الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نفسه، فكما أن لفظ "ذات" و"وجود" و"حقيقة" يطلق على الله وعلى عباده، وهو على ظاهره في الإطلاقين، مع القطع بأنه ليس ظاهره في حق الله تعالى مساويًا لظاهره في حقنا، ولا مشاركًا له فيما يوجب نقصًا وحدوثًا، سواء جعلت هذه الألفاظ متواطئة أو مشتركة أو مشككة، كذلك قوله:{أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} (1){إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} (2)، و {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} (3){الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (4) الباب في الجميع واحد.
وكان
قدماء الجهمية ينكرون جميع الصفات
التي هي فينا أعراض. كالعلم والقدرة، وأجسام: كالوجه واليد، وحدثاؤهم أقروا بكثير من الصفات [التي هي فينا أعراض](5) كالعلم والقدرة، وأنكروا بعضها، والصفات التي هي فينا أجسام هي فينا أعراض، ومنهم من أقر ببعض الصفات التي هي فينا أجسام كاليد.
وأما السلفية فعلى ما حكاه الخطابي (6) وأبو بكر
(1) سورة النساء، الآية:166.
(2)
سورة الذاريات، الآية:58.
(3)
سورة ص، الآية:57.
(4)
سورة طه، الآية:5.
(5)
ما بين المعقوفتين زيادة من: المجموع. أرى أن السياق يقتضيها.
(6)
هو: أبو سليمان حمد بن محمَّد بن إبراهيم الخطابي البستي، أحد المشاهير الأعيان، والفقهاء المجتهدين المكثرين من تصانيفه "شرح الأسماء الحسنى" وكتاب "الغنية عن الكلام وأهله" توفي سنة 388 هـ.
انظر: طبقات الشافعية -للسبكي- 3/ 282 - 290. والبداية والنهاية -لابن كثير- 11/ 363.
وراجع قوله في آيات الصفات وأحاديثها على ما نقله عنه الشيخ رحمه الله في كتابه "معالم السنن" ضمن سنن أبي داود 5/ 101، 102، كتاب السنة - باب الرد على الجهمية.
الخطيب (1)، وغيرهما، قالوا: مذهب السلف إجراء آيات الصفات وأحاديث الصفات على ظاهرها، مع نفي الكيفية والتشبيه عنها، فلا نقول: إن معنى اليد القدرة، ولا إن معنى السمع العلم، وذلك أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات يحتذى فيه حذوه ويتبع فيه مثاله، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية.
فقد أخبرك الخطابي والخطيب -وهما إمامان من أصحاب الشافعي رضي الله عنه متفق على علمهما بالنقل، وعلم الخطابي بالمعاني -أن مذهب السلف إجراؤها (2) على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها، والله -تعالى- يعلم أني قد بالغت في البحث عن مذهب (3) السلف، فما علمت أحدًا منهم خالف ذلك.
ومن قال من المتأخرين: إن مذهب السلف أن الظاهر غير مراد، فيجب لمن أحسن به الظن أن يعرف أن معنى قوله (الظاهر) الذي يليق بالمخلوق لا بالخالق، ولا شك أن هذا غير مراد، ومن قال: إنه مراد فهو -بعد قيام الحجة عليه- كافر.
فهنا بحثان: لفظي ومعنوي.
(1) هو: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي، كان من الحفاظ المتقنين والعلماء المتبحرين وله تصانيف كثيرة منها "تاريخ بغداد" توفي سنة 463 هـ.
راجع: المنتظم -لابن الجوزي- 8/ 265 - 270. ووفيات الأعيان -لابن خلكان- 1/ 92، 93. وطبقات الشافعية -للسبكي- 4/ 29 - 37.
وراجع ما نقله عنه الشيخ رحمه الله في آيات الصفات وأحاديثها في "تذكرة الحفاظ" -للذهبي- 3/ 1142، 1143.
(2)
في الأصل، س: أجراها. والمثبت من: ط، والمجموع.
(3)
في س، ط: مذاهب.
أما المعنوي: فالأقسام ثلاثة في قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (1) ونحوه.
أن يقال: استواء كاستواء مخلوق، أو يفسر باستواء مستلزم (2) حدوثًا أو نقصًا، فإذا هو الذي يحكى عن الضلال المشبهة والمجسمة، وهو باطل قطعًا بالقرآن وبالعقل.
وإما أن يقال: ما تم استواء حقيقي أصلًا، ولا على العرش إله، ولا فوق السماوات رب، فهذا (3) مذهب الجهمية الضالة المعطلة، وهو باطل قطعًا بما علم بالاضطرار من دين الإِسلام، لمن أمعن النظر في العلوم النبوية، وبما فطر الله عليه خليقته من الإقرار بأنه فوق خلقه، كإقرارهم بأنه ربهم.
قال ابن قتيبة (4): ما زالت الأمم -عربها وعجمها، في جاهليتها وإسلامها- معترفة بأن الله في السماء، أي: على السماء.
أو يقال: بل استوى -سبحانه- على العرش على الوجه الذي يليق بجلاله، ويناسب كبرياءه، وأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، مع أنه -سبحانه- هو حامل للعرش، ولحملة العرش، وأن الاستواء معلوم، الكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، كما قالته (5) أم سلمة، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ومالك بن
(1) سورة طه، الآية:5.
(2)
في س، ط: يستلزم.
(3)
في س، ط: فإذا هو؛
(4)
انظر نحوه في: تأويل مختلف الحديث -لابن قتيبة- ص: 183.
(5)
في س، ط: قالت.
وانظر قول أم سلمة رضي الله عنها في "شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة -للالكائي- 3/ 397 - بلفظ: "الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والإقرار به إيمان والجحود به كفر".
أما قول ربيعة ومالك فقد تقدم ص: 544.
أنس، فهذا مذهب المسلمين.
وهو الظاهر من لفظ (استوى) عند عامة المسلمين الباقين على الفطرة السالمة التي لم تنحرف إلى تعطيل، ولا إلى (1) تمثيل، وهذا هو الذي أراده يزيد بن هارون الواسطي (2)، المتفق على إمامته وجلالته وفضله، وهو من أتباع التابعين، حيث قال (3):(من زعم أن الرحمن على العرش استوى خلاف ما يقر في نفوس العامة فهو جهمي).
فإن الذي أقره الله -تعالى- في فطر عباده وجبلهم عليه، أن ربهم فوق سماواته، كما أنشد عبد الله بن رواحة (4) رضي الله عنه (5) - النبي صلى الله عليه وسلم فأقره (6) النبي صلى الله عليه وسلم:
شهدت بأن وعد الله حق
…
وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف
…
وفوق العرش رب العالمينا (7)
(1) في س: وإلى.
(2)
هو: أبو خالد يزيد بن هارون بن زاذي السلمي الواسطي، روى عنه الإِمام أحمد، وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهما، قال عنه أبو حاتم: يزيد ثقة إمام صدوق لا يسأل عن مثله، وكان رحمه الله شديدًا على الجهمية منكرًا عليهم. توفي سنة 206 هـ.
راجع: الجرح والتعديل -لابن أبي حاتم- 4 /. وتاريخ بغداد - للبغدادي - 14/ 337 - 347. وسير أعلام النبلاء -للذهبي- 9/ 358 - 371.
(3)
أورده البخاري في: خلق أفعال العباد - ص: 36. وعبد الله بن الإِمام أحمد في: السنة- ص: 17.
(4)
هو: أبو محمَّد عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، صحابي جليل، شهد بدرًا وما بعدها إلى أن استشهد بمؤتة سنة 8 هـ.
راجع: الطبقات الكبرى -لابن سعد- 3/ 525 - 530. والإصابة -لابن حجر- 2/ 306، 307.
(5)
عنه: ساقطة من: س.
(6)
في س: فأقر.
(7)
وتتمة البيتين: =
وقال عبد الله بن المبارك -الذي أجمعت فرق الأمة على إمامته وجلالته، حتى قيل: إنه أمير المؤمنين في كل شيء (1)، وقيل: ما أخرجت خراسان مثل ابن المبارك (2)، وقد أخذ عن عامة علماء وقته، مثل: الثوري ومالك وأبي (3) حنيفة والأوزاعي وطبقتهم [حين](4) قيل له: بماذا نعرف (5) ربنا؟
= وتحمله ملائكة كرام
…
ملائكة الإله مسومينا
وقد أوردها: أبو سعيد الدارمي في كتابه "الرد على الجهمية" ص: 27.
وأوردها ابن عساكر في "تهذيب تاريخ دمشق" 7/ 395، 396. وذكر المناسبة التي قيلت فيها فقال: (قال عبد العزيز الماجشون بلغنا أنه كانت لابن رواحة جارية، وكان يستسرها سرًّا عن أهله، فأبصرت به امرأته يوما قد خلا بها فقالت له: قد اخترت أمتك على حرتك، فجاحدها ذلك، فقالت له: إن كنت صادقًا فاقرأ آية من القرآن فقال: شهدت بأن. . . البيت.
فقالت: زدني آية أخرى. فقال: وأن العرش فوق. . . البيت.
فقالت: زدني آية أخرى. فقال: وتحمله ملائكة. . . البيت.
فقالت: آمنت بالله وكذبت البصر، فأتى ابن رواحة رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه بذلك، فضحك ولم يغير عليه".
(1)
تقدم التعريف به ص: 148.
وجاء في تاريخ بغداد -للخطيب البغدادي- 10/ 165: أن يحيى بن معين قال عن ابن المبارك: ذاك أمير المؤمنين في الحديث.
(2)
أورده الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" 10/ 155 بلفظ: إن عمرو بن عبد الله الغازي قال: سمعت محمَّد بن عبد الوهاب الفراء يقول: ما أخرجت خراسان مثل هؤلاء الثلاثة: ابن المبارك، والنضر بن شميل ويحيى بن يحيى.
وروى الخطيب -أيضًا- في نفس المصدر ص: 162 - أن أبا الوزير قال: قدمت على سفيان بن عيينة فقالوا له: هذا وصى عبد الله، فقال: رحم الله عبد الله ما خلف بخراسان مثله.
(3)
في الأصل: أبو. والمثبت من: س، ط، والمجموع.
(4)
ما بين المعقوفتين زيادة من: ط. يقتضيها السياق.
(5)
في ط: تعرف.
قال (1): (بأنه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه).
وقال (2) محمَّد بن إسحاق بن خزيمة -الملقب إمام الأئمة، وهو ممن يفرح (3) أصحاب الشافعي بما ينصره من مذهبه، ويكاد يقال: ليس فيهم أعلم بذلك منه-: (من لم يقل: إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، وجب أن يستتاب، فإن تاب، وإلّا ضربت عنقه، وألقي على مزبلة لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل الملة (4)، ولا أهل الذمة، وكان ماله فيئًا).
وقال (5) مالك بن أنس -الإِمام- فيما رواه عنه عبد الله بن نافع وهو مشهور عنه: (الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو من علمه مكان).
(1) أورده البخاري في خلق أفعال العباد ص: 31. بدون ذكر لـ "بائن من خلقه".
وانظره في الرد على الجهمية -للدارمي- ص: 23.
(2)
هذا النقل عن أبي بكر محمد بن إسحاق، لم أقف عليه في كتابه "التوحيد وإثبات صفات الرب عز وجل".
وقد أورده الشيخ رحمه الله في كتابه "درء تعارض العقل والنقل 6/ 264 " وقال في نهايته: "وهذا معروف عنه رواه الحاكم في "تاريخ نيسابور" وأبو عثمان النيسابوري في رسالته المشهورة".
ويبدو أن أصل كتاب "تاريخ نيسابور" مفقود.
راجع: تاريخ التراث العربي -لسزكين- 1/ 1 / 456.
(3)
في الأصل: يفوح. وهو تصحيف، إذ لا معنى لها. والكلام يستقيم بالمثبت من: س، ط.
وفي مجموع الفتاوى: يعرج. وهو تصحيف -أيضًا.
(4)
في الأصل: الملل. والمثبت من: س، ط، والمجموع.
وفي درء تعارض العقل والنقل: أهل القبلة.
(5)
أورده: عبد الله بن أحمد بن حنبل في "السنة" ص: 11. والآجري في "الشريعة" ص: 289.
وقال (1) الإِمام أحمد بن حنبل مثل ما قال مالك، وما قال ابن المبارك.
والآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وسائر علماء الأمة بذلك متواترة (2) عند من تتبعها، قد جمع العلماء فيها مصنفات صغارًا وكبارًا، ومن تتبع الآثار علم -أيضًا- قطعًا أنه لا يمكن أن ينقل عن أحد منهم حرف واحد يناقض ذلك، بل كلهم مجمعون على كلمة واحدة وعقيدة واحدة، يصدق بعضهم بعضًا، وإن كان بعضهم أعلم من بعض كما أنهم متفقون على الإقرار بنبوة محمَّد صلى الله عليه وسلم وإن كان فيهم من هو أعلم بخصائص النبوة ومزاياها وحقوقها وموجباتها وحقيقتها وصفاتها.
ثم ليس أحد منهم قال يومًا من الدهر: ظاهر هذا غير مراد، ولا قال: ظاهر (3) هذه الآية أو (4) هذا الحديث مصروفة عن ظاهره، مع أنهم قد قالوا مثل ذلك في آيات الأحكام المصروفة عن عمومها وظهورها، وتكلموا فيما يستشكل مما قد يتوهم أنه متناقض، وهذا مشهور لمن تأمله، وهذه الصفات أطلقوها بسلامة، وطهارة وصفاء، لم يشوبوه (5) بكدر ولا غش.
ولو لم يكن هذا هو الظاهر عند المسلمين لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم
(1) فمن ذلك ما رواه ابن القيم رحمه الله في كتابه "اجتماع الجيوش" ص: 123 حيث قال: "قال الخلال في كتاب السنة: حدثنا يوسف بن موسى قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد قال: قيل لأبي: ربنا تبارك وتعالى فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه، وقدرته وعلمه بكل مكان؟
قال: نعم، لا يخلو شيء من علمه".
إلى غير ذلك مما نقل عن الإِمام أحمد في هذا الباب.
(2)
في س، ط: متوافرة.
(3)
ظاهر: ساقطة من: س، ط.
(4)
في س: وا.
(5)
في ط: يشربوه.
سلف الأمة، قالوا للأمة: الظاهر الذي تفهمونه غير مراد، أو (1) لكان أحد (2) من المسلمين استشكل هذه الآية وغيرها.
فإن كان بعض المتأخرين قد زاغ قلبه، حتى صار يظهر له من الآية معنى فاسد (3)، مما يقتضي حدوثًا أو نقصًا، فلا شك أن الظاهر لهذا الزائغ غير مراد، وإذا رأينا رجلًا يفهم من (4) الآية هذا الظاهر الفاسد، قررنا عنده أولًا: أن هذا المعنى ليس مفهومًا من (3) ظاهر الآية، ثم قررنا عنده ثانيًا: أنه في نفسه معنى فاسد، حتى لو فرض أنه ظاهر الآية -وإن كان هذا فرض ما لا حقيقة له- لوجب صرف الآية عن ظاهرها كسائر الظواهر التي عارضها ما أوجب أن المراد بها غير الظاهر.
واعلم أن من لم يحكم (5) دلالات اللفظ، ويعلم أن ظهور المعنى من اللفظ، تارة يكون (6) بالوضع اللغوي، أو العرفي، أو الشرعي، إما في الألفاظ المفردة، وإما في المركبة، وتارة بما اقترن باللفظ المفرد من التركيب الذي يتغير به دلالته في نفسه، وتارة بما اقترن به من القرائن اللفظية التي تجعلها مجازًا، وتارة بما يدل عليه حال المتكلم، والمخاطب والمتكلم فيه، وسياق الكلام الذي يعين أحد محتملات اللفظ، أو يبين أن المراد به هو مجازه، إلى غير ذلك من الأسباب التي تعطي اللفظ صفة الظهور، وإلا فقد يتخبط في هذه المواضع، نعم إذا لم يقترن باللفظ قط شيء من القرائن المتصلة تبين مراد المتكلم، بل علم مراده، بدليل آخر لفظي منفصل، فهنا أريد به خلاف الظاهر،
(1) في س: و.
(2)
في الأصل، س: أحدًا. وهو خطأ. والمثبت من: ط، والمجموع.
(3)
في س: فاسدًا. وهو خطأ.
(4)
في س: عن.
(5)
في الأصل: يحك. والمثبت من: س، ط، والمجموع.
(6)
في س: ويكون.
كالعموم (1) المخصوص بدليل منفصل، وإن كان الصارف عقليًّا ظاهرًا ففي تسميته المراد خلاف الظاهر خلاف مشهور في أصول الفقه (2).
وبالجملة: فإذا عرف المقصود فقولنا: هذا هو الظاهر، أو ليس هو الظاهر خلاف لفظي فإن كان الحالف ممن في عرف خطابه أن ظاهر هذه الآية ما (3) هو مماثل لصفات المخلوقين فقد حنث، وإن كان في عرف خطابه أن ظاهرها هو ما يليق بالله تعالى لم يحنث، وإن لم يعلم عرف (4) أهل ناحيته في هذه اللفظة، ولم يكن سبب يستدل به على مراده، وتعذر العلم بنيته، فقد جاز أن يكون أراد معنى صحيحًا، وجاز أن يكون أراد معنى باطلًا، فلا يحنث بالشك.
وهذا كله تفريع على قول من يقول: إن من حلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه حنث، وأما على قول من لم يحنثه (5) فالحكم في يمينه ظاهر.
واعلم أن عامة من ينكر هذه الصفة وأمثالها، إذا بحثت (6) عن
(1) في ط: العام.
(2)
يمكن الاطلاع عليه في:
المحصول في علم أصول الفقه -للرازي- 1/ 3 / 111 - 113. وإحكام الأحكام -للآمدي- 2/ 314 - 317.
فقد ذكر الآمدي: أن مذهب الجمهور من العلماء جواز تخصيص العموم بالدليل العقلي، خلافًا لطائفة شاذة من المتكلمين، وأورد أدلة الجمهور وأدلة مخالفيهم، وأجاب عنها.
أما ابن قدامة المقدسي، فبين أن الأدلة التي يخص بها العموم تسعة، وذكر منها الدليل العقلي.
انظر: روضة الناظر وجنة المناظر - ص: 127.
(3)
في س، ط: مما.
(4)
في الأصل: في عرف. والكلام يستقيم بالمثبت من: س، ط، والمجموع.
(5)
في س، ط: يحتث.
(6)
في الأصل: بحث. والمثبت المناسب للسياق من: س، ط، والمجموع.
الوجه الذي أنكروه، وجدتهم قد اعتقدوا أن ظاهر هذه الآية كاستواء المخلوقين، أو استواء يستلزم حدوثًا أو نقصًا، ثم حكوا عن مخالفهم هذا القول ثم تعبوا (1) في إقامة الأدلة على (2) بطلانه، ثم يقولون: فيتعين تأويله، إما بالاستيلاء، أو بالظهور والتجلي، أو بالفضل والرجحان الذي هو علو القدر والمكانة، ويبقى المعنى الثالث: وهو استواء يليق بجلاله، تكون دلالة هذا اللفظ عليه كدلالة لفظ العلم والإرادة والسمع والبصر على معانيها، قد دل السمع عليه.
بل من أكثر النظر في آثار الرسول صلى الله عليه وسلم علم بالاضطرار أنه قد ألقى إلى الأمة أن ربكم [الذي](3) تعبدونه فوق كل شيء، وعلى كل شيء، فوق العرش، وفوق (4) السماوات، وعلم أن عامة السلف كان هذا عندهم مثل ما عندهم أن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه لا ينقل عن واحد لفظ يدل -لا نصًّا ولا ظاهرًا- على خلاف ذلك، ولا قال أحد منهم يومًا من الدهر: إن ربنا ليس فوق العرش، أو إنه ليس على العرش أو إن استواءه على العرش كاستوائه على البحر، إلى غير ذلك من ترهات الجهمية، ولا مثّل استواءه باستواء المخلوقين، ولا أثبت له صفة تستلزم حدوثًا أو نقصًا.
والذي يبين لك خطأ من أطلق (الظاهر)(5) على المعنى الذي يليق
(1) في الأصل: أتعبوا. وفي س: بقوا. والمثبت من: ط، والمجموع. وهو المناسب، إذ هم الذين أتعبوا أنفسهم في البحث عن الأدلة.
(2)
على: ساقطة من: س.
(3)
ما بين المعقوفتين زيادة من: س، ط، والمجموع.
(4)
في جميع النسخ: فوق. بدون واو. والمثبت من: المجموع، ولعله المناسب.
(5)
في الأصل: القول. والمثبت من: س، ط، والمجموع.
لأن الكلام على صفة "الاستواء" ومفهوم المخالف من ظاهر الآية الدالة عليها.