الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ــ::
مناقشة البحث الخامس::
ــ
- أولا: يجب أن نُذكّر هنا أن هناك حكمين شرعيين ذهل عنهما أكثر أهل العلم المتأخرين، وانطوت آثارها في التصانيف المتأخرة، ولم يشر إليها بعض المتقدمين لما هي معلومة عندهم بالضرورة؛
الأول: أن هناك فئات من الذكور الأجانب لم يفرض على النساء الحرائر الاحتجاب منهم، ولم ينهاهم الشرع من الدخول عليهن في البيوت ورؤيتهن دون حجاب، وهم من ذكرهم الله تعالى في سورة النور في قوله عز وجل {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ} إلى قوله {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} النور: 31 وقوله عز وجل {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ}
…
النور: 58 وهم:
1 -
العبيد المملوكون.
(1)
(1)
قال ابن قدامة المقدسي في الكافي في فقه ابن حنبل (3/ 6): وأما عبد المرأة فليس بمحرم لها لأنها لا تحرم عليه على التأبيد لكن يباح له النظر إلى ما يظهر منها غالبا لقوله تعالى (ما ملكت أيمانهن)، وأخرج عبد الرزاق في مصنفه 8/ 412 (15742) عن مجاهد قال كان العبيد يدخلون على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم " وأخرج البيهقي في سننه الكبرى 7/ 95 (13324) عن سليمان بن يسار عن عائشة رضي الله عنها قال استأذنت عليها فقالت من هذا فقلت سليمان قالت كم بقي عليك من مكاتبتك قال قلت عشر أواق قالت" أدخل فإنك عبد ما بقي عليك درهم" صححه الألباني في إرواء الغليل 6/ 183. والعمل على ذلك.
2 -
التابعون غير أولي الإربة
(1)
.
3 -
من لم يبلغ الحلم من الأحرار
(2)
.
وهذا أحدث اللبس عند الحديث عن عورة المرأة أمام هذا الأجنبي وجواز نظره للوجه والكفين منها، فأشكل ذلك على بعضهم، فحمله على جواز نظر الرجل الحر للوجه والكفين من المرأة الحرة الأجنبية عنه!!
الثاني: أن الحجاب (تغطية الوجه) فرض على النساء الحرائر دون الإماء (الجواري المملوكات) والأصل في ذلك:
(1)
قول الله تعالى {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} الأحزاب: 59 فأخرج الله تعالى بقوله (نساء المؤمنين) إماؤهم.
(1)
قال القرطبي في تفسيره (12/ 234): واختلف الناس في معنى قوله أو التابعين غير أولي الإربة فقيل هو الأحمق الذي لا حاجة به إلى النساء، وقيل الرجل يتبع القوم فيأكل معهم ويرتفق بهم وهو ضعيف لا يكترث للنساء ولا يشتهيهن، وقيل العنين وقيل الخصي وقيل الشيخ الكبير، وهذا الاختلاف كله متقارب المعنى ويجتمع فيمن لا فهم له ولا همة ينتبه بها إلى أمر النساء.
(2)
لأن الله تعالى قال (ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم) فأباح لهم الدخول والنظر، لكنه لم يبح لهم النظر للزينة الباطنة كالطفل الصغير (أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء).
- قال ابن عباس رضي الله عنه " كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها".
(1)
- قال قتادة أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} وقد كانت المملوكة إذا مرت تناولوها بالإيذاء فنهى الله الحرائر أن يتشبهن بالإماء.
(2)
- قال محمد بن كعب القرظي: فأمرهن الله أن يخالفن زي الإماء ويدنين عليهن من جلابيبهن تخمر وجهها إلا إحدى عينيها.
(3)
(2)
ما جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اصطفى لنفسه من سبي خيبر صفية بنت حيي؛ (فقال المسلمون إحدى أمهات المؤمنين أو مما ملكت يمينه؟ فقالوا إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه، فلما
(1)
تفسير الطبري 22/ 46 قال الألباني في الرد المفحم /11: ضعيف السند لكن له شواهد، وكان يستشهد بآخره (وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها) دون أوّله "كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن).
(2)
تفسير الطبري 22/ 46 وصحح الألباني إسناده في الرد المفحم /51، لكنه كان يستشهد بأوله (أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) دون آخره (وقد كانت المملوكة إذا مرت تناولوها بالإيذاء فنهى الله الحرائر أن يتشبهن بالإماء).
(3)
الطبقات الكبرى لابن سعد 8/ 176 ضعف إسناده الألباني في جلباب المرأة /91.
ارتحل وطئ لها خلفه ومد الحجاب بينها وبين الناس)
(1)
وفي رواية: (وسترها رسول الله وحملها وراءه وجعل رداءه على ظهرها ووجهها
…
وجعلها بمنزلة نسائه).
(2)
- قال ابن قدامة في المغني (7/ 79): وهذا دليل على أن عدم حجب الإماء كان مستفيضا بينهم مشهورا وأن الحجب لغيرهن كان معلوما.
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية تعقيبا على هذه النصوص في شرح العمدة (4/ 271): فعلم بهذا أن ما ملكت أيمانهم لم يكونوا يحجبونهن كحجب الحرائر، وأن آية الحجاب خاصة بالحرائر دون الإماء.
(3)
ما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان لا يدع في خلافته أمة تقنَّع ويقول إنما القناع للحرائر: ومن ذلك ما صح عن أبي قلابة رضي الله عنه قال كان عمر بن الخطاب لا يدع في خلافته أمة تقنَّع قال: قال عمر: (إنما القناع للحرائر)
(3)
.
وكذلك ما روي بعدة طرق صححها الألباني في كتابه الجلباب/99 عن أنس رضي الله عنه قال: رأى عمر أمة لنا متقنعة فضربها وقال (لا تشبهي بالحرائر).
(4)
(1)
صحيح البخاري 5/ 1956 (4797) صحيح مسلم 2/ 1045 (1365).
(2)
الطبقات الكبرى لابن سعد 8/ 121 وصححه الألباني في جلباب المرأة /107.
(3)
مصنف ابن أبي شيبة 2/ 42 (6242).
(4)
مصنف ابن أبي شيبة 2/ 41 (6239) وصححه الألباني في إرواء الغليل 6/ 203.
ولذلك أجمع أهل العلم من فقهاء ولغويين ومفسرين على أن الحجاب فرض على الحرائر دون الإماء:
* فمن المفسرين كما في تفسير قوله تعالى {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ}
- قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري في تفسيره (20/ 324): لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فكشفن شعورهن ووجوههن.
- قال أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (5/ 245): في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين
…
وفيها دلالة على أن الأمة ليس عليها ستر وجهها وشعرها لأن قوله تعالى {وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ} ظاهره أنه أراد الحرائر.
- قال ابن العربي في أحكام القرآن (3/ 625): فدل على أنه أراد تمييزهن على الإماء.
- قال الكلبي في التسهيل (3/ 144): كان نساء العرب يكشفن وجوههن كما تفعل الإماء وكان ذلك داعيا إلى نظر الرجال لهن فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن.
* ومن الفقهاء:
- قال أبو يوسف الحنفي في الآثار (ت 182 هـ)(1/ 29): كان يكره أن يتقنعن يتشبهن بالحرائر.
- قال السرخسي الحنفي في المبسوط (ت 483 هـ)(10/ 151): فأمر الله تعالى الحرائر باتخاذ الجلباب ليعرفن به من الإماء.
- قال ابن عبدالبر المالكي في الاستذكار (ت 463 هـ)(8/ 541): والعلماء مجمعون على أن الله عز وجل لم يرد بما أمر به النساء من الاحتجاب؛ الإماء وإنما أراد بذلك الحرائر.
- مغني المحتاج الشافعي (ت 977 هـ)(3/ 131): وكانت الحرائر تعرف بالستر فخشي أنه إذا استترت الإماء حصل الأذى للحرائر فأمر الإماء بالتكشف.
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (15/ 372): والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه إن الحرة تحتجب والأمة تبرز.
- قال إبراهيم بن مفلح الحنبلي في المبدع (ت 884 هـ)(1/ 361): كان عمر ينهى الإماء عن التقنع وقال إنما القناع للحرائر واشتهر ذلك ولم ينكر فكان كالإجماع.
* ومن علماء اللغة:
- في غريب الحديث لابن سلام (ت 224 هـ)(3/ 305): (إن الأمة ألقت فروة رأسها من وراء الدار). . . إنما أراد بالفروة القناع، يقول ليس عليها قناع ولا حجاب.
- وفي غريب الحديث للخطابي (ت 388 هـ)(2/ 121): وذلك أن الحجاب إنما ضرب على الحرائر دون الإماء.
ومن ذلك قول الشاعر سبرة بن عمر الفقعس يعيّر أعداءه:
ونسوتكم في الروع باد وجوهها
…
يخلن إماء والإماء حرائر
- ثانيا: بعد أن تقرر أن الحجاب فُرض على الحرائر دون الإماء؛ فعليه فإنه سيكون هناك نساء كاشفات عن وجوههن لعدم فرض ذلك عليهن وهن الإماء: وهذا أحدث اللبس عند المتأخرين؛ فيما ورد في بعض الأحاديث والآثار من كشف بعض النساء لوجوههن لكونهن من الإماء؛ وعدم إيجاب بعض أهل العلم تغطية الوجه عليهن إذا خرجن في الطرقات لعدم فرض ذلك عليهن وإنما يوجبون على الرجل ما أمره الله به من غض البصر، فأشكل هذا على المتأخرين فحملوه على أن المراد به جواز الكشف للحرائر من النساء.
- ثالثا: احتج الشيخ الألباني على إنكاره للتفريق بين الحرائر والإماء بالآتي:
1) استشهد الشيخ الألباني بما نقله عن أبي حيان الأندلسي الذي يتبين بالرجوع إلى كلامه أنه أراد؛ وجوب تغطية الوجه حتى على الإماء:
قال أبو حيان في تفسير البحر المحيط (7/ 240): " كان دأب الجاهلية أن تخرج الحرة والأمة مكشوفتي الوجه في درع وخمار
…
فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه
…
والظاهر أن قوله {وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ} يشمل الحرائر والإماء والفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرفهن بخلاف الحرائر فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح ومن في {مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} للتبعيض و {عَلَيْهِنَّ} شامل لجميع أجسادهن أو {عَلَيْهِنَّ} على وجوههن لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه".
2) علل الشيخ الألباني إنكاره للتفريق بين الحرائر والإماء في الحجاب؛ بأن ذلك سيكون مدعاة للافتتان بهن لأنه لم يُفرض عليهن ما يدفع عنهن الأذية! مستشهدا بقول ابن حزم الذي لم ينكر به أن يفرض الله تعالى تغطية الوجه على النساء الحرائر دون الإماء وإنما أنكر التعليل الذي عُلل به هذا الأمر، فإنكاره للتعليل وليس للمعلل! ولذلك بيّن سبب إنكاره لهذا التفسير قائلا (لأن فيه أن الله تعالى أطلق الفساق على أعراض إماء المسلمين؛ وما اختلف اثنان من أهل الإسلام في أن تحريم الزنا بالحرة كتحريمه بالأمة وأن الحد على الزاني بالحرة كالحد على الزاني بالأمة ولا فرق).
فيقال أولا: إن الشرع قد فرق بين الحرة والأمة في الحدود والعدة فلا غرابة أن يفرق بينهما في الحجاب؛ كما قال تعالى {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ
يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ}
…
(1)
النساء: 25
ثانيا: أن الشرع لم يبح للأمة إلا كشف الوجه الذي لا يرى فيه الشيخ الألباني غضاضة على الحرائر، وفي إنكاره لهذا في حق الإماء تناقض وإقرار بأن كشف الوجه سيكون مدعاة للافتتان بالنساء الحرائر وعدم دفع الأذية عنهن!!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة (4/ 275): الفرق بين الحرة والأمة إنما هو في القناع ونحوه كما دلت عليه الآثار ولأنهن كن قبل أن ينزل الحجاب مستويات في ستر الأبدان فلما أمر الحرائر بالاحتجاب والتجلبب بقي الإماء على ما كن عليه، ولأن الأصل أن عورة الأمة كعورة الحرة كما أن عورة العبد كعورة الحر لكن لما كانت مظنة المهنة والخدمة وحرمتها تنقص عن حرمة الحرة رخص لها في إبداء ما تحتاج إلى إبدائه وقطع شبهها بالحرة وتمييز الحرة عليها. اهـ
كما أن الله تعالى بعد أن أمر الحرائر بتغطية الوجه لدفع الأذية عنهن؛ لم يوقف الأمر على ذلك؛ بل أعقبه بما يدفع ما يمكن أن يتوهمه متوهم بأن الله تعالى قد أطلق الفساق على أعراض الإماء؛ فقال سبحانه دافعا هذه الشبهة محرما أذيتهن
(1)
تفسير القرطبي (2/ 378)(12/ 159): فعلى الأمة منهن إذا زنت؛ نصف ما على الحرة البكر إذا زنت، وحد الزاني الحر البالغ البكر، وكذلك الزانية البالغة البكر الحرة (مائة جلدة) وأما المملوكات فالواجب خمسون جلدة، لقوله تعالى:" فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب".
متوعدا من يتعرض لهن من الفساق {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} الأحزاب: 60 - 61 فكيف يقال بعد هذا أن الله تعالى قد أطلق الفساق على أعراض الإماء؟!
قال ابن القيم في إعلام الموقعين (2/ 80): وأما تحريم النَّظر إلى العجوز الحرة الشوهاء القبيحة؛ وإباحته إلى الأمة البارعة الجمال، فكذب على الشارِع فأين حرم اللَّه هذا وأباح هذا
…
وإنّما نشأت الشبهة أن الشارع شرع للحرائر أن يسترن وجوههن عن الأجانب وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك.
3) أنكر الشيخ الألباني أن يكون المراد بقوله تعالى {وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ} الحرائر منهن دون الإماء؛ قياسا على عموم قوله تعالى {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} النساء: 43 وهذا قياس ضعيف! فإن العموم ظاهر في قوله تعالى (النِّسَاءَ) حيث جاءت معرفة بـ (ال) التي تفيد الاستغراق أي تشمل جميع النساء حرائر وإماء، أما قوله
…
{وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ}
…
في آية الحجاب فإنها جاءت عارية من (ال) ولذلك فقياسها على ما عري مثلها أولى، كقوله
…
{يَانِسَاءَ النَّبِيِّ} الأحزاب: 30
وقوله {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} البقرة: 226 وقوله {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ} المجادلة: 2 وهذا كله مما علم أنه يراد به في الأسلوب القرآني زوجاتهم الحرائر دون الإماء.
- قال شيخ الإسلام في شرح العمدة (4/ 270 - 273): وقد مضت السنة بالفرق بين الحرة والأمة
…
والأصل في ذلك إن الله سبحانه قال {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} فاختص الله سبحانه بالأمر بإدناء الجلابيب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته ونساء المؤمنين ولم يذكر إماءه ولا إماء المؤمنين ولسن داخلات في نساء المؤمنين بدليل أن قوله تعالى {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ} وقوله {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} وقوله {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ}
…
إنما عنى به الأزواج خاصة.
- قال الجصاص في أحكام القرآن (5/ 245): وفيها دلالة على أن الأمة ليس عليها ستر وجهها وشعرها لأن قوله تعالى (ونساء المؤمنين) ظاهره أنه أراد الحرائر.
- قال الألوسي في روح المعاني (22/ 89): والنساء مختصات بحكم العرف بالحرائر.
4) من العجيب إنكار الشيخ الألباني لهذا الحكم الثابت بالنصوص الصريحة والصحيحة في التفريق بين الحرائر والإماء وهو سبق أن أقرَّ به في كتابه حجاب المرأة /73 فقال: (والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه أن الحرة تحتجب والأمة تبرز وكان عمر رضي الله عنه إذا رأى أمة مختمرة ضربها وقال: أتتشبهين بالحرائر أي لكاع) اهـ
- رابعا: للمرأة الحرّة عورتان
(1)
:
(1)
عورة في الصلاة؛ وهي كلها عورة إلا وجهها وكفيها واختلف في قدميها، وليس هذا مجال بحثنا.
(2)
وعورة في النظر؛ وهي تختلف باختلاف الناظرين، وهم قسمان:
القسم الأول: من استثناهم الله في آية النور بقوله تعالى
…
وهم (البعولة وآباؤهم وأبناءهم، والمحارم من النسب، والنساء المسلمات وعبد المرأة إذا كان من غير أولي الإربة، والتابع إذا كان من غير أولي الإربة، والأطفال الغير مميزين) وحدود ما تبديه المرأة لهم ينحصر في مواضع الزينة كما قال الشيخ الألباني في الرد المفحم (ص/74): "فإن المراد مواضع الزينة، وهي: القرط والدملج والخلخال والقلادة، وهذا باتفاق علماء التفسير وهو المروي عن ابن مسعود". وسيأتي في مناقشة البحث التاسع بيان ذلك مفصلا.
(1)
العورة: كل مايستحيا منه إذا ظهر (النهاية في غريب الأثر 3/ 319) وفي بلغة السالك (1/ 189): والعورة في الأصل الخلل في الثغر وغيره وما يتوقع منه ضرر وفساد، و (المرأة عورة) لتوقع الفساد من رؤيتها أو سماع كلامها.
والقسم الثاني: من لم يستثن في الآية ممن يحل له الدخول والنظر دون حجاب ومنهم (عبد المرأة إذا كان من أولي الأربة، العبيد المملوكون للغير، الذي لم يبلغ الحلم من الأحرار- أي الصبية المميزين-) وهؤلاء وإن كان يحل لهم الدخول والنظر إلا أن المرأة لا تبدي لهم إلا الزينة الظاهرة (الوجه والكفين)
والأصل في ذلك قوله تعالى {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} النور: 31 ــ وسيأتي بيان ذلك مستوفيا أيضا في مناقشة البحث التاسع إن شاء الله ــ وهؤلاء هم من وقع الخلاف بين الفقهاء في حكم نظرهم للمرأة، فمنهم من أطلق جواز نظره للوجه والكفين من المرأة للآية، ومنهم من قيد الجواز بالحاجة وأمن الفتنة، ومنهم من منع من النظر لغير حاجة لأنه مظنة الفتنة. وهذا هو مدار الخلاف بين الفقهاء في مسألة النظر؛ وهو الذي بنى عليه الشيخ الألباني رأيه في مسألة تغطية الوجه كما سترى استشهاده ببعض أقوالهم في هذه البحوث، أما تغطية وجه المرأة الحرة عن الرجل الحر الأجنبي فلا خلاف فيه بين الأئمة الأربعة ومن تقدم من الفقهاء وإنما نشأ الخلاف بين من تأخر من فقهاء المذاهب بناء على ما ذكرنا.
- خامسا: مما استشهد به الشيخ الألباني من هذه الخلافات:
1) استشهد الشيخ الألباني بقول ابن حزم في مراتب الإجماع" (ص 29) " واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة واختلفوا في الوجه
واليدين حتى أظفارهما عورة هي أم لا؟ " وأقرَّه شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه عليه، ولم يتعقبه كما فعل في بعض المواضع الأخرى. اهـ
وهذا القول من ابن حزم؛ كان عن عورة المرأة في الصلاة وليس عن عورة المرأة بالنسبة للرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها الاحتجاب منهم؛ ولذلك أقرَّه شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه عليه، ولم يتعقبه كما فعل في بعض المواضع الأخرى!! وهذا قول ابن حزم في مراتب الإجماع (1/ 29):"كتاب الصلاة" واتفقوا أن ستر العورة فيها لمن قدر على ثوب مباح لباسه له فرض، واتفقوا على أن من لبس ثوبا طاهرا كثيفا واحدا فغطى سرته وركبته وما بينهما وطرح منه على عاتقه أن صلاته فيه تجزئه، (واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة، واختلفوا في الوجه واليدين حتى أظفارهما أعورة هي أم لا) واتفقوا أن الأمة إن سترت في صلاتها شعرها وجميع جسدها فقد أدت صلاتها. اهـ
2) استشهد الشيخ الألباني بقول ابن هبيرة؛ وليس كما أشار إليه الشيخ الألباني أنه من كتابه " الإفصاح " الذي يعد من كتب شروح الحديث، وإنما هو من كتابه في الفقه:"اختلاف الأئمة العلماء" وفي معرض كلامه عن عورة المرأة في الصلاة، وإليك الموضع الذي نقل منه الشيخ الألباني قول ابن هبيرة من كتابه "اختلاف الأئمة العلماء" (1/ 101): باب شروط صحة الصلاة
…
واختلفوا في عورة المرأة الحرة وحدها. وقال أبو حنيفة: كلها عورة إلا الوجه والكفين والقدمين. وقد روي عنه أن قدميها عورة. وقال مالك والشافعي: كلها عورة إلا
وجهها وكفيها. وقال أحمد في إحدى روايتيه: كلها عورة إلا وجهها وكفيها كمذهبهما، وهي اختيار الخرقي. واختلفوا في عورة الأمة
…
اهـ
أما في عورة المرأة في النظر؛ فإن ابن هبيرة يرى أن المشهور من كلام أحمد أن المرأة كلها عورة حتى ظفرها، قال إبراهيم بن محمد بن مفلح في المبدع (1/ 362): الحرة البالغة كلها عورة حتى ظفرها، ذكر ابن هبيرة أنه المشهور، وقال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد لقول النبي صلى الله عليه وسلم المرأة عورة. اهـ
3) من العجيب استشهاد بعض فقهاء المذاهب الأخرى بقول الإمام أحمد:
(ظفر المرأة عورة فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ولا خفها فإن الخف يصف القدم وأحب إلي أن تجعل لكمها زرا عند يدها لا يبين منها شيء)
(1)
على عورة المرأة في الصلاة! رغم أن قوله صريح بأنه عند الخروج من البيت، بقرينة قوله" فإذاخرجت"، وكما ذكر القاضي في المبدع أن مستند الإمام أحمد في ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم "
المرأة عورة"
(2)
، كما أُثر هذا القول عن التابعي الجليل أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أحد الفقهاء السبعة بإسناد صحيح إليه أنه قال (كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها).
(3)
(1)
انظر الفروع 5/ 110، كشاف القناع 1/ 469
(2)
الترمذي (1173) صحيح ابن خزيمة 3/ 93 (1685) صحيح ابن حبان 12/ 413 (5599) وصححه الألباني في صحيح جامع الترمذي 3/ 476.
(3)
مصنف ابن أبي شيبة 4/ 53 (17712).
ومن ذلك ما استشهد به الشيخ الألباني من قول ابن عبد البر في التمهيد عن عورة المرأة في الصلاة (6/ 363 - 367): (وقد أجمعوا أنه من صلى مستور العورة فلا إعادة عليه، وإن كانت امرأة فكل ثوب يغيب ظهور قدميها ويستر جميع جسدها وشعرها فجائز لها الصلاة فيه لأنها كلها عورة إلا الوجه والكفين .. وقال أبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها
…
قول أبي بكر هذا خارج عن أقاويل أهل العلم لإجماع العلماء على أن للمرأة أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف
…
وقد روي نحو قول أبي بكر عن أحمد بن حنبل)!! وهذا كما هو ظاهر لأن ابن عبد البر حمل كلام أبي بكر على أنه يعني عورتها في الصلاة ولذلك أنكر عليه هذا القول. أما قول ابن عبد البر عقبه (وأجمعوا على أنها لا تصلى متنقبة ولا عليها أن تلبس قفازين في الصلاة وفي هذا أوضح الدلائل على أن ذلك منها غير عورة، وجائز أن ينظر إلى ذلك منها كل من نظر إليها بغير ريبة ولا مكروه، وأما النظر للشهوة فحرام تأملها من فوق ثيابها لشهوة فكيف بالنظر إلى وجهها مسفرة)
فيتبين من قوله (كل من نظر إليها) أن مراده كل من جاز له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب؛ من محارم، أو أجانب مملوكين أو أتباع، أما الرجال الأحرار الأجانب فمن المعلوم منعهم من النظر إليها، ومما يشهد لذلك؛ أن ابن عبدالبر صرّح في موضع آخر بأن الحجاب حال دون النظر للنساء لتغطيتهن لوجوههن إثر نزول آيات الحجاب: فقال في التمهيد (8/ 235): احتجاب النساء من الرجال لم يكن في أول الإسلام وأنهم كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم
…
حتى نزلت آيات الحجاب
…
فأنزل الله عز وجل {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ
حِجَابٍ} الأحزاب: 53
…
ثم نزلت {يَاأَيُّهَا قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} الأحزاب: 59 فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع.
4) استشهد الشيخ الألباني من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة (1/ 198) ونسبه للجنة من العلماء؛ وهو لعبد الرحمن الجزيري (ت 1360 هـ) فقط وليس للجنة من العلماء!! كما أن ما استشهد به منه؛ فهو عن عورة المرأة في بيتها وعند خدمتها أمام من يحل لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب من الرقيق ونحوهم، قال عبد الرحمن الجزيري: ستر العورة خارج الصلاة: يجب على المكلف ستر عورته خارج الصلاة
…
وحد العورة من المرأة الحرة خارج الصلاة هو ما بين السرة والركبة إذا كانت في خلوة، أو في حضرة محارمها
…
أما إذا كانت بحضرة رجل أجنبي أو امرأة غير مسلمة فعورتها جميع بدنها، ما عدا الوجه والكفين، فإنهما ليسا بعورة، فيحل النظر لهما عند أمن الفتنة
…
وكذلك ما يظهر من المرأة المسلمة عند الخدمة في بيتها كالعنق والذراعين، ومثل الكافرة كل امرأة فاسدة الأخلاق).اهـ
وممّا يشهد أن مراده من يجوز له الدخول على المرأة في بيتها والنظر إليها دون حجاب من الرقيق ونحوهم الآتي:
1 -
قوله (إذا كانت بحضرة رجل أجنبي) أي بدخوله عليها، وهذا يبعد عموم الرجال الأجانب ويخص من أباح لهم الشرع الدخول من العبيد ونحوهم.
2 -
قوله (أو امرأة غير مسلمة) بعد قوله (أما إذا كانت بحضرة رجل أجنبي) فقرن بين فئتين قرن الله بينهما في كتابه {أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} وهذا يشهد أن مراده بالرجل الأجنبي العبد المملوك.
3 -
قوله (وكذلك ما يظهر من المرأة المسلمة عند الخدمة في بيتها كالعنق والذراعين).
5) قال الشيخ الألباني: وقد كنت نقلت عن ابن رشد: أن مذهب أكثر العلماء على وجه المرأة ليس بعورة وعن النووي مثله، وأنه مذهب الأئمة الثلاثة ورواية عن أحمد، فبعض هذه الأقوال من هؤلاء العلماء الكبار كافية لإبطال دعوى الشيخ الإجماع فكيف بها مجتمعة؟! اهـ
والجواب عليه بالآتي:
1 -
قوله " كنت نقلت عن ابن رشد: أن مذهب أكثر العلماء على وجه المرأة ليس بعورة" فهذا مثل ما نقله أيضا عن المرداوي وابن قدامه وابن هبيرة عن عورة المرأة في الصلاة! وهذا قول ابن رشد الذي نقل منه الشيخ الألباني موضع الشاهد من كتابه بداية المجتهد (1/ 76 - 95): كتاب الصلاة
…
الصلاة تنقسم أولا وبالجملة إلى فرض، وندب
…
الباب الرابع ينقسم إلى فصلين: أحدهما: في ستر العورة والثاني: فيما يجزئ من اللباس في الصلاة
…
الفصل الاول اتفق العلماء على أن ستر العورة فرض بإطلاق، واختلفوا هل هو شرط من شروط صحة الصلاة أم لا؟ وكذلك اختلفوا في حد العورة من الرجل والمرأة
…
وأما
المسألة الثانية: وهو حد العورة من الرجل،
…
وأما المسألة الثالثة: وهي حد العورة من المرأة، فأكثر العلماء على أن بدنها كله عورة، ما خلا الوجه، والكفين. وذهب أبو حنيفة إلى أن قدمها ليست بعورة. اهـ
ومما يؤكد ذلك أن ابن رشد صرّح في موضع آخر بأن فرض الحجاب على النساء حال دون النظر إليهن: قال أبو الوليد ابن رشد القرطبي (ت 595 هـ) في بداية المجتهد (1/ 183): وسبب الفرق أن نظر الرجال إلى النساء أغلظ من نظر النساء إلى الرجال، بدليل أن النساء حجبن عن نظر الرجال إليهن.
كما قال ابن رشد في البيان والتحصيل (17/ 491): وقد قيل إنه لا يصح للمرأة أن تنظر من الرجل إلا إلى ما يصح للرجل أن ينظر منها، على فعل عائشة في احتجابها من الرجل الأعمى. أهـ
2 -
قوله (وعن النووي مثله) صحيح أيضا مثله عن عورة المرأة في الصلاة؛ وهو قول النووي في كتابه المجموع (3/ 167): (فرع) في مذاهب العلماء في ستر العورة في الصلاة. . . وعورة الرجل ما بين السرة والركبة. . . وأما الحرة فجميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين. اهـ
أما عورة النظر؛ فقال النووي في شرحه على صحيح مسلم (4/ 31): وأما نظر الرجل إلى المرأة فحرام في كل شيء من بدنها. وقال في موضع آخر منه (17/ 116): واعلم أن في حديث الإفك فوائد كثيرة
…
التاسعة عشر: تغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبي سواء كان صالحا أو غيره. وقال في المجموع (8/ 75):
قال الشافعي في الأم، والأصحاب؛ يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر وأسلم لها من الفتنة، فان طافت نهارا جاز، وتسدل على وجهها ما يستره.
وبذلك بطل احتجاج الشيخ الألباني بـ (ابن هبيرة وابن عبدالبر وابن رشد والنووي) على وجود خلاف بين الأئمة والفقهاء في عورة المرأة الحرة بالنسبة لنظر الرجال الأحرار الأجانب، مع أن الحجة بالإجماع لا بوجود الخلاف:
قال ابن عبد البر في التمهيد (1/ 143): ولا يجوز أن يراعي الاختلاف عند طلب الحجة، لأن الاختلاف ليس منه شيء لازم دون دليل، وإنما الحجة اللازمة الإجماع لا الاختلاف، لأن الإجماع يجب الانقياد إليه لقول الله (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المومنين نوله ما تولى ونصله جهنم وسآءت مصيرا). النساء 115
- سادسا: ومما يثبت إجماع أهل العلم على وجوب تغطية الوجه على الحرائر من النساء:
1) التصريح من بعض أهل العلم على اختلاف مذاهبهم بهذا الإجماع:
- قال ابن عبد البر المالكي في الاستذكار (8/ 542): والعلماء مجمعون على أن الله عز وجل لم يرد بما أمر به النساء من الاحتجاب؛ الإماء؛ وإنما أراد بذلك الحرائر.
- قال بدر الدين العيني الحنفي في عمدة القاري (20/ 245): لايجوز للمرأة أن تأذن للرجل الذي ليس بمحرم لها في الدخول عليها ويجب عليها الاحتجاب منه بالإجماع.
- قال الإمام العلامة يوسف بن عبدالهادي المقدسي الشهير بابن المَبْرَد في مغني ذوي الأفهام /120: ويجب عليها ستر وجهها إذا برزت بالاتفاق.
- وقال العلامة محمد بن إبراهيم الوزير اليماني في الروض الباسم (2/ 228): وأجمعوا على وجوب الحجاب للنّساء.
- وقال مفتي باكستان الشيخ شفيع الحنفي في كتابه المرأة المسلمة /202: وبالجملة فقد اتفقت مذاهب الفقهاء وجمهور الأمة على أنه لا يجوز للنساء الشواب كشف الوجوه والأكف بين الأجانب.
2) استمرار العمل يدل على الإجماع كما قال إمام الحرمين الجويني في الورقات في أصول الفقه: والإجماع يصح بقولهم وبفعلهم وبقول البعض وبفعل البعض وانتشار ذلك.
- قال ابن حجر في فتح الباري (9/ 337): لم تزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات، فلو استووا لأمر الرجال بالتنقب، أو منعوا من الخروج.
3) أقوال علماء الإسلام التي سبق بسطها في مناقشة البحوث السابقة التي تثبت إجماعهم أن تغطية الوجه واجب وفرض على المرأة الحرة:
- قال أبو بكر الجصاص (ت 370 هـ): المرأة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين.
- قال أبو زيد القيرواني (ت 376 هـ): ولا تخرج امرأة إلا مستترة فيما لا بد لها منه.
- قال ابن عبد البر المالكي (ت 463 هـ): كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم حتى نزلت آيات الحجاب
…
فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع.
- قال أبو الوليد سليمان الباجي (ت 474 هـ): يجوز أن يبيح لهن كشف وجوههن أحد أمرين إما أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب أو يكون بعده لكنهن أمِنَّ أن تدرك صورهن من شدة الغلس.
- قال ابن بطال (ت 449 هـ): وأجمع العلماء أن المرأة تلبس المخيط كله والخمُر والخفاف
…
وتسدل الثوب على وجهها سدلا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال.
- قال أبو الحسن الكيا الهراس (ت 504 هـ): فأمرهن بتغطية وجوههن ورؤوسهن.
- قال أبو حامد الغزالي (ت 505 هـ): وإن كانت أجنبية حرم النظر إليها مطلقا. وقال: لأمر الرجال أيضا بالتنقب كما أمر النساء.
- قال ابن العربي المالكي (ت 543 هـ): ستر وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج؛ فإنها ترخي شيئا من خمارها على وجهها.
- قال الإمام أبو الوليد ابن رشد (ت 595 هـ): نظر الرجال إلى النساء أغلظ من نظر النساء إلى الرجال بدليل أن النساء حجبن عن نظر الرجال إليهن.
- قال ابن القطان (ت 628 هـ): قال القاضي أبو بكر بن الطيب: (وأما الشواب منهن فيجب إنكار اختلاطهن بالرجال في المساجد ومجمع القصاص إلا أن يكون من وراء حجاب بحيث لا يراهن الرجال) وهو صواب كما ذكر.
- قال القرطبي (ت 671 هـ): وقد قيل: إنه يجب الستر والتقنع الآن في حق الجميع من الحرائر والاماء.
- قال الإمام النووي (ت 676 هـ): يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر وأسلم لها ولغيرها من الفتنة، فان طافت نهارا جاز وتسدل على وجهها ما يستره.
- قال النسفي الحنفي (ت 710 هـ) وأبو حيان الأندلسي (ت 745 هـ) ونظام الدين الحسن القمي (ت 728 هـ): أمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه.
- قال ابن جزي الكلبي (ت 741 هـ): فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن.
- قال صدر الدين عليّ بن ابن أبي العز الحنفي (ت 792 هـ): فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع للمرأة كشف الوجه للرجال في الإحرام ولا غيره.
- وقال ابن رجب الحنبلي (ت 795 هـ): كن قبل الحجاب يظهرن بغير جلباب، ويرى من المرأة وجهها وكفاها. ثم أمرت بستر وجهها وكفيها.
- قال ابن الملقن الشافعي (804 هـ): وجميعُ النسوان لم يكن يحتجبن
…
إلى أن نزلت آية الحجاب فحجبن وجوههن عن عيون الناس أجمعين.
- قال إبراهيم بن محمد بن مفلح (ت 884 هـ): الحرة البالغة كلها عورة حتى ظفرها، ذكر ابن هبيرة أنه المشهور، وقال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد لقول النبي صلى الله عليه وسلم (المرأة عورة).
- قال أحمد بن حجر الهيتمي (ت 974 هـ): من تحققت نظر أجنبي لها يلزمها ستر وجهها عنه.
(1)
- قال محمد الخطيب الشربيني (ت 977 هـ): إلا أن تكون في مكان وهناك أجانب لا يحترزون عن النظر إليها فلا يجوز لها رفع النقاب.
- قال الشوكاني (ت 1250 هـ): وقعت منهن التغطية لوجوههم وما يتصل بها، وفي هذه الآيات أعظم دلالة على وجوب التستر عليهن وتحريم النظر إليهن.
- قال الجاوي في نهاية الزين (ت 1316 هـ): جميع بدنها حتى قلامة ظفرها وهي عورتها عند الرجال الأجانب فيحرم على الرجل الأجنبي النظر إلى شيء من ذلك ويجب على المرأة ستر ذلك عنه.
(1)
تحفة المحتاج في شرح المنهاج (7/ 193).
- وقال محمد الجرداني الحنفي: وبالنسبة لنظر الأجنبي إليها؛ جميع بدنها بدون استثناء شيء منه أصلا ولو كانت عجوزاً شوهاء
…
ويجب أن تستتر عنه. هذا هو المعتمد.
(1)
وفي نهاية هذا المبحث وبعد أن تقرر لدينا إجماع أهل العلم على وجوب تغطية الوجه على المرأة الحرة من الرجل الأجنبي الحر؛ وبعد أن بينا أن مراد من قال من الفقهاء بجواز النظر إلى الوجه والكفين من المرأة؛ هو ما يباح للعبيد المملوكين النظر إليه من المرأة الحرة، وما يباح النظر إليه من الإماء، فإنه إن وجد من الفقهاء أو غيرهم من أهل العلم من يقول بجواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب؛ فلا حجة في قوله امتثالاً للقاعدة الأصولية التي تقول:
(أقوال العلماء يحتج لها بالدليل، ولا يحتج بها على الدليل)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (2/ 537): وليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل النزاع، إنما الحجة النص والإجماع، ودليل مستنبط من ذلك تقدر مقدماته بالأدلة الشرعية، لا بأقوال بعض العلماء فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية، لا يحتج بها على الأدلة الشرعية.
(1)
فتح العلام بشرح مرشد الأنام (1/ 34).
ــ:: تتمة البحث الخامس (1):: ــ
أنكر الشيخ الألباني على من قال "إن المذهب الذي نسبه الألباني لأكثر العلماء ـ ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية عنه ـ إنما هو في الصلاة إذا كانت المرأة ليست بحضرة الرجال الأجانب"! فقال الشيخ الألباني: وتأكيداً لهذا الذي ذكرت لا يسعني هنا إلا أن أذكر مذاهب الأئمة
…
فأقول: أولا: مذهب أبي حنيفة: قال الإمام محمد بن الحسن في "الموطأ": " ولا ينبغي للمرأة المحرمة أن تنتقب فإن أرادت أن تغطي وجهها فلتستدل الثوب سدلاً من فوق خمارها. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا".
وقال أبو جعفر الطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 392): " أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرَّم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد".
ثانياً: مذهب مالك: روى عنه صاحبه عبد الرحمن بن القاسم في" المدونة"(2/ 221) نحو قول الإمام محمد في المحرمة إذا أرادت أن تسدل على وجهها وزاد في البيان فقال: " فإن كانت لا تريد ستراً فلا تسدل". ونقله ابن عبد البر في" التمهيد"(15 - 111) وارتضاه.
وقال بعد أن ذكر تفسير ابن عباس وابن عمر لآية: {إلا ما ظهر منها} بالوجه والكفين (6/ 369): " وعلى قول ابن عباس وابن عمر الفقهاء في هذا الباب" قال "هذا ما جاء في المرأة وحكمها في الاستتار في صلاتها وغير صلاتها".
وفي" الموطأ" رواية يحيى (2/ 935): " سئل مالك: هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها؟ فقال مالك: ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه ما يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله". قال الباجي في" المنتفى شرح الموطأ"(7/ 252) عقب هذا النص: " يقضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها".
ثالثاً: مذهب الشافعي: قال في كتابه" الأم"(2/ 185): " المحرمة لا تخمِّر وجهها إلا أن تريد أن تستر وجهها فتجافي
…
" وقال البغوي في" شرح السنة" (9/ 23): "فإن كانت أجنبية حرة فجميع بدنها عورة في حق الرجل لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه واليدين إلى الكوعين وعليه غض البصر عن النظر إلى وجهها ويديها أيضاً عند خوف الفتنة".
رابعاً: مذهب أحمد: روى ابنه صالح في" مسائله"(1/ 310) عنه قال: " المحرمة لا تخمِّر وجهها ولا تتنقب والسدل ليس به بأس تسدل على وجهها". قلت: فقوله: " ليس به بأس" يدل على جواز السدل فبطل القول بوجوبه.