المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌صفحة من تاريخنا - مجلة «المعرفة» السورية - جـ ٥

[عادل العوا]

الفصل: ‌صفحة من تاريخنا

‌صفحة من تاريخنا

للدكتور نور الدين حاطوم

إنّ عمر سورية التاريخي يبدأ منذ الألف الأول في تاريخ الإنسانية ففيه بدأت الشعوب تستقرّ واستوطن الفينيقيّون المناطق الساحلية. وانتظم الآراميون في الداخل بشكل دولٍ صغيرةٍ.

وفي عهد الإمبراطوريات كانت سورية مسرحاً للمصريين والكلدانيين والآشوريين والفرس. وفي العام (333) قبل الميلاد فتحها الإسكندر المكدوني وانطبعت بطابع الإغريق في عهد ورثته السلفكيين.

وفي القرن الأول قبل الميلاد ورثها الرومان عن اليونان إلا أنّ هؤلاء استرجعوها في آخر القرن الرابع للميلاد على يد البيزنطيين ودامت تحت حكمهم حتى القرن السابع للميلاد.

عرفت سورية خلال هذه العشرة القرون الخصب والرفاه الاقتصادي وساد فيها السلام وقامت فيها أعمال عمرانية كبيرة وتعددت طرق استخدام المياه واتّسع نطاق الزراعة حتى وصلت حدود الصحراء.

وعقب هذا الفتحَ الغربي الفتحُ العربي الإسلامي فرفع سورية إلى أوج العزّ السياسي. وعلى يده توحّدت لأول مرّةٍ آسيا العربية من طوروس إلى اليمن وغدت خلال ثلاثة قرونٍ - أي حتى انحطاط الدولة العبّاسية - مركز السياسة والمدنيّة.

إلا أنّ التفوّق السياسي زال عن العرب فيما بعد ونزلت الشعوب الجبلية من فرسٍ وأكراد وتركٍ من جهة الشرق والشمال الشرقي والشمال وتغلغلت في الجسم العربي واستحوذت على السلطة وأبقت للخلافة اسمها الخيالي. وفي أثر ذلك انفصمت عرى الوحدة السياسية ورجعت كلّ منطقةٍ إلى انفرادها وأصبحت كلّ بلدةٍ مركزاً لمملكة مستقلّةٍ.

وفي القرن الثاني عشر اجتاحت الحروب الصليبية البلاد ولبثت سورية خلال قرنين كاملين تناضل العالم الأوروبّي وأحيطت أكثر المدن بالأسوار ونتأت الحصون والقلاع وتبدّل بالمجمل شكل البناء. وأخيراً تضافرت القرى المسلمة على صدِّ هجوم الفاتحين وتمّ اتّحادها على يد صلاح الدين الأيوبي. غير أنّ الحملة الأخيرة قد كللت بالنّصر على أيدي سلاطين المماليك الذين استطاعوا أن يزيحوا عدوان الغرب ويصدّوا غارات التتر

ص: 13

والمونغول.

وفي السنين الأخيرة من القرن الثالث عشر بدأت سورية تأخذ ملامحها التي ما زالت تحتفظ بكثيرٍ من قسماتها حتى اليوم.

ومنذ فاتحة القرن السادس عشر أي منذ واقعة مرج دابق (1516م) فتح الأتراك العثمانيّون سورية ودام حمهم إلى القرن العشرين. وفي غضون ذلك قُسِّمت سورية إلى ولاياتٍ منفصلةٍ يقوم على كلٍّ منها باشا وهو الوالي.

كان هَمُّ هؤلاء الباشاوات إملاء جيوبهم بالمال حتى أنّ الرشوة وفساد الأخلاق أصبحا في عهدهم قاعدةً يجري عليها من أكبر رأسٍ إلى أصغره في الإدارة. أما رائد سياستهم فتلك الحكمة القائلة فرّق تسد كما كانوا بإهمالهم شؤون الرعية يفسحون المجال إلى التّقاتل والتناحر إذ لم ينصفوا المظلوم ولم يأخذوا لصاحب الحقِّ حقّه. وهذا ما كان يدعو صاحب الحقِّ للاعتماد على قواه الخاصّة في تحصيل الحقِّ من غريمه وعمَّ الاضطراب وسادت الفوضى.

وزاد الطب بلاءً أنّ التوسّع الأوروبّي في غضون القرن التاسع عشر أخذ يتجلّى بأشكاله المختلفة من مالي واقتصادي واستعماري. وروحي ويتمشّى في جسم الإمبراطورية العثمانية (ذلك الرّجل المريض) ويتّخذ من وسيلة للحماية والتدخّل.

واتضحت هذه السياسة للعيان عندما كانت روسيا تريد وضع يدها على المضايق لتجد لها منفذاً إلى البحر المتوسط. حتى أنها لم تأل جهداً ولم تترك واسطة إلا استعملتها سواء بالسلاح أو بالدبلوماسية مدّعيةً أنها الحامي الطبيعي للروم الأرثوذكس في الشرق ومستندة على نصوص معاهدة (كوجوك قينارجي)(1774) التي تخوّلها ذلك.

ولم تكن فرنسا بأقلّ منها طمعاً بهذه البلاد وكثيرا ما كانت كروسيا تعتمد على نصوص الامتيازات التي خوّلها إيّاها السّلاطين الأتراك منذ سليمان القانوني وفرنسوا الأول أي منذ العام (1536).

وخوف إنكلترا على طريق الهند هو الذي حدا بها أن تسدّ الطريق على بونابرت وتقف في سبيل محمد علي باعث النهضة العربية. ولتعدّل كفّة الحماية الدينية من روسيّةٍ وفرنسيّةٍ تظاهرت وزعمت أنّها تحمي الدروز.

ص: 14

حدث عن هذه المصالح المتضاربة فتنٌ ومذابحٌ تلوّنت بلون الدين ولم تكن في الحقيقة سوى مظهراً من مظاهر البحث عن الزّبائن، وضعف الأتراك وقلّة تدبير الولاة. ولئن صرّحت المحافل الروسية والإنكليزية والفرنسية أنها لم تكن لتهتمّ بقضايا الشرق إلا لإقامة العدل ورفع مستوى المسيحيين من أبنائه فلم يكن لك

إلا نقاباً يغطّي وجه الاستعمار الشّنيع.

وبعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها ودخلت سورية تحت نير الانتداب، اتّبع الفرنسيّون سياسة الأتراك وبزّوا سياسة أساتذتهم بمراحل واتّبعوا في ذلك خططاً مرسومةً وقواعد محكمةً. ولم يتركوا كتلةً من الكتل الشعبية أو نزعةً انفصالية أو نعرةً إقليميةً وطائفيّةً وعائليةً إلا وشجّعوها ونمّوها وسخّروا لكلّ ذلك قواهم الفكرية والروحيّة والعسكرية. ولولا أنّ هذه المحاولات كان يعدّل من وطأتها يقظة العاطفة القوميّة وأنفة العزّة العربية وتقدّم الثقافة والإيمان بمستقبل البلاد لكنّا في عهدهم في حال انحطاطٍ أنقص وأشدّ وقعاً من عهد الأتراك.

ويرافق هذه الظروف الدينية والسياسية كثرة الغزوات الخارجية والداخليّة فمنذ أن تفكّكت أوصال الأمّة العربية أي منذ أن انهارت الدولة العباسية وقعت البلاد في عهد فوضى وعدم استقرار وكانت مسرحاً لغزو التتر والمغول على موجاتٍ متقطّعة إلا أنّ هذه الغزوات كانت في مدّها كوارث عظيمةً.

ويضاعف هذا الغزو الأصغر غزو البادية، لأنّ حياة السوريّ الحضريّ جانب البدويّ كثيراً ما كانت مهدّدةً بعدوان القبائل من أبناء السّهوب المجاورة وفتيان الصحراء. ويعظم هذا الغزو كلّما لمس البدو ضعفاً في سلطة الحاكم وقلّت رقابة الجنود الموكل إليها حفظ الأمن ويندفعون نحو القرى والمدن يعملون فيها والنّهب والسّلب والتخريب، وإلى الطرق يقطعون فيها المواصلات ويشلّحون القوافل وتدوم الأزمة هكذا حتى يتاح للبلاد سلطةٌ قويّةٌ تعمل بحزمٍ وتعيد المياه غلى مجاريها.

وعن هذا العدوان ينشأ الخوف والفزع واضطرابٌ جعل الأمن واعتمادٍ جعل واعتمادٍ الإنسان على قواه الفرديّة في الدفاع عن نفسه فإمّا أن يقوم فيقطع الطريق ويطلق العنان للطمع النّفسيّ والجشع الخلقي وإمّا أن ينزوي في كسر بيته أو يعتصم بالجبال. وفي كلّ

ص: 15

ذلك مجلبةٌ للنّزاع والفوضى والمشاحنات بين العائلات أو بين القرى وفي ذلك شرٌّ على الخير العام.

وإنّ سورية لتحتفل اليوم باستنشاق عبير الحرّية التّامّة، والاستقلال المجيد، وقد حقّ لها أن تموج عزّاً وتتيه فخراً، ولكن لا مناص من الرجوع إلى تاريخنا الحافل بالأحداث نستوحي منها سبل العمل الجدّي في الاحتفاظ بالاستقلال والنهوض بصرح الحرّية حتى نبلغ الكمال.

نور الدين حاطوم

ص: 16