الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ»
بين الأمرين- إشارة إلى أن هذه الأوامر ليست تكليفا، كما هو الشأن فى الأمر، وإنما هى دعوة إلى تناول هذا العطاء الكريم من ربّ كريم، إلى عبده الصابر الشكور.. فهذان الأمران، يحملان هبات من عند الله، كما يحمل الخبر فى قوله تعالى:«وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ» ..
فإن قوله تعالى: «ارْكُضْ بِرِجْلِكَ» يحمل إليه الشفاء والعافية، وقوله تعالى:
«وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ» يحمل إليه الوفاء بيمينه، ويدفع عنه الحرج.. إذ كان قد حلف وهو فى حال مرضه أن يضرب امرأته، مائة سوط على أمر خرجت به عن رأيه.. وكان من لطف الله به وبامرأته، أن جعل تحلّة يمينه بأن يضربها بعرجون يحمل مائة أو أكثر من الشماريخ!!
الآيات: (45- 54)[سورة ص (38) : الآيات 45 الى 54]
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (47) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (48) هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49)
جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (52) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (53) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (54)
التفسير:
قوله تعالى:
«وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ» .
أي واذكر- أيها النبىّ- وأنت تدعو نفسك إلى الصبر على ما تكره من قومك- اذكر فيمن تذكر من عبادنا الصالحين، إبراهيم وإسحاق ويعقوب.. فهؤلاء من ذوى الأيدى العاملة فى كل مجال للخير والإحسان، ومن ذوى الأبصار الكاشفة عما فى هذا الوجود من بعض جلال الله، وعظمته، وعلمه، وقدرته.. إنهم لم يؤنوا ملكا وإنما أوتوا نبوّة، وهم لهذا إنما يعملون بأيديهم، ويسعون فى تحصيل معاشهم بأنفسهم، لا يملكون سلطانا يعمل لهم العاملون فيه.. ثم إن لهم إلى جانب هذه الأيدى العاملة فى الدنيا، أبصارا عاملة فى التدبّر فى ملكوت الله، والتسبيح بحمده.
قوله تعالى:
«إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ» .
هو بيان لقوله تعالى: «أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ» .. أي إننا أخلصناهم لعبادتنا، إذ أخلينا أيديهم من الملك والسلطان، فلم يشغلوا بتدبير ملكهم وحراسة سلطانهم، عن ذكرنا، وذكر لقائنا.
فقوله تعالى: «بخالصة» متعلق بقوله تعالى: «أَخْلَصْناهُمْ» .. أي نجيناهم من الفتنة بمنجاة، هى إقامتهم على تذكر الدار الآخرة.. وقوله تعالى:
«ذِكْرَى الدَّارِ» بدل من (بخالصة) ..
قوله تعالى:
«وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ» ..
أي، فهم لما أخلصناهم به، فى مقام عظيم عندنا، إنهم من المصطفين الأخيار من عبادنا..
هذا، ويلاحظ أن ذكر إبراهيم وإسحق ويعقوب، قد جاء متأخرا عن ذكر داود وسليمان وأيوب، مع أن إبراهيم، هو الأب الأكبر لهم، كما أن إسحق ويعقوب، من آبائهم الأولين..
فما سر هذا الترتيب الذي جاء عليه النظم القرآنى، مخالفا الترتيب الزمنى؟
والجواب على هذا- والله أعلم- هو:
أولا: أن داود وسليمان، وأيوب، كانوا أصحاب دنيا عريضة، إلى جانب النبوة..
فقد كان داود وسليمان ملكين، يقومان على ملك عظيم، على حين كان أيوب ذا ثراء كبير، ومال وبنين، إلى جانب نبوته أيضا..
وهذا الملك، وذلك الثراء، هما ابتلاء وفتنة حيثما وجدا، سواء أكان ذلك مع الأنبياء، أو غير الأنبياء.. وهذا يقتضى ممن يبتلى بهما أن يكون على حذر دائم، ومراقبة متصلة لنفسه، فى كل ما يأتى وما يذر من عمل.. إنه فى مواجهة الفتنة أبدا، فإذا لم يكن على حذر منها، جرفه تيارها، فكان من المغرقين..
ثانيا: لم يكن إبراهيم وإسحق ويعقوب، أصحاب مال أو سلطان- كما قلنا- ولهذا فقد خلصت نبوتهم من عوائق الفتن الدنيوية، فأخلصوا لله وجودهم ووجوههم، فلم تكن منهم زلة أو هفوة..
وثالثا: فى هذه الصورة التي تفرّق بين الأنبياء الملوك أو أشباه الملوك، وبين الأنبياء المخلصين للنبوة- يرى النبىّ صلوات الله وسلامه عليه- أين منزلته التي جعله الله فيها.. فهو صلوات الله وسلامه عليه- نبى خالص النبوة، لا تشغله الدنيا، ولا تعرض له بفتنة من فتنها.. ومن ثم فهو فى عصمة من نبوته. فلا
يذكر غير الله، ولا يلتفت إلى غير الرسالة التي فى يديه، يحوطها، ويرعاها، ويحتمل الضر والأذى فى سبيلها..
قوله تعالى:
«وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ» .
وهؤلاء ثلاثة آخرون من أنبياء الله، هم على شاكلة إبراهيم وإسحق ويعقوب.. أنبياء لم يكن لهم مع النبوة ملك أو سلطان.. فهم «من الأخيار» كما أن إبراهيم وإسحق ويعقوب من (الأخيار) ..
وليس يعنى هذا أن داود وسليمان وأيوب، لا يدخلون فى هذا الوصف الجليل.. وكلّا.. فهم أنبياء لله قبل أن يكونوا ملوكا.. ولكن الخيرية درجات..
وأنبياء الله فى مقامهم العظيم، هم درجات أيضا.. «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ» (253: البقرة) .
واليسع: هو إلياس، وهو الياسين..
وذو الكفل: هو- والله أعلم- زكريا عليه السلام، لأنه هو الذي كفل مريم، كما يقول الله تعالى:«وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا» (37: آل عمران) ..
قوله تعالى:
«هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ» .
الإشارة هنا إلى ما ذكر من حديث عن هؤلاء الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم- وفى الحديث، ذكر وموعظة، لمن يتذكر ويتعظ، فيكون بهذا من المؤمنين المتقين..
قوله تعالى:
«جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ» ..
هو بدل من «حسن مآب» .. فالمآب الحسن، هو جنات عدن، أي جنات خلود، يجدها المتقون، وقد فتحت أبوابها لهم، يدخلونها من أي باب شاءوا، دون أن يحجبهم عنها حاجب..
قوله تعالى:
«مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ» ..
الاتكاء هنا كناية عن الراحة من السعى وراء المطالب المعيشية.. فهم لا يعملون عملا فى سبيل ما يريدون.. بل إن كل شىء حاضر عتيد بين أيديهم، وما عليهم إلا أن يطلبوا فيجدوا ما طلبوا حاضرا.. إنهم يأكلون ما يشاءون، ويشربون ما يشتهون، مما كان قد فاتهم من حظوظ الدنيا.. هذا إلى ما أعدّ الله لهم، مما لم تره عين ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر..
قوله تعالى:
«وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ» ..
قاصرات الطرف: أي غاضّات البصر، حياء، وخفرا، وعفّة..
الأتراب: جمع ترب، والترب الشبيه والمثيل..
أي وبين يدى أهل الجنة حور عين، قاصرات الطرف، أي خاشعات الأبصار، حياء وخفرا، على صورة كاملة فى الجمال، والشباب.. كلهن على ميزان واحد فى الجمال، ليس فى أىّ منهن زيادة لمستريد.