الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قوله تعالى:
«وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ» معطوف على قوله تعالى: «حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ» أي وآية لهم أنا خلقنا لهم من مثل هذا الفلك، مراكب يركبونها فى البر، وهى الإبل التي تسمى سفائن الصحراء، والخيل، والبغال والحمير، وغيرها مما يركب، ويحمل عليه..
قوله تعالى:
أي أنه إذا كان من قدرة الله أن سخّر الفلك لتجرى فى البحر بأمره، فلا يغرق راكبوهم فإن من قدرته سبحانه أن يغرق هذه السفن، بمن فيها من أولاد وأموال، فلا يجدون من يسمع لهم صراخا، أو يستجيب لهم، أو يقدر على إنقاذهم إن سمع واستجاب.. فهم هلكى لا محالة، إلّا أن تتداركهم رحمة الله، وإلا أن تكون لهم بقية من أجل..
فقوله تعالى: «إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ» استثناء من قوله تعالى:
«فَلا صَرِيخَ لَهُمْ» أي لا ينقذهم منقذ أبدا إلا رحمة الله، وما لهم من أجل لم ينته بعد..
الآيات: (45- 54)[سورة يس (36) : الآيات 45 الى 54]
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (46) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَاّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (47) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (48) ما يَنْظُرُونَ إِلَاّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49)
فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِنْ كانَتْ إِلَاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54)
التفسير:
قوله تعالى:
«وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» .
لا تزال الآيات الكريمة، تلقى المشركين بالوعيد والتهديد، بعد أن عرضت عليهم من مشاهد قدرة الله ما فيه عبرة لمعتبر، ولكنهم ذوو أعين لا تبصر، وآذان لا تسمع، وقلوب لا تلين..
فإذا دعوا إلى أن يتقوا الله فيما بين أيديهم من نعم، يستقبلونها من الله، وما خلفهم من نعم أفاضها الله عليهم، لعلهم ينالون رحمة الله، ويدخلون فى عباده المتقين- إذا قيل لهم هذا القول، لم يقفوا عنده، ولم يلتفتوا إليه،
ومضوا على ما هم عليه من كفر بنعم الله ومحادّة له..
وجاء القول بصيغة البناء للمجهول «قِيلَ» ، للإشارة إلى أنهم لا يقبلون هذا القول الذي يدعوهم إلى تقوى الله، لا لأن رسول الله هو الذي يدعوهم إليه، وإنما لأن طبيعتهم لا تقبله، من أية جهة تأتهم به، ومن أي إنسان يدعوهم إليه..
وحذف جواب الشرط «إذا» لدلالة حالهم عليه.. فهم على إعراض أبدا عن كل خير، وحق، وإحسان..
وقوله تعالى:
«وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ» .
هو مما يشير إلى جواب الشرط فى الآية السابقة.. فهو حكم عليهم بأنهم لا يلتقون بآية من آيات ربهم، إلا أعرضوا عنها، مكذبين بها، ساخرين منها..
قوله تعالى:
وهذه آية من آيات الله، تدعوهم إلى خير، وإلى بر وإحسان، بأن ينفقوا مما رزقهم الله- فماذا كان جوابهم على هذه الدعوة من صاحب الأمر، وصاحب الرزق؟. كان جوابهم هو:
وهذا جواب خبيث ماكر، يكشف عن كفر غليظ..
إنهم فى سبيل الغلب بالمماحكة والجدل، يؤمنون بالله، ويؤمنون بمشيئته فى خلقه، وبتصريفه المطلق لكل أمر.. فيقولون ردّا على قول الله أو الرسول أو المؤمنين لهم:«أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ» - يقولون: «أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ؟» إن تلك هى مشيئة الله فى هؤلاء الجياع الذين ندعى إلى إطعامهم..
إن الله أراد لهم أن يجوعوا، ولو أراد أن يطعمهم لأطعمهم.. فإنه قادر، وخزئنه لا تنفد!! فلم يدعوننا نحن إلى إطعامهم، وهو القادر، ونحن العاجزون، وهو الغنى ونحن الفقراء؟ إن أنتم أيها المؤمنون «إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» ! لا تعرفون الله، ولا تقدرونه قدره!!.
وهذا الرد من المشركين، هو ردّ من خذله الله، وأضله على علم.. فهم إذ يدعون إلى الإيمان بالله، لا يسمعون، ولا يعقلون.. وهم إذا دعوا إلى ما تقتضيه دواعى المروءة الإنسانية، من الإحسان إلى إخوانهم الفقراء، يقيمون من الله، ومن علمه وقدرته حجة كيدية، يبطلون بها الدعوة التي يدعون إليها..
ولو أنهم كانوا مؤمنين بالله، معترفين بمشيئته فى خلقه، لاستجابوا لما يدعوهم الله إليه، من الإنفاق فى سبيل الله..
وفى الإظهار بدل الإضمار فى قوله تعالى: «قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا» بدلا من قالوا- كشف عن الوصف الذي هو ملتصق بهم، وهو الكفر..
قوله تعالى:
«وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» .
الوعد: هو يوم القيامة، الذي يعدهم الرسول به، ويدعوهم إلى الاستعداد للقائه.
وسؤال المشركين عن موعد هذا اليوم، هو على سبيل التكذيب به،
والإنكار له.. لا سؤال الذي جهل، ويريد أن يعرف.. ولهذا فهم يعقبون على هذا السؤال بقولهم:«إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» .. وقولهم هذا للنبى والمؤمنين معه.. هو قول الشاك فى صدق من يسأله، بل هو قول من يتهم وينكر.
قوله تعالى:
«ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ» أي ما ينظر هؤلاء المشركون المكذبون بيوم القيامة، إلّا صيحة واحدة تطلع عليهم من حيث لا يحتسبون، فتأخذهم وهم فى هذا الجدل والاختصام فيما يشغلهم من أمور دنياهم، وفيما يختصمون فيه مع المؤمنين فى أمر هذا اليوم..
والصيحة هى صيحة الموت العام، أو الخاص..
قوله تعالى «فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ» .
أي أن هذه الصيحة التي تنزل بهم، إنما تأتيهم بغتة، فلا تدع لهم سبيلا إلى أن يتصرفوا قى شىء مما فى أيديهم، أو أن يوصوا بشىء منه إلى من يودون إيثاره بشىء مما كانوا يحرصون عليه، وقد أوشك أن يفلت من أيديهم، كما لا يستطيعون أن يرجعوا إلى أهلهم وأموالهم بعد موتهم.. أو أنهم لا يستطيعون أن يرجعوا إلى أموالهم وأهليهم، إذا جاءهم الموت، وهم فى مكان بعيد عنهم.. إن الموت لا ينتظر هم لحظة واحدة، إذا جاء أجلهم..
قوله تعالى:
«وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ» .
وإذا كان هؤلاء المقبورون من المشركين، لا يرجعون إلى أهليهم،
فإنهم سيرجعون إلى الله، وسيلقون جزاء ما كانوا يعملون.. فكما ماتوا بصيحة واحدة، فإنهم سيبعثون كذلك بنفخة واحدة.
والصور: هو قرن ينفخ فيه، فيحدث صوتا عاليا..
والأجداث: جمع جدث، وهو القبر.
وينسلون: أي يخرجون مسرعين من القبور.
قوله تعالى:
«قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا؟ هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ» .
وتأخذ المفاجأة المشركين والكافرين، لأنهم كانوا لا يتوقعون نشورا، فيفزعهم هذا البعث، ويتنادون بالويل.. لأنهم لا يدرون ماذا يراد بهم فى هذا العالم الجديد الذي أخذوا إليه؟ ويأخذهم العجب من تلك اليقظة التي أخرجتهم من هذا النوم الطويل.. «مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا» ؟ ويجيئهم الجواب:«هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ» .. هذا ما كنتم به تكذبون! قوله تعالى.
«إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ» .
«صيحة» خبر كان منصوب، واسمها ضمير يعود على الصيحة فى قوله تعالى:«ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ» .. أي ما كانت الصيحة إلا صيحة واحدة، أخرجتهم من قبورهم، ثم جمعتهم فى المحشر بين يدى الله..