المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الجهمية أعظم قدحا في القرآن وفي السنن وفي إجماع الصحابة والتابعين من سائر أهل الأهواء - التسعينية - جـ ٢

[ابن تيمية]

فهرس الكتاب

- ‌الجهمية من المعتزلة وغيرهم خالفوا ذلك من ثلاثة أوجه]

- ‌ الذين قالوا: كلامه مخلوق أرادوا أنَّه لم يكن متكلمًا حتَّى خلق الكلام

- ‌ لفظ (الغير) مجمل

- ‌ قول القائل: إن القرآن حرف وصوت قائم به بدعة، وقوله: إنه معنى قائم به بدعة

- ‌الصواب الَّذي عليه سلف الأمة

- ‌ يكره تجريد الكلام في المداد الَّذي في المصحف وفي صوت العبد

- ‌ القول بحدوث حروف القرآن قول محدث

- ‌ قدماء الجهمية ينكرون جميع الصفات

- ‌ الألفاظ نوعان:

- ‌الوجه السابع:أنَّه عدل عن الطريقة المشهورة لأصحابه في هذا الأصل

- ‌ النزاع في مسألة الكلام في مسائل كل واحدة غير مستلزمة للأخرى

- ‌الوجه الخامس عشر:أن طوائف يقولون لهم: معنى الخبر لم لا يجوز أن يكون هو العلم

- ‌الوجه السادس عشر:أن هذه الحجة التي ذكروها في معنى الخبر وأنه غير العلم، قد أقروا هم بفسادها

- ‌الوجه السابع عشر:إن هذا يهدم عليهم إثبات العلم بصدق الكلام النفساني القائم بذات الله

- ‌ الَّذي انعقد عليه الإجماع، ونقله أهل التواتر عن المرسلين، هو الكلام الَّذي تسميه الخاصة والعامة كلامًا، دون هذا المعنى

- ‌الجهمية أعظم قدحًا في القرآن وفي السنن وفي إجماع الصحابة والتابعين من سائر أهل الأهواء

- ‌ كلام ابن فورك في مسألة الكلام

- ‌الوجه السابع والأربعون:أن يقال كون الشيء الواحد ليس بذي أبعاض إما أن يكون معقولًا أو لا يكون

- ‌معنى كون الكلام ليس بمنقسم يراد به شيئان:

- ‌تحقيق الأمر: أن هؤلاء يجمعون بين إثبات الباري ونفيه وبين الإقرار به وإنكاره

- ‌ الترتيب والتعاقب نوعان:

الفصل: ‌الجهمية أعظم قدحا في القرآن وفي السنن وفي إجماع الصحابة والتابعين من سائر أهل الأهواء

ومن المعلوم بالاضطرار أن السلف الذين أجمع المسلمون على إمامتهم في الدين ذموهم على ذلك، فإذا أنتم ذامون للسلف الذين أجمع المسلمون على إمامتهم في الدين وأنتم عند السلف وأئمة الدين مذمومون (1) وأنتم بذلك من جنس الرافضة والخوارج ونحوهم ممن يقدح في سلف الأمة وأئمتها، وهذا حق فإن قول هؤلاء من فروع قول الجهمية، وقول الجهمية فيه من التنقص والسب والطعن علي السلف والأئمة، وعلى السنة ما ليس في قول الخوارج والروافض، فإن الخوارج يعظمون القرآن ويوجبون اتباعه، وإن لم يتبعوا السنن المخالفة لظاهر القرآن، وهم يقدحون في علي وعثمان ومن تولاهما، وإن لم يقدحوا في أبي بكر وعمر.

وأما الجهمية فإنها لا توجب، بل لا تجوز اتباع القرآن في باب صفات الله، كما يصرحون به كالرازي (2) ونحوهم من المعتزلة وغيرهم فضلًا عن أن يتبعوا السنن أو إجماع السلف، ف‌

‌الجهمية أعظم قدحًا في القرآن وفي السنن وفي إجماع الصحابة والتابعين من سائر أهل الأهواء

، ولهذا تنازع العلماء من أصحابنا وغيرهم (3)، هل هم داخلون في الثنتين

(1) في الأصل، ط: مذمون. وأثبت ما رأيته مناسبًا من: س.

(2)

في هامش س: يعني أبا حاتم الرازي، ولا تظن أنَّه يعني الفخر الرازي، لأنه من الأشاعرة.

هو: أبو حاتم أحمد بن حمدان بن أحمد الورسامي الليثي الرازي.

قال ابن حجر: ذكره ابن بابويه في تاريخ الري وقال: "كان من أهل الفضل والأدب والمعرفة باللغة، وسمع الحديث كثيرًا، وله تصانيف، ثم أظهر القول بالإلحاد وصار من دعاة الإسماعيلية، أضل جماعة من الأكابر". توفي سنة 322.

انظر: لسان الميزان -لابن حجر- 1/ 164. والأعلام -للزركلي- 1/ 116.

وطبقات المعتزلة -للقاضي عبد الجبار- ص: 370.

(3)

ذكر هذا النزاع شيخ الإسلام رحمه الله في الفتاوى 3/ 350، 351 فقال: وأما تعيين الفرق الهالكة فأقدم من بلغنا أنَّه تكلم في تضليلهم يوسف بن =

ص: 694

والسبعين فرقة (1) لكن كثير من الناس يأخذ [دون ببعض قول](2) الجهم،

= أسباط، ثم عبد الله بن المبارك، وهما إمامان جليلان من أجلاء أئمة المسلمين قالا: أصول البدع أربعة: الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة. فقيل لابن المبارك: والجهمية؟ فأجاب بأن أولئك ليسوا من أمة محمد، وكان يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية.

هذا الَّذي قاله اتبعه عليه طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم، وقالوا: إن الجهمية كفار فلا يدخلون في الاثنتين والسبعين فرقة، كما لا يدخل فيهم المنافقون الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، وهم الزنادقة.

وقال آخرون من أصحاب أحمد وغيرهم: بل الجهمية داخلون في الاثنتين والسبعين فرقة، وجعلوا أصول البدع خمسة، فعلى قول هؤلاء: يكون كل طائفة من المبتدعة الخمسة اثنا عشر فرقة، وعلى قول الأولين يكون كل طائفة من المبتدعة الأربعة ثمانية عشر فرقة".

راجع: الشريعة -للآجري- ص: 15. والسنة -لعبد الله بن الإمام أحمد- ص: 9، 10. وبيان تلبيس إبليس -لابن الجوزي- ص: 19 - 23.

(1)

وهي التي أشار إليها الحديث الَّذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين فرقة". والحديث بهذا اللفظ رواه الترمذي في سننه 5/ 25 - كتاب الإيمان - باب ما جاء في افتراق هذه الأمة - حديث / 2640. وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.

وفي الباب عن سعد، وعبد الله بن عمرو، وعوف بن مالك.

وحديث افتراق الأمة يروى بألفاظ مختلفة وأسانيد كثيرة عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم فراجعه في: سنن أبي داود 5/ 4 - كتاب السنة - باب شرح السنة - الحديث / 4596. وسنن ابن ماجة 2/ 1321، 1322 - كتاب الفتن - باب افتراق الأمة. ومسند الإمام أحمد - 2/ 332، 3/ 145. والسنة -لابن أبي عاصم- 1/ 32 - 36.

(2)

ما بين المعقوفتين زيادة.

"ون ببعض" زيادة من: س، ط.

"قول" أضفتها ليستقيم بها الكلام.

وقد رود في الأصل - بعد "يأخذ" بياض بقدر كلمة.

وفي س، ط - بعد "ببعض" بياض بقدر كلمتين.

ص: 695

وأيضًا ففيهم من لا يكفر الأمة بخلافه ولا يستحل (1) السيف، وفيهم من قد بعدت عليهم الحجة وجهلوا أصل القول، وقول (2) الدعاة إلى الكتاب والسنة، وظهور ذلك فمن هنا كان حال فروع الجهمية قد يكون أخف من حال الخوارج، وإلا فقولهم في نفسه أخبث (3) من قول الخوارج بكثير، وإذا كان يونس بن عبيد (4) قد قال عن المعتزلة: إن فتنتهم أضر على الأمة من فتنة الأزارقة (5)، والمعتزلة جهمية، علم أن السلف كانوا يعلمون أن الجهمية شر من الخوارج".

قال الطبراني (6) في كتابه السنة: "حدثنا الحسن بن علي

(1) في الأصل، س: يستحيل. وأثبت ما رأيته مناسبًا للكلام من: ط.

(2)

في الأصل، س: قل. وأثبت ما يستقيم به الكلام من: ط.

(3)

في ط: أحنث. وهو تصحيف.

(4)

هو: أبو عبد الله يونس بن عبيد بن دينار العبدي، من فضلاء التابعين، روى عنه الحمادان والسفيانان وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. توفي سنة 139 هـ.

راجع: الطبقات الكبرى -لابن سعد- 7/ 260. وتذكرة الحفاظ -للذهبي- 1/ 145، 146. وتهذيب التهذيب -لابن حجر- 11/ 442 - 445.

(5)

هم أتباع نافع بن الأزرق الحنفي -الَّذي كان أول خروجه بالبصرة في عهد عبد الله بن الزبير- ولم تكن للخوارج فرقة أكثر عددًا، ولا أشد منهم شوكة، لهم مقالات فارقوا بها الخوارج كقولهم: إن من خالفهم من هذه الأمة فهو مشرك، وديارهم ديار كفر، وأن قتل نسائهم وأطفالهم مباح، إلى غير ذلك من ضلالاتهم.

انظر: المعارف -لابن قتيبة- ص: 622. ومقالات الإسلاميين -للأشعري- 1/ 168 - 174. والتبصير في الدين -للإسفراييني- ص: 49 - 51. والفرق بين الفرق -للبغدادي- ص: 82 - 87.

(6)

تقدم الكلام على الطبراني وكتابه "السنة" ص: 365. وقول يونس بن عبيد، أورده أبو نعيم في "الحلية" 3/ 21 بالسند الَّذي ذكره الشيخ رحمه الله وتمامه: ". . ويجب على الإمام أن يستتيبهم، فإن تابوا وإلا نفاهم من ديار المسلمين".

ص: 696

المعمري، حدثنا محمد بن بكار العبسي، ثنا عبد العزيز الرقاشي، سمعت يونس بن عبيد يقول: فتنة المعتزلة على هذه الأمة أشد من فتنة الأزارقة، لأنهم يزعمون أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ضلوا، وأنهم لا تجوز شهادتهم بما أحدثوا (1)، ويكذبون بالشفاعة (2) والحوض (3)،

(1) في الحلية: لما أحدثوا من البدع.

(2)

السلف رحمهم الله يثبتون الشفاعة يوم القيامة لتواتر الأدلة في إثباتها، وهي أنواع ذكرها بأدلتها ابن كثير رحمه الله في النهاية 2/ 268 - 342.

وقد استقصى العلماء أدلة ثبوت الشفاعة بطرقها. راجع مثلًا: التوحيد -لابن خزيمة- ص: 241 - 327. والسنة -لابن أبي عاصم- 2/ 364 - 400.

والشريعة -للآجري- ص: 321 - 352.

وقد أنكر المعتزلة بعض أنواع الشفاعة وكذبوا بها كما هو مدون في كثبهم.

انظر مثلًا: شرح الأصول -للقاضي عبد الجبار ص: 687 - 693.

(3)

وكما أثبت السلف رحمهم الله الشفاعة أثبتوا الحوض الَّذي أكرم الله به نبيه صلى الله عليه وسلم في عرصات القيامة.

يقول صدر الدين الحفني في "شرح الطحاوية" ص: 251 - بعد ذكره لبعض الأحاديث الواردة في الحوض، وإشارته إلى أنها تبلغ حد التواتر: "والذي يتلخص من الأحاديث الواردة في صفة الحوض: أنَّه حوض عظيم، ومورد كريم، يمد من شراب الجنّة من نهر الكوثر الَّذي هو أشد بياضًا من اللبن، وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل، وأطيب ريحًا من المسك، وهو في غاية الاتساع عرضه وطوله سواء، كل زاوية من زواياه مسيرة شهر.

وفي بعض الأحاديث: أنَّه كلما شرب منه وهو في زيادة واتساع وأنه ينبت في خلاله من المسك والرضراض من اللؤلؤ وقضبان الذهب، ويثمر ألوان الجواهر فسبحان الخالق الَّذي لا يعجزه شيء".

قال: وقد ورد في أحاديث أن لكل نبي حوضًا، وأن حوض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أعظمها وأحلاها وأكثرها واردًا".

وللاطلاع على الأحاديث الواردة في الحوض وصفته والتي تدحض المبتدعين القائلين بجحوده المنكرين لوجوده -تراجع الكتب التالية: النهاية -لابن كثير - 2/ 29 - 69 والشريعة -للآجري- ص: 352 - 357. والتذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة -للقرطبي- 1/ 362، 363.

ص: 697

وينكرون عذاب القبرر (1)،، أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم".

وفروع الجهمية لا يقبلون شهادة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رووه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يأتمون بكتاب الله، وفيهم من هو في بعض المواضع شر من المعتزلة، ولكن المعتزلة هم أصلهم في الجملة، وفي هؤلاء من لا يرى التكفير والسيف كما تراه المعتزلة والرافضة، وهو قول الخوارج، ولهذا كثيرًا (2) ما يكون أهل البدع، مع القدرة (3) يشبهون الكفار في استحلال قتل المؤمنين وتكفيرهم، كما يفعله الخوارج والرافضة والمعتزلة والجهمية وفروعهم، لكن فيهم من يقاتل بطائفة ممتنعة كالخوراج والزيدية، ومنهم من يسعى في قتل المقدور عليه من مخالفيه، إما بسلطانه،

(1) من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بعذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلًا ويثبتونه من غير تكييف، فليس للعقل وقوف على كيفيته، لكونه لا عهد به في هذه الدار، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكنه قد يأتي بما تحار فيه العقول، فإن عودة الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا.

انظر: بتصرف: شرح الطحاوية - ص: 450 - 451.

يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه "الروح" ص: 85: "ومما ينبغي أن يعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قبر أو لم يقبر، فلو أكلته السباع أو حُرّق حتَّى صار رمادًا ونسف في الهواء أو صلب أو غرق في البحر وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور". وقد تواترت الأحاديث بثبوت عذاب القبر ونعيمه ولا ينكره إلّا معاند مكابر.

انظر: السنة -لابن أبي عاصم- 2/ 415 - 425. والشريعة -للآجري- ص: 358 - 364.

(2)

في س: كثير.

(3)

أي: القدرة على مخالفيهم.

ص: 698

وإما بحيلته، ومع العجز يشبهون المنافقين، يستعملون التقية (1) والنفاق كحال المنافقين، وذلك لأن البدع مشتقة من الكفر، فإن المشركين وأهل الكتاب، هم مع القدرة يحاربون المؤمنين، ومع العجز ينافقونهم.

والمؤمن مشروع له، مع القدرة، أن يقيم دين الله -بحسب الإمكان- بالمحاربة وغيرها، ومع العجز يمسك عما عجز عنه من الانتصار، ويصبر على ما يصيبه من البلاء من غير منافقة، بل يشرع له من المداراة ومن التكلم بما يكره عليه ما جعل الله له فرجًا ومخرجًا.

ولهذا كان أهل السنة مع أهل البدعة بالعكس، إذا قدروا عليهم لا يعتدون عليهم بالتكفير والقتل وغير ذلك، بل يستعملون معهم العدل الَّذي أمر الله به ورسوله، كما فعل عمر بن عبد العزيز (2)

(1) التقية: اسم مصدر لتوقى واتقى. تقول: توقيت الشيء واتقيته وتقيته تقى وتقية أي: حذرته.

يقول أحمد أمين: "ومعناها أن يحافظ المرء على عرضه أو نفسه أو ماله مخافة عدوه، فيظهر غير ما يضمر، فهي مداراة وكتمان، وتظاهر بما ليس هو الحقيقة.

وهي عند الشيعة: النظام السري في شؤونهم، فإذا أراد الإمام الخروج والثورة على الخليفة وضع لذلك نظامًا وتدابير، وأعلم أصحابه بذلك فتكتموه، وأظهروا الطاعة حتَّى تتم الخطط المرسومة، فهذه تقية، وإذا أحسوا ضررًا من كافر أو سني داروه وجاروه وأظهروا له الموافقة، فهذه أيضًا تقية. وهكذا.

والتقية عند الشيعة جزء مكمل لتعاليمهم، تواصوا به وعدوه مبدأ أساسيًّا في حياتهم، وركنًا من دينهم ورووا فيه الشيء الكثير عن أئمتهم، وانبنى عليه تاريخهم" انظر: تاج العروس -للزبيدي- 10/ 396 (وقى). وضحى الإسلام -لأحمد أمين- 3/ 246، 247. والخطوط العريضة -لمحب الدين الخطيب- ص: 8، 54، 55.

(2)

هو: أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي القرشي، الإمام العادل والخليفة الزاهد، أمير المؤمنين، توفي سنة 101 هـ، وله أربعون سنة إلَّا ستة أشهر، ومدة خلافته سنتان ونصف رحمه الله. =

ص: 699

بالحرورية (1) والقدرية (2)، وإذا جاهدوهم، فكما جاهد علي - رضي عنه - الحرورية (3) بعد الإعذار وإقامة الحجة (4)، وعامة

= انظر: تذكرة الحفاظ -للذهبي- 1/ 118 - 121. وتهذيب التهذيب -لابن حجر- 7/ 475 - 478. والأعلام للزركلي - 5/ 209.

(1)

يقول ابن الجوزي رحمه الله في كتابه "سيرة عمر بن عبد العزيز" ص: 76، 77 مستشهدًا على حسن سياسة عمر مع الحرورية واستعماله معهم الرفق والعدل:". . حدثنا أرطأة بن المنذر قال: سمعت أبا عون يقول: دخل ناس من الحرورية على عمر بن عبد العزيز، فذاكروه شيئًا، فأشار إليه بعض جلسائه أن يرعبهم ويتغير عليهم، فلم يزل عمر بن عبد العزيز يرفق بهم حتَّى أخذ عليهم ورضوا منه أن يرزقهم ويكسوهم ما بقي، فخرجوا على ذلك، فلما خرجوا ضرب عمر ركبة رجل يليه من أصحابه فقال: يا فلان إذا قدرت على دواء تشفي به صاحبك دون المكي فلا تكوينه أبدًا".

(2)

كان رأي عمر بن عبد العزيز رحمه الله في القدرية أن يستتابوا فإن تابوا وإلا نفوا من ديار المسلمين، وبهذا كان يوجه عماله ويكتب لهم بشأنهم.

يروى عن سفيان بن عيينة أنَّه قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة وكان عامله على البصرة: "أما بعد، فإذا أتاك كتابي هذا، فاستتب القدرية مما دخلوا فيه، فإن تابوا فخل سبيلهم، وإلا فانفهم من ديار المسلمين".

انظر: سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز -لابن الجوزي- ص: 85. وسيرة عمر بن عبد العزيز في أهل القدر في الشريعة للآجري ص: 227 - 234.

(3)

في الأصل، س: للحرورية. وأثبت ما يستقيم به الكلام من: ط.

(4)

الخوارج بعد رجوع علي بن أبي طالب رضي الله عنه من صفين إلى الكوفة انحازوا إلى مكان يقال له حروراء -قرية من قرى الكوفة- وهم يومئذ اثنا عشر ألفًا، وزعيمهم عبد الله بن الكواء، وشبث بن ربعي، وخرج إليهم علي رضي الله عنه يناظرهم فوضحت حجته عليهم، فاستأمن إليه ابن الكواء مع عشرة من الفرسان، وانحاز الباقون منهم إلى النهروان وسار إليهم علي رضي الله عنه على رأس جيش من أصحابه قوامه أربعة آلاف. وناظرهم فوضحت الحجة عليهم فاستأمن إليه ثمانية آلاف منهم، ثم أمر أصحابه بقتالهم، وقتلت الخوارج يومئذ فلم يفلت منهم غير تسعة تفرقوا في البلدان والأمصار. راجع تفاصيل هذه الحادثة في: البداية والنهاية -لابن كثير- 7/ 305 - 317. الفرق بين الفرق -للبغدادي- ص: 75 - 81. الملل والنحل -للشهرستاني- 1/ 114 - 118. =

ص: 700

ما كانوا يستعملونه معهم الهجران والمنع من الأمور التي تظهر بسببها (1) بدعتهم، مثل ترك مخاطبتهم ومجالستهم؛ لأن هذا هو الطريق إلى خمود بدعتهم، وإذا عجزوا عنهم لم ينافقوهم، بل يصبرون على الحق الذي بعث الله به نبيه، كما كان سلف المؤمنين يفعلون، وكما أمرهم الله في كتابه، حيث أمرهم بالصبر على الحق، وأمرهم أن لا يحملهم شنآن قوم على أن لا يعدلوا (2).

الوجه الثاني والثلاثون (3):

أن هذا المعنى القائم بالذات الذي زعموا أنه كلام، وخالفوا في إثباته جميع فرق الإِسلام، كما يقرون هم على أنفسهم بذلك، كما ذكره

= الكامل -لابن الأثير- 3/ 334 - 348.

(1)

في ط: بسبها.

(2)

يقول محمَّد بن الحسين الآجري في كتابه "الشريعة" ص: 234، 235 - بعد أن عقد بابًا ذكر فيه سيرة عمر بن عبد العزيز مع القدرية- قال في نهايته:". . هذه حجتنا على القدرية: كتاب الله عز وجل وسنة رسوله على، وسنة أصحابه والتابعين لهم بإحسان، وقول أئمة المسلمين، مع تركنا للجدل والمراء والبحث عن القدر، فإنا قد نهينا عنه، وأمرنا بترك مجالس القدرية، وأن لا نناظرهم وأن لا نفاتحهم على سبيل الجدل، بل يهجرون ويهانون ويذلون، ولا يصلى خلف واحد منهم، ولا تقبل شهادته، ولا يزوج، وإن مرض لم يعد، وإن مات لم تحضر جنازته، ولم تجب دعوته في وليمة إن كانت له، فإن جاء مسترشدًا أرشد على سبيل النصيحة له، فإن رجع فالحمد لله، وإن عاد إلى باب الجدل والمراء لم يلتفت إليه، وطرد وحذر منه، ولم يكلم، ولم يسلم عليه".

(3)

ناقش الشيخ رحمه الله فيما مضى من الأوجه قول الأشاعرة بأن الكلام معنى قائم بالنفس، وبين رحمه الله أن هذا القول انفردوا به عن سائر الأمة وخرقوا إجماعها.

ومن هذا الوجه يبدأ الشيخ رحمه الله بمناقشة قولهم: إنه معنى واحد بعد أن يورد أقوال أئمتهم كالرازي وابن فورك وغيرهم، وينتهي إلى أن هذا القول مما يعلم فساده بضرورة العقل وأنه مبني على أصل فاسد وتناقضهم فيه ظاهر.

ص: 701

الرازي وغيره (1) من أن إثباتهم لهذا يخالفهم فيه سائر فرق الأمة، قد قال أكثرهم: هو معنى واحد (2)، وقال بعضهم: هو خمسة معان: أمر،

(1) يقول الرازي في كتابه "محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين" ص: 174: ". . أما المعنى الذي يقول أصحابنا فهو غير مجمع عليه، بل لم يقل به أحد إلا أصحابنا".

انظر: غاية المرام في علم الكلام -للآمدي- ص: 88، 89. ونهاية الإقدام -للشهرستاني- ص:313.

(2)

الأشاعرة يذهبون إلى أن كلام الله تعالى معنى واحد كالعلم والقدرة وسائر الصفات وأن كونه أمرًا ونهيًا أوصاف الكلام لا أقسامه، ويثبتون ذلك بأدلة يزعمون أنها عقلية والعقل السليم لا يقبلها، بل يثبت نقيضها - ويسلكون في تقرير ذلك ومحاولة إثباته مسالك شائكة.

ولكي يكون القاريء معنا فيما نقوله أورد ما قاله إمام الحرمين الجويني في "الإرشاد" ص: 136 حيث عقد لذلك فصلًا قال فيه: "كلام الله تعالى واحد، وهو متعلق بجميع متعلقاته، وكذلك القول في سائر صفاته، وهو العالم بجميع المعلومات بعلم واحد والقادر على جميع المقدورات بقدرة واحدة وكذلك القول في الحياة والسمع والبصر والإرادة. والقضاء باتحاد الصفات ليس من مدارك العقول، بل هو مسند إلى قضية الشرع وموجب السمع، وذلك أن إثبات العلم واحد مختلف فيه، وإنما يتوصل إلى إثباته على منكريه الأدلة العقلية، وهذا في العلم الواحد، فأما تقدير علم ثان، فلم يثبته أحد من أهل الكلام المنتمين إلى الإِسلام، فنفيه مجمع عليه مع اتصافه بالقدم. فإن قال قائل: ليِّن استمر لكم ما ذكرتموه في العلم والقدرة فما وجه تقريره في الإرادة والكلام؟ قلنا: الغرض أن نوضح انعقاد الإجماع الواجب الاتباع على نفي كلام ثان قديم، وذلك مقرر على ما ذكرناه لا خفاء به. . ".

أما الشهرستاني في نهاية الإقدام ص: 288، 289، فقد قعد لذلك قاعدة وصمها بالثالثة عشرة في أن كلام الله واحد، قال فيها -بعد أن أورد مذاهب الناس:"قالت الأشعرية إذا قام الدليل على كلام أنه معنى قائم بذات الباري تعالى وكل معنى أوصفة له فهي واحدة، وكل ما دل على أن علمه وقدرته وإرادته واحدة فذلك يدل على أن كلامه واحد. . ".

ثم أخذ يعرض أقوال المخالفين للأشاعرة ويناقشها وقد أطال في ذلك من =

ص: 702

ونهي، وخبر، واستخبار، ونداء (1).

فالأولون يقولون: ذلك المعنى هو معنى كل أمر أمرَ الله به، سواء كان أمر تكوين كقوله للمخلوق (2): كن فيكون، أو كان أمر تشريع، كأمره في التوراة والإنجيل والقرآن، وغير ذلك مما جاءت به الرسل، وهو معنى كل نهي نهى الله عنه وكل خبر أخبر الله به.

والآخرون يقولون: الأمر الواحد هو الأمر بالصلاة والزكاة والحج والصوم والسبت (3) الذي لليهود هو الأمر المنسوخ وبالناسخ وبالأقوال

= ص: 289 - 313.

وشيخ الإِسلام رحمه الله سوف يناقشهم في هذه القضية في الصفحات التالية.

(1)

أشار إلى القولين الشهرستاني في نهاية الإقدام ص: 291 فقال: (. . قالت الأشعرية: حكي عن بعض متقدمي أصحابنا أنه أثبت لله خمس كلمات هي خمس صفات: الخبر والاستخبار والأمر والنهي والنداء، فإن سلكنا هذا المسلك اندفع السؤال وارتفع الإشكال.

لكن المشهور من مذهب أبي الحسن أن الكلام صفة واحدة لها خاصية واحدة، ولخصوص وصفها حد خاص، وكونه أمرًا ونهيا وخبرًا واستخبارًا خصائص أو لوازم تلك الصفة".

والأشعرية على القول الثاني وهو أن الكلام واحد كما تنقله كتبهم عن أئمتهم.

راجع: الإرشاد -للجويني- ص: 136. وغاية المرام في علم الكلام -للآمدي- ص: 112 - 118. والمواقف -للآيجي- ص: 295. والمحصول -للرازي- ص: 185.

(2)

في ط: للمخوق. وهو تصحيف.

(3)

في س: البت.

السبت: هو اليوم المعروف من أيام الأسبوع وهو عيد اليهود، وقد حرم الله فيه صيد البحر عليهم اختبارًا وامتحانًا، فخالفوا أمره فمسخهم الله قردة، قال تعالى:{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} 65، 66 / البقرة. وقال سبحانه: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ =

ص: 703

والأفعال والأصول والفروع وبالعربية وبالعبرانية وغير ذلك، وكذلك قولهم في النهي وكذلك قولهم في الخبر هو معنى واحد، هو معنى ما أخبر الله به من صفاته كآية الكرسي وسورة الإخلاص، وما أخبر به من قصص الأنبياء والمؤمنين والكفار، وصفة الجنة والنار.

ومن المعلوم أن مجرد تصور هذا القول يوجب العلم الضروري بفساده كما اتفق على ذلك سائر العقلاء، فإن أظهر المعارف للمخلوق أن الأمر ليس هو الخبر، وأن الأمر بالسبت ليس هو الأمر بالحج، وأن الخبر عن الله ليس هو الخبر عن الشيطان الرجيم، فمن جعل هذه الأمور كلها حقيقة واحدة، وجعل الأمر والنهي إنما هي صفات عارضة لتلك الحقيقة العينية، لم يجعل ذلك أقسامًا للكلام الكلي الذي لا يوجد في الخارج كليًّا، إذ ليس في الخارج كلام هو أمر بالحج هو بعينه خبر عن جهنم، كما ليس في الخارج إنسان هو بعينه فصيل (1)، وإن شملها اسم الحيوان، كما شمل ذينك اسم الكلام، فمن جعل الحقائق المتنوعة شيئًا واحدًا فهو يشبه من جعل المكانين (2) مكانًا واحدًا حتى يجعل الجسم الواحد (3) يكون في مكانين ويقول: إنما هما مكان واحد، أو لا يجعل الواحد نصف الاثنين، أو يقول: الاثنان هما واحد، فإن هذا كله من هذا النمط، وهو رفع التعدد في الأشياء المتعددة وجعلها شيئًا واحدًا في

= حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} 163 / الأعراف.

(1)

في الأصل، س: فصل. وأثبت ما رأيته مناسبًا من: ط.

الفصيل: هو ولد الناقة إذا فصل عنها. وقد يقال في البقر.

انظر: لسان العرب -لابن منظور- 11/ 522 (فصل).

(2)

ورد في س، بعد كلمة "المكانين" زيادة "ويقول إنما هما". وهو خطأ من الناسخ.

(3)

في س: ورد "مكان واحد أو لا يجعل الواحد" ولا يستقيم الكلام بذلك.

ص: 704

الوجود الخارجي بالعين لا بالنوع، وهؤلاء ينكرون على من يقول: إن الكلام الذي تكلم الله به والذي يقرؤه العباد، والقرآن الذي يقرؤه زيد هو القرآن الذي يقرؤه عمرو، ويقولون: بل هما حقيقتان متباينتان (1).

ومن المعلوم أن هناك قدرًا مشتركًا متحدًا (2) بالعين في الوجود الخارجي (3) وبينهما من الاتحاد الشرعي واتباع أحدهما للآخر [ما](4) ليس بين هذه الحقائق البعيدة من الاشتراك إلا في الجنس العام الذي لا وجود له في الخارج عامًّا فضلًا عن أن يكون واحدًا بالعين، وما هناك من التعدد فأحدهما تابع للآخر فهما متحدان من وجه متغايران من وجه، ولا ينكرون على أنفسهم اتحاد الحقائق المتنوعة، وهذا (5) قول يعلم فساده بالضرورة كل عاقل، ولم يوافق على إطلاق القول بذلك أحد، وهناك اتفق الخلائق على أن يشيروا إلى ما يسمعونه من المبلغين، ويقولون: هذا كلام المبلغ عنه، فهذا المتفق عليه بين العباد الذي تطمئن إليه القلوب وجاءت بإطلاقه النصوص أنكروه، وذاك الذي ابتدعوه فلم يطلقه نص ولا قاله إمام ولا تصوره أحد إلا علم فساده بالبديهة قالوه، وجعلوه أصل (6) الدين.

الوجه الثالث والثلاثون:

أن يقال لهم: إذا جاز أن تجعلوا هذه الحقائق المختلفة حقيقة واحدة سواء قلتم بثبوت الحال أو نفيه، وأن كونها أمرًا ونهيًا وخبرًا، أو أمرًا بكذا ونهيًا عن كذا إنما هي أمور نسبية لها كتسمية المعنى الذي في

(1) في س: متباينات.

(2)

في جميع النسخ "قدر مشترك متحد" ولعل الصواب ما أثبته.

(3)

في س: الخارج.

(4)

ما بين المعقوفتين زيادة من: س، ط.

(5)

في س، ط: هو.

(6)

في س، ط: هو أصل.

ص: 705

النفس عربيًّا وعجميًّا، ولهذا تنازع ابن كلاب والأشعري (1) في هذه التسمية بالأمر والنهي والخطاب هل هي حادثة عند حدوث المخاطب كما يقوله ابن كلاب أو قديمة كما يقوله الأشعري؟.

فيقال لكم: هذا بعينه يقال لهم في الصفات من العلم والقدرة والكلام والسمع والبصر فهلا جعلتم هذه الصفات حقيقة واحدة، وهذه الخصائص عوارض نسبه لها؟ بل جعل السمع والبصر بمعنى علم خاص أقرب إلى المعقول من جعل حقيقة معنى كل خبر حقيقة معنى كل أمر وحقائق معاني الأخبار شيء واحد، وهم قد ذكروا هذه المسألة فقال الرازي (2):

الفصل الثالث (3) في أنه لا يجوز أن يكون الله موصوفًا بصفة واحدة

(1) يقول الجويني في "الإرشاد" ص: 119، 120 مبينًا هذا الاختلاف، ومرتضيًا ما ذهب إليه شيخه أبو الحسن: "ذهب عبد الله بن سعيد بن كلاب رحمه الله من أصحابنا إلى أن الكلام الأزلي لا يتصف بكونه أمرًا نهيا خبرًا إلا عند وجود المخاطبين واستجماعهم شرائط المأمورين المنهيين.

فإذا أبدع الله العباد، وأفهم كلامه على قضية أمر، أو موجب زجر، أو مقتضى خبر اتصف عند ذلك الكلام بهذه الأحكام، وهي من صفات الأفعال عنده، بمثابة اتصاف الباري تعالى فيما لا يزال بكونه خالقًا رازقًا محسنًا متفضلًا، وهذه الطريقة وإن درأت تشغيبًا فهي غير مرضية.

والصحيح ما ارتضاه شيخنا رضي الله عنه من أن الكلام الأزلي لم يزل متصفًا بكونه أمرًا نهيًا خبرًا، والمعدوم على أصله مأمور بالأمر الأزلي على تقدير الوجود، والأمر القديم في نفسه على صفة الاقتضاء ممن سيكون إذا كانوا، والذي استنكروه من استحالة كون المعدوم مأمورًا لا تحصيل له".

وانظر هذا النزاع في: غاية المرام في علم الكلام -للآمدي- ص: 104.

ونهاية الإقدام في علم الكلام -للشهرستاني- ص: 303، 304. وأصول الدين -للبغدادي- ص:108.

(2)

في نهاية العقول في دراية الأصول -مخطوط- اللوحة 156.

(3)

في س، ط: الثاني. وهو خطأ.

ص: 706

تفيد فائدة الصفات المختلفة السبعة قال (1):

اعلم أن فساد ذلك على القول ينفي الحال (2) معلوم بالضرورة على ما قررناه [يعني على ما قرره في مسألة الكلام أنه يمتنع أن يكون الطلب هو الخبر](3). قال:

قال (4): وأما على القول بالحال، فالقاضي أبو بكر (5) عول في إبطال هذا الاجتماع (6) على الإجماع، وهو أن القائل قائلان: منهم من أثبتها، ومنهم من نفاها، وكل من أثبتها قال إنها صفات متعددة، فالقول بأنها صفة واحدة يكون خرقًا (7) للإجماع.

قلت: وهذه الحجة وإن كانت صحيحة فلا يمكن طردها في الكلام، فإنه لا إجماع على أنه معنى واحد.

الوجه الرابع والثلاثون:

أن هؤلاء يجعلون حقيقة معنى ما أخبر الله به عن نفسه هو حقيقة معنى ما أخبر به (8) عن الجن والجحيم، ومن المعلوم أن معاني الكلام تتبع الحقائق الخارجة وتطابقها، فمعنى الخبر عن الملائكة والجن (9)

(1) أي: الرازي في المصدر السابق.

وهي إضافة من الشيخ رحمه الله للبيان، والكلام متصل بما قبله.

(2)

في نهاية العقول: اعلم أن على القول بنفي الحال فساد ذلك. وتقدم الكلام على معنى "الحال" ومن قال به، ومن نفاه ص:608.

(3)

ما بين المعقوفتين إيضاح من الشيخ رحمه الله لما قرره الرازي.

(4)

أي: الرازي. والكلام متصل في: نهاية العقول.

(5)

أبو بكر: ساقطة من: نهاية العقول.

(6)

في نهاية العقول: الاحتمال.

(7)

في نهاية العقول:. . . واحدة خرق.

(8)

في س، ط: الله به.

(9)

في الأصل: الجنة. وهو خطأ من الناسخ. والمثبت من: س، ط.

ص: 707

يطابق ذلك، ومعنى الخبر عن الجنة (1) والنار يطابق ذلك فإذا كان معنى هذا الخبر هو حقيقة معنى هذا الخبر وكلاهما مطابق لمخبره لزم أن يكون هذا المخبر هو هذا المخبر، فيلزم أن تكون الحقائق الموجودة كلها شيئًا واحدًا، فتكون الجنة هي النار والملائكة هم الشياطين، والموجود هو المعدوم، والثبوت هو الانتفاء، وفي ذلك من اجتماع النقيضين ما لا يحصى.

وهذا لازم لقولهم لا محيد عنه، فإن الخبر الصادق الحكم الذهني، والحكم الذهني يطابق الحقيقة الموجودة، وكل أخبار الله صادقة، فإذا كانت جميعها حقيقة واحدة ليس فيها تغاير -أصلًا- وذلك هو الحكم الذهني -لزم أن يكون هذه الحقيقة مطابقة للوجود الخارجي، بخلاف الخبر الكذب، فإنه لا يجب مطابقته (2) للوجود الخارجي، والحكم الواحد الذهني الذي لا تغاير فيه بوجه من الوجوه إذا طابق المحكوم به لزم أن يكون المحكوم به كذلك، وإلا لم يكن مطابقًا، وكذلك فإن الله أمر بالإيمان والصلاة والزكاة، ونهى عن الكفر والكذب والظلم، فإذا كانت (3) حقيقة الأمر هي حقيقة النهي وإنما لها نسبة إلى الأفعال فقط لم يكن فرق بين المأمور به والمنهي عنه [بل إذا قيل: إن المنهي عنه مأمور به والمأمور به منهي عنه] (4) لم يمتنع ذلك، إذا (5) كانت الحقيقة واحدة وإنما اختلف التعليق، والتعلق ليس له حقيقة يمنع الاختلاف، بل يمكن فرض تعلقه أمرًا كتعلقه نهيًا مع أن الحقيقة باقية،

(1) في الأصل: الجن. وهو خطأ. والمثبت من: س، ط.

(2)

في س: مطابقة.

(3)

في س، ط: كان.

(4)

ما بين المعقوفتين ساقط من: س.

(5)

في الأصل، ط: إذ. والمثبت من: س.

ص: 708