الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآيات: (8- 18)[سورة الزمر (39) : الآيات 8 الى 18]
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (8) أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (9) قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (10) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12)
قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (15) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (16) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (17)
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (18)
التفسير:
قوله تعالى:
«وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ
ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ» .
خوله نعمة: أي ساق إليه نعمة، وألبسه إياها.. وأصل اللفظ من الخال الذي يزين المرأة.. ومن حق نعم الله التي تلبس عباده أن تكون زينة كمال وجمال لهم..
ومناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن الآية السابقة عليها، قد حثّت عباد الله المؤمنين، على أن يطلبوا رضا الله بالشكر له، على ما أنعم عليهم من نعم، أجلّها الإيمان الذي هداهم إليه..
وفى المؤمنين، من لا يشكر الله، ولا يؤدى ما لنعم الله عليه من واجب الشكر للمنعم..
وفى المؤمنين، من لا يذكر الله وهو فى حال من النعمة والعافية، ولكن إذا مسّه ضر ضرع إلى ربه، ورجع إليه، ودعاه لكشف الضر عنه.. فإذا استجاب الله سبحانه له، وكشف ما به من ضر، نسى هذا الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه من قبل، ونسى ربه، وإحسانه إليه.
وهذا الإيمان، على صورته تلك- هو ضرب من النفاق، وصورة من صور المكر بالله.. والله سبحانه وتعالى قد توعد الذين يمكرون بآياته، وفى هذا يقول سبحانه:«وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ.. ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ» (11: الحج) .
وقوله تعالى: «قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا.. إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ» - تهديد ووعيد بالعذاب الأليم فى الآخرة، لهذا الذي يعرف الله فى الشدة، وينكره فى الرخاء.. فهو فى الشدة يعرف ربّا يطرق بابه، وهو فى الرخاء لا يعرف وجه ربه.. وفى الأثر:«من عرف الله فى الرخاء عرفه الله فى الشدة» ..
وحسن أن يعرف الإنسان ربه فى الشدة، ويفزع إليه، ويطرق باب فضله وإحسانه، ويدعوه لكشف الضر عنه.. فذلك من إيمان المؤمن بربه وثقته فيه، وطمعه فى رحمته..
وأحسن الحسن أن يعرف الإنسان ربه فى الرخاء، ويسبح بحمده، ويشكر له، ويذكر نعمه وإحسانه إليه.. فذلك إقرار من المؤمن بسلطان ربه، وبقيومته على هذا الملك، وعلى كل ما يجرى فيه..
وذلك هو الإيمان، وتلك هى حال المؤمن حقا، إن أصابه خير حمد وشكر، وإن أصابه ضرّ رضى وصبر، وفى الأنبياء والمصطفين من عباد الله الأسوة والقدوة..
والتمتع بالكفر، هو الحياة معه على ذلك الوجه الذي يزين فيه الكفر لأهله، كل منكر، فلا يتقيد صاحبه بأى قيد، ولا يرتبط بأى التزام أدبى، أو خلقى، أو إنسانى، قبل الله أو قبل الناس..
فليتمتع الكافر بهذه الحياة البهيمية التي يدعوه إليها كفره.. إنه من أصحاب النار.. وإنه لا بأس أن ينال من يقدّم للقتل ما تشتهى نفسه؟؟
قوله تعالى:
«أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا
رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ.. إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ»
..
أي أهذا الذي يمكر بالله، فإذا أصابه ضرّ لجأ إليه، وإذا كشف الضرّ عنه نسى ربه، ومرّ كأن لم يدعه إلى ضرّ مسّه- أهذا، أم ذلك الذي هو على ذكر دائم لربه فى السراء والضراء جميعا؟ ..
أهذا الذي لا يذكر ربه إلا عند الشدّة، أم هذا القانت فى محراب صلاته بين يدى ربه، القائم فى ولاء وخشوع، يقطع الليل ساجدا، وقائما، وهو بين خوف من عذاب الله، وطمع فى رحمته.. فإذا ذكر عذاب الله طلب السلامة من هذا العذاب بالاستغفار، وإذا ذكر رحمة الله، أنس بالرجاء فى مغفرته ورضوانه فلهج بالحمد والشكر؟ .. أيستوى هذا الحامد الشاكر فى السّرّاء والضراء، وهذا الجاحد الغافل؟
وفى توقيت القنوت بالليل، إشارة إلى المعاناة التي يجدها المؤمن فى طاعة ربه، حيث يهجر النوم بالليل ويقهر سلطانه.. وفى هذا يقول الله تعالى:
«إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا» (6: المزمل) ويقول سبحانه فى الثناء على عبّاد الليل، وما لهم من جزاء عظيم عنده:«كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» (17- 18: الذاريات) .
وقوله تعالى: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ» ..
كان مقتضى السياق أن تجىء المفاضلة بين المؤمن والكافر، أو بين من يذكر الله ومن لا يذكره، فيقال مثلا: هل يستوى المؤمنون
والكافرون؟ أو هل يستوى من يذكر الله ويشكر له، ومن يكفر بالله ويمكر به؟.
ولكن جاءت المفاضلة بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، للإشارة إلى أن العلم، هو الذي تقوم عليه قيم الناس، وتثقل أو تخفّ به موازينهم، فى أي أمر من أمور الدنيا، أو الدين..
ففى الإيمان بالله، تكون التفرقة بين المؤمن وغير المؤمن قائمة أساسا على العلم وعدم العلم، فمن آتاه الله علما، انكشف له بالعلم الطريق إلى الله، فآمن واتّقى.. وإنه بقدر علمه يكون مبلغ إيمانه وتقواه.. والله سبحانه وتعالى يقول:«إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» (28: فاطر) .. ومن جهل، فمن أين تأتيه المعرفة بربه؟ ومن أين يقع فى قلبه الخشوع لجلاله والولاء لسلطانه، والخشية من بأسه وعقابه، وهو لا يعرف لله جلالا، ولا سلطانا ولا بأسا؟.
وليس المراد بالعلم هنا، هو العلم النظري التجريدى، وإن كان لهذا العلم خطره وأثره، فى توسيع المدارك، وشحذ الملكات، وإنما المراد هو العلم الذي يجلو عمى البصائر، ويرفع الغشاوة عن القلوب.. فهذا العلم هو ثمرة كل علم نافع، وحصيلة كل معرفة طيبة..
وقوله تعالى: «إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ» - هو تعقيب على هذا الحكم الذي تضمنه قوله تعالى: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ» الذي يفرق بين من يعلم ومن لا يعلم.. فمن علم، كان ذا لبّ وفهم، وكان على بصيرة من أمره، فيتذكر ويتدبر، ويهتدى إلى الحقّ، وإلى سواء السبيل.. ومن جهل، كان فى ضلال وعمى، فلا
يقف عند عبرة، ولا يلتفت إلى موعظة، بل يمضى فى طريق الضلالة إلى غايته..
والله سبحانه وتعالى يقول: «أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى.. إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ» (19: الرعد) .
قوله تعالى:
هو نداء من رب كريم إلى عباده الذين آمنوا به، واستجابوا لرسوله، بعد أن سمعوا آيات ربّهم، وعرفوا مواقع الحق منها.. وفى هذا النداء الكريم يستدعيهم ربهم إليه بالتقوى التي تقربهم منه، وتدنبهم من رحمته وإحسانه..
فالإيمان هو أول خطوة إلى الله.. والوقوف عند هذه الخطوة تقصير بالإيمان وتعطيل لمعطياته التي كان جديرا بالمؤمن أن يحصل عليها بإيمانه.. والعمل بهذا الإيمان، والغرس فى مغارسه هو الذي يحقق للمؤمن الوصول إلى الله، وإلى مواقع رحمته ورضوانه.. وفى هذا يقول سبحانه:«إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ» (9: يونس) .. فالإيمان مصباح يضىء للمؤمن الطريق إلى ربه.. والعمل الصالح هو الزيت الذي يمدّ هذا المصباح بالوقود الذي تظلّ به شعلته متقدّة مضيئة أبدا..
وقوله تعالى: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ» - إشارة إلى أن الأعمال، الحسنة، تعطى ثمرة حسنة معجلة فى هذه الدنيا إلى ما تعطيه من حسنات كثيرة فى الآخرة.. فالعمل الحسن هو حسن فى ذاته، لا يجىء منه إلا ما هو حسن.. وهذا من شأنه أن يضمن للمحسنين حياة طيبة معه فى الدنيا- مع صرف النظر- عما يكون له من آثار طيبة فيما وراء هذه الدنيا.. وبهذا.
الحساب يرى المحسنون أنهم غير مغبونين فى تعاملهم بالإحسان فى دنياهم، وأنهم- وبصرف النظر عن الحياة الأخرى، وبمعزل عنها- ينالون بإحسانهم حياة طيبة، ويجدونها فى راحة الضمير، وصفاء النفس، وإن لم يجدوها فيما يحصّلون من متاع مادى، وشهوات عاجلة لا تلبث أن تخمد، فلا يجد المرء لها أثرا..
وفى إفراد كلمة «حسنة» وتنكيرها، إشارة إلى أن ما يجزى به المحسنون بإحسانهم فى الدنيا، هو قليل قليل بالإضافة إلى ما يجزون به فى الآخرة..
وقوله تعالى: «وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ» - إشارة إلى أن المؤمن قد لا يجد فى مكان ما سبيلا إلى العمل، وإلى الغرس فى مغارس الإحسان، حيث تكون الأرض التي يعيش فيها أرضا خبيثة، لا تمسك ماء، ولا تنبث نباتا.. وهنا ينبغى على المؤمن أن يتحول عن هذه الأرض، إلى غيرها، مما هو طيب صالح.
فأرض الله واسعة، وكما أن فيها الخبيث النكد، ففيها الطيب الكريم..
وفى هذا، دعوة للمؤمنين الذين كانوا يعيشون فى مكة قبل الهجرة، محاصرين من المشركين، لا يستطيعون أن يعطوا إيمانهم حقه، ولا أن يفجروا ينابيع الخير منه- فى هذا دعوة لهم أن يتحولوا عن هذا الموقع من الأرض إلى أرض أخرى، حيث تطيب فيها مغارسهم، وحيث يرفعون مصابيح الهدى التي بين أيديهم، فتملأ الدنيا من حولهم هدى ونورا.. وقد كان، فهاجر المؤمنون
إلى المدينة، وفى هذا المكان الطيب من الأرض سطح نور الإسلام، ودخل الناس فى دين الله أفواجا..
وقوله تعالى: «إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ» - دعوة للمؤمنين إلى الصبر، الذي هو ملاك كل أمر يراد منه الخير الكثير الدائم الذي لا ينقطع..
إن كل ثمرة إنما تكون قيمتها بقدر ما يبذل فيها من جهد، وما يحتمل فى سبيلها من عناء ومعاناة.. ومن طلب ثمرة بلا عمل، فقد طلب ريّا من سراب! وفى قوله تعالى:«بِغَيْرِ حِسابٍ» - إشارة إلى أن جزاء الصبر جزاء عظيم، وأن ميزان العمل الذي يجىء فى أعقاب الصبر يرجح جميع الأعمال كلها، حيث ينال الصابر جزاء صبره، ما يشاء من فضل وإحسان، بلا حساب! قوله تعالى:
«قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ.. وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ» هو بيان لحال النبي فى هذه الدعوة التي حملها إلى الناس من ربه، وأنه مأمور من الله، بما يأمر الله به عباده جميعا.. فهو والناس فى هذا الأمر السماوي على سواء، فلا استثناء لأحد فى هذا القانون، كما يقع ذلك فى القوانين الوضعية، التي ترفع السلطان عن الخضوع للقانون العام الذي تخضع له الرعية.. بل وأكثر من هذا، فإن صاحب الدعوة- صلوات الله وسلامه عليه- يتلقى هذه الدعوة من ربه فى صورة أمر وإلزام، على حين يتلقاها الناس مجرد دعوة لا إلزام فيها، ولا إكراه معها.. «إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ» .
وفى قوله تعالى: «وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ» - إشارة إلى أن رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- هو أول المسلمين: خضوعا لسلطان
الله، وامتثالا لأمره، يسلم إليه وجوده، وتخلص له ولاءه.. وأنه- صلوات الله وسلامه عليه- القدوة للمسلمين فى طاعة ربه، وفى اتقاء حرماته، وأنه- وهو سلطان المؤمنين- أكثر المؤمنين عبادة لله، واجتهادا فى عبادته، واتقاء لحرماته، وخوفا من عقابه.. إنه عبد من عباد الله. وأفضل عباد الله، وأكرمهم عنده، وأقربهم إليه، من كان أعرفهم به، وأكثرهم طاعة وولاء له.. فمن أراد من المؤمنين أن يكون أقرب إلى الله، فليكن فى طاعة لله، فإنه كلما ازداد طاعة ازداد قربا..
قوله تعالى:
«قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ» وشأن عباد الله فى طاعته، شأنهم فى معصيته.. فكما أنه من ازداد طاعة لله، ازداد قربا منه، كذلك من أقام أمره مع الله على معصيته، والخروج عن أمره، والاجتراء على محارمه- كلما ازداد معصية لله، ازداد بعدا عنه، وتعرضا لسخطه وعذابه.. حتى الأنبياء، وحتى سيد الأنبياء، رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- إنه لو عصى الله- وحاشاه- فهو محاسب بهذا الحساب..
وهكذا شريعة الله.. وهكذا عدل الله: «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى» (31: النجم) قوله تعالى:
«قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي.. فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ» هذا هو حال النبي- صلوات الله وسلامه عليه- مع ربه.. إنه على العبادة الخالصة لله، لا يلتفت إلى غيره. ولا يدين لسواه. أما أنتم أيها
المشركون فلكم ما تشاءون من معبودات تعبدونها من دون الله.. «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ» (6: الكافرون) فكلّ محاسب بما يدين به، وكل مجزىّ بما يعمل:«لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ» (25: سبأ) قوله تعالى:
«قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ.. أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ» إن العبرة فى الريح أو الخسارة، هى فى الحساب الختامى، الذي يسوّى فيه حساب الإنسان.. أما هذا الحساب اليومي فى هذه الدنيا، فإنه لا يكشف عن المركز الصحيح للإنسان..
هكذا يعرف الناس شئونهم فى هذه الدنيا. إنهم يقيمون موازين حياتهم لا على لحظه عابرة، ولا على يوم يعيشون فيه، وإنما ينظرون إلى الغد، وما بعد الغد.. وحياتهم الدنيوية، هذه- لو عقلوا- لحظة من لحظات حياتهم الممتدة إلى ما وراء هذه الحياة، وأنها ليست إلا يوما، أو بعض يوم.. وإنه لضلال مبين أن يقيم المرء حسابه كله على ميزان يوم أو بعض يوم، حتى إذا طلع عليه صح يوم جديد، ولم يكن قد عمل له حسابا، وجد نفسه ولا شىء معه. وهنا يكون الندم، ويكون الخسران..
والخاسرون حقا، هم أولئك الذين أقاموا ميزانهم على هذه الحياة الدنيا، ولم يجعلوا للآخرة حسابا.. إنهم يجيئون إلى الحياة الآخرة، وقد صفرت أيديهم من كل خير يجدونه فى هذا اليوم، بل سيجدون ديونا كثيرة هم مطالبون بها، ولا يقدرون على أداء شىء منها، إلا الحبس فى جهنم، وفاء لهذه الديون! والسؤال هنا: إذا خسر المجرمون أنفسهم، وأوردوها موارد الهلاك يوم
القيامة، فكيف تكون خسارتهم لأهليهم فى هذا اليوم؟
والجواب- والله أعلم- من وجهين:
الوجه الأول: أن أهل الضلال لا يلتقى بعضهم ببعض يوم القيامة إلا على عداوة وخصام، وإلا على قطيعة ونفور.. كما يقول الله تعالى:«ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ» .
(25: العنكبوت) .
فأهل الضلال بعضهم فتنة لبعض، ومن هنا يقع بينهم يوم القيامة هذا الخصام، وتلك العداوة، ومن هنا يلتفت الضالّ، فلا يجد حوله فى جهنم إلا وجوها كالحة تلعنه، وترمى إليه بالعداوة، ممن كانوا هم أقرب الناس إليه فى الدنيا من أهل وصديق.
والوجه الثاني: أن خسارة الضال لأهله يوم القيامة، هو تفرقهم عنه، فلا يلتقى بهم إذا كانوا فى الجنة، أما إذا كانوا فى جهنم فإن لقاءه بهم حسرة وبكاء وعويل.. على خلاف لقاء المؤمنين، حيث يجمعهم الله بأهليهم، وبإخوانهم من أهل الجنة، فيتضاعف لذلك سرورهم، نعيمهم، كما يقول سبحانه:«وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ» (21: الطور) وكما يقول سبحانه عن أهل الإيمان: «ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ» (70: الزخرف) .
قوله تعالى:
«لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ.. ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ.. يا عِبادِ فَاتَّقُونِ» هذا هو الذي يلقاه أهل الضلال فى الآخرة تغشاهم النار، وتشتمل عليهم، من فوقهم، ومن تحت أرجلهم.. كما يقول سبحانه:
«لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ» (41 الأعراف) والظلل جمع ظلة، وهى ما يستظل به وفى التعبير عن النار بالظلل، مع أن الظلل يتقى بها وهج الشمس- إشارة إلى أن النار المسلطة على أهل النّار لا تتّقى هناك إلا بنار من النار..
إذا استصرخ أهلها، كان الصريخ لهم بعضا منها، وقطعا من شواظها..
وفى هذا بلاء إلى بلاء، وعذاب إلى عذاب.. حيث تتضاعف البلوى بهذا الطارق الجديد، الذي كان موضع أمل ورجاء.. وفى هذا يقول المتنبئ:
إذا استشفيت من دء بداء
…
فأقتل ما أعلّك ما شفاكا
والظلل التي من تحت أهل النار هى نار، يمشون على شواظها، فلا ينتقلون إلا من نار إلى نار، فحيثما وضعوا أرجلهم كانت النار تحتها، فلا ظلّ يمشون عليه إلا هذه النار الجاحمة التي يضعون أقدامهم عليها.
وقوله تعالى: «ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ» .. أي هذا العوض لأهوال جهنّم- أعاذنا الله منها- وما يلقى فيها أهلها من هذا العذاب الأليم- هو تحذير من الله لعباده، وتخويف لهم من هذا المورد الوبيل، وهم فى هذه الدنيا، ليأخذوا لذلك حذرهم، وليعملوا على توقّيه، بالإيمان بالله واتقاء محارمه، ولهذا جاء قوله تعالى:«يا عِبادِ فَاتَّقُونِ» تعقيبا على هذا التحذير، وإلفاتا إلى طريق السلامة والنجاة من هذا البلاء الراصد، وذلك بتقوى الله. فالتقوى هى مركب النجاة من هذا الطوفان الجهنّمى، الذي يحتوى بأمواجه المتلاطمة كلّ من لم يكن فى هذا المركب! وفى قوله تعالى:«يا عِبادِ» نداء من رب كريم إلى عباده، ليأخذوا طريقهم إليه سبحانه وتعالى، حيث الأمن والسلامة والنعيم والرضوان.
والفاء فى قوله تعالى: «فَاتَّقُونِ» هى فاء الفصيح، والتفريع، وهى تفصح عن كلام محذوف.. أي قد بينت لكم ما ينتظر الذين لا يؤمنون بي، ولا يتقون محارمى، من بلاء شديد وعذاب أليم، فاتقون، أنتم حتى لا تقعوا تحت طائلة نقمتى وعذابى..
قوله تعالى «وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ.. لَهُمُ الْبُشْرى.. فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ» هو تعقيب أيضا على هذا العرض الذي عرضت فيه جهنم وأهلها، وما يلقون فيها..
وفى هذا التعقيب بيان شارح للطريق الذي يعدل بالناس عن الطريق الجهنمى، إلى طريق النجاة والفوز بجنات النعيم..
فمن اجتنب الشرك بالله، وأخلى يديه، وقلبه، من هذه المعبودات المخلوقة لله، أو المصنوعة بأيدى الناس- من اجتنب هذه المعبودات ابتداء، أو تاب إلى الله من بعد شركه، وأخلص لله عبادته، فله البشرى بالنجاة والفوز برضوان الله..
وقوله تعالى: «فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ» أي أن هذه البشرى بالنجاة والفلاح إنما ينالها عباد الله الذين يستضيئون بنور الله ويتدبرون ما يقع لأسماعهم من كلمات، فيميزون الخبيث من الطيب، والضلال من الهدى، ثم يؤدّيهم هذا إلى أن يستجيبوا لكل ما هو طيب، وأن يتبعوا كل ما هو هدى ورشاد.. فإنهم إن فعلوا ذلك كانوا من عباد الله المهتدين، الذين إذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه، وأخذوا طريقهم المستقيم، السالك بهم إلى جنات