المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم   ‌ ‌مقدمة ظللت أحمل القلم في يدي ساعات طوالاً - فكرة الإفريقية الآسيوية

[مالك بن نبي]

الفصل: بسم الله الرحمن الرحيم   ‌ ‌مقدمة ظللت أحمل القلم في يدي ساعات طوالاً

بسم الله الرحمن الرحيم

‌مقدمة

ظللت أحمل القلم في يدي ساعات طوالاً وأنا أحاول أن أبدأ كتابة مقدمة هذا المؤلف العجيب، وكلما تقدم بي الوقت كنت أحس مزيداً من التردد، وهممت أكثر من مرة أن أعتذر لمؤلفه الفيلسوف العربي الجزائري عن كتابة المقدمة شاكراً له حسن ثقته، لولا أنني خشيت ألا يصدق الأخ الفيلسوف أن سبب اعتذاري عن الكتابة هو أنني أحسست بالعجز، مما جعلني أحس بالرهبة، وأشعر بالتردد كلما أوغلت في قراءة المؤلف سطراً بعد سطر، وصفحة بعد صفحة ..

والمؤلَّف بحث علمي، ولكنك ستشعر بالدفء، وتستمتع بالطلاوة، وكأنك تقرأ قصة متسلسلة محبوكة، تنساب حوادثها في رفق ولين ثم لا تلبث أن تجري في عنف وهدير، وهي بين هذا وذاك قصة حقيقية يفوق واقعها كل ما يمكن أن يبدعه خيال الفنان ..

إنها قصة كتلة الشعوب المتحضرة التي تسكن أوربا وأمريكا، وكتلة الشعوب المستعمَرة التي تسكن آسيا وإفريقية ..

وفيلسوفنا صاحب هذا المؤلف من الكتلة الثانية، كتلة الشعوب المستعمَرة التي تسكن آسيا وإفريقية، وعلى التحديد من الجزائر العربية التي تدور على أرضها اليوم أعنف وأقدس معركة من أجل تقرير مصير الجنس البشري كله، ومن أجل الحفاظ على القيم الإنسانية العليا، التي داستها دول الكتلة الأولى

ص: 17

المتحضرة، ومع ذلك فإن فيلسوفنا وهو يخاطب في قصته برابرة الكتلة المتحضرة إنما يتحدث حديث العالم الذي ينفذ إلى أعماق الحقيقة بالسند والبرهان، ويثبت لهم بمنطق العلم الذي اعتقدوا أنه وقف عليهما مدى الحضيض الذي تردوا فيه، على الرغم من أنهم يملكون المصانع والآلات وقنابل الذرة والصواريخ الأيدروجينية.

إن كل إنسان في إفريقية وآسيا، وكل كائن حي في إفريقية وآسيا سيسعد حينما يرى وجهه في هذه المرآة التي صنعها هذا الفيلسوف الذي ينتمي إلى محور طنجة - جاكرتا واستمع إليه معي وهو يصف دخول الكتلة الآسيوية الإفريقية على مسرح السياسة الدولية، إنه يقول:

((إن دخول الشعوب الأفرسيوية على المصرح قد أعاد الازدواج الجغرافي السياسي بطريقة معينة، ولكن في الوقت نفسه أتت هذه الشعوب معها بمبدأ تركيب للعالم، وبإمكانيات تعايش جديد يحمل بوضوح طابع عبقريتها، أعني الشروط الأخلاقية لحضارة لا تكون تعبيراً عن القوة أو الصناعة

)).

وكل إنسان في كتلة الشعوب المتحضرة في أوروبا وأمريكا لا بد أن يفيق على صرخة فيلسوفنا وهو يشخص لهم أصل الداء الذي يفتك بهم، حين يقول لهم في هدوء الواثق، وروعة الموقن:

((في هذه الحالة الخاصة بالعقل الغربي يجب أن نبحث عن مبعث هذه الجهود المنحرفة، التي لا يكفون عن أن يقفوا بها في وجه الاتجاه الطبيعي للعالم، وفي سبيل التطور السلمي الأفرسيوي. وإن إرادة الكبار بما تتمتع به من حق الاعتراض (الفيتو) في المناقشات الدولية لتعتبر في الواقع التيار المضاد لاطراد التاريخ، تياراً مضاداً بكل العناصر السلبية التي تملكها حضارة لم تستطع أن تتغلب على مصاعبها الأخلاقية، وهذا الجمود الأخلاقي كله هو الذي يضغط بثقله على المصير الإنساني، معطلاً التاريخ، تاركاً الأحداث تجري في مكانها .. )).

ص: 18

ولا يلبث فيلسوفنا أن يحذرقائلاً:

((وهكذا يبدو التاريخ في ربع قرن وكأنه يعيد نفسه، دالاً بذلك على أن شيئاً لم يتغير في الواقع في نفسية الحضارة الغربية ..

ولكن على الرغم من المظاهر فإن التاريخ لا ينضغط ولا يعود إلى الوراء، وليست هناك قوة في الأرض تستطيع أن تحد مجراه أو تعيد اطراده، والواقع أن الذي تكرر في سنة 1919م وسنة 1945م لم يكن التاريخ، وإنما هو محاولة العالم الغربي أن يعيد صنعه لتحقيق مصالحه .. )).

وهكذا يسجل فيلسسوفنا في كل صفحة من صفحات هذا المؤلف تاريخ أكبر ملحمة عرفتها البشرية، سجلها حارة امتزجت فيها دماء شهداء الجزائر بدماء شهداء عمان، وبدماء شهداء حرب الاستقلال في الهند، وفي كينيا وفي إندونيسيا، وفي الكمرون، وفي الصين ..

بالدماء التي تسيل اليوم في قلب قارتنا إفريقية وشرقيها وغربيها .. وبدماء سالت أيضاً على أرض فلسطين، وعلى ربى سورية، وتحت أنقاض بور سعيد ..

وهي بعد قصة انتصار الحق على الباطل، وقصة انتصار قوانين الخلق تتمسك بها شعوب إفريقية وآسيا العزلاء على شريعة الغاب التي فشلت أوروبا وأمريكا في أن تفرضها بالأساطيل، والقنابل، والذرة، وكل أدوات الفتك والدمار.

تهنئة لفيلسوفنا على هذا الجهد الرائع المشرف.

وتهنئة لشعوبنا في آسيا وإفريقية المتضامنة من أجل الحق والسلام.

أ. س

18/ 12/ 1957م

ص: 19