المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الإكراه في الذوق - مجلة «المعرفة» السورية - جـ ٢

[عادل العوا]

الفصل: ‌الإكراه في الذوق

‌الإكراه في الذوق

للدكتور: عادل العوا

انظر أيها القارئ إلى نفسك وإلى الناس حولك، تجدك وتجدهم على إيمان بالحرية التامة، وفي كل شيء، بل على الأقل في كل شيء من نطاق الفن والذوق، ولكنك واهمم في ذلك، مثلهم ومثلنا ونحن كلنا واهمون.

نساؤنا

بعض نسائنا يرتدين زاهيا، ويسفرن عن وجه جميل صبوح، وبعضهن يلبسن الحجاب كثيفا أو بعض كثيف، وبعضهن يرفلن في متحف من الألوان المتحركة الواضحة من الرأس إلى القدم، فإذا عرض لك منهن جمع غفير وجدت شبكة لونية تتماوج في الشارع تحت ناظريك، وسمعت همسا متفاوتا في الانسجام، وخيل إليك إن المرأة ليست ذاك الإنسان الوديع العاجز القاصر، الذي كنت ترجو، فلا الدار معبد المرأة، ولا المغزل سلاحها، ولا تربية الصغار غرامها، بل هي موجود يعنى بالظهور، ويعنى بالحركة، ويعنى بالاجتماع، وهي على كل حال موجود ينتج الاستهلاك في حقل الاقتصاد.

قد لا تروقك هذه الحرية عند المرأة، إن كنت تكره مبدأ المساواة، وقد لا تكفيك هذه الحرية الابتدائية بل الأولية إن كنت ممن يعشقون الرقي والحضر في المدينة، ولكنك في الحالتين واهم إذا ظننت أن الحرية تامة لك فيما ترفض أو تريد، أو للمرأة فيما هي أو فيما تعمل، وإنك في الحالتين لن تجد المجال واسعا رحبا، ولا الحرية حقيقة صحيحة، إلا في ميدان الفكر والنظر فحسب.

شبابنا

والشباب من رجالنا، أي الأحياء من قومنا، اقتحموا حريتهم اقتحاما، وغزوا بالجهد وبالمناسبة وباغتنام الفرص السعيدة عالمهم الذوقي، وانطلاقهم الفني، فقد كنا نتزك الحرية لكل شخص مثلا فيضع طربوشه مائلا إلى الأمام، أو متداعيا إلى الوراء، أو متكئا على إحدى الأذنين ذات اليمين وذات اليسار، وقد كنا نرغم كل يافع وشاب على احترام ذوق الناس بلباس رأس فارغ أحمر قاني، غير أن الحرب الثانية قد أتت، ثم ذهبت، فتحررت رؤوس من الظاهر عند الشباب، وأصبحنا نؤمن بحرية الإنسان التامة في الزي، وأصبح

ص: 3

الأصل سفور سطح الرأس في صيف آب ورياح آذار وتقلبات شهر شباط!. . .

غير أن نظرة اتفاقية إلى سكان مدننا وسواحلنا تطلعك على عجب من التفاوت والاختلاف، فتجد النماذج كونية تترى، فيها اللباس الأوروبي الناقص، وفيها الثوب المختلط الغريب، وفيها الزي البالي القديم.

وعن كل هذا تجد بعضنا راضيا عن بعض من التجديد، وهو من أنصارالحرية التامة في الذوق، وتجد بعضنا الآخر غير راض عن أي شيء من هذا التبديل،

وهو من أعداء الحرية، أي حرية كانت، إن كانت الحرية هي غير التقليد القديم.

الأسرة

ثم تصل الأسرة فتسمع - أو ترى - فتاة ترغب في زوج تتمنى أن تختاره قبل أن تزف إليه، وتعمل قليلا أو أقل من القليل في سبيل التفاهم قبلا وإياه، وهذه هي المتحررة التامة الوثابة، أو إنك تحدّث عن أخرى قانعة بالنصيب، يساوم على ثمنه وثمنها واضعو المهر المهرة الحاذقون، فإذا تمت الصفقة تم العقد، واقترب الفؤادان، وما أكبر التفاوت الذوقي بينهما أحيانا، وأشد التفاوت في العمر أحيانا أخرى، فتنجب ورود الحياة الدنيا، وتتحقق سعادة القناعة بالعادة، وهذا حال الفتاة غير المتحررة في قول المتحررين، ترضى من القلادة بأي قلادة، ومن الزواج بأي زوج، ومن الروّاد بأول - بل بأغنى - طارق ليل، وإنك لتحار حتما - أو تحار مثلي على الأقل - في تفضيل أحد الحلين، هل ترى أنك تفضل مذهب المتحررين، أم تنصر أنصار التقاليد؟ وفي الأمرين إنك تؤمن - على عكس مني - بالحرية التامة للإنسان في خلق الأسرة، وتصورها، وبنائها، وإحكامها، وتريد أن يكون الذوق هو القاضي العدل، والحاكم الوحيد.

تقر صعوبة اختيار الإنسان لوالديه قبل ولادته، ونتمنى أن يعوّض عن المستحيل بالممكن، فيعمل على انتخاب شريكته في الحياة، ولكن ذوقك في الإيمان بالحرية هو غير حريتك في تحقيق هذا الذوق الممتاز الرائع السليم، وهذا ما تتبينه إذا صحبتي حتى نهاية هذا المقال.

المجتمع

وإذا شاء لك القدر وصلت إلى معرفة الحياة الاجتماعية وإلى فهمها، ولكنك حين تعرف الحياة الاجتماعية وتفهمها الفهم العلمي الصحيح تحسب القدر يحتم عليك أن تكون حرا في

ص: 4

تفكيرك طليقا، ولكن القدر يحتم عليك في الواقع ألا تجد المجتمع يحقق أية حرية تامة سواء في القول أو العمل أو الذوق.

راقب سلوك المواطنين حولنا، ففي دائرة البريد يسحقك المستبقون إلى نافذة بيع الطوابع، لأنهم يعتقدون بحريتهم الأدبية التامة في سحقك دونما خصام، وفي نفيك دونما حكم أو عقاب، يصدمك أحدهم ويجتازك ويتجاوزك وتصل رسالته إلى هدفها وربما تعود وأنت لا تزال في إقامتك الإجبارية تنتظر فرصة وصولك إلى هدف مقبول من غير أن تسيء إلى حرية غيرك، على حساب حقك وكرامتك.

وإذا رأيت هذا كله، علمت أنه يحمل إليك النفع المعقول، ووجدت أن سلوك المواطنين يفيدك هناك، لأنه تدريب وتمرين لما تلاقي من صعاب إذا أردت الصعود إلى قاطرة كهربائية، وبقيت على الرصيف من الربيع إلى الخريف، وأنت لا تزال تؤمن بحرية غيرك التامة، وتصبح على تمام الإيمان بعدم حريتك أبدا.

وربما تأنف العيش عندها في عالم الواقع، فتطلب الخيال، وتتمنى لحظة راحة من النفور والعناء، فتبحث عن صالات الشاي أو الموسيقى أو التمثيل أو معارض الصور والرسوم والتماثيل، وأنت ترجو في ذلك إرضاء حريتك في الذوق.

والسلامة من الدنيا إلى الدنيا، ومن الواقع إلى الفن، ولكنك واهم في ذلك عندنا، فلست تبلغ ما يتعذر، لأن مجتمعنا ليس له الحرية التامة في إعطائك ما تطلب، وليس لك الحرية التامة في وجود ما تريد.

والنتيجة أنك تعود إلى الانطواء على النفس، وفي نفسك وحدها تجد وهمك وحدة بالحرية التامة، فتأسف قليلا، ولكنك ترضى كثيرا بعد حين، حين تتحدث مع عقلاء الناس فيطالعك بعضهم، وهم من أعداء الحرية والتجدد، بأن هذه الترّهات الفنية أمور كمالية زائدة زائفة، وربما صفعك بقوله أنها مفسدة أيضا. ويطالعك آخرون بأن كل الإمكان هو كل ما يوجد الآن.

وما دام لا شيء، فالإمكان والوجود سواء!. . .

الحرية

ففي رأي العقلاء إذن لنا الحرية تامة في سفور المرأة أو عدم سفورها أو شبه السفور، ولنا

ص: 5

الحرية في اختلاف النزعة في الملبس والمأكل والمشرب والعمل والنشاط، ولنا الحرية في التأدب واللطف أو الثقل وعدم المبالاة، ولنا الحرية في الاقتصار على حياة المخلوقات غير الإنسانية من غذاء وحركة ونوم، وإهمال الابتسام والسمو والفن. وقد تكون عقلية هؤلاء العقلاء أقلّ مما يدعون، أو أعظم مما نعرف وعندها نقبل آراءهم على الإطلاق، ولكن هل لك الحرية التامة في قبول هذه الآراء، أم لك الحرية التامة في انتقاد هذه الآراء.

إننا مكرهون في كل شيء، أيها القارئ العزيز، وقد نظن إن الحرية المطلقة أمر معقول، وتحسب أن ما هو معقول موجود، ولكننا نخطئ في الحسبان.

ونأثم في الظن، ولكننا مرغمون على هذا الخطأ، ليست لنا حرية عدم الوقوع فيه لكي نصنع حرية سليمة ليس فيها إكراه.

العبودية المشتركة

والحق أن فكرة الحرية في رأيي هي فكرة اجتماعية، من حيث هي فكرة، على الأقل، خلقها الإنسان حينما كان عبدا يسترقه القوي من الإنسان، وأبدعها حينما كانت الطبيعة هي الملك المستبد، فجاءت فكرتنا عن الحرية هي التحرر في الدرجة الأولى، وصرنا نتوق إلى النهايات العظمى، ففتن الإنسان بالحرية، وآمن بها، ووصفها قبل رؤيتها، وخلقها فبل وجودها، وأصبحنا جميعا نفتش عنها ونعبدها قبل فهمها، ومن غير فهمها، ولسنا أحراراً في كل ذاك.

وعندي أن نرجع لحظة إلى الصواب، فنعترف بأن ما يوجد في الواقع ليس الحرية لأنه غير الحرية التامة، إن ما يوجد فعلا عندنا وعند الناس أجمعين هو ما يصطلح بعض المفكرين ورجال القانون على تسميته بالحرية النسبية، والأصح أن ننظر إلى الحرية عند ذاك في حقيقة ثوبها، فنجدها عبودية مشتركة، وهي عبودية من نوع جميل محبوب، عبودية كل الأفراد على التساوي فيها، عبودية أبناء المجتمع من حيث هم نسغ المجتمع، بل هي عبودية الإنسان مع الإنسان لا فوق الإنسان، هي عبودية يرضى فيها الناس مرغمين ما داموا مكرهين على العيش المشترك، وهدفهم من كل ذلك البقاء في الوجود، وخلق المدينة الإنسانية كهدف لهذا الوجود.

أو الإكراه. . .

ص: 6

وقد كان مجتمعنا في عصوره الأموية والعباسية يعنى بالأدب والموسيقى، والفن والمناظرات. . . والجدل، إلى جانب العناية بالجيش والعلم والاقتصاد والسياسة، غير أن مجتمعنا بالأمس لم يكن حرا في كل ذاك، لأنه كان مجتمعا راقيا متمدنا، وكل مجتمع راق حقيقي لا يستطيع أن يهمل حياة الفن والأدب ويقتصر على حياة الطعام والشراب، كيفما اتفق الطعام والشراب لقد كان أسلافنا أكثر جدية ونشاطا في واجب الجد والنشاط، وكانوا أقل جمودا في حقل الرقي الفني وإصلاح الحياة، ووضعهم يلخص في إنهم كانوا على درجة كبرى من التمدن والإنسانية، لا تضيق أفكارهم حتى تخنق ذاتها، ولا تضيق صدورهم حتى تفني الذوق في القلوب، وكان اضطرارهم إلى طلب المجد عبودية رائعة، ورقا محببا، وهذا الإكراه تفرضه سنة الطبيعة، وناموس الكون.

أما اليوم فصرنا نخشى الكلام عن الفن، لأننا نحسب إن الفن زائد ضار، وصرنا نرغم على قبول الصمت والهدوء، لأن الموسيقى لا تلاقي تشجيعا، والنشاط غير مستحب، وصرنا لا نعقل ما نريد، فنحار في أمر المرأة وفي أمر الرجل، ولا ندري أن سلامة الأسرة في تعارف ذوي العلاقة المباشرة في عقد الزواج، وأصبحنا نشك في أن السفور يجب أن يبلغ العقول وراء الوجوه أو الرؤوس، وغدونا نرى من الطبيعي أن نبقى على الرصيف دهرا لعدم الانتظام وقلة الاحترام وقصور الوسائل والقاطرات، وأصبح البقاء في الظلام مألوفا كالبقاء في ظلام الجمود.

العظمة والحقيقة

ولعل الإنسان أكثر فلسفة مما يظن، فيحسب إنه يرضى بما يصادفن ولكنه إذا فكر في سبب الرضى وجد أنه غير راض أبدا، يرضيك أن تعيش فلا تموت، ولكن فكر لحظة تشاهد أنك تعمل على الرقي بالعيش وتود أن تعيش إلى أبعد وقت، وأن تعيش على أكمل حال، وعندها تتمنى أن تكون حرا في بلوغ الرقي، وتعتقد أنك مرتفع بمواطنيك إلى أعلى عليين.

والحق أنك مكره على ذلك ما دمت تحترم إنسانيتك في نفسك، وقد تطلب عندئذ الظهر في منتصف الليل، والضياء في حلكة الظلام، وأنت واهم في الواقع، ولكنك سعيد بهذا الوهم، ونحن نؤمن بوهم السعادة عند الإنسان، ونجد إن هذا هو الأصل في الحياة، ونود قبل كل

ص: 7

شيء أن يدوم ويستمر كيما يتطلب الإنسان السمو بالإنسان فتعمل الشعوب راغبة ومكرهة في سبيل تحررها وتنال حريتها عن طريق قانون الوجود، ويسعى الأفراد على تحررهم فيرقون بالعلم والأدب والفن، عن طريق العبودية المشتركة أو الإكراه.

ثم نصل إلى عالم الجمال والذوق. . . فنؤمن بأن الجمال قد يكون أحسن مما نرى، فالموسيقى خير من الصياح، والتصوير أجمل من الكتابة، والغناء أبهى من الكلام، والانطلاق خير من التقاعس، وتجاذب الأرواح أسمى في الإنسانية وأبقى. هذه عظمة الإنسان.

ولكنك فطنت أيها القارئ اللبيب إلى العالم الذي لا نتحدث عنه في هذا المقال، وهو عالم الدين الصحيح، وأنت مع الاعتذار مكره حتما على أن تجد لنا عذرا، لأننا نؤمن وإياك أن لا إكراه في الدين!. . .

عادل العوا

ص: 8