المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الاختلاف في الأفضل: أفي البيت أم في المسجد؟فرادى أم جماعة - آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني - جـ ١٦

[عبد الرحمن المعلمي اليماني]

فهرس الكتاب

- ‌ قوله: "إذا أتى أحدكم الغائط" هل يفيد إخراج الأبنية

- ‌1 - حديث ابن عمر في الصحيحين

- ‌الباب الثاني في الرخصة

- ‌حكم القبلة وقضاء الحاجة

- ‌ فقه هذا الحديث

- ‌فصلهل يُعيد إمامًا

- ‌ أدلة المجيزين:

- ‌فصلوممن رواه عن جابر:

- ‌الدليل الثانيحديث جابر في صلاة الخوف

- ‌ فصلمما يُستدل به لصحة اقتداء المفترض بالمتنفِّل:

- ‌مقدمة في حقيقة الوتر

- ‌المقالة الأولىفي حقيقة الوتر

- ‌مبحث في الوتر [بواحدة]

- ‌بحث في حقيقة "الوتر" ومسمَّاه في الشرع

- ‌الفصل الثانيفي الاقتصار على ثلاث

- ‌تحقيق الكلام في حديث: "لا توتِروا بثلاثٍ

- ‌مجمل ما كان عليه قيام رمضان في العهد النبويوما صار إليه في عهد عمر

- ‌الاختلافُ في الأفضل: أفي البيت أم في المسجد؟فرادى أم جماعة

- ‌هل هناك مانعٌ

- ‌الفصل الأولما هو المقام

- ‌الفصل الثانيلماذا سُمّي "الحَجر" مقامَ إبراهيم

- ‌الفصل الثالثأين وضع إبراهيم المقامَ أخيرًا

- ‌الفصل الرابعأين كان موضعه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌القول الثاني:

- ‌القول الثالث:

- ‌تمحيص هذه الأقوال

- ‌الفصل الخامسلماذا حوّل عمر رضي الله عنه المقام

- ‌الفصل السادسمتى حوَّل عمر رضي الله عنه المقام؟ولماذا قدَّرَهُ المُطَّلِبُ، واحتاجَ عُمَرُ إلى تقديرِه

- ‌تلخيص وتوضيح

الفصل: ‌الاختلاف في الأفضل: أفي البيت أم في المسجد؟فرادى أم جماعة

‌الاختلافُ في الأفضل: أفي البيت أم في المسجد؟

فرادى أم جماعة

؟

قد تقدّم أن كونها في البيت هو أحدُ المكمِّلات، وحديثُ زيد بن ثابتٍ نصٌّ صريح في ذلك.

وقد عُورض بحديث أبي ذر، وبما جرى في عهد عمر وبعده، وتقدم الجواب عن ذلك واضحًا.

"المعاني والآثار" للطحاوي (ج 1 ص 207)

(1)

: "عن إبراهيم، قال: لو لم يكن معي إلا سورتين لردّدتهما أحبُّ إليَّ من أن أقوم خلف الإمام في رمضان".

وفي رواية

(2)

: "لو لم يكن معي إلا سورة واحدة لكنت أن أردّدها أحبُّ إليّ من أن أقوم خلف الإمام في رمضان".

وفي "مختصر كتاب قيام الليل" لمحمد بن نصر (ص 96 ــ 97): "قال الشافعي: إن صلَّى رجلٌ لنفسه في بيته في رمضان فهو أحبّ إليّ، وإن صلَّى في جماعة فهو حسن".

وفيه (ص 91): "وقيل لأحمد بن حنبل: يُعجِبك أن يُصلّي الرجل مع الناس في رمضان، أو وحده؟ قال: يصلّي مع الناس.

قال: ويُعجِبني أن يصلِّي مع الإمام ويوتر معه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن

(1)

(1/ 351).

(2)

المصدر نفسه.

ص: 406

الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كُتِب له بقية ليلته"

(1)

.

قال أبو داود: شهدتُه ــ يعني أحمد ــ شهر رمضان يقوم مع إمامه إلا ليلةً لم أحضرها.

وقال إسحاق: قلت لأحمد: الصلاة في الجماعة أحبُّ إليك أم يُصلِّي وحده في قيام شهر رمضان؟ قال: يُعجبني أن يصلّي في الجماعة، يحيي السنة.

وقال إسحاقُ كما قال".

وفي "مختصر كتاب قيام الليل" لمحمد بن نصر المروزي (ص 95): "باب ذكر من اختار الصلاة وحده على القيام مع الناس إذا كان حافظًا للقرآن".

فذكر حديث زيد بن ثابت، ثم قال: "وقال الليث: ما بلغنا أن عمر وعثمان كانا يقومان في رمضان مع الناس في المسجد.

وقال مالك: كان ابن هرمز ــ من القرَّاء ــ ينصرف فيقوم بأهله في بيته، وكان ربيعة ينصرف، وكان القاسم وسالم ينصرفان لا يقومان مع الناس، وقد رأيتُ يحيى بن سعيد يقوم مع الناس، وأنا لا أقوم مع الناس، لا أشك أن قيام الرجل في بيته أفضل من القيام مع الناس، إذا قوي على ذلك، وما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلّا في بيته".

(1)

أخرجه أبو داود (1375) والترمذي (806) والنسائي (3/ 202، 203) من حديث أبي ذر، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

ص: 407

ثم ذكر بعد ذلك أن يحيى بن سعيد ترك القيام معهم، وقال:"كنت أقوم، ثم تركت ذلك، فإن استطعت أن أقوم بنفسي أحبُّ إليّ".

وذكر عن مجاهد عن ابن عمر: "تُنصِتُ خلفَه كأنك حمار؟ ! صلِّ في بيتك".

ثم ذكر عن ابن عمر أنه كان ينصرف، لا يصلّي معهم.

ومثله عن القاسم، وسالم، ونافع، وعروة.

وذكر عن مجاهد قال: "إذا كان مع الرجل عشر سورٍ فليردِّدْها، ولا يقوم في رمضان خلف الإمام".

وذكر آخِرَ (ص 91) عن عمرو بن مهاجر أن عمر بن عبد العزيز قد كانت تقوم العامّة بحضرته في رمضان بخمس عشرة تسليمة، وهو في قبّته لا ندري ما يصنع. وذكر عن جماعةٍ أنهم كانوا يقومون في نواحي المسجد فرادى، لا يصلّون مع الجماعة.

وذكر (ص 90 ــ 91) عن جماعةٍ صلاتها جماعةً في المسجد.

والذي أرى أنَّ محلَّ ذلك فيمن له عذر، ومن الأعذار دفعُ توهُّم أن صلاتها جماعةً في المسجد منكرةٌ مطلقًا، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ربّما يفعل الشيء لبيان الجواز.

وجاء عن أبي بكر، وعمر، وابن عباسٍ: أنهم كانوا لا يُضَحُّون خشيةَ أن يعتقد الناس وجوبَ التضحية. فكان هؤلاء الأكابر يتركونها ليعلم الناسُ أنها ليست بواجبة، وهم في تركهم ذلك مُحسِنون، مُثابُون عليه؛ لما قصدوا به من بيان السُّنَّة.

ص: 408

فأمّا من لا عذر له البتَّةَ ففي السُّنّة كفاية.

وفي "طبقات ابن سعد"(ج 7 قسم 2 ص 26)

(1)

عن بكار بن محمد أنَّ ابن عون كان في شهر رمضان لا يزيد على المكتوبة في الجماعة، ثم يخلو في بيته.

ومن تدبّر السُّنَّة وحقَّق، ثم تتبَّع أحوال الناس، علم أنه قد تطرَّق إلى هذا الأمر غير قليلٍ من الخطأ والغلط ومخالفة السنة. وشرحُ ذلك يطول، نسأل الله تعالى أن يثبّت قلوبنا على دينه، ويهدينا لما اختُلِف فيه من الحق بإذنه، ويرزقنا الاعتصام بكتابه وسنة نبيّه صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه.

* * * *

(1)

(9/ 263) ط. الخانجي.

ص: 409

[ملحق]

(1)

[ص 12] في "فتح الباري"

(2)

: استشكل الخطابيّ أصل هذه الخشية، مع ما ثبت في حديث الإسراء من أنَّ الله تعالى قال:"هن خمس، وهي خمسون، لا يُبدَّل القول لديّ"

(3)

. فإذا أُمِن التبديل فكيف يقع الخوف من الزيادة؟.

ثم ذكر أجوبة.

وقد كنت تركتُ التعرّض لهذا البحث لدقّته، مع أن الخشية قد ثبتت قطعًا بحديث زيد هذا في "الصحيحين" وغيرهما، وحديث عائشة في "الصحيحين" وغيرهما أيضًا من أوجهٍ عنها، وبحديثٍ لجابرٍ في صحيحي ابن خزيمة وابن حبان

(4)

.

فثبت أن ما في حدث الإسراء لا ينبغي أن يُفْهَم منه ما يناقض هذه الخشية، فمن فَهِم ذلك فقد أخطأ ولا علينا أن لا نبيّن وجه خطائه

(5)

.

ثم أثار هذا البحث أخي العلامة الشيخ محمد عبد الرزاق، فرأيتُ أن أنظر فيه، وأسأل الله التوفيق.

(1)

زيادة توضيحية من عندي.

(2)

(3/ 13).

(3)

أخرجه البخاري (349) ومسلم (163) من حديث أبي ذر.

(4)

سبق تخريج هذه الأحاديث.

(5)

كذا رسمها المؤلف بالمدّ، وهو صحيح في اللغة.

ص: 410

استشكالُ الخطابيّ مبنيّ على أن كلمة "لا يُبدَّل القول لديَّ" قُصِد بها القضاء على معنى قوله: "هن خمس" بأنه لا يُغيَّر في المستقبل.

ويردُّه أن عقب هذه الجملة في الحديث نفسه: "فرجعتُ إلى موسى، فقال: راجِعْ ربك، فقلت: استحييتُ من ربّي".

ولو كان معنى

(1)

ما تقدم إخبارَ الله عز وجل بأنّ مقدار الخمس لا يتبدَّل في المستقبل؛ لعلم موسى أنه لم يبقَ موضعٌ للمراجعة، ولأجاب محمد بما يُفْهِم ذلك، ولم يقتصر على قوله:"استحييتُ من ربّي".

فإن قيل: لعل في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، كما تُشْعِر به بعض الروايات الأخرى، ولعلّ محمدًا لم يخبر موسى بما يدلّ على امتناع التغيير، وقصد محمد أنه يمنعه الاستحياء، حتى على فرض عدم إخبار الله عز وجل بأنه لن يقع تغيير، أو لعلّهما فهما أن المراد أنه لن يقع تغيير بالزيادة، وجوَّزا أن يقع تغيير بالنقصان.

قلت: هذا كلّه تمحُّلٌ لا مُلجِئ إليه، ولم أر في الروايات الأخرى ما يصح الاستناد إليه في زعم أن هناك

(2)

تقديمًا وتأخيرًا ينفع الخطّابيّ.

وتجويزُ أن يكون محمد أخفى عن موسى خبرَ الله عز وجل بعدم التغيير، فلمّا أمره بالمراجعة أجاب بما أجاب به= تجويزٌ ركيك، لا يخلو عن شناعةٍ يجب تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عنها.

(1)

في النسخة اليمنية: "ولولا".

(2)

في اليمنية: "في القضاء على أن في هذه" بدلًا في زعم أن هناك.

ص: 411

وتجويزُ أن يكونا فهما أن عدم التغيير يختصّ بالزيادةِ ركيكٌ أيضًا. وربما يكون أقرب منه أن يفهم أن المراد عدم التغيير بالنقصان، وذلك أنه سبحانه سُئل التخفيف فخفّف، ثم سُئل فخفّف، مرارًا، ثم قال:"هن خمس، وهي خمسون، لا يُبدَّل القول لديَّ".

فلو كان المراد أن مقدار الخمس لن يُغيَّر بعد ذلك لقَرُب أن يُفْهَم منه المنع عن سؤال التخفيف بعد ذلك، وأنه لن يكون تخفيف.

فإن قيل: فإذا لم يتوجه قوله: "لا يبدَّل القول لديّ" إلى قوله: "هن خمس" فإلى ماذا يتوجّه؟

قلت: قيل بتوجُّهه إلى قوله: "وهي خمسون"، وهذا قريب؛ لأن قوله "وهي خمسون" وَعْدٌ منه تعالى بأن يُثيِب على الخمس ثواب خمسين.

وقوله: "لا يبدّل القول لديّ" قد عُرِفَ من كتاب الله عز وجل توجّهه إلى الوعد، ونحوه.

قال تعالى: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} [يونس: 64].

وقال سبحانه: {لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [ق: 28، 29].

[ص 13] وفي "تفسير ابن جرير"(ج 11 ص 88)

(1)

: "وأما قوله: {لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ}؛ فإن معناه: لا خُلْفَ لوعده، ولا تغييرَ لقوله عمّا قال".

(1)

(12/ 225) ط. التركي.

ص: 412

ولا يلزم من امتناع تغيير الخمسين ثوابًا أن لا يُزاد في المستقبل على الخمس، ويثاب على الزائد ثواب مستقلّ، ولا أن لا يُنْقَص العدد عن خمسٍ ويبقى الثواب خمسين.

وقيل بتوجّهه إلى ما وقع ابتداءً من فرض خمسين، والمعنى: هن خمسٌ كما أقوله الآن، وهنّ خمسون كما قلتُه أوّلًا، وليس ما جرى من التخفيف تبديلًا للقول الأول "لا يبدَّل القول لديّ"، ولكنه كان المراد به خمسون ثوابًا وهذا ثابت لم يبدَّل ولن يبدَّل.

وهذا القول هو الظاهر من العبارة، وقد ذكره السهيلي في "الروض الأنف"(ج 1 ص 252)

(1)

، قال:"والوجه الثاني: أن يكون هذا خبرًا لا تعبُّدًا، وإذا كان خبرًا لم يدخُلْه النسخ، ومعنى الخبر: أنه عليه السلام أخبره ربّه أن على أمته خمسين صلاة، ومعناه أنها خمسون في اللوح المحفوظ، ولذلك قال في آخر الحديث: "هي خمس وهي خمسون، والحسنة بعشر أمثالها". فتأوّله رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنها خمسون بالفعل، فلم يزل يراجع ربه حتى بيَّن له أنها خمسون في الثواب لا في العمل.

فإن قيل: فما معنى نقصها عشرًا بعد عشر

".

ذكر جوابًا غير مرضيّ، وقد فتح الله تعالى بجوابٍ أوجَهَ، وهو أن الله تبارك وتعالى قد حَطَّ مِنْ أوّل مرة خمسًا وأربعين، ولكن اقتضت حكمته إجمال الخبر أولًا، فيكون المراد منه أنها خمسون ثوابًا، ويَفْهَم

(1)

ط. الجمالية بمصر.

ص: 413

الرسول منه أنها خمسون عملًا؛ ليترتَّب على هذا الفهم أولًا: أن يعزم الرسول على أن يعمل هو وأمّته خمسين إن لم يخفّف الله عز وجل، وثانيًا: المراجعة.

وبذلك العزم استحق الرسول وأمّته ــ بفضل الله وكرمه ــ ثواب الخمسين.

فأمّا حكمة المراجعة فقد أفاض فيها الشرّاح.

وإذْ كان المحطوط في علم الله خمسًا وأربعين

(1)

، فقد حطّ في ضمنها جميع الأعداد الداخلة فيها.

والإخبارُ بحطِّ الأقل لا ينفي حطَّ الأكثر؛ فإن العدد لا مفهوم له عند جمهور الأصوليين، ولو كان له مفهوم فظاهرٌ ضعيفٌ غير مرادٍ، كالإخبار أوَّلًا بخمسين وظاهره أنها خمسون عملًا.

وتأخير البيان عن وقت الخطاب جائز على الصحيح، وإنما الممتنع تأخيره عن وقت الحاجة.

وقريب من هذا قصة إبراهيم عليه السلام في ذبح ابنه. قال الله عز وجل: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 102 ــ 107].

(1)

في اليمنية: "وإذ حطت الخمس والأربعون".

ص: 414

رأى ــ والله أعلم ــ في نومه أنه مُضْجِعٌ ابنَه يُعالج ذبحَه، أي: يُمِرُّ الشفرة على عنقه، معتمدًا عليها، شأنَ القاصد قطعَ العنق وإبانة الرأس. هذا ــ والله أعلم ــ هو الذي رآه، وهو معنى قوله:{أَنِّي أَذْبَحُكَ} . وعلم إبراهيم أن الله تعالى أمره [ص 14] أن يفعل ذاك الفعل، وهذا حقّ، وفهم أيضًا أنه ــ بمقتضى العادة ــ إذا فعل ذاك الفعل قُطِع عنق ابنه، وبان رأسُه، ومات.

ولم يُرِد الله عز وجل هذا، ولا أمر به، ولكنه سبحانه أراد أن يكون الأمر بحيث يَفْهَم إبراهيم منه هذا؛ ليكون ذلك ابتلاءً لإبراهيم وابنه، حتى إذا عزما وعملا العملَ المرئيَّ في النوم ــ الذي عندهما أنه موجب لموت الابن ــ كان لهما ثواب مَنْ قَبِل تلك النتيجة، وقام بها طاعة لله عز وجل.

فلمّا أطاعا لذلك، وعمل إبراهيم مثل العمل الذي رآه في نومه، وأخذ يكُدُّ الشفرة لتقطع، ويكفّها الله عز وجل عن القطع، كما كفَّ النار عن الإحراق، ولم يزل إبراهيم يكُدُّ الشفرة ولا تَقْطع حتى ناداه الله عز وجل:{أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} . أي: قد جئت بمصداقها كاملًا، وهو تلك المعالجة؛ فإنه إيّاها رأى

(1)

في نومه، ولم ير ما يزيد عنها.

فعلى هذا لا نسخَ في القصة البتةَ.

فإن قيل: ربما يدفع هذا قوله: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} ، فإنه إذا لم يؤمر في نفس الأمر إلّا بالمعالجة التي وفَى بها، فقد وفَى بها، فلماذا الفدية؟

قلت: كان إبراهيم قد عزم على قطع العنق، وإبانة الرأس، وإماتة ابنه،

(1)

في اليمنية: "فإنه رأى إياها".

ص: 415

وإبراهيمُ قد يعدُّ ذاك العزم بمثابة النذر، ويحزُّ في نفسه أن لا يفي به، وإن لم يكن مأمورًا به. فمِنْ هنا ــ والله أعلم ــ طيَّب الله عز وجل نفسه بالفدية.

وقد استنبط بعض الفقهاء من الآية أنّ من نذر ذبح ابنه كان عليه أن يذبح شاةً.

ورُدَّ بأن إبراهيم نذر مباحًا في شريعته، وليس بمباحٍ في شريعتنا.

والاستنباط لطيف، والردُّ صحيح.

وقد تعرَّض لهذا المعنى في قصة إبراهيم بعضُ أهل العلم، فردّه بعضهم بتشنيعٍ لا حقيقة له

(1)

، بل يلزمه مثله أو أشدّ منه في دعوى النسخ التي ارتكبها.

ومَنْ اعترف في المجمل الذي له ظاهر بجواز تأخّر بيانه إلى وقت الحاجة، لزمه أن يجيز مثل ما قلناه في المسألتين وأشدَّ منه، ولو لم تظهر حكمة فكيف يأباه هنا مع ظهور الحكمة البالغة؟ !

فأما من ينكر تأخير البيان مطلقًا، فالكلام معه مبسوط في كتب الأصول.

فإن قيل: لماذا لا يجوز النسخ مع وجود الفائدة للتكليف، بأنْ يكون الله تعالى أمر إبراهيم بذبح ابنه ابتلاءً، فلما تبيَّن امتثاله واستعداده وعزمه الصارم

(1)

انظر "أحكام القرآن" للجصاص (3/ 377) والردّ عليه في "أحكام القرآن" للكياالهراسي (4/ 358). وراجع "أحكام القرآن" لابن العربي (4/ 1619) و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (15/ 111).

ص: 416

على العملِ نَسَخَهُ الله تعالى؟ ونحو هذا يقال في قصة الصلاة.

قلت: أنا لم أَخْتَرْ عدم النسخ تفاديًا من النسخ قبل العمل، بل لما في السياق ممّا يبيّن عدم النسخ، كما مرَّ.

ص: 417

الرسالة الثالثة عشرة

مسألة اشتراط الصوم في الاعتكاف

ص: 419

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه الطّاهرين.

جرت المذاكرة بين الحقير وبين السيد العلامة صالح بن محسن الصَّيلمي من علماء المذهب الزيدي ــ حرسه الله ــ في اشتراط الصوم في الاعتكاف.

فقلت له: الجديد عندنا عدمُه إلا إذا نذر أن يعتكف صائمًا لزِمه جمعُهما على الأصح.

فقال: فلو نذر أن يعتكف مصلّيًا؟

قلت: فله أن يُفرِد الاعتكاف عن الصلاة.

فقال: فهل قياس العكس عندكم معتبر في الأصول؟

قلتُ: نعم على الأصح.

فقال: علماؤنا يُلزمونكم القولَ باشتراطِ الصوم في الاعتكاف بقياس العكس.

فقلت له: ما وجهُ تأتّي قياس العكس هنا؟ فإنما قياس العكس كما قال الجلال المحلي في "شرح جمع الجوامع"

(1)

: "إثبات عكسِ حكمِ شيءٍ لمثله، لتعاكسهما في العلة". واستدلّ له بقوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وقد قال لهم:

(1)

(2/ 343).

ص: 421

"وفي بُضْعِ أحدكم صدقة". فقالوا: أيأتي أحدنا شهوتَه وله فيها أجر؟ [فقال]

(1)

: "أرأيتم لو وضعَها في حرام أكان عليه وِزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر". قال: رواه مسلم

(2)

.

ثم أتيتُ إليه ناقلًا ما لفظُه: قال العلامة البَنَّاني في "حاشيته على شرح المحلّي لجمع الجوامع"

(3)

: "قوله: "وهو إثبات عكس حكم

إلخ"، الحكم في الحديث المذكور هو ثبوت الوزر، وعكسه ثبوت الأجر، والشيء الوضع في الحرام، ومثل ذلك الشيء هو الوضع في الحلال الثابتِ له العكسُ المذكور، وجعل الوضع في الحرام والوضع في الحلال مِثْلَين من حيث إن كلًّا منهما وضعٌ، وإلَّا فهما ضدّانِ في الحقيقة. وقوله: "لتعاكسهما" أي: الحكمين. وقوله: "في العلة" وهي الوضع في الحرام الذي هو علة ثبوت الوزر، والوضع في الحلال الذي هو علة ثبوت الأجر، فكلٌّ من ثبوت الأجر وثبوت الوزر عكسٌ للآخر؛ لأن كلًّا من الوضع في الحرام والوضع في الحلال عكسٌ للآخر فتعاكُسُ العلتين المذكورتين مقتضٍ لكون الحكم المترتب على إحداهما عكسَ الحكم المترتب على الأخرى" هـ.

قلت: ولا تناقضَ في قوله: "لأن كلًّا من الوضع في الحرام والوضع في الحلال عكسٌ للآخر" مع قوله سابقًا: "والشيء الوضع في الحرام، ومثل ذلك الشيء هو الوضع في الحلال"؛ لأنَّ جَعْلهما مِثْلينِ هو باعتبار مطلق الوضع، وجَعْلهما ضدَّين هو باعتبارِ محلّه، كما يؤخذ من كلامه. فطَبِّقُوا

(1)

بياض في الأصل.

(2)

رقم (1006) عن أبي ذر.

(3)

(2/ 343).

ص: 422

مسألة شرطية الصوم على قياس العكس كما طبق الحديث، ولا يخفى عليكم حقيقة العلة والتعاكس عند الأصوليين، وإنما نريد بذلك معرفة كيفية الاستدلال بقياس العكس فيها، لا استفادةَ الحكم وتسليمه، فإن لنا في النصوص الصحيحة ما يُقِرُّ الناظرَ ويُخرِس المناظر:

أولها: ما في "شرح السيد المرتضى على الإحياء" بعد نقل حديث الصحيحين وأبي داود والنسائي

(1)

من طريق عُقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العَشْرَ الأواخر من رمضان حتى قبضه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجُه من بعدِه. قال

(2)

: ثم قد استُدِلَّ بالحديث المذكور أنه لا يُشترط لصحة الاعتكاف الصومُ، وذلك من وجهين: أحدهما: أنه اعتكف ليلاً أيضًا مع كونه فيه غيرَ صائم، ذكره ابن المنذر. ثانيهما: أن صومه في شهر رمضان إنما كان للشهر؛ لأن الوقت مستحقّ له، ولم يكن للاعتكاف. ذكره المزني والخطابي. وبهذا قال الشافعي وأحمد في أصح الروايتين عنه، وحكاه الخطابي

(3)

عن علي وابن مسعود والحسن البصري. وقال مالك وأبو حنيفة والجمهور: يُشترط لصحة الاعتكاف الصومُ، ورُوي ذلك عن علي وابن عمر وابن عباس وعائشة، وروى الدارقطني

(4)

في حديث عائشة المتقدم من رواية ابن جريج عن

(1)

البخاري (2026) ومسلم (1172) وأبو داود (2462) والنسائي في الكبرى (3324).

(2)

"إتحاف السادة المتقين"(4/ 233، 234).

(3)

"معالم السنن"(3/ 339).

(4)

في "السنن"(2/ 201).

ص: 423

الزهري بزيادة: "وأنَّ السنة للمعتكف

" فذكر أشياء، منها: "ويُؤمَر من اعتكف أن يصوم". ثم قال الدارقطني: إن قوله: "وأن السنة

إلخ" ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم وأنه من كلام الزهري، ومن أدرجه في الحديث وهِمَ. ولكن في "سنن أبي داود"

(1)

صريحًا أنه من كلام عائشة، أي فمثلُه لا يُعرف إلا سماعًا. هـ.

قلت: الحديث لفظه: "السنة على المعتكف أن لا يعودَ مريضًا، ولا يشهدَ جنازةً، ولا يمسَّ المرأةَ ولا يُباشرها، ولا يخرجَ لحاجةٍ إلا لما لابدَّ منه، ولا اعتكافَ إلا بصومٍ، ولا اعتكافَ إلا في مسجد جامع". فإن أراد بقوله: "فمثلُه لا يُعرف إلا سماعًا" أنه من قول الصحابي: "السنة كذا"، ففيه نظر؛ إذ يحتمل بل يظهر أن قولها: "ولا اعتكافَ إلا بصومٍ

إلخ" ليس مسندًا إلى السنة، وإنما بينَتْ فيه برأيها، ومثل ذلك لا يمتنع قولُه من قبل الرأي. فليتأملْ.

وقد يُحمَل قوله: "ويؤمَر" على الندب، كما يُحمل "لا اعتكاف إلا بصوم" على نفي الكمال، جمعًا بين الأدلة وإلحاقًا للضعيف بالقوي.

وأمَّا ما استدل به مُثبِت الشرطية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتكف إلا صائمًا، فيقال له: قد تقرر في الأصول أن فعله صلى الله عليه وسلم غير الجبلِّي يخصُّه للندب مجردُ قصد القربة، وذلك بأن تدل قرينةٌ على قصدها بذلك الفعل، مجرَّدًا عن قيد الوجوب، والقرينة ههنا ما تراه من الأدلة، فالمواظبة دليل الاستحباب. على أنك سترى في الأدلة ما يستلزم أنه صلى الله عليه وسلم اعتكف بلا صوم، وهو حديث

(1)

رقم (2473).

ص: 424

الشيخين

(1)

عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يعتكف، فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه إذا أَخْبِيةٌ: خِباء عائشة، وخباء حفصة، وخباء زينب، فقال:"آلبرَّ تقولون بهن؟ " ثم انصرف فلم يعتكف، حتى اعتكف عشرًا من شوال.

قال الشرقاوي

(2)

: وعند مسلم: "حتى اعتكف العشر الأُول من شوال" وفيه دليل على جواز الاعتكاف بغير صوم، لأن أول شوال يوم العيد، وصومه حرام. واعتُرِض بأن المعنى كان ابتداؤه في العشر الأول [ص 2] وهو صادق بما إذا ابتدأ باليوم الثاني، فلا دليل فيه لما قاله.

قلت: ولسقوط هذا الاعتراض ــ كما لا يخفى على الناظر ــ لم يعتبره علماؤنا، ولا عدُّوه قادحًا، فهم يستدلّون بالحديث المذكور غيرَ ملتفتين إلى ذلك الاعتراض، وقد يَستبعدُ اعتكافَه صلى الله عليه وسلم ليوم العيد مَن يَقيسُه على أبناء زماننا في جَعْله يومَ العيد يومَ راحةٍ ورفاهية، وراحةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلوةُ بمولاه، كما كان يقول:"يا بلالُ، أَرِحْنا بالصلاة"

(3)

. والظاهر أنه اعتكف من ليلة العيد، ثم خرج لصلاة العيد، وعاد وأكمل العَشْر.

ومن الأدلة: حديث "الصحيحين"

(4)

عن عمر رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كنت نذرتُ في الجاهلية أن اعتكف ليلةً في المسجد الحرام،

(1)

البخاري (2034) ومسلم (1173).

(2)

"فتح المبدي"(2/ 170).

(3)

أخرجه أحمد (23088) وأبو داود (4985) من طريق سالم بن أبي الجعد عن رجلٍ من أسلم مرفوعًا. وفي إسناده اختلاف، انظر "العلل" للدارقطني (4/ 121 - 122).

(4)

البخاري (2042) ومسلم (1656).

ص: 425

قال: "فأوفِ بنذرِك".

قال الشرقاوي

(1)

: واستُدِلَّ به على جواز الاعتكاف بغير صوم، لأن الليل ليس ظرفًا للصوم، فلو كان شرطًا لأمره عليه الصلاة والسلام به، لكن عند مسلم من حديث سعيد عن عبيد الله:"يومًا" بدل "ليلة". فجمعَ ابن حبان

(2)

وغيره بين الروايتين بأنه نذرُ اعتكاف يومٍ وليلة، فمن أطلق ليلةً أراد بيومها، ومن أطلق يومًا أراد بليلته. وقد ورد الأمر بالصوم في رواية عمرو بن دينار عن ابن عمر

(3)

صريحًا، لكن إسناده ضعيف

إلخ.

قلت: ولذلك يَضعُف استدلالنا بهذا الحديث إلا من حيث الاستدلال باعتكافه صلى الله عليه وسلم العشرَ من رمضان ليلاً ونهارًا، كما مرَّ نقلُه عن ابن المنذر، فأما كونُه لم يُنْقَل أمره بالصوم فقد يحتمل أنه أمره ولم يُنْقل، أو أن عمر كان يعرف اشتراط الصوم للاعتكاف.

ومن الأدلة ما رواه الحاكم

(4)

وقال: صحيح على شرط مسلم: "ليس على المعتكفِ صيامٌ إلا أن يجعله على نفسه".

فأجاب عليَّ السيدُ العلامة المذكور بما خلاصته:

الجمهور على أن الصوم شرط في الاعتكاف، لقوله صلى الله عليه وسلم :"لا اعتكافَ إلا بالصيام". ولو لم يكن الصيام شرطًا في الاعتكاف لما وجب في نذره

(1)

"فتح المبدي"(2/ 170).

(2)

في "صحيحه"(10/ 226، 227). وانظر "فتح الباري"(4/ 274).

(3)

أخرجه أبو داود (2474) والنسائي في الكبرى (3341)، وفي إسناده عبد الله بن بُديل، وهو ضعيف.

(4)

"المستدرك"(1/ 439).

ص: 426

كالصلاة حتى عند الشافعي، وأمَّا حديث:"ليس على المعتكف صيامٌ إلا أن يجعله على نفسه"، فالمعنى: الصوم لا يجب بنية الاعتكاف إلا حيث يجب الاعتكاف جمعًا بين الأدلة، وأما حديث عمر فقد تبين سقوط الاستدلال به. فثبت شرطيةُ الصوم بالدليل، ويُستَظهر عليه بقياس العكس، وهو إثبات خلاف حكم الأصل في الفرع، فالأصل الصلاة والفرع الصيام، والعلة عدم وجوب الصلاة بالنذر، أعني بنذر الاعتكاف مصلّيًا، وعكس العلة وجوب الصيام بالنذر، والحكم في الأصل عدم اشتراط الصلاة في صحة الاعتكاف، والحكم في الفرع خلافه، وهو اشتراط الصيام في صحة الاعتكاف.

أقول: أمَّا قوله: "لا اعتكاف إلا بالصيام"، فلم أطَّلع عليه بهذا اللفظ، وإنما في "سنن" أبي داود

(1)

من لفظ عائشة: "ولا اعتكافَ إلا بصوم" وقد سبق الكلام عليه

(2)

. وما سبقت الإشارة إليه من حديث الزهري، وفيه:

(1)

رقم (2473).

(2)

بعده في هامش النسخة ما يلي بخط المؤلف (وهو تعليق نحوي خارج عن الموضوع):

(الكلام هو اللفظ) وهو الصوت الخارج من الفم متقطعًا أحرفًا (المركب) من كلمتين فأكثر (المفيد) فائدةً يحسُنُ السكوت عليها (بالوضع) العربي أو القصد. (وكل كلمة إما معربة) وهي ما يتغير آخرها لاختلاف العوامل لفظًا أو تقديرًا، وهي الاسم الذي لم يُشبِه الحرفَ، والفعل المضارع الذي لم يتصل بنونِ إناثٍ أو توكيد. (وإما مبنية) وهي بخلاف الأُولى وهي الحرف والفعل الماضي والأمر والمضارع المتصل بما مرّ، (والمعرب إما أن يكون أصليَّ الإعراب) وهو الاسم، (أو فرعيَّه) وهو الفعل المضارع. (والمبنيُّ إما أن يكون أصليَّ البناء) وهو الحرف والفعل (وإما فرعيَّه) وهو الاسم.

ص: 427

"ويؤمر المعتكف بالصوم"، وقد سبق ما فيه. وما في رواية عمرو بن دينار قد سبق تضعيفه.

وأمَّا قولهم: ولو لم يكن الصيام شرطًا في الاعتكاف لما وجب في نذره كالصلاة، فنقول: إن أريدَ بقوله: "وجب" أي الصيام، وبقوله:"في نذره" أي الاعتكاف، والمعنى: لو لم يكن شرطًا لما وجب حيث نذرَ الاعتكاف، فنحن لا نقول بوجوب الصوم في الاعتكاف المنذور وإن أريدَ: لو لم يكن الصوم شرطًا في الاعتكاف لما وجب الصوم حيث نذرَ مع الاعتكاف، كما لا تجب الصلاة حيث نُذِرَتْ مع الاعتكاف، فنقول: إن أريد بعدم وجوب الصلاة أنه لا يلزم مطلقًا فليس مذهبنا، أو أنه لا يلزم الجمع بينها وبين الاعتكاف كما يلزم الجمع بين الصوم والاعتكاف حيث نذرَ أن يعتكف صائمًا، فهذا مذهبنا، والإلزام ممنوع، إذ جَعْلكم له شرطًا ينافي كونَ النذر علةً لوجوبه، فلا يصدق عليه أنه وجب النذر. وقد فرق أصحابنا بين الصلاة والصيام بأن الصيام مشروع في الاعتكاف إجماعًا، وأنه مناسب له، إذ كلٌّ منهما كَفٌّ، ولا كذلك الصلاة، مع أنها أفعال مباشرة.

وأمَّا تأويل حديث "ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه" فمردود، إذ لا يخفى أن المعتكف يصدق على المعتكف اعتكافًا منذورًا أو غيرَ منذور، وقوله:"إلا أن يجعله" أي: الصيامَ كما يعيِّنه السياق، فالمعنى: ليس على من نوى اعتكافًا منذورًا أو غيرَ منذورٍ أن يصوم إلا حيثُ نذر الصيام، وذلك ظاهر.

[ص 3] وأمَّا قولكم: "جمعًا بين الأدلة"، فأين الدليل الذي يقتضي شرطيةَ الصوم، فلم تذكروا إلا قوله:"ولا اعتكاف إلا بالصيام"، وقد علمت ما فيه.

ص: 428

ولو فرضنا اعتباره دليلاً فلنا طريقٌ مسلوكة في الجمع بينه وبين سائر الأدلة، وهي أن نقول بنَفْي الكمال، كما قالوه في "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"

(1)

، وكما قال بعضهم في:"لا صلاةَ لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"

(2)

، وقال بعضهم في:"لا وضوءَ لمن لم يذكر اسم الله عليه"

(3)

، وقولهم:"لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له، ولا دينَ لمن لا عهدَ له"

(4)

، كما تقدم بيانه. والمطلوب هو موافقة الحق، وسلوكُ المسالك المألوفة بالمدارك المعروفة خيرٌ من ارتكاب الوعور، لاسيما إذا كان غلطًا وشططًا.

وأما القياس، فقياس العكس عند أصحابنا مختلَفٌ في حجيته، وعلى الأصح أنه حجة فقد عرَّفْناكم أن الشافعي نصَّ على عدم شرطية الصيام للاعتكاف، ونصَّ على عدم وجوب الجمع بين الاعتكاف والصلاة على الناذر أنْ يعتكفَ مصلِّيًا، ولم ينصَّ على وجوب الجمع بين الاعتكاف والصيام على الناذر أنْ يعتكفَ صائمًا ولا عدمه، فقاسه بعض الأصحاب على الصلاة فلم يُوجبه، وأكثر الأصحاب على أنه يجب للحديث: "ليس

(1)

أخرجه الدارقطني في "السنن"(1/ 420) والحاكم في "المستدرك"(1/ 246) والبيهقي في "السنن الكبرى"(3/ 57) عن أبي هريرة. وإسناده ضعيف جدًّا، ويُروى من وجوهٍ أخرى كلها ضَعيفة. انظر "العلل المتناهية"(1/ 412، 413).

(2)

أخرجه البخاري (756) ومسلم (394) عن عبادة بن الصامت.

(3)

أخرجه أبو داود (101، 102) عن أبي هريرة، وأخرجه الترمذي (25) عن رباح بن عبد الرحمن عن جدته عن أبيها. وهو حديث حسن بشواهده.

(4)

أخرجه أحمد في "المسند"(12383، 12567، 13199) وأبو يعلى في "مسنده"(2863) والبيهقي في "السنن الكبرى"(6/ 288، 9/ 231) عن أنس بن مالك، وهو حديث حسن.

ص: 429

على المعتكف صيامٌ إلا أن يجعله على نفسه"، وفرقوا بينه وبين الصلاة كما مرَّ آنفًا.

فإن قيل: قد ثبت "ليس على المعتكف صيامٌ إلا أن يجعله على نفسه" المفيد لوجوب الجمع بين الاعتكاف والصيام على من نذَره، وأنتم معشر الشافعية تقولون: لا يجب الجمع بين الاعتكاف وبين الصلاة على ناذره، وتلك مناقضة، إذ يلزمكم من قولكم:"لا يجب الجمع بين الاعتكاف والصلاة" أن تقولوا بعدم وجوب الجمع بينه وبين الصيام، ويلزمكم من إيجابكم الجمعَ في الصيام إيجابُه في الصلاة.

قلنا: أمَّا وجوب الجمع في الصيام فقد نصَّ عليه إمام الكون صلى الله عليه وسلم ، وأما نصُّ الإمام على عدم وجوب الجمع في الصلاة، فعلى فرضِ أنه لا دليل له عليه من النصوص فقد بينّا الفارق، على أن هذه المنازعة المفروضة لا تكون إلا من طرف قائلٍ بوجوب الجمع في الصلاة، وأما قائل شرطية الصوم فقد صدقته النصوص على العموم والخصوص

(1)

.

* * * *

(1)

بعدها رسالة من المعلمي إلى الصيلمي وردّ الأخير عليها.

ص: 430

[ص 4] سيدي العلّامة الهُمام ضياء الإسلام السيد صالح بن المحسن الصَّيلمي، حفظه الله تعالى، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.

قال الجلال المحلّي في "شرح جمع الجوامع" عند ذكر قياس العكس ما لفظُه: "وهو إثباتُ عكس حكم شيءٍ لمثله، لتعاكُسِهما في العلة" ثم [قال:]

(1)

ومن أدلته قوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه عندما قال لهم في تَعداد وجوه البرّ: "وفي بُضْع أحدكم صدقة". فقالوا: أيأتي أحدُنا شهوتَه وله فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وِزْرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر".

قال البَنَّاني في حاشيته: قوله: "وهو إثبات عكس حكم

إلخ"، الحكم في الحديث المذكور هو ثبوت الوزر، وعكسه ثبوت الأجر، والشيء الوضع في الحرام، ومثل ذلك الشيء هو الوضع في الحلال الثابتِ له العكسُ المذكور، وجعل الوضع في الحرام والوضع في الحلال مِثْلَين من حيث إن كلًّا منهما وضعٌ، وإلَّا فهما ضدّانِ في الحقيقة. وقوله: "لتعاكسهما" أي: الحكمين. وقوله: "في العلة" وهي الوضع في الحرام الذي هو علة ثبوت الوزر، والوضع في الحلال الذي هو علة ثبوت الأجر، فكلٌّ من ثبوت الأجر وثبوت الوزر عكسٌ للآخر؛ لأن كلًّا من الوضع في الحرام والوضع في الحلال عكسٌ للآخر فتعاكُسُ العلتين المذكورتين مقتضٍ لكون الحكم المترتب على إحداهما عكسَ الحكم المترتب على الأخرى".

وقولكم: "ما مذهب الشافعية في الاعتكاف؟ " فالاعتكاف عندهم ليس من شرطه الصيامُ إلا إن نَذَرَه، كأن يقول: لله عليَّ أن أعتكفَ صائمًا، بخلاف

(1)

بياض في الأصل.

ص: 431

الصلاة، فلو قال: أن أعتكفَ مصلِّيًا فله إفراد الاعتكاف عنها.

وقولكم: "إنه يلزمهم القول باشتراط الصيام في الاعتكاف بقياس العكس" لم يظهر وجهُه، ففضلًا انقلُوا تحت هذا لفظ "الغاية" مع شرحها.

واستشهادكم على الحقير ببضاعته (ولكنما أعمى القلوبَ التعصُّبُ) ليس في محله، فإنما يتعصب من لم يجد مَحِيصًا عن اللزوم، فأما نحن معشرَ الشافعية فلنا عن التعصب ــ لو فُرِض ــ مندوحةٌ بأن اشتراط الصيام هو القول القديم لإمامنا، مع أن لنا على القول الجديد نصوصًا صحيحة، منها: اعتكافه صلى الله عليه وسلم الليلَ والنهارَ في العشر الأواخر من رمضان ونحوها، كما في حديث الصحيحين. ومنها: ما في الصحيحين

(1)

أيضًا عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه سأل النبي صلى الله وسلم عليه وعلى آله قال: كنتُ نذرتُ في الجاهلية أن أعتكفَ ليلةً في المسجد الحرام قال: "فأَوْفِ بنذرك". ومنها: ما نقله ابن حجر في "التحفة"

(2)

عند قول "المنهاج": "بل يصحُّ اعتكافُ الليل وحده" قال: للخبر الصحيح: "ليس على المعتكفِ صيامٌ إلا أن يجعله على نفسه"

(3)

.

* * * *

أخانا في الله سبحانَه، الوجيه في الأولى والآخرة، العلامة الشيظَمِي

(4)

(1)

سبق تخريج الحديثين.

(2)

"تحفة المحتاج"(3/ 469).

(3)

سبق تخريجه.

(4)

هو بمعنى الطويل الجسيم الفتيّ من الناس أو الإبل أو الخيل، فهو صفة وليس نسبة إلى عَلم أو قبيلة.

ص: 432

عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ونحمد الله إليكم حمدًا كثيرًا مؤبَّدةً أوقاتُه، والصلاة والسلام على خِيَرَة الخلق وآلِه، حَمَلةِ الشرع وهُداتِه، وأيَّده من نعش الهدى نهوضَه المبارك وغاراته.

أما بعدُ، فنقول:(مسألة) العترةُ جميعًا وابن عباس وعبد الله بن عمر ومالك والأوزاعي وأبو حنيفة وأبو ثور: الصوم شرط في الاعتكاف، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:"لا اعتكافَ إلا بالصيام". ولو لم يكن الصيام شرطًا في الاعتكاف لما وجب في نذره كالصلاة. عبد الله بن مسعود والحسن البصري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: لا، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:"ليس على المعتكف صيامٌ إلا أن يجعله على نفسه"، أراد: الصوم لا يجبُ بنية الاعتكاف إلا حيث يجب الاعتكاف، جمعًا بين الأدلة وصيانةً لمنطقه عن اللغو، ولأنه مهما أمكن الجمع بالتأويل وجب. قالوا: قال لعمر: "أوف بنذرك"، وقد نذر اعتكافَ ليلةٍ. قلنا:"بيومها"، بدليل أن إحدى الروايتين أنه نذرَ اعتكافَ يومٍ، فثبتَ اشتراطُ الصيام في صحة الاعتكاف بالدليل وقياس العكس استظهارًا. وقياس العكس إثبات خلاف حكم الأصل في الفرع، فالأصل الصلاة، والفرع الصيام، والعلة عدم وجوب الصلاة بالنذر، أعني: بنذر الاعتكاف مصلِّيًا، وعكس العلة وجوب الصيام بالنذر، والحكم في الأصل عدم اشتراط الصلاة في صحة الاعتكاف، والحكم في الفرع خلافه، وهو اشتراط الصيام في صحة الاعتكاف، وبهذا يستوي قياسُ العكس على سُوقِه.

ص: 433

الرسالة الرابعة عشرة

مقام إبراهيم

ص: 435

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أحاط بكلّ شيءٍ علمًا، وأتقن كلَّ شيءٍ خلقًا وأمرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبدُه ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه.

أمّا بعد، فهذه رسالة في شأن "مقام إبراهيم"، وما الذي ينبغي أن يُعمَل به عند توسعة المطاف؛ حاولتُ فيها تنقيحَ الأدلّة ودلالتها على وجه التحقيق، معتمدًا على ما أرجوه من توفيق الله ــ تبارك اسمُه ــ لي، وإن قلَّ علمي، وكلَّ فَهمي.

فما كان فيها من صواب فمن فضل الله عليَّ وعلى النّاس، وما كان فيها من خطأ فمنّي، وأسأل الله التوفيق والمغفرة.

قال الله تبارك وتعالى في سورة البقرة (الآية 125): {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} .

وقال سبحانه في سورة الحج (الآية 26): {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} .

جاء عن جماعة من السلف تفسير "التطهير" في الآيتين بالتطهير من الشرك والأوثان.

ص: 437

وهذا من باب ذكر الأهمّ الذي يقتضيه السبب؛ فإنّ إخلال المُشركين بتطهير البيت كان بشركهم ونَصْبِهم الأوثانَ عنده.

ولا ريبَ أنّ التطهير من ذلك هو الأهمّ، لكنّ "التطهير" المأمور به أعمّ.

أخرج ابن أبي حاتم

(1)

عن مجاهد وسعيد بن جبير قالا: "من الأوثان والريب، وقول الزور والرّجس". ذكره ابن كثير وغيره

(2)

.

وقال البغوي

(3)

: قال ابن جبير وعطاء: "طهِّراه من الأوثان والريب وقول الزُّور".

وأخرج ابن جرير

(4)

عن عُبيد بن عُمير قال: "من الآفات والريب".

* * * *

(1)

في "تفسيره"(1/ 227).

(2)

"تفسير ابن كثير"(1/ 613) و"الدر المنثور"(1/ 633).

(3)

في "معالم التنزيل"(1/ 114).

(4)

في "تفسيره"(2/ 532، 533).

ص: 438

أقام إبراهيم وإسماعيل ــ عليهما السلام ــ البيتَ على الطهارة بأوفى معانيها؛ فالأمر بتطهيره أمرٌ بالمحافظة على طهارته، وأن يُمنَع ويُزال عنه كلُّ ما يخالفها.

وقوله: {لِلطَّائِفِينَ

} الآية، يدلُّ على أنّه مع أنّ التطهير مأمورٌ به لحرمة البيت، فهو مأمورٌ به لأجل هذه الفِرَق ــ الطائفين والعاكفين والقائمين والرُّكع السجود ــ لتؤدِّي هذه العباداتِ على الوجه المطلوب.

وهذا يبيّن أن "التطهير" المأمورَ به لا يَخُصُّ الكعبة، بل يَعُمُّ ما حواليها، حيث تُؤدَّى هذه العبادات، وأنّ في معنى التطهير إزالةَ كلِّ ما يمنع من أداء هذه العبادات، أو يُعسِّرها، أو يُخِلُّ بها، كأن يكون في موقع الطواف ما يَعُوق عنه؛ من حجارةٍ أو شوكٍ أو حُفَر.

فثبت الأمر بأن يُهيَّأَ ما حول البيت تهيئةً تمكِّن الطائفين والعاكفين والمصلِّين من أداء هذه العبادات بدون خلل ولا حرج.

لم يُحدّد الشارع ما أمر بتهيئته حول البيت بمقدارٍ مسمًّى، لكن لمّا أمر بالتهيئة لهذه الفرق على الإطلاق عُلِم أنّ المأمور به تهيئةُ ما يكفيها ويتّسع لهذه العبادات مع اليُسر.

فلمّا كان المسلمون قليلاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يكفيهم المسجد القديم.

نعم كثُر الحُجّاج في حجّة الوداع، لكن لم يكن منتظرًا أن يكثروا تلك الكثرة، أو ما يقرب منها في السنوات التي تليها، وكانت بيوت قريش ملاصقةً للمسجد، لا تمكن توسعته إلا بهدمها، وهدمُها يُنفِّرهم، وعهدهم

ص: 439

بالشرك قريب.

فلمّا كثروا في زمن عمر رضي الله عنه، وزال المانع؛ هدم الدُّور، وزاد في المسجد، وهكذا زاد مَن بعده من الخلفاء بحسب كثرة المسلمين في أزمنتهم.

وادَّخر الله تعالى الزيادة العظمى لصاحب الجلالة الملك سعود بن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، أيّده الله، وأوزعَه شكر نِعَمِه، وزادَه من فضله.

* * * *

ص: 440

قدّم الله تعالى في الآيتين "الطّائفين" على "العاكفين" و"المصلين"، والتقديم في الذكر يُشعِر بالتقديم في الحكم، فقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم في السعي بالصفا، وقال:"نبدأ بما بدأ الله به"

(1)

، وبدأ في الوضوء بالوجه.

فيؤخذ من هذا أنّ التهيئة للطائفين أهمّ من التهيئة للعاكفين والمُصلّين.

فعلى هذا يُقَدّم الطائفون عند التعارض، ولا يكون تعارضٌ عند إقامة الصلاة المفروضة جماعةً مع الإمام؛ لأنّ الواجب عليهم جميعًا الدخولُ فيها، وإنّما يمكن التعارضُ بين الطائفين وبين العاكفين والمصلّين تطوّعًا.

وإذْ كان المسجد ــ بحمد الله ــ واسعًا، وسيزداد سعةً، فإنّما يقع التعارض في المطاف، كما إذا كثُر الطائفون، وكان في المطاف عاكفون ومصلّون تطوّعًا، وضاق المطاف عن أن يسعَهم جميعًا بدون حرجٍ ولا خلل.

فإن قُدِّم بقرب البيت العاكفون والمصلّون، وقيل للطائفين: طوفوا من ورائهم، كان هذا تأخيرًا لمن قدّمه الله، ولزم منه

(2)

الحرج على الطائفين، لطول المسافة عليهم، مع أنّ الطواف يكون فرضًا في الحجّ والعمرة، وإذا خرج العاكفون والمصلّون عن المطاف، وأدّوا عبادتهم في موضع آخر من المسجد، زال الحرجُ والخللُ البتّة.

* * * *

(1)

أخرجه مسلم (1218) ضمن حديث جابر الطويل.

(2)

ط: "فيه"، والتصويب من المخطوطة.

ص: 441

منذ بعث الله تعالى نبيّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يزل عدد المسلمين يزداد عامًا فعامًا، وبذلك يزداد الحُجّاج والعُمّار، ومع ذلك فقد توفّرت في هذا العصر أسبابٌ زاد لأجلها عدد الحجّاج والعمّار زيادةً عظيمة.

منها: حدوث وسائط النقل الأمينة السريعة المريحة.

ومنها: الأمن والرّخاء الّلذان لا عهدَ لهذه البلاد بهما، ولذلك زاد عدد السّكان والمقيمين زيادةً لا عهدَ بها.

ومنها: الأعمال العظيمة التي قامت وتقوم بها الحكومة السعودية لمصلحة الحجّاج، بما فيها تعبيد الطُّرق، وتوفير وسائط النقل، والعمارات المريحة، كمدينة الحُجّاج بجُدّة، والمظلاّت بمنًى ومزدلفة وعرفة، وتوفير المياه، وكلّ ما يحتاج إليه الحجّاج في كلّ مكان، وإقامة المستشفيات العديدة، والمَحْجَر الصحي الذي قضت به الحكومة السعودية على ما كانت بعض الدول تتعلّل به لمنع رعاياها عن الحجّ أو تصعيبه عليهم، والعمارة العظمى للمسجد النبوي، والتوسعة الكبرى الجارية الآن

(1)

للمسجد الحرام، وغيرُ ذلك ممّا زاد في رغبة المسلمين من جميع البلاد في الحجّ.

فزاد عدد الحجّاج في السنين الماضية، ويُنتظَر استمرار الزيادة عامًا فعامًا، لذلك أصبح المسجد ــ على سعته ــ يضيق بالمصلّين في كثيرٍ من أيّام الجُمَع في غير موسم الحجّ، فما الظنُّ به فيه؟

فوفّق الله تعالى جلالة الملك المعظّم سعود بن عبد العزيز ــ أطال الله عمره في صالح الأعمال ــ لتوسعته، والعمل فيه جارٍ.

(1)

محرم سنة 1378 هـ[المؤلف].

ص: 442

وأشدُّ ما يقع الزّحام في الموسم: في المطاف، وتنشأ عن ذلك مضارُّ تلحقُ الأقوياءَ، فضلاً عن الضعفاء والنساء، ويقع الخلل في هذه العبادة الشريفة ــ وهي الطواف ــ؛ لزوال ما يُطلَب فيه من الخشوع والخضوع والتذلُّل، وصدق التوجّه إلى الله عز وجل؛ إذ يهتمُّ كلُّ من وقع في الزّحام بنفسه.

وقد يكون مع الرجل القويّ ــ أو الرجلين ــ ضعيفٌ أو امرأة أو أكثر فيحاول القويّ أن يدفع الزّحام عن نفسه وعمّن معه، فيدفع من بجنبه وأمامه ليشقّ له ولمن معه طريقًا على أيّ حالٍ، فيؤذي بعضهم بعضًا، وربّما وقع النزاع والخصام والضرب والشتم، ويقع زحام الرّجال للنساء، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :"إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم"

(1)

، وقد رأينا من النّاس من يُسِيء بغيره الظنّ، وربّما أدّى ذلك إلى الإيذاء بالدّفع والشّتم، وربّما بالضرب.

ومن المعلوم أنّ صحة الطواف لا تتوقّف على أدائه في المطاف، وإنّما شرطه أن يكون في المسجد، لكن جرى العمل على أن يكون في المطاف، ولو مع الزّحام؛ لأسباب:

منها: أنّ خارج المطاف غير مهيّأ للطواف فيه بغير حرج.

ومنها: أنّ غير الطائفين يقفون ويجلسون ويسلُكون وراءَ المطاف وعند زمزم، فيشقُّ على الطائفين تخلُّل تلك الجموع.

ومنها: أنّ من أهل العلم من يشترط لصحّة الطواف في المسجد أن لا

(1)

أخرجه البخاري (2038، 2039) ومسلم (2175) من حديث صفية بنت حُيي.

ص: 443

يحول بين الطّائف والكعبة بناءٌ ونحوه، وممّن ذكر ذلك صاحب "الفروع"(ج 2 ص 390)

(1)

.

وإزالة هذه العوائق إنّما تتمّ بتوسعة المطاف.

فلم يكن بُدٌّ من توسعة المطاف، والعمل بذلك جارٍ، ولله الحمد.

إنّ أضيق موضعٍ في المطاف هو ما بين المقام والبيت، ويزداد ضِيقُه بالنّاس شدّة؛ لقربه من الحجر الأسود والمُلتزم، حيث يقف جماعةٌ كثيرة للاستلام والالتزام والدعاء.

وإذا كانت توسعة المطاف مشروعةً، فتوسعة ذلك الموضع مشروعةٌ، وما لا يتمُّ المشروع إلاّ به ــ ولا مانعَ منه ــ فهو مشروع.

يرى بعضُ أهل العلم أنّ هذا منطبقٌ على تأخير المقام، وأنّ التوسعة المطلوبة لا تتمّ إلاّ به.

فأمّا ما يقوله بعضهم من إمكان طريقة أُخرى لتوسعة المطاف في تلك الجهة أيضًا مع بقاء "المقام" في موضعه، وذلك بأن يُحدّد موضعٌ يكفي المصلّين خلفَه، ويُوسّعَ المطافُ من وراء ذلك توسعةً يكون مجموع عرضها وعرض ما بين المقام والبيت مُساويًا لعرض المطاف بتوسعته في بقيّة الجهات، فإذا كثُر الطائفون سلك بعضُهم أمام المقام كالعادة، وسلك بعضُهم في التوسعة التي خلفه، وخلف موضع المُصلّين فيه= ففي هذه الطريقة خلَلٌ من أوجهٍ:

الأوّل: أنّها مخالفةٌ لعمل مَن عملُهُ حُجّة؛ فإنّ موضع المقام في الأصل

(1)

(6/ 37) ط. مؤسسة الرسالة.

ص: 444

بلصق الكعبة، وسيأتي إثباته.

فلمّا كَثُر النّاس في عهد عمر رضي الله عنه، وصار بقاءُ المقام بجنب الكعبة ــ ويصلّي الناس خلفَه ــ مظنّةَ تضييقِ المطاف على الطائفين= أخّرهُ ليبقى ما أمامه للطائفين مُتّسعًا لهم، ويخلو ما وراءه للمصلين، وأقرّه سائر الصحابة رضي الله عنهم، فكان إجماعًا، وهو حُجّة.

وقيل: إنّ النّبي صلى الله عليه وسلم هو الّذي أخّرَ المقامَ للعلّة نفسِها.

وأيًّا ما كان فهو حجّة، وكان ممكنًا حينئذٍ أن يبقى المقامُ بجنب الكعبة، ويُحْجَر لمن يصلّي خلفَه موضعٌ يطوف الطائفون من ورائه، ويُوسَّع لهم المطاف من خلف.

وهذا نظير الطريقة الأخرى التي يشير بها بعضهم الآن، وأبعد منها عن الخلل، وقد أعرض عنها مَن عمله حُجّة، واختار تأخير المقام عن موضعه الأصليّ.

وإذا كانت الحالُ الآنَ كالحال حينئذٍ، فالذي ينبغي هو الاقتداء بالحجّة، وتأخير المقام.

وإذا ساغ لهذه العلّة تأخيره عن موضعه الأصليّ؛ فلَأن يَسُوغ لأجلها تأخيرُه عن موضعه الثاني أولى.

الثاني: أنّ تلك الطريقة لا تفي بالمقصود؛ لأنّ حاصلها أن يكون للمطاف في ذاك الموضع فرعٌ يسلك وراء المقامِ وموضعِ المصلِّين فيه.

وهذا مظنّة أن يَحرِص أكثر الطائفين على أن يسلكوا أمام المقام كالعادة، واختصارًا للمسافة، ويَحرِص على ذلك المطوّفون، وخلف

ص: 445