الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
قاعدة في تمييز الصحيح من العقائد من المبتَدَع الفاسد:
قال الإمام محمد بن إبراهيم الوزير (المتوفى: 840 هـ): "اعلم أنّ أصل الخلاف في مسألة القرآن في زمن التابعين، وذلك أن المسلمين ما زالوا على أن الله تعالى متكلّم، وأن له كلامًا على ظاهر ذلك من غير تأويل ولا تشبيه، تصديقًا للنصوص القرآنية، مثل قوله تعالى:{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء:164]، وقوله سبحانه:{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ} [البقرة:253] برفع الله، أي: من كلّمه اللهُ، وهي من أبين الآيات في الفرق بين الوحي والكلام، لأنّ الله أوحى إلى كل نبي، وخصّ بعضهم بالتكليم، وفضّله بذلك.
وقوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة:6]، وقال تعالى:{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا} [الشورى:51]،
…
فكان المسلمون في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، وصدرًا من زمن التابعين يؤمنون بجميع هذه الأشياء على حقائقها مع علمهم باختلاف الكلام والمتكلمين، فليس كلامُ الإنسان الناطق باللسان مثلَ كلام الجمادات والأعضاء، ولا كلام رب العالمين مثل كلام شيء من خلقه أجمعين.
فلما حدثت بدعةُ الكلام والنظر على أساليب الفلاسفة والمشي وراء الخيالات العقلية، قالت المعتزلة وكثير من المتكلمين: إن جميع ما تلوناه من كتاب الله تعالى من إضافة الكلام إليه، وكذلك القول وما في معناهما من المناداة، والسؤال، كله تشبيه لله تعالى بخلقه، وذم له عز وجل، وقدح في ربوبيته، وكفر به، وإلحاد في أسمائه إلا أن يتأول على ما لا تساعد عليه قواعد التأويل، ولا تبقى معه جلالة صوادع التنزيل.
وسبحان الله أيكون أحدٌ أعرف بالله وأكره لما لا يليق به من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله وأصحابه وتابعيهم.
فكيف يسمعون ما ظاهره الكفر والإلحاد في أسماء الله والتشبيه له بخلقه، ولا ينبّهون على تأويله أحدًا من المتعلمين، ولا من المسلمين أجمعين.
والعلم الضروري يقتضي في كل ما شاع مثل هذا في أعصارهم، ولم يذكر أحدٌ منهم له تأويلاً البتة أنه على ظاهره على حسب ما يليق بجلال الله من غير تشبيه كعلم الله وقدرته، فإنهما صفتا كمال بالإجماع. ولو قلنا: إنهما كعلم الخلق وقدرتهم كان تشبيهًا قبيحًا، وكفرًا صريحًا، ومع ذلك فلا يجب تأويل ما ورد في الشرع من وصف الله تعالى بأنه عالم قادر، ونحو ذلك من الحي السميع البصير.
فتأمل هذه القاعدة التي ذكرتها لك فيما استفاض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم استفاضة متواترة شائعة، ولم يذكر له تأويل البتة، فإنها تميز لك الصحيح من العقائد من المبتدع الفاسد.
وقال من اعتقد استحالة الكلام من الله تعالى: إنه سبحانه لا يوصف بالقدرة على صدوره من ذاته، ولا تضاف إليه إلا إضافة تشريف كبيت الله، وناقة الله، فاعتقد المجاز في قوله تعالى:{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء:164]، واعتقد أن الحقيقة أن الله تعالى خلق الكلام في الشجرة المباركة التي ذكرها الله في كتابه، وأن الكلام صدر منها، لا يصح غير ذلك.
وكانت النصوص القرآنية على عصر التابعين على جلالتها لم تتبدل بكثرة التأويل، فعظُم على التابعين أن يكون ظاهر قول الله:{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء:164] قبيحًا وضلالا مع أن الله سبحانه نَسَبه إلى ذاته المقدسة، واحتج على بطلان ربوبية العجل والأصنام بعدمه، لا بعدم القدرة على خلقه في غيرها.
وكذلك بقوله: {تَكْلِيمًا} [النساء:164] مع ما شهد لصحته من سائر الآيات والآثار وإجماع الصحابة على وصف الله تعالى بأنه متكلم، وله كلام من غير إشعار بتأويل، فجهروا بتكفير من قال ذلك، إما لاعتقادهم أنه مكذّب لهذه الآيات، أو أن كلامه يؤول إلى التكذيب.
ولم يكن قد عرض في زمن الصحابة والتابعين ذكر الكلام النفسي وقدمه، فلم يذكر أحد منهم هذه المسألة، وإنما كان كلامهم في اللفظي الذي لم يقل بقدمه طائفة من طوائف المسلمين البتة، وإن شذ بذلك بعض المحدثين
…
"
(1)
.
(1)
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (4/ 349 - 357).