدم لنا مثالاً على هذا النوع من العقبات، إذا أراد مؤلفها مستر جرهارد نيماير ( Gerhard Niemeyer) أن يبرهن على أن التعايش لا يمكن أن ينتهي إلا إلى مأساة قومية، ولكي يؤثر على خيال مواطنيه فقد تخيل اطراداً عسكرياً ودبلوماسياً تجد أمريكا نفسها إثره معزولة حوالي (عام 1964 م)، وهي أمام حدين، عبر عنهما المؤلف بجملتين قال: ((إن لدينا ما يجب أن نطلق عليه حزب الحرب

)) ثم قال بعد ذلك: ((إن لدينا أيضاً حزباً للسلام)) ولما كان توقع السلام في هذا الاطراد محزناً تماماً كتوقع الحرب، فإن المؤلف لم يترك مطلقاً للقارئ الأمريكي مخرجاً نفسياً آخر سوى الرغبة في أن يلعن الطريق المشؤوم الذي قاد بلاده إلى هذا المصير، أي أن يلعن التعايش. فالمؤلف يكشف لنا عن ضميره عموماً، في مواجهة الفكرة كأنما يلقيه بصورة ما في غمار طريقها. ولكن العقبة التي خلقت هكذا، دفعت الفكرة في إطار الفيلسوف ورجل الاقتصاد، اللذين يسلمانا إياها مثرية متعمقة.

والحق أن فكرة المؤلف الأمريكي قد أحدثت صدى في الأوساط الأدبية الفرنسية، حتى أخضعتها إحدى الصحف الباريسية للمناقشة والنقد حيث اقتبسنا هذه الفقرات (1). من آراء الفيلسوف ميرلوبونتي ( Merleau ponty) ،

(1) نقلنا هذه الفقرات عن صحيفة الإكسبرس Express لسان حال حزب منديس فرانس التي أثارت هذه المناقشة.

ص: 192

والاقتصادي ألفريد سوفي ( A. Sauvy) اللذين ندين لهما بإغناء ذي قيمة للموضوع.

فلقد أعطانا كل منهما بطريقته فكرة عن التعايش المتحرر من القيود، ومن العبودية، ومن الغموض السياسي فجلاها كثيراً أمام العقل، ومنحها اتصالاً أكثر بالحياة، وانطباقاً أكثر على ظروف التاريخ الواقعية، وبالتالي منحها مزيداً من التأثير في الميدان السياسي. إن الفيلسوف حين تناول الفكرة من وجهتها السلبية قد أغنى الموضوع بفصل من الدراسة المرضية، فقد نظر إلى (فكرة التعايش) بالنسبة إلى (المواقف السلبية .. وصور الاقتناع المرضي الذي يجعلها مستحيلة) كما في القصة الأمريكية. ومن المفيد أن نذكر أن فكرة الفيلسوف تقطع عرضاً خط نشاط فكرة (عدم العنف) في معناها السياسي، في صورة تيار حيادي. فإن ميرلوبونتي يقدر- في الواقع- أن التعايش- في مرحلته الأولى- (ولغته هنا تهم محور القوة) يقوم، أو يجب أن يقوم في منتصف الطريق بين المغازلة والسلام المسلح، وأنه لن يوجد إلا إذا كان بين المتخاصمين مناطق يلتزمون بعدم السيطرة عليها. وهكذا نرى أن موضوع التعايش يثري بوضوح لدى الفيلسوف، من جهة نظر حيادية؛ لأن الخصوم لن يلتزموا بعدم إخضاع بعض المناطق، إلا إذا تحصنت هذه المناطق بنظامها الخاص، أعني بحيادها.

ونجد عند الاقتصادي أن الموضوع ينمو في الاتجاه نفسه، وإن كان بطريق مختلف، فالتعايش عنده مرحلة من التأقلم الضروري المحتم، المتبادل بين الشيوعية والرأسمالية، أي المرحلة التي تطابق (تطورهما الطبيعي نحو مصيرهما الغامض المشترك). فهذا التطور فيما يتوقعه الاقتصادي يجب أن يتحمل طبيعياً جميع آثار الحالة الاقتصادية في البلدان المتخلفة، أي على محور طنجة - جاكرتا، وربما يلعب الاقتصاد- دور المعدل في التاريخ المقبل على محور واشنطن - موسكو. فمسيو سوفي يرى في الواقع أن (المصلحة المشتركة للقوتين الكبيرتين هي في أن تواجهما الفاقة والبؤس)، ونحن نعرف طبعاً في أي نصف من الكرة الأرضية أو

ص: 193

على أي محور يوجد هذا البؤس في الظروف الراهنة، ونرى بالتالي أين توجد هذه (المصلحة المشتركة للقوتين الكبيرتين) تبعاً لتعبير رجل الاقتصاد، الذي التقت نظريته هكذا عرضاً بنظرية الفيلسوف على المحور الأفرسيوي.

وهكذا كانت نظرية نيماير حجر عثرة فجَّر مجموعة من الأفكار الجديدة التي أغنت الموضوع أولاً من الناحية الأدبية، وكانت في الوقت نفسه معالم مضيئة لفكرة التعايش، في مرحلتها الجديدة، وهي في طريقها إلى التحقيق العملي (1).

ولا شك في أن الاقتصادي الفرنسي الكبير لم يعدّ تأثير الاقتصاد الأفرسيوي عامل استقرار وتوفيق، بين المصالح المتضاربة، إلا بالنسبة إلى إرادة المتخاصمين على محور واشنطن - موسكو، أي إنه لم يأخذ في اعتباره، إرادة الدول صاحبة الشأن نفسها، كما يجب لكي لا نقع ثانية في السياسة البالية التي تتمثل في (مناطق النفوذ). على أنه يبدو أن القادة الأفرسيويين قد تحملوا في هذا الميدان مسؤولياتهم، بوعي كامل، مع اهتمامهم الواضح بأن ينتهزوا الفرص التي يستطيعون فيها تزكية فكرة (التعايش) في الوقت الذي يرعون فيه ضرورات التنظيم الداخلي لبلادهم. وفي حدود هذا الاهتمام، يبدو أن جمال عبد الناصر ونهرو قد رتبا سياستهما في التجهيز الصناعي بحيث يتحاشيان أن تتحول المزاحمة الاقتصادية للكتلتين إلى تحد سافر لا تحمد عواقبه.

وبهذا الاتجاه يجب أن نفسر- دون تردد- موقف مصر حين قبلت عرض البنك الدولي للإنشاء والتعمير لتمويل خزان أسوان، وموقف الهند حين شادت هيكل تصنيعها الثقيل، وتجهيزات الصلب بها على يد فنيين أمريكيين وروس

(1) في الوقت الذي نكتب فيه هذه السطور ورد نبأ من الولايات المتحدة الأمريكية يفيد بأن الحكومة الأمريكية تدرس مشروع اعتماد رصيد عالمي للمساعدة الاقتصادية والفنية للبلدان المتخلفة، تدفع فيه نسبة 2% من الدحل الأمريكي، وتسعى روسيا إلى الاشتراك فيه. وهكذا لم تلبث أفكار رجل الاقتصاد أن تحققت في المجال السياسي لصالح فكرة التعايش (25/ 3/ 1956م).

ص: 194

وإنجليز وألمان. وهكذا كلما فرضت المزاحمة الاقتصادية للكتلتين نفسها على محور طنجة - جاكرتا، فإن فكرة التعايش هي التي تفرض نفسها- بالتالي- على محور واشنطن - موسكو. ولقد بدؤوا في بعض الأوساط التي كانت مغلاقة عن تقبل هذه الفكرة، يذكرون- في شيء من الحذق- أنه ((يجوز للغربيين أن يدهشوا، ولكن عليهم ألا يغضبوا من دخول الروس كأنداد للمزاحمة في هذا (الميدان الاقتصادي) مع الأمريكان. على أية حال، فإن الاقتصاد الأفرسيوي قد يصبح قاعدة جوهرية (للتعايش) في العالم، وإنما يتم ذلك في الظرف الذي يضيف فيه إلى مبادئ تأثيره الصناعي والاجتماعي اعتناء بالتأثير الأخلاقي)).

ولا شك في أنهم سيقفون هنا محتجين .. أولئك (الأطهار) الذين لا يُحكِّمون في هذا الباب سوى المقاييس الاقتصادية، سيقولون: إن الاقتصاد ليس فصلا من فصول الأخلاق. ولكن هذه التقاليد الكلاسيكية في الاقتصاد الحر- كما يقولون- قد فات أوانها. فلقد دلت التطورات الحديثة على أن للواقع الاقتصادي نتائجه التاريخية، وفي الوقت الذي يحدد الواقع الاقتصادي اتجاه التاريخ- هكذا- فإن من الواجب أن يحدد الاتجاه الاقتصادي في ضوء وظيفته التاريخية.

بل إن السياسة التي تعدّ مسؤولة عن تحقيق هذا الوضع، ترى نفسها مضطرة إلى أن تأخذ في حسابها بعض الظروف النفسية إلى جانب اعتبارها للمصالح المادية. والظروف النفسية تؤثر في الواقع الاقتصادي وتوجهه في النطاق الأخلاقي لا في الميدان الصناعي. وهذا التدخل للمبدأ الأخلاقي في الميدان الاقتصادي قد بدأ فعلاً في الظهور، حتى في بعض نظريات الاقتصاد السياسي. فإذا وضعت مدارس الاقتصاد مشكلة التوازن الاقتصادي في المستوى العالمي- وهو المستوى الطبيعي للمشكلة في مجتمع القرن العشرين- فإنها تهتم شيئاً فشيئاً بدراسة حاجات المعسرين في العالم، وبهذا تدخل المبدأ الأخلاقي تحت ستار الأرقام والاحصاءات، ويظهر هذا الاتجاه تماماً في المدرسة الفرنسية، في

ص: 195

معهد علما الاقتصاد التطبيقى. وأيّاً ما كان الأمر، فإن الحقيقة الأفرسيوية تتدخل في مشكلة التعايش- كما نرى- روحياً، واقتصادياً، واستراتيجياً.

إن عدم العنف، والحياد، والفاقة هي- في الواقع- ثلاثة عناصر جوهرية لهذه المشكلة. وربما لا يفوت المؤرخ الهازل أن يروي- زيادة على ذلك- أن تاريخ التعايش قد احتوى- ولو قدراً- من (اللعاب) الأفرسيوي ذلك القدر الذي كتبت به عبارات (تسقط سياسة التعايش) التي كانت تغطي الحوائط في سايجون ( Saigon) عند مرور نهرو أثناء عودته من بكين

نعم .. لم يكن هذا سوى قدر من اللعاب على الحوائط.

والمؤرخ الذي سيرويه سيضيف دون شك أن كتب هذه العبارات ليس في واقع الأمر سوى (قلم) مأجور، كما أنه يستطيع أن يكون في ظروف أخرى (بوقاً) مسخراً، وذلك ليخفي هناك خط الاستعمار، وهنا صوته

ولو أن لدى هذا المؤرخ بعض الخبرة عن الأدب الشعبي العربي، فربما أضاف قولهم: ((الكلب ينبح، والقافلة تسير

))، ولكن الضمير الإنساني يجد لحسن الحظ مفسرين آخرين يعبرون كما ينبغي عن مشكلة التعايش. فمع أن قداسة البابا بيوس الثانى عشر قد أدان التعايش في صبغته السياسية، وذلك في رسالته في عيد الميلاد عام (1955م)، وكان هذا دون ريب بسبب الصراع الداخلي الناشب في الضمير المسيحي، الحائر بين العقيدة والواقعية السياسية، فإن قداسته قد أيد المطالبة بتحريم الأسلحة الذرية والتجارب النووية، بل دافع عنها، أي عن الفكرة التي هي مدار مبدأ التعايش: فالتعايش يعني أولاً إنقاذ حياة البشرية من قيامتها، القيامة التي تنذر الجنس البشري منذ هيروشيما بسوء المصير، وهناك ظروف يجد فيها الضمير الإنساني نفسه مقهوراً متذبذباً بين (نعم) و (لا) وهي الذبذبة المحيرة أمام حالة محزنة. ولكن تحديد موقف قداسة البابا في موضع الأسلحة الذرية إنما يمثل أسعد التقاء للفكرة المسيحية، الممثلة في أعلى سلطة

ص: 196

أخلاقية مع فكرة عدم العنف، كما عبر عنها في اليوم نفسه في نيويورك، مندوب الهند في الأمم المتحدة، مستر كرشنا مينون.

والواقع أن من اللازم أن تتابع فكرة التعايش وظيفتها وسط جميع العقبات من كل نوع، سياسية كانت أم عقلية أم أخلاقية. ففي عالم لم يتخلص بعد من تكوينات العصور الوسطى يجب أن تتخلص الفكرة من (ثقافة الإمبراطورية) التي صارت شيئاً فشيئاً ثقافة أوروبا منذ عصر (النهضة) وأوائل العصر الاستعماري، أي إنها يجب أن تتخلص من كلاسيكية ( Classicisme) الفكر الأوروبي، الذي قسم العالم إلى الأبد إلى مجموعتين: مجموعة (المتحضرين) المتجمعة في دول كبرى، ومجموعة (المستعمَرين) المشحونين في (عبوات) تسمى بالمستعمرات.

ومن البيِّن أن فكرة التعايش تصادم مضمون هذه الكلاسيكية وتنفره، أما الآن، فيكفينا أنها تعبر في غموض عن فكرة الهدنة في الحرب الباردة، وأنها تحدث انفصالاً مناسباً في العملية المقدورة التي كانت تقود الشعوب إلى النزاع العالمي الثالث. نعم يكفينا كمسكِّن يُعطى لمحموم فيهبط بارتفاع الحمى الخطير. فهي الآن تعدّ تأجيلاً للقضاء، وحل الانتظار الذي يمنح الزمن الكافي للحلول النهائية كيما تنضج، وللتطور الإنساني كيما يتغلغل في الأفكار والأشياء، وللعالم كيما يجد اتجاهه الجديد، حيث يتخلص أولاً من العقد النفسية الناشئة عن القوة والسيطرة. فهذا هو الزمن الضروري- من الناحية العملية- للتقريب بين مقاييس الرأسمالية والشيوعية من جهة، ولتصفية الاستعمار والقابلية للاستعمار من جهة أخرى، أي الزمن الضروري كيما يزيل العالم ثالوثه الجغرافي السياسي، ونحن نفهم من هذا أن تلك المرحلة التي ينحو فيها العالم نحو التوحيد، حيث يمضي من خلال المرحلة المؤقتة والمرحلة الانتقالية إلى المرحلة النهائية، يجب ألا يكون هذا الانتقال إلى قيامة نهائية. وفي هذا الجو الغامض تتكامل فكرتا جنيف وباندونج، فالحياد الذي ينمو على محور طنجة - جاكرتا

ص: 197

إنما يزكّي ويكثر فرص التعايش على محور واشنطن - موسكو، ويدعم اتجاهه نحو الاستقرار النهائي للعالم.

أو

لا فإذا تدخلت عوامل أخرى في اتجاه مضاد، وقادت في نهاية الأمر مجرى التاريخ نحو الحرب فإن فكرة باندونج ستكون الفرصة الأخيرة التي ستحول في إحدى اللحظات بين الميزان وبين أن يميل جهة المصير المحتوم، ولعل في هذه الدقيقة إنقاذ العالم كله، وحتى على فرض أن الحدث المشؤوم قد وقع، فإن فكرة باندونج قد تجعل أمامه فراغاً، طبقاً لمبدأ الأرض الحريق التي تقف أمام النيران، لكي تحول دون انتشارها.

لقد حدد نهرو ضمناً في أحد أحاديثه عن السياسة الخارجية لبعض الصحف في 23/ 1/ 1954م مدى هذا (التكتيك)، حين تحدث عن الوضع الحيادي لبلاده، قال:((القد قررنا أنه لو سقطت داهية على العالم فإن علينا أن ننقذ جزءاً منه، ولذلك فقد أعلنا أن الهند لن تشترك في أي حرب، وأملنا أن تعمل الدول الأخرى بآسيا على أن تبقي على نفسها، وبهذا يمكننا أن ننشئ منطقة سلام، وكلما اتسعت هذه المنطقة، تراجع خطر الحرب)).

وبدهي أن النيران تخبو ما دامت لا تجد قوتاً، فإذا كان حتماً على الإنسانية أن تكابد- على الرغم من المحاولات- طوفاناً ذرياً

فإن ما نتمناه جميعاً أن تجد الإنسانية في مكان ما .. سفينة نوح الجديدة.

***

ص: 198